Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السحق والمحق

الكاتب

أ.د محمد أبو خليفة

السحق والمحق

مصطلحا "السحق" و"المحق" في اللغة الصوفية يعبران عن ذوبان العبد وفنائه أمام عظمة الحق، حيث يتبدد كل أثر للذات ويحل الحق محل الوجود.

مفهوم السحق في اللغة ومقاصده

السحق لغةً: مصدر، يقال سَحَقَه سَحْقًا: دقه أشد الدق، يقال: سحق الدواءَ، وسحق الشيءَ الشديد: ليَّنه، وسحق الشيء: أهلكه وأبلاه، وسَحِقَ سُحْقًا: بعُد أشد البعد، وفي التنزيل العزيز: قَالَ تَعَالَى: {فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ} [الملك: ١١]، وسحُق الشيء سَحَاقة وسُحُوقةٌ: بَلِى، وسحُق الشيء سُحقًا: بَعُدَ أشد البُعد، وأسحق الشيء: بَلِيَ، وانسحق الدواء: اندق، والسحق من الثياب: الخَلِق البالي، والمسحوق: المدقوق. [المعجم الوسيط: مادة سحق ص٤٣٦].

وفي اصطلاح الصوفية: السحق كما قال ابن عربي (ت٦٣٨هـ): ذهاب تركيبك تحت القهر. [اصطلاحات الصوفية، ابن عربي: ص١٣]، وقال القاشاني (ت٧٣٠هـ): هو ذهاب تركيب العبد تحت القهر عند عظمة سلطان الحقيقة. [اصطلاحات الصوفية، الكاشاني: ص١٢٠]، وقيل: هو الاضمحلال، أي ذهول العبد تجاه قهر الحق، والمحق يلي السحق، فلا يبقى للعبد شيء من نفسه، فهو الفناء في عين الله تعالى. [المعجم الصوفي، عبد المنعم الحفني: ص١٢٢].

مفهوم المحق ومادته اللغوية

والمحق لغةً: مَحَقَ الشيء محقًا: نَقَصَه، أو أهلكه وأباده، ومن ذلك قولنا محق الله العمل: أذهب بركته، وفي التنزيل العزيز: قَالَ تَعَالَى: {يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: ٢٧٦]، ويأتي المحق أيضًا بمعنى الإبطال والمحو والإحراق، ومنه قولنا: محق الحرُّ الشيءَ: أحرقه.

 وتدور بقية مواد الجذر اللغوي (م.ح.ق) حول ما سبق من معانٍ، وذلك من مثل: أمحق ومحَّقَ وامتحق وانمَحق وتمحَّق، والمَحَقَة – أخيرًا – الهَلَكَة، وأن تلد الإبل الذكور دون الإناث. [المعجم الوسيط: مادة (محق) ص: ٨٩٠، وقارن لسان العرب المادة نفسها]، وذكر التهانوي أن المحو: بالفتح وسكون الحاء في اللغة الفارسية إزالة الكتابة عن اللوح. [كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي: مادة محق ٢/١٤٨٩].

اصطلاح السحق والمحق في التصوف وتأويلهما

وفي اصطلاح الصوفية: يبدأ أبو نصر السراج الطوسي (ت٣٧٨هـ) حديثه عن المحق ببيان حقيقة المحو وهو: "ذهاب الشيء إذا لم يبق له أثر، فيكون طمسًا، قال النوري (ت٢٩٥هـ) رحمه الله: الخاص والعام في قميص العبودية إلا أن من كان منهم أرفع، جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم في حركاتهم، وأثبتهم عند نفسه؛ قال الله تعالى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ } [الرعد: ٣٩]، ومعنى قوله: جذبهم الحق: يعني جمعهم بين يديه، ومحاهم عن نفوسهم: يعني عن رؤية نفوسهم في حركاتهم وأثبتهم عند نفسه بنظرهم إلى قيام الله لهم في أفعالهم وحركاتهم.

ومن ثَمَّ يُعَرِّف أبو نصر المحق بقوله: إنه يأتي بمعنى المحو، إلا أن المحق أتم لأنه أسرع ذهابًا من المحو، قال رجل للشبلي (ت٣٣٤هـ) رحمه الله: ما لي أراك قَلِقًا، أليس هو معك، وأنت معه؟ فقال الشبلي رحمه الله: لو كنت أنا معه فاتني، ولكني محو فيما هو، يعني: ليس مني شيء ولا بي شيء ولا عني شيء والكل منه، وبه، وله، كقول القائل:

               كل له وبه ومنه فأين لي

                              شيء فأوثره فطلح لسانها

وهذا يختلف عن حديثهم عن الأثر وهو: علامة لباقي شيء قد زال. [اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي: ص٤٣١ -٤٣٢]

ويتحدث شيوخ الصوفية عن معانٍ أُخرى قريبة من ذلك كما في حديثهم عن مفهوم "الذهاب" حيث يقول السراج: الذهاب بمعنى الغيبة أي أن الذهاب أتم من الغيبة، وهو ذهاب القلب عن حس المحسوسات بمشاهدة ما شاهد، ثم يذهب عن ذهابه، والذهاب عن الذهاب هذا ما لا نهاية له.

قال (الجنيد: ت٢٩٧هـ) - رحمه الله - في تفسير قول أبي يزيد (ت٢٦١هـ) رحمه الله في كلامه ليس بليس، قال: هو ذهاب ذلك كله عنه، وذهابه عن ذهابه وهو معنى قوله ليس في ليس يعني: قد غابت المحاضر وتلفت الأشياء فليس يوجد شيء ولا يحس، وهو الذي يسميه قوم الفناء والفناء عن الفناء، وفقد الفقد في الفقد، فهو الذهاب عن الذهاب. [المرجع السابق: ص٤٢٣-٤٢٤].

ويشير (القشيري: ت٤٦٥هـ) إلى قريب من ذلك في حديثه عن "النفي والإثبات" بقوله: المحو رفع أوصاف العادة، والإثبات إقامة أحكام العبادة، فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة وأتى بدلًا منها بالأفعال والأحوال الحميدة فهو صاحب محو وإثبات.

 ويحكي أنه سمع أستاذه أبا علي الدقاق (ت٤٠٥هـ) - رحمه الله- يقول: قال بعض المشايخ لإنسان صوفي: ماذا تمحو وماذا تثبت؟ فسكت الرجل، فقال: أما علمت أن الوقت محو وإثبات؛ إذ مَن لا محو له ولا إثبات فهو مُعَطَّلٌ مهمل.

التفصيل في أقسام المحو والإثبات

ويُقَسِّمُ القشيري "المحو" إلى أقسام: محو الزَّلة عن الظواهر، ومحو الغفلة عن الضمائر، ومحو العلة عن السرائر: ففي محو الزلة إثبات المعاملات، وفي محو الغفلة إثبات المنازلات، وفي محو العلة إثبات المواصلات.

 ثم نجده يقرر أن هذا المحو والإثبات ينبغي ألا يقع إلا بشرط العبودية، وذلك لأن حقيقة المحو والإثبات صادران عن القدرة، فالمحو ما ستره الحق ونفاه، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه، والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة، قَالَ تَعَالَى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ} [الرعد: ٣٩]، قيل في معنى الآية: يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله تعالى، ومحو الحق لكل أحد، وإثباته على ما يليق بحاله، ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدته أثبته بقوة حقه، ومن محاه الحق عن إثباته رده إلى شهود الأغيار؛ وأثبته في أودية التفرقة.

فهم المحق كمقام أعلى من المحو وأثره في فناء الذات

ثم يذهب (القشيري) إلى القول بأن المحق هو معنى فوق المحو؛ لأن المحو يبقي أثرًا، والمحق لا يبقي أثرًا، وغاية همة القوم أن يمحقهم الحق عن شاهدهم، ثم لا يردهم إليهم بعدما محقهم عنهم، [الرسالة القشيرية، القشيري: ص:٧٣، ٧٤]، ويرى السهروردي البغدادي (ت٦٣٢هـ) أن المحو لا يكون إلا بإزالة أوصاف النفوس، أما الإثبات فهو بما أدير عليهم من آثار الحب في كؤوس، أو أن المحو: محو رسوم الأعمال بنظر الفناء إلى نفسه وما منه والإثبات: إثباتها بما أنشأ الحق له من الوجود به، فهو بالحق لا بنفسه بإثبات الحق إياه مستأنفًا بعد أن محاه عن أوصافه، وقال (ابن عطاء الله): "يمحو أوصافهم ويثبت أسرارهم".[عوارف المعارف، السهروردي: ص٣٣٢، طبعة دار الفكر العربي بيروت ١٩٨٦، في ذيل إحياء علوم الدين للغزالي].

والمَحْقُ – عند ابن عربي (ت٦٣٨هـ) - "فناؤك في عينه تعالى" [اصطلاحات الصوفية، ابن عربي: ص١٣]، وهو المعنى الذي عبر عنه القاشاني (ت٧٣٠هـ) بقوله: "فناء وجود العبد في ذات الحق"، كما أن المحو فناء أفعاله في فعل الحق، والطمس فناء الصفات في صفات الحق، فالأول: لا يرى في الوجود فعلًا لشيء إلا للحق والثاني لا يرى لشيء صفته إلا للحق، والثالث لا يرى وجودًا إلا للحق. [انظر اصطلاحات الصوفية، الكاشاني: ص١٠٠].

يذكر (القاشاني) – بمزيد من الشرح – القسمة الثلاثية للمحو التي وجدناها من قبل عند القشيري وهي:

 ١- محو أرباب السرائر: وهو إزالة العلل والآفات، ويقابله إثبات المواصلات وذلك برفع أوصاف العبد ورسوم أخلاقه وأفعاله، بتجليات صفات الحق وأخلاقه وأفعاله كما قال: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ»، [الحديث في صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب ٣٨، وانظر اصطلاحات الصوفية، الكاشاني: ١٠٠].

 ٢- محو أرباب الظواهر: وهو رفع أوصاف العادة والخصال الذميمة ويقابله الإثبات الذي هو إقامة أحكام العبادة، واكتساب الأخلاق الحميدة. [اصطلاحات الصوفية، الكاشاني: ص١٠٠].

 ٣- محو الجمع والمحو الحقيقي هو فناء الكثرة في الوحدة. [السابق: وقارن التعريفات للجرجاني: مادة محو].

فإذا عدنا مرة أخرى للشيخ الأكبر فإننا نجده يفصل القول في المحق ومحق المحق حيث يقول: المحق هو فناؤك في عينه، ومحق المحق هو ثبوتك في عينه، ثم نجده يقرر أن المحق ظهورك في الكون به بطريق الاستخلاف والنيابة عنه فلك التحكُّمُ في العالم، ومحق المحق ظهورك بطريق الستر عليه والحجاب، فأنت تحجبه في محق المحق فيقع شهود الكون عليك خَلْقًا بلا حق؛ لأنهم لا يعلمون أن الله أرسلك سترًا دونهم حتى لا ينظرون إليه، فمحق المحق يقابل المحق، ما هو مبالغة في المحق، وإنما هو مثل عدم العدم، فإذا أقيم العبد في خروجه عن حضرة الحق إلى الخلق، بطريق التحكم فيهم من حيث لا يشعرون، وقد يشعرون في حق بعض الأشخاص من هذا النوع كالرسل عليهم السلام الذين جعلهم الله خلائف في الأرض يبلغون إليهم حكم الله فيهم وأخفي ذلك في الورثة، فهم خلفاء من حيث لا يشعر بهم. [الفتوحات المكية، ابن عربي: ٢/٥٥٤- ٥٥٥].

والمحو عند "ابن عربي" مقام منفصل، وله اتصال بمقام المحق ومن ثَمَّ وجدناه يقول في معناه:

             للمحو حكم إلهي يقول به

                   في سورة الرعد والبرهان يحمله

              المحو يثبته الإثبات وهو له

                        ضدّ وهل بوجود الضدّ تعقله

             المحو ثبت ولكن حكمه عدم

                    فابحث على عالمٍ فيه يفصله

ثم يقول شارحًا ذلك مُقَدِّرًا أن المحو، الذي تُقرره سورة الرعد هو نفسه عند الفقهاء: اعلم أن المحو عند الطائفة رفع أوصاف العادة، وإزالة العلة وما ستره الحق ونفاه، قَالَ تَعَالَى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ} [الرعد:٣٩]، فثبت المحو وهو المعبر عنه بالنسخ عند الفقهاء، فهو نسخ إلهيّ رفعه الله ومحاه، بعدما كان له حكم في الثبوت والوجود، وهو في الأحكام: انتهاء مدة الحكم وفي الأشياء: انتهاء المدة، فإنه تعالى قَالَ: {كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ} [الرعد: ٢]، فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه فإنه قال: "يجري إلى أجل مسمى" فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه، وإن بقى عينه فالعادة التي في العموم يمحوها الله عن الخصوص، فمنهم من تمحى عن ظاهره، ومنهم من تمحى عن باطنه، وتبقى عليه أوصاف العادة، وهو الكامل مع كونه صاحب محو... فصاحب المحو يزول عنه الركون إلى الأسباب لا الأسباب؛ فإن الله لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء، والأسباب حُجُب إلهية موضوعة لا ترفع، أعظمها حجابًا عينك، فعينك سبب وجود المعرفة بالله تعالى؛ إذ لا يصح لها وجود إلا في عينك، ومن المحال رفعك مع إرادة الله أن يُعرف، فيمحوك عنك فلا تقف معك، مع وجود عينك وظهور الحكم منه، كما محا الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم رميه مع وجود الرمي منه، فقال تَعَالَى: {وَمَا رَمَيۡتَ} فمحاه {إِذۡ رَمَيۡتَ} فأثبت السبب {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: ١٧]، وما رمى إلا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وفي الصحيح: كنت سمعَه... وبصرَه... ويدَه...، فإزالة العلة في المحو إنما هي في الحكم لا في العين، إذ لو زالت العلة والسبب لزال، وهو لا يزول، فمن الحكمة إبقاء الأسباب مع محو العبد من الركون إليها، على حكم نفي أثرها في المسببات، فالأسباب ستور وحُجُب، ولا يكون محو أبدًا إلا فيما له أثر، وإلا فليس بمحو. [الفتوحات المكية، ابن عربي: ٢/٥٥٢- ٥٥٣].

 وفي إطار حديث بعض متأخريهم [وهو الشيخ أحمد التيجاني ت ١٢٣٠هـ] عن حقيقة الذكر قالوا: إن أدنى مراتبه أن ينسى الذاكر في ذكرهِ لربه كل ما سواه، وأعلاه هي أعلى مراتب الاصطلام، وهي أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود، وهو المعبر عنه بالسحق والمحق.

أقوال الصوفية والمفسرين حول السحق والمحق

 وحقيقة السحق والمحق: عبارتان مترادفتان، وهما فناء العبد بالكلية، كما قال ابن الفارض (ت٦٣٢هـ):

ومنذ عفا رسمي وهِمتُ وهِمت في

              وجودي فلم تعثر بكوني حقيقتي

 وقال غيره:

       حيرتني في أمري مذ غبت عني

                  في سري من أنت قلت أنت

  وينقل التهانوي ما سبقت الإشارة إليه عند شيوخ الصوفية فيقرر أن المحو هو محو أوصاف العادة، كما أن الإثبات إقامة أحكام العبادة، وينبغي أن يكون على ثلاث طرق: محو الزلة عن الظواهر، محو الغفلة عن الضمائر، محو العلة عن السرائر، وفي مجمع السلوك: المحو عبارة عن اجتناب أوصاف النفوس، والإثبات عبارة عن تثبيت أوصاف القلوب؛ فالشخص الذي اجتنب الأوصاف المذمومة وتبدل بها الصفاتِ الحميدةَ، فهو صاحب محو وإثبات، ويقول بعضهم: المحو إبعاد رسوم الأعمال بالنظر أي نظر الفناء إلى نفسه، وكلّ ما هو صادر من نفسه، والإثبات هو إثبات الرسوم بتثبيت الله، فهو قائم بالحق لا بنفسه.

 وقيل: المحو إبعاد الأوصاف، والإثبات هو إثبات الأسرار، قَالَ تَعَالَى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ} قيل يمحو عن قلوب العارفين الغفلة عن الله وذكر غير الله عن ذكر الله، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله.

 فالمحو لكل أحد والإثبات لكل أحد على ما يليق به، والمحق فوق المحو؛ لأن المحو يُبقي أثرًا والمحق لا يبقي أثرًا.

 وينقل عن القاشاني قوله: المحق هو فناء وجود العبد في ذات الحق، كما أن المحو فناء أفعال العبد في فعل الحق، والطمس فناء الصفات (البشرية) في صفات الحق:

     المحو أول والطمس ثاني

            والمحق آخر إن كنت تعلم

كما ينقل عن لطائف اللغات قول بعض الصوفية: المحو الحقيقي هو محو الجمع الذي يقال له في اصطلاح القوم عبارة عن محو الكثرة الخلقية في الوحدة الإلهية. [كشاف اصطلاحات الفنون، التهاون: ٢/١٤٩٠- ١٤٩١].

أما (الجرجاني: ت٨١٦هـ) فنجده يربط المحو بالطبع؛ إذ يقرر - في تعريفاته - أن المحو رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله ويحصل منه أفعال وأقوال لا مدخل لعقله فيها كالسكر من الخمر. [التعريفات، الجرجاني: ص٢١٧].

أما (الجيلي: ت٨٢٠هـ) فيربط المفهومين بالفناء، إذ يقرر في حديثه عن هذين المصطلحين، أن الواصل إلى مقام المحق والسحق لا يبقى له عين ولا أثر. [التصوف والفلسفة: ولتر ستتيس، ص٢٧].

الخلاصة

في رحاب التصوف، حيث تذوب الأنا وتتلاشى حتى لا يبقى من العبد إلا الله وحده، ينبثق مفهوم السحق والمحق كأرقى مقامات الذوبان في حضرة الحق، حيث يُنسى كل شيء ويُزهق كل أثر، فلا هوية تُرى ولا ذات تُحس، بل وجود واحد محض يفيض نورًا وسكونًا لا منتهى له، إن فهم هذه الدقائق يكشف عن رحلة روحية فريدة من نوعها، تهدف إلى تحطيم الأنا وإثبات الوجود الإلهي الخالص في كل فعل وصفة، هذا الميدان من علوم التصوف يعكس صراعًا داخليًّا بين نفسيات العبد وحدود الذات والله المطلق، مما يجعل التمعن فيه مدخلًا لا غنى عنه لروح الباحث عن الحقيقة.

موضوعات ذات صلة

يرتبط السلوك الإنساني بالعقيدة الصحيحة ارتباطًا وثيقًا، فلا يُقبل العمل إلا إذا انطلق من إيمان صادق.

مفهوم الخلوة يختلف بين المعنى اللغوي والفقهي والصوفي، وجميعها تدور حول فكرة الانفراد والانعزال، لكن لكل منها غاية وأحكام مختلفة.

التوبة: هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي، ورؤية السادة الصوفية للتوبة شاملة.

موضوعات مختارة