Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخشية

الكاتب

أ. د/ عبد الفتاح أحمد الفاوي

الخشية

تعتبر الخشية من أعلى الدرجات التي يمكن أن يصل إليها العبد، وتقترن بالرجاء في رحمة الله تعالى، ومن وسائل الخشية عند الصوفية: لبس المُرَقَّعة، والزهد في الدنيا، وتعتمد على مراقبة النفس، والعمل الصالح.

مفهوم التصوف وحقيقته

التصوف عمل وسلوك قبل أن يكون أذكارًا وأورادًا، ومن أراد أن يسلك طريقه من رجاله فسوف يتجشم الكثير والكثير ويركب الصعب العسير؛ لأن التصوف كما يعبر عنه أحد الصوفية: "عنوة لا صلح فيها".

وقد أشار الصوفية إلى بعض الوسائل التي تساعد الصوفي على انتصاره على نفسه وهيمنته عليه، وتعينه على الخشية من الله والحرص على طاعته وتقواه ومن ذلك ضبط الحواس، ومراعاة الأنفاس.

فمراعاة الأوقات وشغلها بما يجب أن تشغل به مما يعين المرء على سيطرته على نفسه، وربما يستعين الصوفية على ذلك بالعزلة عن الناس، فيمن تكون العزلة خيرًا لهم.  

على أن من الصوفية من يكون بين الناس في عزلة عن الناس.

مفهوم الخشية وأثرها

الخشية عند الصوفية: "حال تصيب المؤمن عند قراءته النصوص التي جاءت في باب الترهيب والوعيد".

وقد وردت مادة الخشية كثيرًا [ورد في حوالي خمسين آية في القرآن الكريم بكل مشتقاتها] في القرآن الكريم منها قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ} [المؤمنون:٥٧]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك:٣]، وهي عندهم حال من مقام الخوف، والخوف: اسم لحقيقة التقوى ومعنى جامع للعبادة، وهي رحمة الله تعالى للأولين والأخرين، وقال عنها سهل بن عبد الله التستري: "الخشية سر والخشوع ظاهر".

وأكثر الناس خشيةً عند الصوفية أعرفهم بأنفسهم وربهم ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَعْرَفَكُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» [رواه الترمذي]. وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: ٢٨]، وإذ كملت المعرفة أثرت الخوف، ففاض أثره على القلب، ثم ظهر على الجوارح والصفات بالتحول والاصفرار والبكاء والغشي وقد يفضي إلى الموت، وقد يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل.

وأما ظهور أثر الخشية على الجوارح، فبكفها عن المعاصي وإلزامها الطاعات تلافيًا لما فرط واستعدادًا للمستقبل، وقد ورد: "من خاف أدلج" [رواه البخاري]، وقالوا:" ليس الخائف من بكى، إنما الخائف من ترك ما يقدر عليه" [مختصر منهاج القاصدين].

ثمرات الخشية

هذا، ومن ثمرات الخشية أنها تقمع الشهوات وتكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عند أصحابها مكروهة، وذلك كما يكره العسل من يشتهيه عندما يعرف أن فيه سمًّا، فعندئذ تحترق الشهوات بالخوف وتحل الخشية بالقلب فيذل ويستكين ويفارقه الكبر والحقد والحسد، ويفرغ كل همه في خوفه وخشيته، والنظر في خطر عاقبته.

وعندما يمتلئ القلب بالخشية لا يتفرغ لغيرها، ولا يكون له مشغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنَّة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس ومحاسبتها في الخطرات والخطوات والكلمات، ويُشَبِّهُ الصوفية من حاله ذلك من الخشية بحال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أيغفل عنه فيفلت أم يهجم عليه فيهلكه فلا يشغل له إلا ما وقع فيه.

فقوة المراقبة والمحاسبة عندهم تكون بحسب قوة الخشية والخوف وقوة هاتين تكون بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى وصفاته وبعيوب النفس وما بين يديه من الأخطار والأهوال.

وأقل درجات الخشية: ما يظهر أثره في الأعمال أن يمنع المحظورات، فإن منع ما يتطرق إليه إمكان التحريم سُمِّيَ "ورعًا"، وإن انضم إليه التجرد والاشتغال بذلك عن فضول العيش فهو "الصدق".

ومما جاء عن الصوفية في الخشية قولهم: "إن الخشية هي سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى" [تراث التستري الصوفي].

درجات الخشية

يرى الصوفية أن للخشية درجات:

درجة إفراط، ودرجة تقصير، وبينهما درجة ثالثة هي درجة الاعتدال، والمحمود منها هو: درجة الاعتدال، وهو عندهم -أي الصوفية- بمنزلة السوط للدابة، فإن الأصلح للدابة ألا تخلو عن سوط، وكما أنه ليست المبالغة في استخدام السوط بالنسبة للدابة محمودة، فإن ترك استخدامه جملة بالنسبة لها غير محمود أيضًا.

والخشية المفرطة تؤدي إلى اليأس والقنوط، فهي مذمومة؛ لأنها تمنع عن العمل وقد تؤدي إلى المرض والوله والموت وكل ذلك مذموم، لأن كل ما يرد لأمر فالمحمود منه ما يحقق المراد المقصود منه، والمذموم فيه ما يقصر عن ذلك المراد أو يتجاوزه.

فائدة الخشية

هي الحذر، والورع، والتقوى، والمجاهدة، والفكر، والذكر، والتعبد، وسائر الأسباب التي توصل إلى الله تعالى، وكل ذلك يستدعي الحياة مع صحة البدن، وسلامة العقل، فإذ قدح في ذلك شيء كان مذمومًا [الصوفية معتقد وسلوك].

وعلى هذا، فمقام الخشية والخوف ليس واحدًا بالنسبة للصوفية، فهم مختلفون فيه [تراث التستري الصوفي]، فمنهم من يغلب على قلبه خشية الموت قبل التوبة، ومنهم من يغلب على قلبه الخشية من الاستدراج بالنعم أو خشية الميل عن الاستقامة، ومنهم من يغلب عليه الخشية من سوء الخاتمة، وأعلى من هذا كله عندهم: خوف السابقة وخشيتها؛ لأن الخاتمة فرع السابقة والله تعالى يرفع من يشاء بغير وسيلة، ويضع من يشاء من غير وسيلة {لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ} [الأنبياء:٢٣]، وقد قال: «هَؤُلاءِ فِي الجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي» [رواه أحمد وابن حبان].

ويتساءل الصوفية هنا: فيمن مات من الخشية والخوف، ويجيبون على تساؤلهم بأنه: ينال الموتة على تلك الحال من الخشية، مرتبة لا ينالها لو مات من غير خوف أو خشية، إلا أنه لو عاش وترقى إلى درجات المعارف والمعاملة كان أفضل؛ لأن أفضل السعادة طول العمر في طاعة الله تعالى، فكل ما أبطل العمر والعقل والصحة فهو نقصان وخسران.

ولذلك فإن حال الخشية عند الصوفية كانوا يكرهون هذا التماوت وكانوا يحبون حياة الناس بكل ما فيها من جد وقوة في صالح العمل، حتى ليرى أحدهم أن خدمة فرسه الذي أعده للجهاد في سبيل الله ومسحه أعرافه من أجلِّ أنواع الخشية والعبادة [التصوف في الإسلام منابعه وأطواره].

هذا، والخشية تقتضي ممن يتحلى بها ومن يصل إلى حالها في نظر الصوفية أن يقول: (لا أدري) فيما لا يدري؛ لأن حسن من سكت لأجل الله نور ما كحسن من نطق لأجله بالعلم تبرعًا [قوت القلوب].

والذين هم في حال الخشية أقسام:

فمنهم الذين يخشون سكرات الموت وشدته، أو سؤال منكر ونكير، أو عذاب القبر، ومنهم من يخشى هيبة الوقوف بين يدي الله تعالى، ومنهم من يخشى العبور على الصراط، أو يخشى النار وأهوالها، أو حرمان الجنة، أو الحجاب عن الله سبحانه وتعالى.

وأعلى درجات الخشية: رتبة هي خوف الحجاب عن الله تعالى، وهي خشية العارفين وما قبل ذلك خشية الزاهدين والعابدين... وهكذا.

والصوفية بالنسبة للخشية درجات: فالمريد يخشى أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخشى أن يبتلى بالكفر، ومن الخشية عند الصوفية: الخشية من النفاق حتى قال بعضهم: "لو أعلم أني بَرِيءٌ من النفاق كان أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس"، ولم يريدوا بذلك نفاق العقائد وإنما أرادوا نفاق الأعمال كما ورد في الحديث: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]

فضيلة الخشية

فضيلة كل شيء، تكون بقدر إعانته على طلب السعادة وهي لقاء الله تعالى والقرب منه، فكل ما أعان على ذلك فهو فضيلة، قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:٤٦]، وقال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة :٨].

وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَحَاتَّتْ عَنْهُ الذُّنُوبُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنْ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا» [أورده الهيثمي في المجمع]، وفي حديث آخر: «لَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهِ مَخَافَةٌ»، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم«قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمَنَيْنِ، إِنْ آمَنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه ابن حبان]، وعن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ أَبَدًا: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [رواه الترمذي].

وكثيرة هي الأحاديث التي يوردها الصوفية في كتبهم عن الخشية وفضائلها.

والخشية والرجاء لا يمكن المفاضلة بينهما حتى قال بعضهم: إن قول القائل أيهما أفضل: الخشية أم الرجاء؟ كقوله أيهما أفضل: الخبز أم الماء؟

وأيًّا ما يكن، فالخشية والرجاء دواء وإن تداوى بهما القلوب ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإذا كان الغالب على القلب الأمن من مكر الله فالخشية أفضل، وكذلك إذا كان الغالب عليه المعصية، وإن كان الغالب على القلب اليأس والقنوط، فالرجاء أفضل، أما إذا نظرنا إلى موضع الخشية والرجاء فنستطيع أن نقول إن الرجاء أفضل؛ لأن الرجاء يستقي من بحر الرحمة والخشية تستقي من بحر الغضب.

والأفضل للمؤمن الاعتدال من حيث الخشية والرجاء، ولذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.

وقال أحد السلف: "لو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلًا واحدًا لخشيت أن أكون أن ذلك الرجل، ولو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلًا واحدًا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل"، وعلق ابن قدامة المقدسي على ذلك بقوله: "وهذا ينبغي أن يكون مختصًا بالمؤمن التقي" [مختصر منهاج القاصدين].

وينبغي -كما يقول الصوفية- أن تتساوى الخشية والرجاء في قلب المؤمن وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-: هل أنا من المنافقين؟ وإنما خشي عمر أن تلتبس حاله ويستتر عيبه عنه، فالخشية المحمودة والخوف المحمود هو الذي يحث على العمل ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا [تراث التستري الصوفي]. وأما عند نزول الموت فالأصلح للمؤمن الرجاء؛ لأن الخشية إنما طُلبت للحث على العمل وليس ثمة عمل.

مقامات الخشية وبواعثها

  يرى الصوفية أن الخشية لها مقامات:

المقام الأول: الخشية من عذابه وهي خشية عامة الخلق، وسببها ومصدرها الإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية، وتضعف هذه الخشية بسبب ضعف الإيمان أو قوة الغفلة.

والمقام الثاني: الخشية من الله تعالى، وهي خشية العلماء العارفين، قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:٣]، وصفاته سبحانه وتعالى تقتضي الهيبة والخشية والخوف فهم يخشون البعد والحجاب.

ومن ضعفت خشيته من الله -والقول هنا للصوفية- فسبيله: أن يعالج نفسه بسماع الأخيار والآثار، فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم، وهم الأنبياء والعلماء والأولياء ولا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى.

ومما يحث المؤمن على الخشية من الله تعالى آيات كثيرة وردت في القرآن الكريم منها قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:١٣]، يقول الصوفية هنا: لولا أن الله تعالى لطف بعارفيه وروح قلوبهم بالرجاء لاحترقت من نار الخشية والخوف.

والخشية ليست خاصة بالبشر فحسب، بل إن الملائكة يخشون الله أيضًا، فقد روي أن جبريل -عليه السلام- جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبكي فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-«ما يُبْكِيك؟» قال: "ما جفت لي عين منذ خلق الله جهنم خشية أن أعصيه فيلقيني فيها".

ويُروى أن آدم -عليه السلام- بكى ثلاثمائة عام وما رفع رأسه إلى السماء بعدما أصاب الخطيئة، كما رُوي أنه تعالى لما عاتب نوحًا -عليه السلام- في ابنه وقال له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود:٤٦]، بكى نوح ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه أمثال الجداول من البكاء.

وقال أبو الدرداء: "كان يَسمع لصدر إبراهيم -عليه السلام- إذا قام إلى الصلاة أَزِيزٌ مَن بَعُدَ، خشيةً وخوفًا من الله، وكان -صلى الله عليه وسلم- يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجَل من البكاء" [رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن خزيمة].

وقد وردت أخبار كثيرة عن خشية الصحابة والتابعين، من ذلك: ما روي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه كان يُمسك لسانه، ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد"، وقال -من شدة خشيته-: "يا ليتني كنت شجرة تُعْضَد ثم تؤكل"، وكذلك قال طلحة، وأبو الدرداء، وأبو ذر -رضي الله عنهم. [مختصر منهاج القاصدين].

وأما بالنسبة للتابعين ومن بعدهم، فقد ورد عنهم بالنسبة للخشية أن علي بن الحسين كان إذا توضأ اصفَرَّ وتغير، فيقال له: مالك؟ فيقول: أتدرون بين يدي مَن أريد أن أقوم؟ وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري الدموع على لحيته.

هذه هي خشية هؤلاء، ونحن أجدر بالخشية منهم؛ لأننا لسنا بمنزلتهم، وإنما أمنا لغلبة جهلنا وقسوة قلوبنا، فالقلب الصافي تحركه أدنى مخالفة، والقلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ، ويرى الصوفية أن الخشية أورثتهم الحزن الدائم والهم المضني، فشُغلوا عن سرور الدنيا ونعيمها، واتخذوها مَطيَّة إلى ساحة الإقبال على الله، فعقلوا عن الله -بفضله- أوامره، وفقهوا  -بتوفيقه- نواهيه، وجعلوا الأمر والنهي سياج أعمالهم، بهما يتحركون ويسكنون، ولا يراهم الله حيث نهاهم، ولا يفقدهم حيث أمرهم، علماء بالله يخوضون بحار العلوم والمعرفة تفقهًا في دين الله واستطلاعًا لجلال الله في بديع صنعه.

والخشية تقتضي أن تكون القلوب معلقة بوشائج الرجاء في رحمة الله والخوف من مَكرِه.

ومن يخشون الله لا تطمئن أنفسهم إلى عمل من الأعمال، فيظمئون نهارهم ويسهرون ليلهم، توابين أوابين قوامين بالقسط، شهداء على أنفسهم بالقصور والتقصير في جنب الله.

ومن في حال الخشية يتشوقون عند تلاوتهم لكتاب الله إلى ما أعده الله لهم من جزاء الرضا والرضوان لأحبابه وأوليائه وترتعد فرائصهم فزعًا من سخطه وتفيض أعينهم من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون في سبيل الله، عكوف في مجالسهم على محبة الله، مصفرَّة وجوهُهم، نحيلة أجسامُهم، يابسة جلودهم، لا يطفئ نور يقينهم نور علمهم، مرهفة أسماعهم إلى نداء الحق، فإذا سمعوه انتفضوا كأنهم أرواح منطلقة من سجنها، وإذا استنفروا جهادًا لإعلاء كلمة الله نفروا باذلين أنفسهم لله كأنهم أُسد الشرى تدفع عن عرينها، وتذود عن أشبالها، فرحين بنداء ربهم، يقينهم محصن بالعلم، وعلمهم معتمد على اليقين، إيمانهم شهود، ومنتهى معرفتهم بالله هي عجزهم عن الوصول إليها،  فالعجز عن درك الإدراك إدراك.   

ووصل حد الخشية بابن أدهم -كان من أبناء الملوك- أن خرج عن ملك الدنيا إلى الله تعالى يطلبه في عز طاعته، وكان يأكل من كسب يده، يعمل للناس ويضرب لهم اللبن من الطين ويحرس البساتين [التصوف في الإسلام منابعه وتطوره، تراث التستري الصوفي]، كل ذلك سببه: الخشية من الله تعالى.

ومع هذا فإن المبالغة في الخشية غير محمودة عند الصوفية يقول: أبو طالب المكي: "إن المبالغة في الخوف والخشية من التعدي لحدود الله تعالى وأمره فقد جعل الله لكل شيء قدرًا وقال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:١].

فصدق الرجاء واعتدال الخشية من حقيقة العلم بالله تعالى، ومجاوزة الشيء كالتقصير فيه، والمؤمن حقًّا هو المعتدل بين الخشية والرجاء، وما لبس المؤمن لبسة أحسن من سكينة في خشوع وذلة في خضوع، فهذان حالان للخشية وهي لبسة الأنبياء وسيما علماء الأولياء.

هذا، ومقام الخشية والخوف عند الصوفية هو المقام الخامس من مقامات اليقين قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:٢٨]، فجعل الخشية مقامًا في العلم حققه بها، والخشية حال من مقام الخوف، والخوف اسم لحقيقة التقوى والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة الله تعالى للأولين والآخرين يجمع هذين المعنيين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ٢٢]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: ١٣١].

والخشية والخوف من مقام العلم قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: ٨]، فالخشية والخوف عند الصوفية اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهما سبب اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر، وليس شيءٌ يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخشية، وقد جاء عن أبي محمد سهل رحمه الله تعالى: "كمال الإيمان العلم، وكمال العلم الخوف، والخوف يعني الخشية".

وكل مؤمن بالله تعالى يخشاه ويخاف منه ولكن خشيته وخوفه على قدر قربه.

قال الفضل بن عياض: إذا قيل لك هل تخشى الله؟ فاسكت؛ لأنك إن قلت: لا: كفرت، وإن قلت: نعم: فليس وصفك وصف من يخشى الله.

وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال: "ألا ترى إلى هؤلاء أعظمهم وأذكرهم فلا يرقون، فقال: وكيف تنفع الموعظة من لم يكن في قلبه من الله تعالى خشية، وقد قال تعالى في تصديق ذلك: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} [الأعلى: ١٠، ١١]"، أي: يتجنب التذكرة الشقي فجعل من عدم الخوف والخشية شقيًّا وحرمه التذكرة.

طريق الخشية وثمرتها

أولى خطوات الخشية هي: محاسبة النفس في كل وقت، ومراقبة الرب في كل حين، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شيء من العلوم بغير يقين بها، ومن الأعمال بغير ثقة فيها.

فالورع حال من الخشية، ثم كف الجوارح عن الشبهات وفضول الحلال من كل شيء بخشوع قلب ووجود إضبات، ثم سجن اللسان وخزل الكلام، فيتجنب ذلك كله، وأن ينصح نفسه لله تعالى؛ لأنه أولى المخلوقات بالنصح، وثمرة الخشية والخوف: العلم بالله -عز وجل- والحياء من الله، وهو أعلى سريريات أهل المزيد.

والخشية نوعان:

خشية العموم: وهي حفظ السمع والبصر واللسان، وحفظ القلب واليد والرجل.    

وخشية الخصوص: وهي ألا يجمع ما لا يأكل، ولا يبني ما لا يسكن، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل، ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل، وأعلى درجاته: أن يكون القلب معلقًا بخوف الخاتمة، لا يسكن إلى علم ولا عمل.

ومما يذكره الصوفية من ثمرات الخشية، أنها تجعل قلوبهم دائمًا متعلقة بالله تعالى، وقد فصل بعضهم ذلك فقال: "خشية المؤمنين على مقامين، فقلوب الأبرار معلقة بالخاتمة وقلوب المقربين معلقة بالسابقة، وهما في سبق علم الله سواء فالخاتمة عندئذ فاتحة والوقتان واحد". [قوت القلوب]،

وقيل: إن الحسن البصري ما ضحك أربعين سنة لتمثله مقام الخشية والخوف، ويذكر الصوفية أن الخشية هي التي جعلت أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: "ليتني مثلك يا طير وأني لم أخلق بشرًا".

وجعلت عمر -رضي الله عنه- يقول: "وددت أني شجرة تُعْضَد"، وطلحة والزبير -رضي الله عنهما- يقولان: "وددنا أنَّا لم نخلق"، وعثمان -رضي الله عنه- يقول: "وددت أني إذا مت لم أبعث"، وجعلت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "وددت أني كنت نسيًا منسيًّا".

يقول أبو طالب المكي: "والعجب أن يأتي من بعدهم من يرتكبون الكبائر وتحدثهم نفوسهم بالدرجات العلا والقرب من سدرة المنتهى، وكيف لا تكون خشية ولا يكون خوف والله يقول: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج:٢٨]، فأجهل الناس من أمن غير المأمون وأعلمهم من خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين.

وأهم ما تقتضيه الخشية عند الصوفية ترك النظر إلى الأعمال وصدق الافتقار في كل حال ولا يصح خوف العبد ولا تصح خشيته حتى يخشى من الحسنات كما يخشى من السيئات، وأعلى منزلة في الخشية أن يخشى سابق علم الله تعالى فيه" [قوت القلوب].

وأول مقام للخشية: هو التقوى، والمقام الثاني: هو الحذر، ثم مقام الوجل، ثم مقام الإشفاق، والخشية لا بد أن تقترن بالرجاء، وكان يحيى بن معاذ يقول: "مَنْ عَبَدَ الله بالخوف وترك الرجاء تاه في مفاوز الاغترار، ومن عبده بالخوف والرجاء معًا استقام في بحر الأذكار".   

فالخشية حال من أحوال الخوف، والخوف حال تصيب المؤمن عند قراءته النصوص التي جاءت في باب الترهيب والوعيد، وأشده ما جاء في ترهيب المشركين في قوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: ٥١]، وقال تعالى في خشية المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:٢].

والخشية تعطي المؤمن صفة الحذر من النفس ومن وساوس الشيطان، وهذا مما يحفظه من ارتكاب المعاصي ويزيد من درجة المودع عنده قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: ٥٨]، وقال صلى الله عليه وسلم: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ سَبِيلَ اللَّهِ».

وقيل في الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز؛ لما اشتهرا به من الخشية والخوف والبكاء: (كأن النار لم تُخلَق إلا لهما)، وقد تؤدي الخشية عند الصوفية إلى الوجد والتواجد، فيذكر الغزالي أن زُرارة بن أوفى -وكان من التابعين- كان يؤم الناس بالرقة فقرأ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر:٨]، فصعق ومات في محرابه، ويروون أن عمر -رضي الله عنه- سمع رجلًا يقرأ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [الطور:٧، ٨]، فصاح وخرَّ مغشيًّا عليه، وسمع الشافعي رحمه الله قارئًا يقرأ: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فغُشي عليه.

والمؤمن هو الذي يخشى الله تعالى بجميع جوارحه كما قال الفقيه أبو الليث: علامة خوف الله تعالى تظهر في سبعة أشياء: أولها: لسانه فيمنعه من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان وكلام الفضول ويجعله مشغولًا بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم، والثاني: قلبه فيخرج منه العداوة والبهتان وحسد الإخوان، والثالث: نظرة فلا ينظره إلى الحرام، والرابع: بطنه فلا يدخل بطنه حرامًا، والخامس: يده فلا يمد يده إلى الحرام، والسادس: قدمه فلا يمشي بها في معصية، والسابع: طاعته فيجعلها خالصة لوجه الله تعالى فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله تعالى في حقهم: {وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ} [الزخرف:٣٥].

وينبغي أن يكون المؤمن بين الخشية والرجاء فيرجو رحمة الله ولا ييأس منها، قال تعالى: {لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ} [الزمر:٥٣]، وكان إبراهيم الخليل -عليه السلام- إذا ذكر خطيئته يُغشى عليه، ويُسمع اضطراب قلبه ميلًا في ميل فأرسل الله إليه جبريل فأتاه، فقال له: الجبار يقرؤك السلام، ويقول: هل رأيت خليلًا يخاف خليله؟ فقال: يا جبريل إذا ذكرت خطيئتي وفكرت في عقوبته نسيت خلتي.

فهذه أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين تجاه الخشية والخوف وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ مَن خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَن آمَنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [مكاشفة القلوب].

كما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَا يَلِجُ النَّارَ مَن بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرَعِ» [المرجع السابق].

وهكذا نرى أن الخشية هي فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته، وأن سببها هو تفكر العبد في المخلوقات كتفكره في تقصيره وإهماله وقلة مراقبته لما يرد عليه وتفكره فيما ذكره الله -عز وجل- في كتابه من إهلاك من خالفه وما أعد له في الآخرة، وقد يعبر عن الخشية بالفزع والروع والرهبة والخيفة، قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: ٤٠]، أي اخشوني وخافوني، وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:٤]، والخوف والخشية هنا بمعنى واحد.

فينبغي أن يكون للمؤمن خشيةٌ تمنعه من العصيان، ورجاءٌ يحث على الطاعة وعمل البر، والخشية مقدمة على الرجاء؛ لأنها بابه وأساس بنيانه، والخشية من باب التخلية، والرجاء من باب التحلية، والتخلية مقدمة على التحلية.

علاقة الخشية بلبس المرقعة

من وسائل الخشية عند الصوفية والطرق التي تقربهم إلى الله تعالى لبسهم المُرَقَّعَة، حتى أصبح لبسها شعار المتصوف.

ولبسها في نظرهم سنة ويروون أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في شأنها: «عَلَيْكُمْ بِلبِسِ الصُّوفِ تَجِدُونَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» [رواه الحاكم]، ويروون أن عمر -رضي الله عنه- كانت له مرقعة عليها ثلاثون رقعة، وجاء أيضًا: خير الثياب أقلها مئونة [كشف المحجوب].

فهناك علاقة بين لبس المرقعة والخشية والخضوع حتى إنهم ربطوا بين أجزائها وبين عناصر الخشية، وقالوا إن في كل جزء من أجزاء المرقعة إشارة أو علامة على عنصر من عناصر الخشية.

وخير الإشارات فيها: أن يكون (قَبُّها) أي رقبته من الصبر و(كُمَّاها) من الخشية والرجاء و(إِبِطاها) من القبض والبسط و(وسطها) من مخالفة النفس و(جيبها) من صحة اليقين و(سِجافُها) من الإخلاص.

وهكذا يساعد ظاهر الصوفي باطنه على الخشية، فإذا كانت الخشية هي خضوع القلب وخوفه من الله تعالى فإن مما يعينه على ذلك هو معالجة ظاهره والعمل على أن يكون غطاؤه وكساؤه الجسدي مثل غطائه وكسائه الروحي، نسيجه: الزهد والتقوى، وسداه ولحمته: الخشية والخوف من العلي الأعلى، ولبسُ المرقعة عندهم دليل على الفقر، والفقر من أهم وسائل الخشية في نظرهم، حتى إنهم ليتركون الدنيا ومتعها ويعيشون عيشة الفقراء اختيارًا -اضطرارًا-؛ لأنهم يعتقدون أن الفقر يعين على الخشية من الله تعالى، وأن الله امتدح الفقراء، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:٢٧٣]، وما ذلك إلا لأن الفقر يعين على الخشية من الله ويقويه وطالما ملأت الخشية نفس العابد صار قلبه ربانيًّا بحتًا [المرجع السابق]، والخشية تقتضي الخشوع فمن خشع خشي، ومن خشي خشع ومن خشعت نفسه لم يقربه الشيطان.

ومن هم من أهل الخشية لا تأتي عليهم ساعة من ليل ولا نهار ولا وقت من الأوقات إلا ويعرفون لله -عز وجل- عليهم حقًّا وواجبًا، ويكون الخلاء وغيره عندهم واحدًا، ولا يشغلون أنفسهم عن الله عنه خوف التعظيم وخوف الخشية، وهو ميراث من هذا الخوف، ومما ورد عن الصوفية في ذلك أن أصحاب الخشية على ثلاث مقامات: الخوف أرضهم، والرجاء بنيانهم، والحب سقفهم. [إحياء علوم الدين].

الخلاصة

الخشية عند الصوفية تعني الخوف من الله، وتكون نتيجة المعرفة بالله وصفاته، وتظهر في خشوع القلب والجوارح، وتقود إلى الطاعة والابتعاد عن المعاصي، وهي درجات متفاوتة، فالخشية المعتدلة محمودة وتساعد على الطاعة، بينما الخشية المفرطة قد تؤدي إلى اليأس والقنوط، والخشية لها ثمرات عديدة، منها: قمع الشهوات، والابتعاد عن المحرمات، وغير ذلك.

موضوعات ذات صلة

فهو حالة من الفناء والغيبوبة التامة عن الوجود الذاتي والخلق بسبب استغراق القلب في تجليات الحق.

هي إدراك الشيء بعد جهل به، ولهذا يُوصف الله بالعالم وليس بالعارف.

القُرب يستخدم بمعنى التقرب إلى الله بالطاعات، وفي القرآن وردت مشتقات القرب بمعانٍ متعددة.

موضوعات مختارة