تميّزت الدراسة الصوفية للخواطر بربطها بين الإدراك والسلوك، فجعلت الخاطر المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية، والأساس الذي يقوم عليه البناء الأخلاقي للإنسان، على خلاف النظرة الاعتزالية التي تناولته بمنطق عقلي مجرد.
تميّزت الدراسة الصوفية للخواطر بربطها بين الإدراك والسلوك، فجعلت الخاطر المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية، والأساس الذي يقوم عليه البناء الأخلاقي للإنسان، على خلاف النظرة الاعتزالية التي تناولته بمنطق عقلي مجرد.
أولًا: أصالة الفكرة: معرفة مدى أصالة مفهوم ما تقترن بملاحظة البيئة التي نبت بها، ومدى توافق اللفظ المعبر معها حقيقة المفهوم، ثم مدى خصوصيته ومغايرته للمفاهيم التي تظهر في سياقات أخرى، وقد تبدو مقاربة له في الظاهر، وهنا لا يمكن بشأن موضوع الخواطر أن نغفل التعرض لأصالة الكلمة ودلالاتها في اللغة ولا ورود الفكرة في الكتاب والسنة.
فلفظة الخاطر في أصل اللغة تدور حول الاهتزاز والتأرجح، والظهور والارتفاع. [ابن فارس: مقاييس اللغة، يقول: الخاء والطاء والراء أصلان؛ أحدهما: القدر والمكانة، والثاني: اضطراب وحركة، فالأول: قولهم لنظير الشيء: خطيره.. والأصل الآخر: قولهم: خطر البعير بذنبه خطرانا، وخطر ببالي كذا خطرًا، وذلك أن يمر بقلبه بسرعة لا لبث فيها ولا بطء] حتى إنها أطلقت في بعض صيغ مشتقاتها مجازًا على ما صفته الاهتزاز والعلو، فالخطر العارض من السحاب لاهتزازه، والخطار: المقلاع والمنجنيق والبندول والطعان بالرمح والرجل يرفع يده للرمي، وخطر الرمح: اهتز فهو خطار، وأصابته خطرة من الجن؛ أي مس [تاج العروس، القاموس المحيط، والمعجم الوسيط].
ويعرفه الزمخشري بأنه ما يتحرك في القلب من رأي أو معنى [أساس البلاغة]، وهو لدى ابن منظور: "ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر ... يقال: خطر ببالي كذا وكذا يخطر خطورًا إذا وقع ذلك في بالك ووهمك، وأخطره الله ببالي وعلى بالي، وخطر الشيطان بين الإنسان وقلبه أوصل وسواسه إلى قلبه"، ويذكر مجمع اللغة العربية أن "الخاطر قد يطلق على القلب أو النفس على سبيل المجاز" [المعجم الوسيط] من إطلاق لفظ الحال على المحل.
وإذا كان هذا التعريف يبيِّن حال الخاطر، وكيفية تأثيره في القلب، فهناك من عرَّفه بمرادفه، فيذهب ابن سيده والفيروزآبادي والزبيدي إلى تعريف الخاطر بالهاجس، وأشار ابن منظور إلى أنه قد يطلق اللفظ ويراد به الوسوسة [لسان العرب].
ولكن كيف وردت الكلمة في الكتاب والسنة؟
لم يرد (الخاطر) بلفظه في القرآن الكريم، أما في السنة المشرفة فقد ورد لفظ (الخاطر) ومشتقاته بكلا معنييه، في أصل اللغة: الاهتزاز والتمايل والقدر والمكانة في مواضع عدة، كما ورد بمعنى الوارد الذي يرد على قلب العبد في مواضع، منها: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أَعَدَّدتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، مُصْدَاقَ ذَٰلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: {فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [السجدة: ١٧]». [رواه البخاري]
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضِرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْنِّدَاءَ، فَإِذَا قُضِيَ الْنِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا قَامَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اَذْكُرْ كَذَا، اَذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». [رواه البخاري].
هذا ومن أبرز الألفاظ التي وردت في اللغة دَالّة على عملية الخطور بالبال: الهاجس والوسوسة والنزغ والطائف واللمة، إلا أن أهمها هنا قد تكون اللمة، وهي وإن اقتصر ورودها على السنة النبوية المشرفة فإن الحديث الوارد بها من أكثر الأحاديث دورانًا على الألسنة في هذا الباب، حتى ليمكن اعتباره الأصل الباعث على بحث الفكرة عند المفكرين المسلمين، الصوفية وغيرهم.
فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيْعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيْعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَن وَجَدَ ذَٰلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: {ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِ} [البقرة: ٢٦٨]» [رواه الترمذي].
فالكلمة وضعت أصلًا في اللغة للدلالة على الاقتراب والنزول بالشيء في بعض الأحيان على غير مواظبة، وأطلق اللمم على كل ما ألم بالإنسان طرف منه، ثم غلب اسم المرة (لمة) للدلالة على اقتراب ودنو المغيبات من الملائكة والشياطين والجن دون الأشخاص والأشياء. [تاج العروس، ومقاييس اللغة، لسان العرب]
وعلى هذا فاللمة تختلف عن الخاطر الذي وصف بالطروء والمرور على القلب وعدم الوقر واللبث والثبات، فكأن اللمة هي الهمة أو الخطرة صادفت ميلًا في القلب، وإن كان العقل لم ينقدها بعد.
فلعل في هذا دليلًا على أصالة فكرة الصوفية عن الخاطر؛ إذ جاء الحديث عنه مستهلًا بحديث اللمة السابق ومستهديًا بتقسيمه، ومتفقًا مع ما استقر عليه الرأي في المنظومة الفكرية الإسلامية.
فعلى سبيل المثال يذكر الزبيدي تفرقة الفقهاء وأهل الحديث والأصول بين الخاطر وبين حديث النفس، وكذا تفرقتهم بين الهم والعزم، وجعلهم المؤاخذة على الأخير دون الأربعة الأول. [تاج العروس]
كما أن هناك تغايرًا بين مفهوم مصطلح الخاطر الأول (prenoshon) عند اليونان والذي يعرف بأنه "معرفة عفوية تخطر بالذهن لأول وهلة، قال بها الأبيقوريون والرواقيون، وهي تنبع من النفس تلقائيًّا عند إثارة خارجية. [مجمع اللغة العربية]
وبين الخاطر عند الصوفية؛ إذ هو مغاير تمامًا لهذا، فهو معرفة ملقاة من مؤثر خارجي عن النفس، وليست نابعة تلقائيًّا منها، وهذا مما يؤكد أن فكرة الخاطر فكرة ذاتية لم تدخل إلى الصوفية من تأثيرات خارجية؛ إذ هو عندهم كلام على ما يقع فعلًا للمريدين يصفونه لأشياخهم. [الرسالة القشيرية، سلوك المريدين]
ثانيًا: تعريف الخواطر:
تدور تعريفات الخاطر على منحيين عند القوم، أحدهما ينظر إلى وظيفته، والآخر يحاول تحديد حقيقته.
فالأول: كالذي ورد عن الحارث المحاسبي (ت ٢٤٣هـ) أن الخطرات هي: دواعي القلوب إلى كل خير وشر. [مجمع اللغة العربية]
والثاني: كتعريف القشيري (ت٤٦٩هـ) له بأنه خطاب يرد على الضمائر [الرسالة القشيرية].
وربما جاءت بعض التعريفات ناظرة إلى كلا الجانبين معًا، ومنها تعريف الغزالي (ت ٥٠٥هـ): الخواطر آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الفعل أو الترك معًا، وحدوث جميعها في القلب من الله؛ إذ هو خالق كل شيء". [روضة الطالبين وعمدة السالكين]
وتعريف القاشاني للخاطر (ت ٧٣٦هـ) بأنه ما يرد على القلب من الخطاب، ربانيًّا كان أو ملكيًّا أو نفسيًّا أو شيطانيًّا من غير إقامة، وقد يكون بوارد لا عمل للعبد فيه. ويفرق بينها تمييزات الشرع؛ فما كان للعبد فيه قربة إلى ربه فليس بشيطاني ولا نفساني وإلا فهو عنهما، سواء كان هذا خاطرًا علمًا أو عملًا؛ ولهذا قالوا: كل خاطر لا يشهد له العلم الشرعي بصحته فهو شيطاني. [لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلمام].
وعلى ذلك فالخاطر هو:
-خطاب يرد على قلب العبد أو هو كل وارد يفجأ القلب بديهة كما توسع في ذلك البعض، ومنهم ابن عجيبة (ت ١٢٦٦هـ) إذ عرفه بأنه حركة القلب والخاطر والوارد والحال، محلها واحد وهو القلب، ولكن ما دام القلب تخطر فيه الخواطر الظلمانية والنورانية سُمي ما يخطر فيه خاطرًا وإن انقطعت عنه الخواطر الظلمانية سُمي ما يخطر فيه واردًا أو حالًا، وكلاهما يتحولان، فإن دام ذلك سُمّي مقامًا. [إيقاظ الهمم في شرح الحكم]
وهو قد يأتي مطالبًا بفعل ما أو حاثًا عليه؛ لذا فمنه المحمود والمذموم بحسب نوع الأفعال التي يطالب بها لكونه المحرك أو السبب الداعي لهذه الأفعال عن طريق إثارة أو تحفيز الإرادة فالنية فالعزم فتتحرك الأعضاء بمباشرة الفعل.
ومن هنا دأب الصوفية على التحذير من إغفال المرء خواطره، فالخراز (ت ٢٧٧ أو ٢٧٩هـ) يطالب المريدَ لسلوك سبيل النجاة بقوله: "وارع قلبك وما يقع فيه، فما كان من أجناس الخير والعلم فاتّبعه، وما كان من جنس الباطل والهوى فانفِه بالسرعة، ولا تمادي على الخطرة فتصير شهوة ثم تصير الشهوة همة ثم تصير الهمة فعلًا، واعلم أن عدوك إبليس لا يغفل عنك ... ولن يألوا جُهدًا في تهوين عزمك ... ثم يذكرك في وقت شغلك بالبر والطاعة الحوائج ليقطعك عن خيرٍ أنت فيه". [كتاب الصدق]
ويكثر ابن عربي من ذلك في كتابه (نفحات القدس في مناصحة النفس) بل يكاد يكون الكتاب كله دائرًا حول هذا المعنى.
إلا أن هذا لا يعني أن الخاطر يستلزم دائمًا تنفيذ الفعل الحاث عليه؛ وذلك لسرعة زواله أو نفي المخطر بباله له، وإلى هذا أشار تعريف الهجويري (ت ٤٦٥هـ) للخاطر، فهو لديه: حصول المعنى في القلب مع سرعة زواله بخاطر آخر، وقدرة صاحب الخاطر على دفعه عن القلب. [كشف المحجوب].
ثالثًا: أقسام الخواطر:
يقسم المحاسبي (ت ٢٤٣هـ) الخواطر إلى ثلاثة أقسام:
من هوى النفس أو من العقل بعد تنبيه الله عز وجل له أو من العدو، وهي على ثلاثة معان: تنبيه من الرحمن، تسويل وأمر من النفس ... تزيين ونزغ ووسوسة من الشيطان [الرعاية لحقوق الله] غير أن التقسيم الرباعي للخواطر هو الأشهر والذي عليه أكثر الصوفية. [كشف اصطلاحات الفنون].
فالمحاسبي نفسه جعل تنبيه الرحمن على صورتين، في قوله:
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيرًا يَجْعَلْ لَهُ وَاعِظًا مِنْ قَلْبِهِ»، وذلك أن الله عز وجل يخطر ببال المؤمن لينبهه بذلك ويعظه، فمنه ما يخطر بباله بإحداث الخاطر فينشئه في قلبه، ومنه يأمر الملك أن يخطر ببال العبد ليعظه بذلك وينبهه له، وإياه عَني عبد الله بن مسعود بقوله: لمة من الملك. [الرعاية، والحديث أورده أبو نعيم في الحلية خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا جَعَلَ لَهُ وَاعِظًا مِنْ نَفْسِهِ وَزَاجِرًا مِنْ قَلْبِهِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ».
والجنيد (ت ٢٩٨هـ) يقسمها إلى خطرة من الله تعالى ترشد إلى الإشارة، وخطرة من الملك ترشد إلى الطاعة، وخطرة من النفس تجر إلى الدنيا وطلب عزها، وخطرة من الشيطان تجر إلى المعاصي [كشاف اصطلاحات الفنون].
ويفصل الكلاباذي (ت٣٨٠هـ) كل قسم مما سبق وما يدعو إليه، وكيفية مواجهة كل قسم من هذه الأقسام، فيقول: الخاطر على أربعة أوجه: خاطر من الله عز وجل وخاطر من الملك، وخاطر من النفس، وخاطر من العدو، فالذي من الله تنبيه، والذي من الملك حث على الطاعة، والذي من النفس مطالبة الشهوة، والذي من العدو تزيين المعصية.
فبنور التوحيد يَقبل من الله، وبنور المعرفة يقبل من الملك، وبنور الإيمان، ينهى النفس، وبنور الإسلام يرد على العدو.
غير أن هذا التقسيم للخواطر تقسيم مجازي، فالتهانوي يذكر -في الكشاف- أن المشهور عند مشايخ الصوفية أن الخواطر الأربعة كلها من الله تعالى بالحقيقة إلا أن بعضها يجوز أن يكون بغير واسطة، وبعضها بواسطة، فما كان بغير واسطة -وهو خير- فهو الخاطر الرباني، ولا يضاف إلى الله تعالى إلا الخير أدبًا، وما كان بواسطة - وهو خير - فهو الخاطر الملكي، وإن كان شرًا، فإن كان بإلحاح وتصميم على شيء معين -فيه حظ النفس- فهو الخاطر النفسي، وإلا فهو الشيطاني. [كشاف اصطلاحات الفنون]
وليس هذا رأيًا خاصًّا بالتهانوي وإنما صرح به غيره من الصوفية، فالداراني (ت ٢١٥هـ) يقول: كيف يخفى عليه ما في القلوب، ولا يكون في القلوب إلا ما يلقى فيها أفيخفى عليه ما هو منه [اللمع].
ويصرح الواسطي (ت٣٢٠هـ) بأنه لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرتا بالله لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لا بذواتها؛ إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح. [الرسالة، ولم يذكر القشيري ضمن تقسيمه هذا الخاطر الإلهي وكيفية التعرف عليه].
فهو هنا يصرح بالمبدأ أو بالقاعدة التي قام عليها هذا التقسيم.
ويرى الإمام الشعراني (ت٩٧٣هـ) "أن من أخلاق المريدين الصادقين: شهودهم ببادئ الرأي إذا وسوس لهم إبليس بمعصية وفعلوها أن ذلك من تقدير الله عز وجل بواسطة إبليس من حيث كونه آلة في ذلك، كما أن وسوسة إبليس لهم بالمعصية عن تقدير الله على إبليس كذلك بواسطة المزاج الذي ركبه الله عليه، فلا يضيف أحدهم الوسوسة إلى إبليس؛ فإن ذلك معدود من الشرك الخفي بالله عز وجل وما رأيت لهذا الخلق ذائقًا من أهل عصري إلا القليل"، وقد قال الله تعالى: {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗا} [النساء: ٣٦] ليكن قوله (شيئًا) عامًا، فيشمل شرك النفس وإبليس في العمل. [معجم اصطلاحات الصوفية]
وبناءً على ما يذهب إليه أهل السنة جملةً من أن الباري تعالى هو الخالق للخير والشر حيث الحقيقة إلا أنه لا يُنسب إليه إلا الخير تأدبًا، كما يوضحه الإمام البيجوري (ت ١١٩٨هـ)، ومع أن الفعل خيره وشره لله فالأدب أن لا يُنسب له تعالى إلا الحسن، فيُنسب الخير لله والشر للنفس كسبًا، وإن كان منسوبًا لله إيجادًا، قال تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَ} [النساء: ٧٩] أي كسبًا كما يفسره قوله تعالى: {وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ} [الشورى: ٣٠]، وأما قوله تعالى: {قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ} [النساء: ٧٨] فرجوع إلى الحقيقة. [الرسالة]
على أن هذا لا يلزم منا الرضا بالمعاصي والكفر تعللًا بأن الباري تعالى قضى بهما وقدرهما على الشخص مع أن الرضا بالكفر كفر، وبالمعاصي معصية؛ لأن الكفر والمعاصي لهم جهتان: جهة كونهما مقضيين ومقدّرين لله، وجهة كونهما مكتسبين للعبد، فيجب الرضا بهما من الجهة الأولى لا الثانية [روضة الطالبين]؛ إذ إنهم عند وصفهم لشيء ما بأنه على الحقيقة، فإنما يعنون بذلك أنه وجد على وفق الإرادة الشرعية له تبارك وتعالى، حتى لا يلزم من ذلك وجود ما لم يرده تعالى في كونه.
وهنا يرد السؤال: على أي أساس قسم الصوفية خواطرهم؟
لقد درج كثير ممن كتب من مشايخ الصوفية على استهلال حديثهم عن الخواطر بإيراد [عوارف المعارف، معجم اصطلاحات الصوفية] حديث اللمتين السابق، وربما زاد البعض فأورد تعليق الحسن البصري رضي الله عنه على هذا الحديث بقوله: "إنما هما همَّان يجولان في القلب؛ هم من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدًا وقف عند همه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوه جاهده". [قوت القلوب، الغنية]
وقد ترجح لدينا -كما ألمحنا فيما سبق- أن هذا الحديث هو المنطلق الذي انطلق منه القوم إلى تصنيف الخواطر إلى أقسام بحسب مصدرها المجازي، رغم أنهم يجمعون على أن الخواطر من الله تعالى في الحقيقة.
وقد ذهب السهروردي (ت ٦٣٢هـ) إلى أنه "إنما يتطلع إلى معرفة اللمتين وتمييز الخواطر، طالب مريد يتشوف إلى ذلك تشوف العطشان إلى الماء؛ لما يعلم من وقع ذلك وخطره في فلاحه وصلاحه وفساده، ويكون ذلك عبدًا مرادًا بالحظوة بصفو اليقين ومِنَحِ الموقنين، وأكثر التشوف إلى ذلك للمقربين، ومن أخذ به في طريقهم، ومن أخذ في طريق الأبرار قد يتشوف إلى ذلك بعض التشوف؛ لأن التشوف إليه يكون على قدر الهمة والطلب، والإرادة والحظ من الله الكريم، ومن هو في مقام عامة المؤمنين والمسلمين لا يتطلع إلى معرفة اللمتين ولا يهتم بتمييز الخواطر[عوارف المعارف].
ومعنى هذا أن عامة المسلمين ليسوا فقط غير قادرين على التمييز بين اللمتين؛ بل لا يهتمون بهذا التمييز أو يتطلعون إليه أصلًا، وذلك أن هذا التشوف مرتهن بأمرين؛ الأول: إدراك مدى أهمية هذا التمييز في صلاح الإنسان وفساده.
والثاني: مدى حظ هذا الإنسان من كرم المولى عز وجل ومدى همته وإرادته في طلب تحصيل هذا التمييز.
رابعًا: هل من إمكانية للتمييز بين تلك الخواطر؟
شُغل الصوفية ببيان سمة كل خاطر، فذهب البعض إلى إمكانية تحديد مصدر الخاطر عن طريق "ملاحظة جهة وروده على القلب". [عوارف المعارف]، كما يقول السهروردي (ت ٦٣٢هـ)، غير أنه يرى أن ذلك "إنما يصح لعبد أذاب نفسه بالتقوى والزهد، وتصفى وجوده، واستقام ظاهره وباطنه، فيكون قلبه كالمرآة المجلوة لا يأتيه الشيطان من ناحية إلا ويبصره، فإذا اسود القلب وعلاه الرين لا يبصر الشيطان" [عوارف المعارف]، مستدلًا بما رُوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ العَبدَ إذا أخطَأَ خَطيئَةً نَكتَ في قَلبِهِ نَكتَةً سوداءَ، فإذا نَزَعَ واستَغفارَ وتابَ صَقَلَ قَلبَهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلو على قَلبِهِ» [رواه أحمد]، وهو الرانُ الذي ذَكَرَهُ اللهُ تعالى: {كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [المطففين: ١٤].
وقد ذكر الصوفية صفات عامة لصقل خاطر من هذه الخواطر الأربعة في محاولة منهم لبيان كيفية التعرف على مصدر الخاطر من معرفة ما يدعو إليه، فإذا كان الخاطر من قبل الملك فإنما يُعلم صدقه بموافقة العلم؛ ولهذا قالوا: "كل خاطر لا يشهد له ظاهر فهو باطل، وإن كان من قبل الشيطان فأكثره يدعو إلى المعاصي، وإذا كان من قبل النفس فأكثره يدعو إلى اتباع شهوة أو استشعار كبر أو ما هو من خصائص أوصاف النفس" [الرسالة، ولم يذكر القشيري ضمن تقسيمه هذا الخاطر الإلهي، وكيفية التعرف عليه، فهل هذا إشارة منه إلى خصوصية الخاطر الإلهي، وأنه يحمل معه أمارة صحته للمخطر بباله وأنه يباين سائر الخواطر بحيث لا يمكن بحال من الأحوال أن يختلط بها].
ويُجمل القاشاني (ت ٧٣٦هـ) الخصيصة التي تميز كل خاطر من هذه الخواطر الأربعة بقوله: "فالرباني يعرف بالقوة والتسلط وعدم الاندفاع، والملكي هو الباعث على مندوب أو مفروض، وكل ما فيه صلاح. والنفساني وهو ما فيه حظ للنفس والشيطاني وهو ما يدعو إلى مخالفة الحق [معجم اصطلاحات الصوفية، كشاف اصطلاحات الفنون].
ويفرق الجنيد (ت ٢٩٨هـ) بين هواجس النفس ووساوس الشيطان بأن "النفس إذا طالبت بشيء ألحت ... فلا تزال تعاودك -ولو بعد حين- حتى تصل إلى مرادها ... اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة ... وأما الشيطان، إذا دعاك إلى زلة فخالفته بترك ذلك، يوسوس بزلة أخرى؛ لأن جميع المخالفات له سواء، وإنما يريد أن يكون داعيًا أبدًا إلى زلة ما، ولا غرض له في تخصيص واحد دون واحد" [الرسالة، ويبدو أن هذا مما اتفق عليه مشايخ الصوفية؛ لأن السهروردي عند تعرضه لذكر الاختلاف بين هواجس النفس ووساوس الشيطان، يُصدر الحديث بصيغة الجمع "وفرقوا بين ..." ثم يسوق قول الجنيد مختصرًا. عوارف المعارف].
ويحدد الغزالي (ت٥٠٥هـ) أوجهًا ثلاثة للتفرقة بين خاطر خير من الله تعالى أو من الملك: "أحدها: إن كان مصممًا على حالة واحدة فهو من الله تعالى وإن كان مترددًا فهو من الملك؛ إذ هو بمنزلة ناصح.
والثاني: إن كان عقب اجتهاد منك وطاعة فهو من الله تعالى، وإن كان في الفروع والأعمال الظاهرة فهو من الملك في الأكثر؛ إذ الملك لا سبيل له إلى معرفة باطن العبد في قول أكثرهم". [روضة الطالبين]
وإذا كان هذا وصفهم نظريًّا لما يميز كل خواطر، فهل هناك إمكانية للتميز العملي بين الخواطر؟ وهل يقطع قول السهروردي الذي ذهب فيه إلى أن التشوف لتمييز اللمتين إنما يكون للمقربين ومن سلك طريقهم، ومن سلك طريق الأبرار فقد يتشوف لذلك بعض التشوف أملًا أمَّن هو في مقام عامة المسلمين أن يتطلع إلى معرفة اللمتين وتمييز الخواطر؟ [عوارف المعارف].
الاتفاق معقود بين الصوفية "على أن من كان أكله من الحرام لم يفرق بين الإلهام والوسواس" [الرسالة، عوارف المعارف؛ ولذا ذهب الجنيد إلى أنه "بصفاء المطعم والملبس، والمسكن يصلح الأمر كله" اللمع]؛ وذلك لأن التمييز بينهما إنما يقع بدقيق النظر في الأحكام وكمال العلم بالحلال والحرام" [د/ عبد الحليم محمود، من تحقيقه للرسالة القشيرية).
بل لقد ذهب الشيخ أبو علي الدقاق (ت ق ٤هـ) إلى القول بأن "من كان قوته معلومًا لم يفرق بين الإلهام والوسواس" [الرسالة، عوارف المعارف] إلا أن السهروردي اعترض على هذا الإطلاق، وقيده بقوله: "إن من المعلوم ما يقسمه الحق سبحانه وتعالى لعبد بإذن يسبق إليه في الأخذ منه والتقوت به، ومثل هذا المعلوم لا يحجب عن تمييز الخواطر، إنما ذلك يقال في حق من دخل في معلوم باختيار منه وإيثار؛ لأنه ينحجب لموضع اختياره، والذي أشرنا إليه منسلخ من إرادته، فلا يحجبه المعلوم" [عوارف المعارف]
إذن فمن تحرى الحلال في مأكله وملبسه، وتورع عن الهجوم والدخول في معلومة باختياره، وانتظر الإذن من الحق سبحانه وجاهد نفسه حتى سكنت عنها هواجسها هو من يملك القدرة العملية على التمييز بين الخواطر، ولكن هذا الامتلاك على الحقيقة يتفاوت بحسب الهمة، والطلب، والإرادة، والحظ من الله الكريم.
فإذا لم يكن أمل آحاد الناس مقطوعًا من القدرة على تمييز خواطره؛ لأن مدار الأمر ليس على فقد عامة المسلمين لإمكانية التمييز بين الخواطر أو أهليتهم لذلك، بل على إدراكهم لأهميته في صلاح أنفسهم أو فسادها، وشغلهم النفس بالتحري قبل إمضاء الخاطر أو الإحجام عنه.
ولكن ما أسباب الاشتباه في الخواطر؟
لقد حدد السهروردي (ت٦٣٢هـ) أسبابًا أربعة للاشتباه في الخاطر لا خامس لها عنده، وهي: "إما ضعف اليقين أو قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى أو محبة الدنيا: جاهها ومالها وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس، فمن عُصم عن هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان. ومن ابتلي بها لا يعلمها ولا يطلبها. وانكشاف بعض الخواطر دون بعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض، وأقوم الناس بتمييز الخواطر أَقوامهم بمعرفة النفس، ومعرفتها صعبة المنال، لا تكاد تتيسر إلا بعد الاستقصاء في الزهد والتقوى". [عوارف المعارف]
وإذا كان الأمر مرتهنًا بمعرفة المرء بمدى أهمية الأمر؛ لأن الشيطان ما نال ممن نال منهم إلا من قبل أهواء أنفسهم، ولولا ذلك لازدادوا قربًا بوسوسة الشيطان، ذلك أنه كلما دعاهم إلى المعصية عصوه طاعةً لله. [الرعاية لحقوق الله] فهو مرتهن كذلك بهمته وبمدى رضاه عن نفسه، حتى إن ابن عجيبة (ت١٢٦٦هـ) يرجع السبب في بقاء العيوب البشرية في الإنسان إلى: "الغفلة عن البحث عنها، وسبب الغفلة عنها هو الرضا عن النفس؛ إذ لو أساء ظنه بها بحث عن مساويها، فاستخرجها وتطهر منها" [إيقاظ الهمم].
ويقرر الصوفية أن إمكانية التمييز العملي متاحة -أيضًا- فيذهب القاشاني (ت ٧٣٦هـ) إلى أن مضمون الخاطر إن وُزن بميزان الشرع فكل ما فيه قربة إلى الله تعالى صار من الأولين: (خاطر الملك أو الحق)، وكل ما فيه كراهة أو مخالفة شرع الله فهو من الآخرين: (خاطر النفس أو العدو)، أما المباحات فقد اشتبه فيها: فما كان منه مخالفًا لهوى النفس فهو من الأولين، وما كان منه موافقًا لهوى النفس فهو من الآخرين، مقررًا أن الصادق الحاضر مع الحق الصافي القلب يسهل عليه التفرقة بينهما بتوفيق الله له. [معجم اصطلاحات الصوفية].
وهو يتفق في هذا مع السهروردي الذي يقرر أن: "من قصر عن درك حقائق الزهد، وتطلع إلى تمييز الخواطر يزن الخاطر - أولًا - بميزان الشرع، فما كان من ذلك نفلًا أو فرضًا يمضيه، وما كان من ذلك حرامًا أو مكروهًا ينفيه، فإن استوى الخاطران في نظر العلم يتم تنفيذ أقربهما إلى مخالفة هوى النفس، فإن النفس قد يكون لها هوى كامن في أحدهما، والغالب من شأن النفس الاعوجاج والركون إلى الدون". [عوارف المعارف]
ويرى الإمام الغزالي (ت ٥٠٥هـ) قبلهما أن السبيل إلى التفرقة بين خاطر الخير وخاطر الشر أن تزنه بأحد موازين ثلاثة فيبين لك حاله، فالأول: هو أن تعرضه على الشرع، فإن وافق جنسه فهو خير، وإن كان بالضد، إما برخصة أو بشبهة فهو شر، فإن لم يبين لك بهذا الميزان، فاعرضه على الاقتداء بالصالحين، فإن كان فيه اقتداؤهم فهو خير، وإلا فهو شر، وإن لم يبين لك بهذا الميزان فاعرضه على النفس والهوى، فإن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع لا ميل رجاء إلى الله تعالى فهو شر. [روضة الطالبين]
وعلى هذا، فلدى كل إنسان الميزان الذي يزن به خواطره -متى أدرك أهميتها في صلاح أو فساد شأنه كله- به يعرف متى يمضي الخاطر ومتى ينفيه، فكل ما فيه إلى الله قربى يمضيه، وما سواه ينفيه.
نعم، هذا ميزان عام وإجمالي لوزن الخواطر والتمييز بينها، ولكن مشايخ الصوفية بينوا المميزات الأساسية لكل خاطر منها لمن أراد أن يسلك سبيل المتحققين بحقيقة الزهد، حتى تنجلي مرآة قلبه من الشوائب الطبيعية الجسمانية بمصقل الزهد والتقوى والذكر.
وإذ كان المولى عز وجل قد وهب العبد القدرة على تمييز خواطره، وأهلَّه لذلك وإن كانت هذه القدرة تتفاوت بتفاوت الأشخاص على الحقيقة بحسب مجاهداتهم، ونصيب كل منهم من توفيق المولى الكريم فما واجب العبد تجاه الخواطر الواردة عليه؟
ذهب المحاسبي (ت ٢٤٣هـ) إلى أن على العبد واجب "التثبت بالعلم الدالِّ على الخطرات، حتى يستدل فيعلم من أي الوجوه الخطرة حين تعرض، فيجعل الكتاب والسنة دليله، فإن لم يتثبت بعقله ويجعل العلم دليله لم يبصر ما يضره مما ينفعه" [الرعاية]، والتثبت عنده حبس النفس قبل الفعل، وترك العجلة، وهو الصبر قبل الفعل، جازمًا بأن العبد لن يميز بين الخواطر "إلا بالعلم والتثبت بالعقل" [الرعاية]، حتى لقد ذهب إلى أن صاحب الخاطر إذا عجز عن تبين خاطره أيدعوه إلى ما أحب الله عز وجل أو إلى ما يكره، وقف وتثبت ابتداء أو يشهد العلم له بأحد الأمرين: فيقبل أو ينفي، وهو في فسحة حتى يتبين بالنظر بقلبه أو بسؤال العلماء إن كان مما لا يُبلغه علمه. [الرعاية]
ولذا عدَّ أقوى الخلق رعايةً لحقوق الله عز وجل هم أهل الرعاية "عند الخطرات بعد اعتقاد حمل حقوق الله عز وجل ولا يخطر بقلبه خطرة من أعمال قلبه إلا جعل الكتاب والسنة دليلين عليها" [الرعاية].
وهذا الواجب مما ينص عليه سائر الصوفية بلا استثناء بين من هو في بداية الطريق أو منتهاه، يقول أبو حفص الحداد (ت٢٦٤هـ): "إن السبيل إلى عد المريد في ديوان الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه هو دوام وزن أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، واتهام خواطره" [الرسالة].
وأما أبو سليمان الداراني (ت٢١٥هـ) فيقول: "ربما تنكت الحقيقة قلبي أربعين يومًا، فلا آذن لها أن تدخل قلبي إلا بشاهدين من الكتاب والسنة". [الرسالة، اللمع]
ولذا فعلى العبد تجاه خواطره واجب يتمثل في:
(أ) التفقه في الكتاب والسنة لقول الجنيد سيد الطائفة (ت٢٩٧هـ): "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم". [الرسالة]
وقوله: "من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". [الرسالة]
(ب) ثم التثبت أو التوقف قبل الفعل، حتى يتبين له أيدعوه الخاطر إلى ما يحب المولى عز وجل أو إلى ما يكره تعالى ثم هو بعد ذلك في مهلة وفسحة من الوقت إلى أن يتبين حقيقة الدعوة، سواء أكان ذلك بالنظر بقلبه أو عن طريق سؤال أحد العلماء.
وهذا التوقف ليس رأيًّا خاصًا بالمحاسبي، فالمكي (ت٣٨٦هـ) يقول: "واعلم أن حكم الله فيما اشتبه من الأمور الإمساك والوقوف، وألا يقدم العبد على ذلك بعقد ولا عزم إن كان من أعمال القلوب، ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن كان من عمل الجوارح، بل يقف ويوقف الأمر حتى يتبين له، وهو صورة الورع؛ لأن الورع هو: الجبن والتأخر عن الإقدام على المشكلات، وعن الهجوم في الشبهات: لا بقول، ولا بفعل، ولا بعقد حتى تنكشف بغامض العلم لغموضها وتدقيق معرفة المعاني لدقتها وخفائها". [القوت]
ويقرر الغزالي (ت ٥٠٥هـ) – أيضًا - أن "أصل العبادة وملاكها الورع، والورع أصله النظر البالغ في كل شيء والبحث التام عند كل شيء هو بصدده من: أكل، وشرب، ولبس، وكلام، وفعل. فإذا كان الرجل مستعجلًا في الأمور غير متأن، متثبت، متبين، لم يقع منه نظر، وتوقف في الأمور كما يجب ... فإنه يقع في الحرام والشبهة، وأي خير في عبادة بلا ورع؟". [روضة الطالبين]
وهنا يرد السؤال: ما الأساس في قولهم بالتوقف؟
لعل هذا التوقف والتثبت منطلق من فهم الصوفية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ». [رواه البيهقي]
ويعقب المكي على هذا الخبر قائلًا: "لم ينقصه بوجود رأيه مما رآه من الأمر؛ لأنه نتيجة عقله، وثمرة فهمه، وإنما نقصه بنظره إليه، وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه، وبنورٍ هداه، وإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارًا برأيه" [القوت]، فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان متبعًا لهواه معجبًا برأيه، وهذا الفهم لمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق يجد ما يؤيده فيما يرويه ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ الْيَوْمَ فِي زَمَانٍ خَيْرُكُمْ فِيهِ الْمُسَارِعُ، وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ خَيْرُكُمْ فِيهِ الْمُتَأَنِّي» [القوت، والخبر المروي هنا عن ابن مسعود رضي الله عنه ورد بمعناه في شعب الإيمان، وحلية الأولياء].
كما أنه قبل ذلك منطلق من فهمهم لقوله تعالى: {وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء: ٣٦]، فيذهب المكي إلى أن "الإقدام على الأمور مما لم ينكشف للأسماع، ولم يظهر للأبصار، فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها، والقطع بظاهر الأمر عليها، وهو معنى قول الله تعالى - قَفْو ما لم يبن علمه، ... إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة؛ فلذلك قال: {إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا}، وكذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى، ومن تفرس في فعل أو أمر غاب عنه حقيقته، فأخبر به، وأظهره على صاحبه فقد أساء" [قوت القلوب، والحديث رواه الإمام البخاري].
وهكذا جاءت الدراسة الصوفية لموضوع الخواطر يقترن فيها الجانب المعرفي بالجانب السلوكي؛ إذ الخاطر -عندهم- هو المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية؛ لكونه أولى مراحلها، وقد رتبوا على معرفة جهته واجباتٍ، وشرطوا لتمييزه شروطًا، وأوجبوا التوقف عن إمضائه حتى يتبين المرء موافقته للكتاب والسنة؛ فالنظرة الصوفية بطبيعتها لا تغفل البعد السلوكي والأخلاقي في دراستها لفكرة ما، وهذا ما يتضح في دراستهم لموضوع الخاطر، واستقصاء هذا البعد في ثنايا كتبهم.
ولعل هذا هو ما ميز الدراسة الصوفية عن مثيلتها الاعتزالية للموضوع ذاته؛ حيث لم تلتفت الأخيرة إلى البعد الأخلاقي للخاطر؛ وانبناء السلوك الإنساني على المعرفة بحقيقته، بل جاء القول فيها عندهم كضرورة اقتضاها ذهابهم إلى جواز انفصال التكليف العقلي عن التكليف السمعي.
تناولت الدراسة الصوفية للخواطر باعتبارها منطلقًا للفعل النفسي والسلوكي، وربطت بين مصدر الخاطر وواجب التعامل معه وفق الكتاب والسنة، وأبرزت هذه الرؤية البعد الأخلاقي والتربوي، فجعلت من تمييز الخواطر سلوكًا مُلزِمًا، بينما تعاملت المدرسة الاعتزالية مع الخاطر كقضية عقلية مجردة دون اعتبار لأثره السلوكي، ويُظهر هذا التباين اختلاف المنهج بين المدرستين في فهم العلاقة بين الفكر والسلوك.
الذكر من أفضل العبادات والأعمال العظيمة التي أمر الله بها، وأفضلها ذكر القلب.
نشأ مصطلح "الحب الإلهي" في التصوف الإسلامي بالقرن الثاني الهجري على يد رابعة العدوية، التي نقلت العبادة من دافع الخوف والطمع إلى دافع الحب الخالص لله.
التَّحلِّي عند الصوفية ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية.