Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرجاء

الكاتب

أ. د/ فيصل عون

الرجاء

يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي، إذ يجسد تعلق القلب برحمة الله وطمعه في عفوه، وتكمن أهميته في توازنه مع الخوف، مما يوجّه السالك نحو طريق الطاعة والصفاء.

المقام والحال عند الصوفية

 المقامات والأحوال مَعْلم أساسي من معالم الطريق عند الصوفية، هذا الطريق به محطات لا بد للصوفي أن يتجاوزها حتى يصل في نهاية الطريق إلى مبتغاه، هذه المحطات التي يعلم المريد منذ البداية أن عليه تجاوزها بإرادته تسمى مقامًا.

أما الأحوال: فهي أمور تحدث للصوفي حينما يتخطى كل مرحلة، هذه الأحوال التي تحدث للصوفي لا دخل له فيها، ولا يعلم إن كانت ستحدث له أم لا؟ وهل إذا حدثت سوف تدوم أم أنها عُرضة للزوال هذا هو الفارق الرئيسي بين المقام والحال.

معنى الرجاء في اللغة والاصطلاح الصوفي

في بداية حديثنا عن الرجاء نذكر أنه من حيث المعنى اللغوي مصدر يرجو والأصل هو رجاو، فصارت الواو همزة لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ١، ص ٥٩٣، دار قهرمان للنشر والتوزيع، إستانبول، سنة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م].

والرجاء يستعمل بمعنى الطمع، كما يستعمل بمعنى الأمل، وأحيانًا يُسوَّي بين الرجاء وبين الخوف. [الجرجاني: التعريفات، ص١٢١، تحقيق محمد بن عبد الكريم القاضي، دار الكتاب المصري، القاهرة، سنة ١٩٩١م، وراجع كذلك الشيخ الدكتور فؤاد حرام: معجم المصطلحات الصوفية، ج٣، ص٨٤، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، سنة ١٣٩٣هـ].

بيان كون الخوف والرجاء من الأحوال أم من المقامات

أمّا أن الرجاء، هل هو مقام أم حال؟ فإن الآراء في هذ الصدد متباينة.

 فمن الصوفية من قال: إن الرجاء والخوف من جملة الأحوال (الطوسي، السهروردي، الجيلي)، ومنهم من قال: إنهما من جملة المقامات (الجنيد، الخراز، الغزالي، ابن عطاء الله السكندري)، وكثيرًا ما يقال عنهما إنهما مقامان وحالان، ويكون القائل واحدًا من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين. [ابن قدامة المقدسي: مختصر منهاج القاصدين، المكتب الإسلامي، بيروت، سنة ١٣٩٤هـ]

وقد ذكر الغزالي في إحيائه أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين [الغزالي: إحياء علوم الدين، ج١٢، ص٢٣٠٨، طبعة دار الشعب، القاهرة]

وفي منهاج العارفين يميز الغزالي بين رجاء هو مقام ورجاء آخر هو حال: ثمة رجاء مقدور للعبد، ورجاء هو من جملة الخواطر غير مقدور للعبد، وهذا الأخير ليس إلا الحال. [الغزالي: منهاج العارفين، ص٨٢، من جملة رسائل الغزالي القصور العوالي، ج١، مكتبة الجندي، (د.ت)]

على أن الغالبية الكبرى من رجالات التصوف يقولون: إن حقيقة المقام من حيث إنه كسب يرجع في النهاية إلى كونه حالًا من جملة الأحوال.

 قد يبدو المقام (الرجاء) كسبًا، لكن النظرة الثاقبة تؤكد أنه في النهاية منحة إلهية.

    يقول وهب بن منبه: إن من وكل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر. [أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، المجلد الرابع، ص٢٤، المكتبة السلفية، (د.ت)]

ويقول محيي الدين بن عربي: إن الكسب تعلق إرادة الممكن بفعل ما دون غيره فيوجده الاقتدار الإلهي عند هذا التعلق فسمى ذلك كسبًا للممكن. [ابن عربي: الفتوحات المكية، السقر الأول، ج٣، ص١٦٨، تحقيق دكتور عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م]

 ويقول كذلك ابن عربي خلال حديثه (ابن عربي) عن عموم الإرادة الإلهية ثم غمس قلمه في مداد العلم، وخط بيمين القدرة في اللوح المحفوظ المصون، كل ما كان وما هو كائن وسيكون وما لا يكون، مما لو شاء ـ وهو لا يشاء - أن يكون لكان كيف يكون من قدره المعلوم الموزون وعلمه الكريم المخزون. [المرجع السابق، ص٤٨]

ولهذا فإن الكفر، والإيمان، والطاعة، والعصيان من مشيئته (سبحانه) وحكمته وإرادته، ولم يزل - سبحانه - موصوفًا بهذه الإرادة أزلًا. [المرجع السابق، السفر الأول، ج٣، ص١٦٧]

ولما كان لكل علم وفن مصطلحاته الخاصة، فإن عبارات الصوفية في الأغلب الأعم عبارات رمزية في المقام الأول لأنها تعبر عن معان أودعها الله تعالى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم. [أبو القاسم عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية، ص١ ٣، مكتبة محمد علي صبيح]

واصطلاحات الصوفية مرتبطة فيما بينها من جهة أن كل مصطلح يمثل حلقة في سلسلة الطريق الصوفي، وهذه الحلقة مرتبطة بما قبلها وبما بعدها في آن واحد... بل كثيرًا ما يصعب: إن لم يكن من المحال فهم مصطلح أو لفظ بغير الإحالة إلى لفظ آخر.

لذلك نجد عدة ثنائيات أضحت شائعة في استخدام هذه الطائفة: المقام والحال، القبض والبسط.. إلخ، وفيما يتعلق بالرجاء نجد أنه مرتبط بالخوف، فلا رجاء بلا خوف، ولا خوف بلا رجاء بل إنه يصعب الحديث عن كل من الخوف والرجاء بمعزل عن الحب، الذي يحيل بدوره إلى العشق، فقد ذكر عبد القادر الجيلاني أن مفتاح النية اليقين، ومفتاح اليقين التوكل، ومفتاح التوكل الخوف، ومفتاح الخوف الرجاء، ومفتاح الرجاء الصبر.. إلخ. [عبد القادر الجيلاني: الغنية لطالبي طريق الحق، ج٢، ص ١٠٩، البابي الحلبي، مصر سنة ١٢٨٨هـ، والمحاسبي: الرعاية لحقوق الله عز وجل]

ويقول ابن عربي: للإنسان أحوال كثيرة يجمعها حالتان مسميتان بالقبض والبسط، وإن شئت الخوف والرجاء، وإن شئت الوحشة والأنس... إلخ. [ابن عربي: رسالة روح القدس، نقلًا عن موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي للدكتور رفيق العجم، ص٣٨٧، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى، سنة ١٩٩٩م.]

 وعلى ذلك فإن الحديث عن الرجاء يتضمن الحديث عن الخوف، والحديث عن الخوف يحيل إلى الحديث عن الرجاء ويصعب على الباحث الفصل في أيهم يقدم على الآخر، هناك من قدم الخوف على الرجاء (الطوسي، القشيري)، وهناك من قدم الرجاء على الخوف (أبو طالب المكي، الغزالي)، على أن هذين الفريقين أجمعا معًا على أن الخوف والرجاء مرتبطان فيما بينهما كل الارتباط، حتى إنه لا وجود لأحدهما بدون الآخر، إنهما بلغة المناطقة متضايفان إن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف.

 فكل راجٍ خائف، وكل خائف راجٍ، ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٧٩، تحقيق د. عبد الحميد مدكور، دار الكتب المصرية، القاهرة، سنة ١٩٩٦م]

 ويقول الطوسي: المحبة والخوف والرجاء مقرون بعضها ببعض. [أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، ص ٩٣، تحقيق د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة بمصر، ١٣٨٠ هـ / ١٩٦٠م] ويرى سهل: أن الخوف ذكر والرجاء أنثى [الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص١١٦ـ١١٧، تحقيق محمود أمين، مكتبة الكليات الأزهرية، ط ا، سنة ١٣٨٩هـ ١٩٦٩م]

 والمقصود أن حقائق الإيمان يتولد عنها الخوف والرجاء معًا.

 ويقول الغزالي: الخوف والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر وهما مجتمعان، ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر لغفلته عنه. [أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الخوف والرجاء، ص٢٣٤٣، الجزء ١٣، طبعة دار الشعب]

لذلك ذهب نفر من الصوفية إلى القول: بأن الخوف أحد جناحي قلب المؤمن والرجاء ثانيهما: بهما يطير عوامهم إلى الجنات، وخواصهم إلى القربات، وأخص خواصهم إلى مقامات في الموصلات، ثم يتبدل اسم الخوف.

 والرجاء انعكاس ضياء أنوار الجمال على مرآة القلب، والخوف انعكاس ضياء أنوار الجلال على مرآة القلب. [أبو بكر عبد الله بن شاهاور الرازي: كتاب منارات السائرين ومقامات الطائرين، ص٣٨٣، تحقيق سعيد عبد الفتاح، دار سعاد الصباح، القاهرة، ط ا، سنة ١٩٩٣م]

 فكما أن الطائر لا يستطيع الطير بجناح واحد، كذلك الصوفي لا يكون كذلك إلا بالخوف والرجاء، بل لا يكون كذلك إلا بامتلاكه كل المقامات والأحوال، وعلى رأسها المحبة والتي بحسبها يكون الرجاء فكل محب راجٍ خائف بالضرورة.

 فهو أرجى ما يكون لحبيبه، أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له وإبعاده واحتجابه عنه فخوفه أشد خوف. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٦٦، والرسالة القشيرية، ص ٠٦٣ وكذلك عبد القادر بن عبد الله السهروردي: عوارف المعارف، ص٤٩٩، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت)]

وقد شبه الغزالي الخوف والرجاء بمطيتين بهما يقطع السالك الطريق متخطيًا كل العقبات التي تقابله، فلولاهما لما عبر السالكون طريقهم.

مفهوم الرجاء عند الصوفية

أما عن كنه الرجاء عند الصوفية فثمة أقوال كثيرة منها: الرجاء، إسكان القلب بحسن الوعد، وقيل: الرجاء الثقة بالجود من الكريم الودود، وقيل توقع الخير عمن بيده الخير، وقيل: الرجاء قوت الخائفين، وفاكهة المحرومين، وقيل: الرجاء ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب، وقيل الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال، وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.

وقد سُئل أحمد بن عاصم الأنطاكي عن علامة الرجاء فقال: أن يكون العبد إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيًا لتمام النعمة من الله تعالى عليه في الدنيا، وتمام عفوه في الآخرة.

وقد قيل: إن الرجاء استبشار بوجود فضل الله. [الرسالة القشيرية، ص٦٢- ٦٣، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، ص٥٩٣، وكذلك عبد الله بن أسد اليافعي: نشر المحاسن الغالية في فضل مشايخ الصوفية أصحاب المقامات العالية، ص٣٢٢، على هامش الجزء الأول من جامع كرامات الأولياء للنبهاني، دار صادر بيروت، (د.ت)].

وإذا كان الخوف حاصلًا عن العلم، فإن الرجاء كما يرى الغزالي، حاصل عن اليقين: {نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الحجر:٤٩] أما الحب فإنه حاصل عن المعرفة وعلى ذلك فإن دليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، أم دليل الحب فهو إيثار المحبوب. [الغزالي: منهاج العارفين (ضمن كتاب القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي)، ص٨٢، الطباعة الفنية المتحدة، مصر، (د.ت)].  

 وقد حرص رجالات التصوف على تحرير مصطلح الرجاء حتى لا يختلط مع بعض الألفاظ الأخرى والتي يبدو أنها تشبهه.

الفرق بين الرجاء والتمني

فلقد ميز الصوفية بين الرجاء وبين التمني من جهة أن جوهر الرجاء السعي والجد والاجتهاد والتصميم على اتجاه القلب نحو الله وحده: ومن ثم فإن الرجاء من جهة السالك يعني الإرادة والأخذ بالأسباب.

 أما التمني فحسب، فإنه يعني الكسل ولعل هذا هو ما حذر منه بعض صحابة رسول الله حيث قال: لا يقعدن أحدكم في عقر داره، ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، إن جوهر التمني عدم الأخذ بالأسباب الحقيقية، كأن يتمنى المرء أن يكون له جاه وسلطان وقصور.. دون أن يسعى إلى تحقيق ذلك.

وباختصار فإن الرجاء لا معنى له بغير العمل، والعمل الصالح المتمثل في حسن الطاعة والامتثال الكامل لأوامر الله ونواهيه. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٥٥].

كذلك لا ينبغي الخلط بين الرجاء وبين الغرور الذي هو لون من ألوان الرجاء الكاذب، والمتمثل في رجل يتمادى في ارتكاب الفواحش والخطايا زاعمًا أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

 وبهذا الفهم المريض للغفران يرجو هذا الخاطئ رحمة الله، دون أن يأخذ بأسبابها الحقيقية.

 أما إذا وقف هذا العاصي لحظة مع نفسه، ومع ربه، وصمم على التوبة، والعمل الصالح، وسعى إلى ذلك بكل ملكاته التي منحه الله إياها، فإن رجاءه هنا يكون في موضعه.

يقول وهب بن منبه لابنه: يا بني إياك والغرَّة بالله عز وجل، فإن الغرَّة بالله عز وجل، المقام على معصيته، وتمني مغفرته، فيقيمون على المعاصي، ويتمنون المغفرة والرحمة، ويظنون أن الذي طيب أنفسهم الرجاء، وإنما طيب أنفسهم الغرة فتمنوا، وظنوا أن ذلك منهم رجاء لربهم عز وجل. [أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي: الرعاية لحقوق الله، ص ٣٧٥، مراجعة وتقديم د عبد الحليم محمود، طه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د.ت)]

ويقول يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترارعندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط. [الغزالي: كتاب الخوف والرجاء، الجزء ١٢، ص ٢٣١١، طبعة دار الشعب- القاهرة، والغزالي: الكشف والتبيين في غرر الخلق أجمعين، ص١٢، على هامش كتاب تنبيه المغترين لعبد الوهاب الشعراني، المطبعة الميمنية، أحمد البابي الحلبي، مصر، سنة ١٣١٠هـ]

 يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [البقرة: ٢١٨]، والمعنى أن المجاهدين والمهاجرين والسالكين إلى الله، يحق لهم الرجاء، أما المغترون فهم أولئك الذين يجدون لذتهم في ارتكاب المعاصي آمنين في عين الوقت أن يدعو الله فيغفر لهم، مع أنهم لا يملكون مفاتيح الدعاء الحق إلى الله ومن ثم الطمع في عفوه ومغفرته.

 إن الرجاء هو ما هاج من الطمع والأمل في الله عز وجل فسخا نفس العاصي بالتوبة، وحال بينه وبين القنوط، وبعث العبد على الطاعة لله عز وجل والتشمير، والاجتهاد رجاء ما وعد العالمين والغِرّة خدعة من النفس والعدو يذكر الرجاء بالتوحيد أو بالآباء الصالحين، أو بعمل قليل ضعيف فتطيب نفسه بتلك الخدعة حتى تهون عليه ذنوبه يظنه أنها مغفورة، فيتمنى المغفرة فيقيم عليها ولا يتوب فهذا فرق ما بين الغرّة والرجاء. [المحاسبي: الرعاية لحقوق الله، ص٣٧٨]

على أن الخوف والرجاء يؤكدان، ويتضمنان في عين الوقت، أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، بل إن الإنسان، من حيث هو، هالك، وما دام الأمر كذلك، أقصد ما دام الضعف البشري قائمًا وما دامت الطبيعة الإنسانية عرضة للزلل فإن الإنسان سوف يظل دائمًا في حاجة دائمة إلى العون الإلهي بمجالاته المتعددة...

 ومن ثم فإن مقامات الخوف والرجاء والمحبة والشوق كلها غاية في الأهمية للسالكين، وفي هذا الصدد نذكر ما تناقلته كتب الصوفية على لسان إبراهيم بن أدهم حيث انتظر فترة من الزمان حتى يخلو المطاف له... حتى إذا كانت ليلة ظلماء شديدة المطر، خلا المطاف، فدخل الطواف سائلًا الله له العصمة.

 وكان أن سمع هاتفًا يقول: يا ابن أدهم أنت تسألني العصمة وكل الناس يسألون العصمة، فإذا عصمتكم فمن أرحم؟ وفي رواية فعلى من أتكرم؟ [الرسالة القشيرية، ص٦٤، وراجع عبد الله بن أسد اليافعي: نشر المحاسن الغالية، ص٣٢٢-٣٢٤، على هامش جامع كرامات الأولياء للنبهاني، دار صادر بيروت، (د. ت)].

وقد اختلف الصوفية بشأن أي الرجاءين أكمل: رجاء المحسن ثواب إحسان، أو رجاء المسيء المذنب التائب مغفرة ربه وعفوه؟ طائفة رجَّحت رجاء المحسن، لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة رجحت رجاء المذنب، لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل، مقرون بذلة رؤية الذنب.

 قال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب رجائي لك مع الأعمال، لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أصفيها وأحرزها، وأنا بالآفات معروف، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٥٧].

والرجاء والخوف يتعلقان بالمستقبل، أي أنهما لا يتعلقان بالحاضر (كما هو الحال بالنسبة للقبض والبسط) أو الماضي، وإنما يرتبطان بتوقع إما حدوث مكروه في المستقبل، وهذا هو الخوف، أو توقع حدوث أمر محبوب، وهذا هو الرجاء إن كان المنتظر مكروهًا حصل منه ألم في القلب سمي خوفًا وإشفاقًا.

وإن كان محبوبًا حصل من انتظاره، وتعلق القلب به، وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمي ذلك الارتياح رجاءً، فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده. [الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الخوف والرجاء، الجزء١٢، ص٢٣٠٩].

 وفي الرسالة القشيرية نطالع: الرجاء تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل، وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال [الرسالة القشيرية: ص٦٠٥٩، وكذلك، ص٦٢.].

 وما دام الخوف والرجاء يتعلقان بالمستقبل فإنهما يتعلقان كذلك بجواز حدوث الأمر، سواء كان مكروهًا أو محبوبًا، فليس ثمة ضرورة أو يقين في حدوث المكروه، أو المحبوب في المقبل من الأيام، بل وجود تردد في الحدوث أو عدم الحدوث.

 وعلى ذلك فإن الأمر المقطوع يتجاوز مقامي الخوف والرجاء، من حيث إنهما طمع في عفو الله ورحمته من جهة، وكرمه وجوده من جهة أخرى، ومن ثم فإن قبول الرجاء لا يتوقف على العبد بل على الرب.

 يقول الغزالي: من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه؛ إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذًا المحبوب الذي يجوز وجوده، يجوز عدمه لا محالة، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء، وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف، والتقديران يتقابلان لا محالة، إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكًا فيه نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب، ويسمى ذلك ظنًّا: فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر فإذا غلب الظن وجود المحبوب قوي الرجاء، وخفي الخوف بالإضافة إليه، وكذا بالعكس، وعلى كل حال فهما متلازمان، يقول الحق سبحانه: {يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا} [السجدة:١٦]، وكذلك: {وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ } [الأنبياء:٩٠]. [الغزالي: كتاب الخوف والرجاء، الجزء١٣، ص٢٣٤٤]

ويضيف أبو حامد الغزالي: اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه بماء الطاعات، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاءً حقيقيًّا محمودًا في نفسه.

وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونًا برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، فانتظاره حمق وغرور. [المرجع السابق، ص ٢٣١، وللغزالي كذلك: الأربعين في أصول الدين، ص١٥٢، لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الحديثة، ط٣، بيروت، سنة ١٤٠٠هـ].

 وهذا الفهم الخاص بالرجاء هو ما ذكره الطوسي في الفصول النصيرية، حيث قال: الرجاء كل متوقع حصوله مطلوب له مستقبلًا، وظن وجود أسباب حصل له فرح مقارن لتصور حصوله، فيسمى ذلك الفرح رجاء، وإن تيقن حصول الأسباب فيكون المتوقع واجبًا فيكون ذلك الفرح انتظارًا...

وإذا خلا من الظن واليقين يسمى تمنيًّا وإن كان عدم حصول الأسباب معلومًا يسمى غرورًا وحماقة. [جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي: الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية. ص١١٢. تحقيق علي حاجي آبادي، عباس جلال نيا، مشهد الأستانة الرضوية المقدسة، مجمع البحوث الإسلامية، طهران ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م].

 وقد ميَّز الصوفية بين درجة العمل على الرجاء، وبين درجة العمل على الخوف رافعين من درجة العمل على الرجاء مقارنة بدرجة العمل على الخوف.

ثمة فارق كبير بين العبادة القائمة على الخوف وتلك القائمة على الحب والطمع، وفي فهم بعض الصوفية: أن الله حرم اليأس من رحمته على كل مسلم: {لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ} [الزمر:٥٣].

 وقد ورد أن علي بن أبي طالب قال لأحد الخائفين القانطين من - رحمة الله -: يا هذا يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك.

 وفي هذا نقرأ قول الحق: {وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ}[فصلت:٢٣]، وكذلك: {وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا} [الفتح: ١٢]؛ ولهذا فإن الرجاء وليس الخوف يكرس الحنيفية السمحة، ويؤكد استجابة الحق سبحانه للمؤمنين الراجين له بقولهم: {وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا} [البقرة:٢٨٦].

 وجاء في الأثر كما ذكر الغزالي، أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة، قال فإذا أدخلا      الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه فيقول: يا رب ما كان هذا في الدنيا بأكثر مني فرفعته علي في عليين؟ فيقول سبحانه: إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وأنت كنت تسألني النجاة من النار فأعطيت كل عبد سؤله، وهذا يدل على أن العبادة على الرجاء أفضل؛ لأن المحبة أغلب على الراجي منها على الخائف. [الغزالي: كتاب الخوف والرجاء، ج ١٢، ص٢٣٢٧].

أنواع الرجاء

أما عن أنواع الرجاء فثمة عدة آراء في هذا الصدد، وذلك طبقًا للتجربة الروحية الخاصة بكل سالك، فها هو ابن خبيق [راجع ترجمته في كشف المحجوب للهجويري، وفي الرسالة القشيرية، ص١٧]  يقول: الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة، فهو يرجو قبولها، ورجل عمل سيئة ثم تاب، فهو يرجو المغفرة، والثالث الرجل الكاذب يتمادى في الذنوب، ويقول أرجو المغفرة. [الرسالة القشيرية، ص٦٢- ٦٣]. 

وقد تحدث القاشاني عن رجاء المجازاة، ورجاء أرباب الرياضات ثم رجاء أرباب القلوب [راجع بالتفصيل القاشاني: لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام، ص٤٨٣، تحقيق معيد عبد الفتاح، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦م] أما صاحب اللمع فيرى أن الرجاء ثلاثة أقسام: رجاء في الله، ورجاء في سعة رحمة الله، ورجاء في ثواب الله. [أبو نهر السراج الطوسي، اللمع، ص ٩١-٩٢، تحقيق عبد الحليم محمود، طه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، القاهرة، سنة ١٩٦٠م، وراجع د. السيد محمد عقيل المهدلي: الأخلاق عند الصوفية، ص١٨١، دار الحديث، القاهرة].

أما الرجاء في ثواب الله وفي سعة رحمته فإنه خاص بالعبد المريد الذي سمع من الله ذكر المنن فرجاه، وعلم أن الكرم والفضل والجود من صفات الله، فارتاح قلبه إلى المرجو من كرمه وفضله.

أما رجاء العارف الواصل فهو الرجاء في الله كما يقول الشيخ السعدي: إن من خلاف الطريقة أن يتمنى الأولياء من الله شيء سوى الله. [راجع قاسم غني، تاريخ التصوف في الإسلام، ص٥٠١، وما بعدها، ترجمة صادق نشأت، النهضة المصرية، القاهرة، سنة ١٩٧٣م].

 أما صدر الدين الشيرازي فإن الرجاء عنده ينقسم إلى رجاء الثواب ورجاء الله، الأول نصيب أهل الحجاب، والثاني نصيب أهل اليقين. [صدرالدين الشيرازي: تفسير القرآن، ج٣ ص٢٠٤، تصحيح محمد ضواجوي، نقلًا عن سميح دغيم. موسوعة مصطلحات صدر الدين، ص٤٤٤، مكتبة لبنان ناشرون، ط١ سنة ٢٠٠٤م].

الانتقادات الموجهة للرجاء والرد عليها

ولقد وجهت إلى الرجاء انتقادات حادة بزعم أنه أضعف منازل السائرين من حيث إنه معارضة من جهة، واعتراض من جهة أخرى، أمَّا أنه أضعف منازل السائرين فذلك يتضح بجلاء من مقارنة الرجاء ببعض المقامات الأخرى كالزهد والحب والإخلاص والصدق والشكر...

هذه كلها منازل لا يبغي السالك من ورائها نفعًا أو مصلحة، بمعنى أنه لم يسع من خلاله إلى دفع خوف أو جلب (رجاء) مصلحة؛ لأن التصوف الحق، كما فهمه الصوفية، هو أن يكون الصوفي مع الله بلا علاقة كما قال الجنيد.

 وهذا هو عين ما قاله الحسن النوري، حيث ذكر أن التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبه.

 ينبغي للصوفي أن يترك نفسه مسترسلة مع الحق سبحانه على ما يريد على حد تعبير أبي محمد رويم، ومن ثم ينبغي للصوفي، من حيث هو، أن ينقاد للحق انقيادًا كاملًا بحيث لا يصح بل لا ينبغي أن يجزع من شيء أصابه؛ لأن الجزع هنا نقص في المعرفة.

 أما أن الرجاء معارضة واعتراض فذلك راجع إلى أن الصوفي يطمع في أن يحسن الله إليه، ويزيده من نعمه، ومن ثم يمكن أن يفهم الرجاء هنا بأنه معارضة لله في حكمته؛ لأن حكمته تعالى اقتضت أن يتأخر الفضل والإحسان، بل وقد يغيبان عن العبد الذي لا يحق له المعارضة.

 كذلك قيل: إن الرجاء يعد لونًا من ألوان الاعتراض من جهة أن قلب الراجي بمنن الله وعطاياه، فلما لم تتحقق، من وجهة نظر الصوفي، رجا الله أن يعطيها له، وهذا يعد أيضًا - في زعم البعض ـ تدخلًا في قضاء الله وقدره.

وهو ما يتنافى مع ما قلناه الآن، من أن التصوف في جوهره رضاء كامل، واستسلام كامل، وانقياد كامل لقضاء الله وقدره.

الرجاء في ضوء القرآن والسنة

 إن مثل هذه الاعتراضات السابقة على الرجاء ليس لها ما يبررها البتة، لأنا نرى أن الرجاء، بحق، من أهم وأجل وأعظم منازل السائرين، ويكفي أن نشير هنا إلى أمور ثلاثة:

الأمر الأول: إن القرآن الكريم والسنة النبوية قد حثت ورفعتا بل وحضتا على الرجاء، إن من أسماء الله: التواب، الغفار، الستار، العفو، الرحيم، الكريم.. إلخ، فمن هذه الجهة نجد أن أسماء الله وصفاته لا يمكن أن تكون بغير دلالة، لا بد أن يكون لها مقابل أنطولوجي (وجودي).

وقد نص الذكر الحكيم على عدم اليأس {لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ} [الزمر:٥٣]، وقال سبحانه: {ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ}[غافر:٦٠]، وكذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ} [فاطر:٢٩] إن مثل هذه الآيات التي تحض على الرجاء والتوبة والاستغفار، وما أكثرها، تؤكد فضيلة الرجاء وقد ورد في حديث قدسي يقول الله عز وجل: «أَنَا عِنْدَ ‌ظَنِّ ‌عَبْدِي ‌بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ».

 وورد كذلك على لسان الحق، كما أخبرنا الرسول عليه الصلاة السلام فيما يروي عن ربه عز وجل: «يا ابن آدَمَ إنَّكَ ‌ما ‌دَعَوْتَني وَرَجَوْتَني، غَفرْتُ لكَ على ما كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالي» [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص ٣٦٤].

أما عن السنة المطهرة وحضها على الرجاء فقد ذكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «‌دَخَلَ عَلَى رَجُل وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا ‌يَجْتَمِعَانِ ‌فِي ‌قَلْبِ ‌عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» [الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الخوف والرجاء، ٢٣١٣، والحديث رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والنووي على تباين مواقفهم منه].

 ولا يغيبنَّ عنا هنا ذكر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ برِضاكَ مِن سخَطِكَ، وبمُعافاتِكَ مِن عقُوبتِكَ، وبكَ مِنكَ، لا أُحصي ثَناءً عليكَ، أنتَ كما أثنَيتَ على نفسِكَ»، وقوله للصديق الأكبر، وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، فاغْفِرْ لي...إلخ» [المرجع السابق، ص٣٧٣، وراجع في هذا أيضًا كتاب الخوف والرجاء للغزالي، القسم الخاص بالرجاء، حيث أورد آيات وأحاديث كثيرة، تؤكد مقام الرجاء وترفع من شأنه ومن شأن الراجين]

الأمر الثاني: أن الرجاء يجعل الصلة دائمة بين العبد من جهة، وبين الرب من جهة أخرى... العبد من جهة حاجته الدائمة لله الستار الغفار الرحيم؛ لأن الطبيعة الإنسانية، كما ذكرنا، يغلفها الخطأ والقصور، والسهو والجهل والنسيان فضلًا عن الهوى والميل، ومن ثم فإن هذه الطبيعة في حاجة دائمة، كلما أزفت بها آزفة، إلى المدد الإلهي، لأن الحرية الكاملة للسالك تكمن في عبوديته الكاملة والصادقة لله.

إن الرجاء يتضمن المحبة بطبيعة الحال، لأن المرء لا يرجو أحدًا إلا إذ كان محبًّا له وبمقدار ما تكون المحبة حاضرة ومالكة قلب المؤمن، بمقدار ما يكون راجيًا؛ لأن الرجاء ضد اليأس، واليأس ضد الرجاء وكما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء، فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضاد له. [الغزالي: الخوف والرجاء، ج١٣، ص٢٣٤٣] فلولا الرجاء لما تحرك أحد وسلك طريقه إلى الله إن الرجاء باعث نحو طلب المغفرة من جهة، والتطلع إلى نيل درجات أعلى، وبوجه أخص مقام الشكر الذي هو خلاصة العبودية من جهة أخرى.

 الأمر الثالث: يتمثل في أن الرجاء يؤكد ـ بلا شك ـ حسن ظن العبد بالله وهذا ما نصت عليه بعض الأحاديث القدسية فقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضى الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل «أَنا عِندَ ظنِّ عبدي بي وأَنا معَهُ حينَ يذكُرُني، فإن ذَكَرَني في نفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسي، وإن ذَكَرَني في ملإٍ ذَكَرتُهُ في ملإٍ خيرٍ منهم، وإن اقتَربَ إليَّ شبرًا اقترَبتُ منهُ ذراعًا، وإن اقتربَ إليَّ ذراعًا اقترَبتُ إليهِ باعًا، وإن أتاني يَمشي أتيتُهُ هروَلةً» [الحديث برواية مسلم، وراجع ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٦٤]

وقد ورد على لسان مالك بن أنس يوم موته: إنكم ستعاينون من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب. [الرسالة القشيرية، ص٦٣].

 وقد ورد كذلك أن أبا سهل الصعلوكي، رأى أبا سهل الزجاج في المنام حيث قال له: وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا.

وقد ورد أيضًا أن أبا بكر بن أشكيب رأى أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف، فقال له: بم نلت هذا؟ فقال بحسن ظني بربي.

 ورؤى مالك بن دينار في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قدمت على ربي عز وجل بذنوب كثيرة محاها عني حسن ظني به. [المرجع السابق، ص ٦٣-٦٤].

بقي أن نقول هنا: إن رجاء الصوفية ليس رجاء العاصين، بل هو رجاء من نوع خاص إن مقام الرجاء هنا على حد تعبير ابن عربي... هو مقام من شهد على نفسه بنفسه، من جهة تقصيره في حق ما تطلبه الحضرة الإلهية، وهذا التقصير راجع إلى ضعف العبودية: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ} [التغابن:١٦]، هذا وجه أما الوجه الآخر للرجاء فهو الذي يستحقه الرب على العبد: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [آل عمران:١٠٢] ويضيف ابن عربي: إن من ترك الرجاء فقد ترك نصف الإيمان؛ لأن الإيمان نصفان: نصف خوف، ونصف رجاء ، وكلاهما متعلقهما عدم، فإذا حصل العلم حصل الوجود وزال العدم وأزال العلم حكم الإيمان، لأنه شاهد ما آمن به فصار صاحب علم. [ابن عربي: الفتوحات المكية، ج٢، ص٢٨٢، تقديم محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ا، سنة ١٤١٨هـ - ١٩٩٨م].

 

الخلاصة

مقام الرجاء في التصوف الإسلامي، له مكانته كحالة قلبية تربط السالك بين الخوف من الله، والطمع في رحمته، وإن الرجاء لا يعني التواكل، بل يجب أن يكون مقترنًا بالسعي والطاعة، ويُعد من أشرف المقامات القلبية رغم ما قد يثيره من التباس، ويعرض هذا المقال تفسيرات الصوفية لهذا المقام باعتباره دافعًا روحانيًّا يعكس حسن الظن بالله.

موضوعات ذات صلة

 "الذوق" وهو من الإلهامات الربانية التي يفيض بها على عبده كغيرها من الكشف والإدراك.

القُرب يستخدم بمعنى التقرب إلى الله بالطاعات، وفي القرآن وردت مشتقات القرب بمعانٍ متعددة.

في الاصطلاح العام، هي إدراك الشيء بعد جهل به، ولهذا يُوصف الله بالعالم وليس بالعارف.

موضوعات مختارة