Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحرية في التصوف

الكاتب

د/ منى أبو زيد

الحرية في التصوف

تُعد قضية الحرية من أبرز المفاهيم التي تناولها التصوف الإسلامي بعمقٍ ميتافيزيقي وروحي، وتداخلت مفاهيم الحرية لدى الصوفية مع قضايا القضاء والقدر؛ لتشكل نسقًا فكريًّا وأخلاقيًّا متكاملًا.

مفهوم الحرية لدى الصوفية

 يختلف موقف الصوفية من الحرية عن أغلب الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنساني، فقد أخذت عندهم موقفًا أكثر دلالة في بُعدها الميتافيزيقي، وظهرت معلمًا من معالم الهداية في السلوك الصوفي، وأصبحت له مكانة مهمة في نسقهم الأخلاقي والتربوي، وهي تُعد عند البعض نهاية الطريق الصوفي، أو كما قال الجنيد (ت ٢٩٨هـ/ ٩١٠ م) "لأن آخر مقام العارف الحرية".

 فالحرية عندهم لا تقف عند حدود الاختيار الحر بين فعلين، ولكنه حرية ذات مفهوم خاص، تعني تحرر النفس من الشهوات، ومن التعلق بالدنيا وملذاتها.

والحرية عندهم -كذلك- معنى لا ينفصل عن العبودية، فهي لا تفهم إلا من خلال فهم العلاقة بين الله وعبده، فهي علاقة تحدد الصلة الجوهرية بين السيد والعبد، بين الله والإنسان أو كما قال ابن عربي: "إن الحرية هي العبودية المطلقة".

ومن هنا كان للحرية عند الصوفية مفهومها الخاص، كما أن لها ارتباطًا بالعديد من الأفكار التي صرحوا بها، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن فهم معنى الحرية يرتبط بفهم الكثير من أفكارهم الخاصة، فالحرية حجر زاوية في نسقهم الفكري والأخلاقي.

الحرية ضد العبودية، ولفظ (حُرّ) قد عُرف قديمًا في الجاهلية ليس على كونه ضد العبودية، بل على أنه مصطلح أخلاقي -أيضًا- يدل على أولئك النبلاء في أخلاقهم وسلوكهم.

والمفهوم اللغوي لمعنى (الحرية) يرجع -في أغلبه- إلى معنى الخلاص من القيود، والانعتاق بتحطيمها.

يقول الراغب الأصفهاني: "حررت القوم إذا أطلقتهم، وأعتقتهم من أسر الحبس، والتحرر جعل الإنسان حرًّا". [المفردات]

 فالمعنى السائد للحرية بين العرب هو ما يقابل الرق والعبودية، فالحر نقيض العبد، والحرة نقيضة الأَمَة، والجمع أحرار وحرائر، وحرره؛ أي أعتقه، وتحرير الولد أن يفرده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد، كما جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران: ٣٥]، ومعناه: اجعله خادمًا لك في معبدك. [لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام].

أما المعنى الاصطلاحي، فقد بناه الصوفية على التحرر من شهوات النفس، والتحرر عن كل ما سوى الله، فهو تحرر من عبودية الدنيا، وعبودية النفس، وعبودية الشيطان، وهي "الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار". [التعريفات، معجم الكلمات الصوفية]

والحرية عند الصوفية لها ثلاثة مفاهيم أو مراتب:

 - حرية العامة عن رق الشهوات.

- حرية الخاصة عن رق المرادات؛ لفناء إرادتهم عن إرادة الحق.

 - حرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار؛ لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار، ويقال كذلك "أنت حر مما أنت عنه آيس، أي مستغن، وعبد لما أنت له طامع؛ لأن ما أنت له طامع آخذ بقلبك، فأنت له تطلب أَجَلَك، وما أنت عنه آيس أنت عنه معرض بقلبك، فليس له شيء من وجودك، ويتجلى هذا المعنى في قول الشاعر:

العبد حر ما قنع * * * والحر عبد ما طمع

ويتبين من هذا المفهوم الاصطلاحي لمعنى الحرية لدى الصوفية: الارتباط الوثيق بين الحرية والعبودية.

فهم -دائمًا- يستخدمون مصطلح (العبد) للدلالة على الإنسان الملتزم بالحق وبالطريق الصوفي في مقابل مصطلح (السيد) للدلالة على الله تعالى.

الحرية والعبودية

يحمل مصطلح الحرية عند الصوفية في طياته معنى العبودية لله، فالحرية هي في كمال العبودية، وهي في التحرر عن كل ما سوى الله.

وقد أنشأ الصوفية الأوائل مصطلح (الحرية) رغبة في إخلاص العبادة، وإظهارًا لدقائق التوحيد، والتنزه عن دقائق الشرك ووجوب التحرر من الاحتياجات النفسية والبدنية والدنيوية التي تستعبد الإنسان، ولهم في هذا المعنى عبارات كثيرة، منها: ما ذكره الحكيم الترمذي (ت ٢٥٥هـ) "أن دنيانا مبنية على العبودية، في حين أن العالم الآخر بُني على الحرية" [مفهوم الحرية في الإسلام].

وهو ما صرح به كذلك بشر الحافي (ت: ٢٢٧هـ/٨٨٦م) بأن من أراد أن يذوق طعم الحرية، ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى.

وعلى نفس الدرب يسير أحمد بن خمرويه (ت: ٢٤٠هـ) معتبرًا أن الحرية في تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية. [طبقات الصوفية]

وسُئل الجنيد عن الحرية فأجاب قائلًا: "إنك لن تكون على الحقيقة عبدًا، وشيء مما دونه لك مسترق، وإنك لن تصل إلى صريح الحرية، وعليك من حقيقة عبوديته بقية، فإن كنت له وحده عبدًا كنت مما دونه حرًّا".

ومن أقوال الصوفية في هذا المجال -أيضًا- ما صرح به أبو الحسن بن بنان بأن "الحرية أن يكون السر –القلب- حرًّا إلا من عبودية سيده، يصح لك بذلك العبودية للحق، والحرية عن الخلق" [المصدر السابق].

ويصرح الحسين بن منصور الحلاج (ت: ٣٠٩هـ/٩٢٢م) بأن من أراد الحرية فليصل العبودية.

وقال أبو علي الدقاق (ت: ٤١٠هـ): "أنت عبد من أنت في رقه وأسره، فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبد نفسك، وإن كنت في أسر دنياك فأنت عبد دنياك". [الرسالة للقشيري].

وعلى نفس الدرب يسير السراج الطوسي قائلًا: "إن الحرية ألا يملكك شيء من المكونات وغيرها، فتكون حرًّا إذ كنت لله عبدًا، فلا يكون العبد عبدًا حقًّا، ويكون لما سوى الله مسترقًا" [اللمع].

وقد استند الصوفية في هذا التصور إلى ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من دعوة التخلص من معبودات الدنيا، وأن التعلق بها على حساب عبودية الله استرقاق، فوجب على الإنسان التحرر منها.

 قال صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عبدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» [رواه البخاري].

 فالحرية تعني عند الصوفية: توحيد العبادة وعدم الخضوع لأحد سوى الله، وهي قائمة على القاعدة الأساسية التي من أجلها بعث الرسل جميعًا، وهي إفراد الله بالعبودية، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٥].

وبهذا يتحقق الغرض الأساسي من وجود الإنسان، وهو العبادة، أو كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦].

فالصوفية تربط بين تصورهم للحرية ومفهومهم للتوحيد في العبودية، فالصوفي حر إذا توحدت عبوديته لله، فإذا كنت له وحده عبدًا كنت عما دونه حرًّا.

ويرتبط بكمال العبودية والحرية إسقاط التدبير، والتبرؤ من كل ما سوى الله، فالحرية هي الخروج عن رق الكائنات، وعن الدنيا بأكملها أو كما يقول إبراهيم بن أدهم: "الحر من خرج من الدنيا قبل أن يخرج منها، وعلامة الحرية سقوط التمييز عن قلبه بين أمور الدنيا والآخرة، فلا يسترقه عاجل دنياه ولا آجل عقباه" [حدائق الحقائق].

ولأن مقام العبودية -الذي هو من أشرف المقامات- لا يتم إلا بترك التدبير لله، والصبر على البلوى، والتبرئ من الحول والقوة، والتسليم إليه، والوفاء له، والطاعة لأحكامه، فإسقاط التدابير هو مظهر عبودية الإنسان لله، ودليل على إقراره بربوبيته وتوحيده تعالى، ومن هنا كان للتوحيد صلة -أيضًا- بالحرية عند الصوفية.

الحرية والتوحيد

يتسم التوحيد عند الصوفية بالإقرار بكمال وحدانية ذاته تعالى، وأنه واحد لا شريك له في الذات والصفات والأفعال، فهو الفاعل والمدبر والمريد لكل شيء من الأعمال والحركات دون سواه.

وقد فهم الصوفية التوحيد بأنه انفراد الله عز وجل بالفعل في الوجود، كما انفردت ذاته بالأزلية، وبالمثل فهموا الشرك بأنه إشراك فاعل حقيقي آخر غيره معه في الوجود.

والتوحيد -عندهم- له مستويات، منها: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد الصوفية، وهم خاصة الخاصة، فمن اعتقد أو علم بالدليل بأنه تعالى واحد، أو غلب على قلبه رؤية الحق حين غفل الخلق فهو موحد [نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية].

فمن حصل له التوحيد الأول فهو مؤمن، وهذا توحيد العوام، ومن حصل له الثاني فهو عالم، وهذا توحيد الخاصة؛ أي العلماء، ومن حصل له التوحيد الثالث فهو من الصوفية، وهو أعلى درجات التوحيد.

وهذا ما أكده -أيضًا- أبو طالب المكي عندما عرف التوحيد عند أهل المعرفة بأن اعتقادهم أنه "لا فاعل حقيقة إلا الله عز وجل، لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره، وعندهم أن فعلًا لا يتأتى من فاعلين، وإلا كان شركًا" [قوت القلوب، مشكلة الحرية عند الفلاسفة والصوفية في الإسلام].

 ووصل الإيمان بتوحيد الربوبية، وإفراد الألوهية بالخلق والتدبير لكل ما في الكون من موجودات وأفعال إلى حد اعتبارهم أن كل شيء هو مجرد موضوع لأحكام القدرة الإلهية، فقد روي عن أبي عثمان المغربي (ت: ٣٧٢هـ) عندما سئل عن الخلق أنه قال: قوالب وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة. [الرسالة]

وجعل الجنيد إطلاق المشيئة الإلهية والإيمان بذلك أصلًا من أصول التوحيد، إذ إن التوحيد عنده هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله عزوجل وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وجدته، وهذه العبارة الأخيرة تدل على اعتقاد الجنيد، ومعه الصوفية في شرك من ينسب لغير لله فعلًا حقيقيًّا على سبيل الخلق والإحداث هو واقع في الشرك، وجعل إفراد الله عز وجل بالخلق، وشمول التدبير أصلًا من أصول التوحيد تؤدي مخالفته إلى الشرك، فالتوحيد ليس مجرد إسقاط كثرة الأرباب، بل إسقاط الأسباب كذلك.

فالموحد هو من لم يشرك مع الله أحد في تدبيره وحكمه وعلمه وأمره، وقضائه وخلقه، ورزقه وعطائه؛ وذلك لأن التوحيد هو الاعتقاد بانفراد الله عز وجل بالفعل وحده، حتى بالنسبة لخلق معاصي العباد، وهذا الفهم للتوحيد يثير مسألة جوهرية في مفهوم الحرية عند الصوفية، ألا وهي كيف لا تصدر عنهم المعاصي، ثم يحاسبون عليها؟ وإذا كان ما في الوجود ليس فيه إلا فاعل واحد فقط هو الله، فكيف يفسرون طريقهم العملي في السلوك والترقي للوصول إلى الله؟ فالصوفي في أثناء سلوكه للطريق الصوفي ينتقل عبر أحوال ومقامات، يصل إليه عن طريق مجاهداته، فكيف يسلك طريق ليس له فعل فيه، ولا ثمرة لمجهود أو اكتساب وهل الإنسان مجبر بمقتضى القضاء والقدر، أم أن القضاء والقدر لا علاقة له بمفهومهم عن الحرية ولا صلة له بالفعل الإنساني؟

الحرية والقضاء والقدر

قضية الحرية وعلاقتها بالقضاء والقدر من أهم القضايا التي تناولتها الرسالات السماوية، وقد عرضها القرآن في مواضع متفرقة، كما أنها من أكثر المسائل الفكرية التي أثارت نزاعًا فكريًّا عقائديًّا بين الفرق الإسلامية، بين اتجاه قائل بقدر يخضع له الإنسان في كل أفعاله، وبين اتجاه يرى أن الإنسان يصنع فعله، دون تقييد لحريته.

 أما الصوفية، فقد أسسوا مفهوم القدر على توحيد الله وإفراده بالخلق والفاعلية، معتبرين في ذلك أن الإيمان بالقدر شعبة من شعب التوحيد، قال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده" [مدارج السالكين].

وقد ذهب أوائل الصوفية إلى أن كل شيء بقضاء الله وقدرته، حتى أفعال العباد، وحُفِظ عن أكثر شيوخ الصوفية الأوائل ما يفيد إيمانهم بشمول القدر، وإحاطته لكل أفعالهم، وعلى العبد أن يتيقن أن الضرر والنفع، والعطاء والمنع، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأن كل ذلك مسجل في لوح محفوظ هو القضاء والقدر.

وقد فسَّر الكاشاني القضاء بأنه: حكم الله في الأشياء بمقتضى علمه بأحوال القوابل في الغيب، فإنه مطلع بذاته على أحوال كل عين من الأعيان مما يقتضيها ويقبله إلى الأبد، وهي الأحوال التي عليها الأعيان حال ثبوتها، والقدر: توقيت تلك الأحوال بحسب الأوقات، وتعلق كل واحد منها بزمان معين، ووقت مقدر بسبب معين. فالقضاء لا توقيت فيه، والقدر تعيين كل حال في وقت معين لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فالقدر تفصيل القضاء وتقدير ما قضى بحسب الأزمان من غير زيادة ولا نقصان [فصوص الحكم].

فالقضاء هو حكم الله العام المجمل، وهو كله خير، والقدر هو تفصيل ذلك الحكم العام المجمل؛ لأنه توقيت هذا الحكم وتخصيصه في الموجودات على نحوٍ يؤدي إلى وجود عالم أفضل.

والقضاء هو الحكم الإلهي الأزلي في الأشياء، وهو بمنزلة القرارات الإلهية الأزلية، والقدر هو توقيت وتفصيل لهذا الحكم الأزلي في الموجودات الخارجية، فهو بمنزلة القرارات الإلهية الحالية.

وهذا ما عبر عنه ابن عربي بقوله: "تعلقها -الذات العالية- بالأحكام قبل وقوعها يسمى قضاء، وتعلقها بوقت وقوع الحكم يسمى قدرًا".

ويقسم ابن عربي الأمر الإلهي إلى نوعين: أمر تكليفي، وأمر تكويني.

الأمر التكليفي الذي يخاطب الله به العباد فيطيعونه أو يعصونه حسب مقتضيات أعيانهم الثابتة.

والأمر التكويني الذي يعبر عنه بالمشيئة الإلهية، وهو قانون عام يحكم الوجود، وبمقتضاه يسير كل شيء في الكون حتى أفعال الإنسان.

 وعلى هذا كل شيء في الوجود خضع للأمر التكويني، سواء في ذلك الخير أو الشر، والطاعة أو المعصية، والإيمان أو الكفر، فإذا أتى الفعل موافقًا للأمر التكليف سُمي طاعة واستلزم الحمد، وإن أتى الفعل مخالفًا له سمي معصية، واستلزم الذم.

والفعل الإنساني في كلتا الحالتين عين الطاعة للأمر التكويني، والله يريد الفعل حتى وإن كان شرًّا، ولكنه لم يأمر به، وإن كان يبدو من خير أو شر، كان مقدرًا منذ الأزل، وقد شاء الحق وجود هذا الخير أو الشر في العالم، والله يعلم الأشياء كلها، ويريدها كما يعلمها بما فيها أفعال البشر.

فما أخذ به الصوفية هو إثبات القدر الشامل المحيط، وإثبات العناية الإلهية للكون، شاملة ومحيطة لكل ما في الوجود، فلا يخرج عن قدرته مقدور، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء [الرسالة].

ولكن المشكلة تظهر للإنسان الذي يترتب على أفعاله عقاب في الآخرة.

فما موقف الصوفية من المعاصي الإنسانية، هل هي من قدر الله وقضائه؟ أم أن للإنسان مطلق الحرية في اختيارها وفعلها؟

يذهب سائر الصوفية إلى إثبات عموم القدر حتى يشمل أفعال العباد والسلوك الإنساني الخلقي، بما في ذلك المعاصي، ومن ثَمَّ تكون معاصي العباد بقدر الله وخلقه، وليست واقعة بغير مشيئته أو مخالفة لإرادته التكوينية.

 ويدخل التستري آية الإشهاد في مفهوم القدر؛ حيث يقول: "خلق الله الخلق على معرفته، وابتلاهم بنفسه".

ويفهم (الإشهاد) في قوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ} [الأعراف ١٧٢] بمعنى أن الله ابتلاهم في عالم الذر، وزودهم بذلك بإيمان فطري، ثم أرسل الرسل بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥].

فاتصل العلم السماوي النازل بالوحي بالعلم الفطري المغروس في النفوس بالإشهاد، وهو سبحانه وتعالى قبل ذلك قد قهرهم بقدرته، وأنفذ فيهم مشيئته، وأجرى عليهم أحكامه، وهو القائم عليهم بملكه، وهو يفعل كل ما فيه خير للخلائق.

وكي نفهم هذه المسألة فهمًا صحيحًا لابد من معرفة موقف الصوفية من مشكلة تعليل أفعال الله، وينقل الكلاباذي (٣٨٠هـ/٩٩٠م) ما يراه معبرًا عن رأي الصوفية بقوله: "أجمعوا على أن الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، كان ذلك أصلح لهم أو لم يكن؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق؛ لأن القول بالأصلح يوجب نهاية القدرة ونفاد ما في الخزائن وتعجيز الله؛ لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فليس وراء الغاية شيء، فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحًا آخر لم يقدر عليه، تعالى الله عن ذلك" [التعرف لمذاهب أهل التصوف].

وغالبية الصوفية يوقنون أن لله في خلقه حكمة، وأن له في كل أفعاله سرًّا، وإن خفي على الإنسان أنه في مقام الرضا بالقضاء، وليس ذلك عن تعظيم لله فحسب، بل عن يقين أن له في كل فعل لطيفة، ولهم إشارة خاصة إلى ما كان بين الخضر وموسى عليه السلام ليعبروا عن خيرية أفعال الله، وحكمته التي قد تغيب وتخفى على الكثيرين، والغزالي (ت: ٥٠٥هـ /١١١١م) له كتاب اسمه (الحكمة في مخلوقات الله) يشير فيه إلى حكمة الله وإرادته للخير في كل ما خلق، وفي كل ما قضى وقدَّر [الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلام، العقليون والذوقيون أو النظر والعمل].

ويذكر الكلاباذي: أن الصوفية قد أجمعوا أن جميع ما فعل الله بعباده من الإحسان والنعمة والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه، ولو لم يفعل ذلك لكان منه جائزًا، وليس على الله بواجب.

ويؤكد المكي أن من شروط صحة إيمان العبد أن يصدق بجميع أقدار الله تعالى، خيرها وشرها، وأنها من الله تعالى سابقة في علمه، جارية في خلقه بحكمه، فلا حول لهم عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته، وأنهم لا يطيقون ما لهم إلا به، ولا يستطيعون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا إلا بمشيئة الله، وليست معاصي العباد واقعة بقضاء الله ومشيئته وعلمه وحفظه فقط، بل هي واقعة وحادثة بخلقه -أيضًا- فلا خالق إلا الله [قوت القلوب، مفهوم الحرية عند الصوفية في القرنين الهجريين الثالث والرابع].

ويمكن القول: إن الصوفية يجمعون على خلق الله عزوجل لأفعال العباد بما فيها المعاصي، ويفرد الكلاباذي فصلًا بعنوان (قولهم في القضاء والقدر وخلق الأفعال).

 وكانت نقطة الخلاف بين الفرق الباحثة في الفعل الإنساني تدور حول خلق أفعال العباد هل هي من خلق الله تعالى أو من إحداث الإنسان؟

 وانقسموا -حينئذ- إلى طرفين على طرفي نقيض، مذهب يثبت أن الإنسان مجبر في كل أفعاله، ولا حول ولا قوة له، وهو مذهب الجبرية، ومذهب آخر يثبت للإنسان قدرة واستطاعة، وهو مذهب القدرية، والغريب أن يقف الصوفية موقف نقد ورفض لكلا الاتجاهين، بل يوجهون نقدهم لكل منها، ومن هنا سنعرض موقف الصوفية من الاتجاهات الباحثة في الفعل الإنساني حتى يتسنى لنا معرفة موقفهم الخاص من الفعل والحرية.

الخلاصة

تناول التصوف الإسلامي مفهوم الحرية بوصفه تحررًا للروح من أسر الشهوات والعلائق الدنيوية، لا تمردًا على القيم أو التشريع. فحرية العارف عندهم هي الانعتاق من سلطان الهوى إلى عبودية الله الخالصة، إذ لا تتحقق الحرية الحقيقية إلا بالفناء عن الإرادة الذاتية في إرادة الحق؛ وهكذا يصبح التصوف مسارًا روحيًا يجمع بين الانضباط الشرعي والتحرر الباطني في أسمى صوره.

موضوعات ذات صلة

العشق نوع من أنواع المحبة.

تعني مجاهدة النفس لتجاوز الأهواء والغرائز، وتهذيبها عبر أساليب روحية تشمل التخلي عن الصفات الذميمة والتحلي بالعبادات.

 يعنى ما يقع في القلب من علوم بطريق الفيض الإلهي.

موضوعات مختارة