فلقد ميز الصوفية بين الرجاء وبين التمني من
جهة أن جوهر الرجاء السعي والجد والاجتهاد والتصميم على اتجاه القلب نحو الله
وحده: ومن ثم فإن الرجاء من جهة السالك يعني الإرادة والأخذ بالأسباب.
أما
التمني فحسب، فإنه يعني الكسل ولعل هذا هو ما حذر منه بعض صحابة رسول الله حيث
قال: لا يقعدن أحدكم في عقر داره، ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر
ذهبًا ولا فضة، إن جوهر التمني عدم الأخذ بالأسباب الحقيقية، كأن يتمنى المرء أن
يكون له جاه وسلطان وقصور.. دون أن يسعى إلى تحقيق ذلك.
وباختصار فإن الرجاء لا معنى له بغير العمل،
والعمل الصالح المتمثل في حسن الطاعة والامتثال الكامل لأوامر الله ونواهيه. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين،
ج٢، ص٣٥٥].
كذلك لا ينبغي الخلط بين الرجاء وبين الغرور
الذي هو لون من ألوان الرجاء الكاذب، والمتمثل في رجل يتمادى في ارتكاب الفواحش
والخطايا زاعمًا أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وبهذا الفهم المريض للغفران يرجو هذا الخاطئ
رحمة الله، دون أن يأخذ بأسبابها الحقيقية.
أما
إذا وقف هذا العاصي لحظة مع نفسه، ومع ربه، وصمم على التوبة، والعمل الصالح، وسعى
إلى ذلك بكل ملكاته التي منحه الله إياها، فإن رجاءه هنا يكون في موضعه.
يقول وهب بن منبه لابنه: يا بني إياك والغرَّة
بالله عز وجل، فإن الغرَّة بالله عز وجل، المقام على معصيته، وتمني مغفرته،
فيقيمون على المعاصي، ويتمنون المغفرة والرحمة، ويظنون أن الذي طيب أنفسهم الرجاء،
وإنما طيب أنفسهم الغرة فتمنوا، وظنوا أن ذلك منهم رجاء لربهم عز وجل. [أبو
عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي: الرعاية لحقوق الله، ص ٣٧٥، مراجعة وتقديم د عبد
الحليم محمود، طه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د.ت)]
ويقول يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترارعندي
التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير
طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء
بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط. [الغزالي: كتاب الخوف
والرجاء، الجزء ١٢، ص ٢٣١١، طبعة دار الشعب- القاهرة، والغزالي: الكشف والتبيين في
غرر الخلق أجمعين، ص١٢، على هامش كتاب تنبيه المغترين لعبد الوهاب الشعراني،
المطبعة الميمنية، أحمد البابي الحلبي، مصر، سنة ١٣١٠هـ]
يقول
الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ
فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ
رَّحِيمٞ} [البقرة: ٢١٨]، والمعنى أن
المجاهدين والمهاجرين والسالكين إلى الله، يحق لهم الرجاء، أما المغترون فهم أولئك
الذين يجدون لذتهم في ارتكاب المعاصي آمنين في عين الوقت أن يدعو الله فيغفر لهم،
مع أنهم لا يملكون مفاتيح الدعاء الحق إلى الله ومن ثم الطمع في عفوه ومغفرته.
إن
الرجاء هو ما هاج من الطمع والأمل في الله عز وجل فسخا نفس العاصي بالتوبة، وحال
بينه وبين القنوط، وبعث العبد على الطاعة لله عز وجل والتشمير، والاجتهاد رجاء ما
وعد العالمين والغِرّة خدعة من النفس والعدو يذكر الرجاء بالتوحيد أو بالآباء
الصالحين، أو بعمل قليل ضعيف فتطيب نفسه بتلك الخدعة حتى تهون عليه ذنوبه يظنه
أنها مغفورة، فيتمنى المغفرة فيقيم عليها ولا يتوب فهذا فرق ما بين الغرّة والرجاء.
[المحاسبي: الرعاية لحقوق
الله، ص٣٧٨]
على أن الخوف والرجاء يؤكدان، ويتضمنان في
عين الوقت، أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، بل إن الإنسان، من حيث هو، هالك، وما
دام الأمر كذلك، أقصد ما دام الضعف البشري قائمًا وما دامت الطبيعة الإنسانية عرضة
للزلل فإن الإنسان سوف يظل دائمًا في حاجة دائمة إلى العون الإلهي بمجالاته
المتعددة...
ومن
ثم فإن مقامات الخوف والرجاء والمحبة والشوق كلها غاية في الأهمية للسالكين، وفي
هذا الصدد نذكر ما تناقلته كتب الصوفية على لسان إبراهيم بن أدهم حيث انتظر فترة
من الزمان حتى يخلو المطاف له... حتى إذا كانت ليلة ظلماء شديدة المطر، خلا
المطاف، فدخل الطواف سائلًا الله له العصمة.
وكان
أن سمع هاتفًا يقول: يا ابن أدهم أنت تسألني العصمة وكل الناس يسألون العصمة، فإذا
عصمتكم فمن أرحم؟ وفي رواية فعلى من أتكرم؟ [الرسالة
القشيرية، ص٦٤، وراجع عبد الله بن أسد اليافعي: نشر المحاسن الغالية، ص٣٢٢-٣٢٤،
على هامش جامع كرامات الأولياء للنبهاني، دار صادر بيروت، (د. ت)].
وقد اختلف الصوفية بشأن أي الرجاءين أكمل:
رجاء المحسن ثواب إحسان، أو رجاء المسيء المذنب التائب مغفرة ربه وعفوه؟ طائفة رجَّحت
رجاء المحسن، لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة رجحت رجاء المذنب، لأن رجاءه مجرد عن
علة رؤية العمل، مقرون بذلة رؤية الذنب.
قال
يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب رجائي لك مع الأعمال، لأني أجدني
أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أصفيها وأحرزها، وأنا بالآفات معروف، وأجدني في
الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف. [ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، ج٢، ص٣٥٧].
والرجاء والخوف يتعلقان بالمستقبل، أي أنهما
لا يتعلقان بالحاضر (كما هو الحال بالنسبة للقبض والبسط) أو الماضي، وإنما يرتبطان
بتوقع إما حدوث مكروه في المستقبل، وهذا هو الخوف، أو توقع حدوث أمر محبوب، وهذا
هو الرجاء إن كان المنتظر مكروهًا حصل منه ألم في القلب سمي خوفًا وإشفاقًا.
وإن كان محبوبًا حصل من انتظاره، وتعلق
القلب به، وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمي ذلك الارتياح رجاءً،
فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده. [الغزالي: إحياء علوم الدين،
كتاب الخوف والرجاء، الجزء١٢، ص٢٣٠٩].
وفي
الرسالة القشيرية نطالع: الرجاء تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل، وكما أن
الخوف يقع في مستقبل الزمان، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال [الرسالة القشيرية: ص٦٠٥٩،
وكذلك، ص٦٢.].
وما دام الخوف والرجاء يتعلقان بالمستقبل
فإنهما يتعلقان كذلك بجواز حدوث الأمر، سواء كان مكروهًا أو محبوبًا، فليس ثمة
ضرورة أو يقين في حدوث المكروه، أو المحبوب في المقبل من الأيام، بل وجود تردد في
الحدوث أو عدم الحدوث.
وعلى ذلك فإن الأمر المقطوع يتجاوز مقامي الخوف والرجاء،
من حيث إنهما طمع في عفو الله ورحمته من جهة، وكرمه وجوده من جهة أخرى، ومن ثم فإن
قبول الرجاء لا يتوقف على العبد بل على الرب.
يقول الغزالي: من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما
هو مشكوك فيه؛ إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذًا المحبوب الذي يجوز وجوده، يجوز
عدمه لا محالة، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء، وتقدير عدمه يوجع القلب وهو
الخوف، والتقديران يتقابلان لا محالة، إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكًا فيه نعم
أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب، ويسمى ذلك ظنًّا: فيكون ذلك
سبب غلبة أحدهما على الآخر فإذا غلب الظن وجود المحبوب قوي الرجاء، وخفي الخوف
بالإضافة إليه، وكذا بالعكس، وعلى كل حال فهما متلازمان، يقول الحق سبحانه: {يَدۡعُونَ
رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا} [السجدة:١٦]، وكذلك: {وَيَدۡعُونَنَا
رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ } [الأنبياء:٩٠]. [الغزالي: كتاب الخوف
والرجاء، الجزء١٣، ص٢٣٤٤]
ويضيف أبو حامد الغزالي: اسم الرجاء إنما
يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا
ما ليس يدخل تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله
تعالى بصرف القواطع والمفسدات فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه بماء الطاعات،
وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى
الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاءً حقيقيًّا محمودًا في
نفسه.
وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات
أو ترك القلب مشحونًا برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر
المغفرة، فانتظاره حمق وغرور. [المرجع
السابق، ص ٢٣١، وللغزالي كذلك: الأربعين في أصول الدين، ص١٥٢، لجنة إحياء التراث
العربي، دار الآفاق الحديثة، ط٣، بيروت، سنة ١٤٠٠هـ].
وهذا الفهم الخاص بالرجاء هو ما ذكره الطوسي في
الفصول النصيرية، حيث قال: الرجاء كل متوقع حصوله مطلوب له مستقبلًا، وظن وجود
أسباب حصل له فرح مقارن لتصور حصوله، فيسمى ذلك الفرح رجاء، وإن تيقن حصول الأسباب
فيكون المتوقع واجبًا فيكون ذلك الفرح انتظارًا...
وإذا خلا من الظن واليقين يسمى تمنيًّا وإن
كان عدم حصول الأسباب معلومًا يسمى غرورًا وحماقة. [جمال الدين مقداد بن عبد
الله السيوري الحلي: الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية. ص١١٢. تحقيق علي
حاجي آبادي، عباس جلال نيا، مشهد الأستانة الرضوية المقدسة، مجمع البحوث
الإسلامية، طهران ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م].
وقد ميَّز الصوفية بين درجة العمل على الرجاء،
وبين درجة العمل على الخوف رافعين من درجة العمل على الرجاء مقارنة بدرجة العمل
على الخوف.
ثمة فارق كبير بين العبادة القائمة على
الخوف وتلك القائمة على الحب والطمع، وفي فهم بعض الصوفية: أن الله حرم اليأس من
رحمته على كل مسلم: {لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ} [الزمر:٥٣].
وقد
ورد أن علي بن أبي طالب قال لأحد الخائفين القانطين من - رحمة الله -: يا هذا يأسك
من رحمة الله أعظم من ذنوبك.
وفي
هذا نقرأ قول الحق: {وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ}[فصلت:٢٣]، وكذلك: {وَظَنَنتُمۡ
ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا} [الفتح: ١٢]؛ ولهذا فإن الرجاء
وليس الخوف يكرس الحنيفية السمحة، ويؤكد استجابة الحق سبحانه للمؤمنين الراجين له
بقولهم: {وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا} [البقرة:٢٨٦].
وجاء في الأثر كما ذكر الغزالي، أن رجلين كانا
من العابدين متساويين في العبادة، قال فإذا أدخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على
صاحبه فيقول: يا رب ما كان هذا في الدنيا بأكثر مني فرفعته علي في عليين؟ فيقول
سبحانه: إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وأنت كنت تسألني النجاة من النار
فأعطيت كل عبد سؤله، وهذا يدل على أن العبادة على الرجاء أفضل؛ لأن المحبة أغلب
على الراجي منها على الخائف. [الغزالي:
كتاب الخوف والرجاء، ج ١٢، ص٢٣٢٧].