الحضرة مجالس يعقدها بعض الصوفية،
وخاصة أصحاب الطرق الصوفية، أو من يطلق عليهم اسم المريدين أو "الدراويش"،
وهي مجالس تخصص لذكر الله تعالى ويمارس هؤلاء الذكر في جماعة ويرون أنه أمر قد ورد
في الكتاب والسنة، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن أمرًا مبتدعًا
في الدين، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ} [فصلت:
٣٠]. {وَذَكَرُواْ
ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الشعراء ٢٢٧]، {ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ
قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل
عمران: ١٩١]،
وكل هذه الآيات فيها لفظ الجمع (الذين).
وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم دخل لمسجد فوجد حلقتين ذكر وحلقة علم فجلس في حلقة العلم، فنزل عليه
قوله تعالى {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ
يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ} [الكهف:
٢٨] فقال:«الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ
أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ»، وهم أهل الصفة،
يقال: إن هؤلاء كانوا النواة الأولى للصوفية، كما يستشهد الصوفية بالحديث القدسي: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا
معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ
ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ»، والملأ الجماعة، وهي ذكر الله في
مجالس، يطلق عليها اسم الحضرة، وتعني هذه المجالس أن يكون المرء حاضرًا مع الله
بقلبه، والحضور هو الوعي بمعيته عز وجل، وتعني الحضور أي المثول في حضرته.
وقد استخدمت كلمة الحضرة بمعان أوسع مما سبق قبل
ظهور الطرق الصوفية، وابن عربي وهو بسبيل وضع مذهبه القائم على وحدة الوجود يستعمل
كلمة حضرة في معنى أكثر اتساعًا، وذلك حين يتحدث عن الحضرات الخمس الإلهية، وهو ما
سبق الإشارة إليها، ويريد بذلك درجات أو مراتب الوجود، أو الموجودات في سلسلة
الوجود.
أمّا ما يطلقه الدراويش على الحفلات الدينية التي
يحيونها بانتظام، فتسمى الحضرة، أو مجالس الذكر، وهي تختص بمعنى خاص، وهي إما
الحضور مع الله قلبًا وذكرًا، وإما أن يكون للحضور القدسي مكانه بينهم فهي تعبير
يدل على التشريف والإجلال في التوجه لله والأولياء والأنبياء. [دائرة المعارف الإسلامية].
وتعد الحضرة بمعناها العملي السابق، إحدى
الممارسات الصوفية التي يواظب عليها أصحاب الطرق الصوفية، بل هي من أهم العوامل التي
ساعدت على بقاء التصوف واستمراريته، وذلك أن الممارسات تقوي باطن المتدين، أو
المتصوف وظاهر سلوكه، وتجعل الفكرة الدينية حقيقة حاضرة قابلة للنمو، والتأثر
والتأثير في البيئة التي يعيش فيها، وقد اهتم أصحاب الطرق الصوفية -بصفة خاصة-
بالممارسات أو الشعائر في الحضرة؛ لما لها من أهمية في ترقي المريد.
والوصول به لأسمى مقامات النفس، والشعائر هي
التعبير الرمزي عن المشاعر، والاتجاهات والقيم والمعتقدات عن طريق أفعال، وممارسات
منظمة تعمل على تقوية المعتقد نفسه، كما تمد المشتركين فيها ببعض أساليب ووسائل الضبط
[التصوف في مصر والمغرب].
ويتم في الحضرة ذكر الله بترديد
الأذكار الواردة في القرآن والسنة، أو بالتفكر في خلقه، والقيام بأفعال أو أقوال
تقرب الصوفي من الله تعالى، بأداء نسك، أو عبادات، أو أفعال مع حضور القلب.
ويستعين الصوفية في هذه المجالس أو
اللقاءات بأساليب منها: قراءة القرآن، وقيام الليل والتهجد، وصلاة النوافل، وذكر أسماء الله
الحسنى، أو قراءة الأوراد والأدعية أو الحزب وغيرها، وقد يكون لكل طريقة مجموعة
معينة من الأقوال.
وهذا الذكر المستمر في الحلقات هو الذي يهيج
الشعور ويملك مجامع القلوب، وُسكر معه الذاكرون في حمية وغلبة محبتهم وبشوقهم إلى
الله تعالى محبوبهم الوحيد، وقوام هذا الذكر ذكر شهادة لا إله إلا الله، ويسمى ذكر
الجلالة، وذكر الحزب، وهو يتألف من مختارات مطولة من القرآن والأدعية الأخرى مروية
عن بعض الشيوخ، وثمة ذكر أبسط من هذا هو ذكر الأوقات، وهو عبارات مصطلح عليها
يرددها أصحاب الطريقة عقب كل صلاة مرتين في اليوم على الأقل، وهناك اصطلاح آخر
يستعمل في هذا المقام هو الورد، ومعناه عند الصوفية الوصول أو الورود، ويطلق على
دعوات أو أذكار يصوغها أحد مؤسسي الطريقة، وتؤدي على نحو دوري متكرر، وتعد تلاوته
عملًا أعمال الرياضة الروحية، والسعي إلى الحضور[دائرة المعارف الإسلامية].
وقد يصحب الذكر دقّ على الدفوف، وربما
اصطنع بعض أصحاب الطرق الصوفية أسلوب الرقص، ولاسيما عند الدراويش من العجم، سواء
أكانوا مولوية أم نقشبندية أم بكتاشية [الحركة
الصوفية في الإسلام].
وهذه الجماعات الصوفية المتأخرة، عندما
قامت، وتحددت شعائرهم اتخذت من الذكر وحلقات الذكر ركنًا من أركان طريقتها، ويصف "ماكدونالد"
هذه المجالس بقوله: يطلق الدراويش على الحفلات التي يحيونها بانتظام كل يوم من
أيام الجمعة اسم الحضرات [دائرة المعارف
الإسلامية].
وربما صحب الذكر أغانٍ صوفية، كما قد يصحبه
الرقص والنقر على شتى أنواع الدفوف، والنفخ في النايات، وفى الحضرة تختلط أصوات
الذكر مع دقات الطبول مع الرقص، وقد وقف الصوفية مواقف مختلفة من السماع أو الغناء
الصوفي في الحضرة، وأيضًا وقفوا مواقف متباينة من الرقص، وأصبحت أركان الحضرة
ثلاثة أركان هي: الذكر، والسماع أو الغناء، والرقص.
١ - الذكر: اتفق كل الصوفية على أهمية الذكر،
ولكن أصحاب الطرق الصوفية ترى في الذكر الذي يعقد في الحضرة نوعًا من تربيه المريد
بالذكر الدائم لله، اعتماد على قوله تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ
أَذۡكُرۡكُمۡ}
فيذهب أحد شرَّاح ابن عطاء الله السكندري (ت٧٠٩هـ) إلى أهمية الذكر قائلًا إنه
أعظم باب أنت داخله لله فاجعل له الأنفاس حراسًا. [غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية].
وارتبط الطريق الصوفي أو التربية الروحية لدى
القوم بالذكر، وذكروا الله في كل حال، وحذروا من ترك الذكر، وخاطبوا المريد قائلين:
لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في
وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود ويقظة إلى ذكر مع
وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ذلك
بعزيز على الله، فهو فعال لما يريد.
ومن هنا قد نرى المريدين في الحضرة قد
يصلون إلى حالة الغيبة والسكر والمحو، ولا يشعرون بمن حولهم بكثرة الذكر، واستحضار
الحضرة القدسية، ويغيبون عمن حولهم.
فالطريقة التي يربي بها الشاذلي
تلاميذه تقوم على ذكر الله في كل حالاته: {فَٱذۡكُرُواْ
ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ} [النساء:
١٠٣] فلسان الصوفي
يلهج دائمًا بذكر الله في سفره وحضوره، وكذلك يعنى أتباع السيد أحمد البدوي (ت
٦٧٥هـ) مؤسس الطريقة الأحمدية الحضرة لدوام الحضور في ذكر الله، حتى يتحقق الذاكر
بما جاء في الحديث القدسي، وتعقد هذه المجالس في الزوايا والتكايا، أو في
الاحتفالات الدينية.
٢- السماع: والسماع الصوفي هو كل ما يسمع
في حلقات الحضرة من إنشاد أو ذكر للقرآن مع دقات الطبول، وللسماع عند الصوفية
منزلة خاصة، وهو مفتاح نحو حالات نفسية عديدة، ومختلفة لها أثرها على حركة
الأعضاء، سواء أكانت منضبطة أم غير منضبطة، متناسقة أم عفوية، ويسمون الأولى:
التصفيق والرقص، والثانية الاضطراب.
ويُعرِّف القشيري السماع في رسالة له بنفس
المعنى يقول فيها: إن السماع هو "إدراك الغيوب لسمع القلب لفهم الفؤاد لحقائق
المراد، والوقوف على إشارات الحق عند وجود عبارات الخلق، والترقي مما يقرع سمع
الظاهر إلى ما يوجب جمع السرائر". [رسالة
السماع].
والسماع ضرورة عند الصوفية، من فقدها فقد عنصرًا
هامًّا من عناصر الاتصال بالحق، والوصول إلى حضرته أو كما قال الهجويري (ت ٤٦٥هـ) "السماع
تنبيه الأسرار لما فيها من المغيبات، لتكون بذلك حاضرة دائمًا، معبرة عن الحق [كشف المحجوب].
وفى حين أجاز بعض الصوفية السماع، نجد
البعض الآخر قد حرمه ومن هؤلاء ابن الجوزي الذي رأى أن سماع الغناء يجمع بين
شيئين: أحدهما: أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله والقيام بخدمته.
والثاني: أنه يميل إلى اللذات العاجلة، ويدعو
إلى استيفائها مع جميع الشهوات الحسية
[تلبيس إبليس].
كذلك ينكر أبو عبد الله بن خفيف (ت: ٣٧١هـ)
استماع الغناء والرباعيات مع الرقص بالإيقاع، وغناء الراقصين لأحكام الدين،
ويعتبره فسقًا، ويحرم غناء أسماء الله وصفاته، ويعتبر هذا مما لا يليق به عز وجل [الرسالة].
ويتناول العلماء نوعين من السماع عند
حديثهم عن السماع، وهما السماع القرآني وغيره، ولا خلاف بين العلماء والصوفية على
جواز السماع القرآني، بل ووجوبه، أما السماع غير القرآني سواء كان قصائد ملحنة أو
غير ملحنة، فهو ما وقع فيه الخلاف بينهم، يقول الغزالي: "اعلم أن قول القائل:
السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع،
وقد دلّ النص والقياس جميعًا على إباحته". [إحياء علوم الدين].
ويشترط القشيري في المستمع حضور القلب، وعدم
تكلف الوجد، وطهارة السر بعدم شهود الغير، وعدم اقتراح ما يقال من المنشد، ولا
يصحح للمنشد إذا أخطأ، والمبادرة إلى بذل المال، أو الخلق الحسن، والصبر على إخوانه
لما يحدث منهم في السماع، والسكون عند حضور الوجد لتحقيق شرط الصدق الذاتي [رسالة السماع].
ويميز الصوفية بين السماع بفرق والسماع
بجمع، أو السماع في حال الحضور وحال الغيبة، يقول القشيري: "سماع الفرق حضور
بخلق، وسماع الجمع غيبة بحق، وسماع الفرق مثل الأصل" [رسالة السماع].
٣- الرقص: وقد يتطور أمر السماع من تحريك
الأشواق والمواجيد الباطنية للصوفي إلى التعبير الحركي الراقص، والذي قد يبلغ
أقصاه حتى يغيب المريد عن نفسه، وفنائه عمن حوله، حتى إنه لا يدرك ماذا يفعل.
وقد اختلف الصوفية في أمر الرقص الحادث في
الحضرة، فمنهم من أباحه، ومنهم من رأى فيه بدعة، ونهى عنه، فقد أباحه أبو عبد الله
السلمي (ت١ ١ ٣هـ) استنادًا إلى ما ورد عن بعض الصحابة أنهم حركوا أرجلهم فيما
يشبه الرقص، وتبدو ظاهرة الرقص واضحة في التصوف الفارسي، ويعد الرقص مما تميز به
فرقة المولوية [تاريخ الأدب في إيران] المنسوبة إلى مولانا جلال الرومي، ولهم
في مصر تكية تعرف باسم تكية الدراويش، لهم فيها مسرح يقومون بإجراء الحضرة في داخلها،
وتعتمد الحضرة عندهم على الرقص في المقام الأول.
وقد هاجم الرقص صوفية آخرون، منهم ابن الجوزي
[تلبيس إبليس]، ورأي فيه السهروردي [عوارف المعارف] (ت٥٣٩هـ) أنه عمل لا يليق بالشيوخ،
وكذا الهجويري [كشف المحجوب] فإنه يرى أن الرقص ليس له أصل في
الشريعة والطريقة، لأنه باتفاق العقلاء لهْو حين يكون جدًّا، ولغْو حين يكون هزلًا،
وفى نظره يعد الرقص قبيح شرعًا وعقلًا، ومرفوضًا عند أهل الطريق، وليس طريقًا مقررًا
للحضور.
ويذهب الغالبية العظمى من ناقدي الطرق الصوفية
إلى نقد هذه الطرق بناء على ممارستهم لهذه الحركات الإيقاعية في الحضرة، ويعتبرها
خروج عن الحدود الشرعية في حين أن من يقوم بها يرجع بنسبها ووجوده إلى زمن الصحابة
رضوان الله عليهم.