Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحضرة والمكاشفة

الكاتب

أ. د/ منى أبو زيد

الحضرة والمكاشفة

يعتبر مفهوم الحضرة والحضور من أعمق المفاهيم في التجربة الصوفية، إذ يعكس جوهر العلاقة بين العبد والحق تعالى، حيث ينتقل السالك من وعي الحس إلى شهود الغيب عبر الذكر والمجاهدة. وقد شكّل هذا المفهوم محورًا رئيسًا في الفكر الصوفي، لتعبيره عن لحظة الاتصال الروحي التي يغيب فيها الوجود البشري في حضور الحق المطلق.

المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة وعلاقتها بالحضور

 تمثل هذه المصطلحات الثلاث أحوال الصوفي في طريق الإرادة، وترتبط بالمعرفة عند الصوفي منذ بداية طريقه حتى يبلغ قناعات اليقين، ويصل إلى الحضرة الإلهية، وتستقر به الأحوال، وتفيض عليه التجليات، وإشراقات الأنوار.

تبدأ المعرفة الأولى في إطار المنهج العقلي الاستدلالي، ثم ما تلبث أن تتطور إلى معرفة نابعة من القلب، غير مفتقرة إلى دليل وبرهان، وصولًا إلى ساحات المعرفة الإلهامية، والإشراقات التي يباشرها الصوفي في النهايات.

ويتدرج الطريق الصوفي من المحاضرة ابتداءً، ثم المكاشفة، ثم المشاهدة.

والمحاضرة تأتي تعبيرًا عن استقبال المريد بدايات الخواطر والواردات؛ فالمحاضرة هي العمل على "حضور القلب" [الرسالة].

وقد يكون بتواتر البرهان، وهو بعد وراء الستر، وإن كان حاضرًا باستيلاء سلطان الذكر، وفى المحاضرة يكون الصوفي حاضر القلب بتأثير الذكر الدائم باللسان، والقلب في الخلوة، الناتج عن بدايات طريق اليقين، والمريد في هذه الفترة يستعين بالبراهين والدلائل الكلامية في مدافعة الخواطر والهواجس التي تهاجمه في الخلوة بغرض صرفه عن الذكر، وشغله بنفسه وحظوظها عن قطع الطريق.

وصاحب المحاضرة في هذا الوقت -ما يزال متعلقًا بباقي النفس- يعالج آفاتها، ويروضها على ما أقدمت عليه من خلوة وسهر وذكر وجوع وصمت؛ ولذلك فهو يناقش ويحاور ويجادل نفسه بهدايات عقلية استقادها من علوم الظاهر.

إذن فالمحاضرة هي معايشة الصوفي لأسماء الله الحسنى بالذكر الدائم والمتواصل، وبقلب حاضر حضور القلب مع الحق في الاستفاضة من أسمائه، فأسماء الله الحسنى هي المعين الذي يتزود منه الصوفي مع ثبات أقدامه في طريق السلوك إلى الله ومعراجه الروحي.

 ثم تأتي المكاشفات على قلبه وروحه كنوع من المكافأة التي يهبها الله له، فينبعث العلم من قلبه على شكل إلهامات، يسميها الصوفية بالحدس، فيبدأ في هذه المرحلة يتخلى عن براهينه العقلية لحساب يقينه القلبي، فيستدل بالحق على الخلق، وبالصانع على صنعته.

 ففي المرحلة الأولى، المحاضرة يكون محجوبًا بالكون عن الغيب، أما في مرحلة المكاشفة يصير مطالعًا للغيب وتجلياته.

يقول القشيري (ت٤٦٥ هـ): المكاشفة حضوره لبعث البيان غير مفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل، وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب، ولا محجوب من نعت الغيب [الرسالة، الآراء الكلامية].

 فالمكاشفة أول منزل من منازل قسم الحقائق، وأول ما يبدو من الصفات والحقائق الإلهية أو الكونية لسير السائر من وراء ستر رقيق خلف حجاب شفاف من اسم إلهي مقيد بحكم، ومختص بوصف.

 فأول التجليات التي يراها السائر في سيره من الحقائق الإلهية تسمى مكاشفة، وهي على درجات، أعلاها شهود أحدية الذات في صور الصفات في مقام البقاء بعد الفناء.

 ثم تأتي المشاهدة، وفي هذه الدرجة يفنى المريد عن نفسه، ويظل باقيًا في ذلك الفناء لا أثر فيه للبقية من نفسه، وهو في ذلك البقاء يشهد أحدية الذات، وهو شهود بالحق للحق.

وتأتي المشاهدة بعد المكاشفة، ويترقى السالك درجة فينزل منزلة المشاهدة، وهي" رؤية الحق من غير تهمة" [لطائف الأعلام].

 يقول الجنيد: حقيقة المشاهدة "وجود الحق مع فقدانك؛ فصاحب المحاضرة يهديه قلبه، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه، وصاحب المشاهدة يفنيه سره" [الطرق ا لصوفية].

وقيل: إن المشاهدة إدراك الغيوب بأنوار الأسرار عند صفاء القلوب من الأدناس، وخلوصها من الأضداد والأغيار في مراقبة الجبار، فيصير كأنه ينظر إلى الغيب من وراء سر دقيق من صفاء المعرفة، وورود اليقين.

 وهذه المعاني الثلاثة: المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة، تتداخل فيما بينها فلا يتم تجل إلا بعد رفع حجاب الحس، أي أثناء عملية الكشف، أو الذوق، أو المعرفة الصوفية، ولا يتم الكشف إلا بالتواجد، والحضور في سياق الحضرة الإلهية قال تعالى: {فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ} [سورة ق: ٢٢].

 وهذا هو معنى الكشف والحضور الإشراقي؛ إذ لا ينقدح زناد المعرفة الإشراقية إلا أثناء الحضور الإشراقي [الحركة الصوفية].

 وقد تبنت الصوفية مسلكًا للقيام بالذكر لتحقيق الحضور، كم عقدت له بعض الطرق الصوفية مجالس عرفت باسم الحضرة، يذكر فيه الله بمجموع من الأدعية والأذكار والأوراد، صارت هذه الحضرة تقليداً جماعيًّا، يمارسه أصحاب الطرق الصوفية من أجل تحقيق الحضور الإلهي، أو الوصول إلى الحضرة القدسية.

الذكر والحضور

الذكر معناه "إحضار القلب مذكوره، ومواجهته إياه، واستمراره على ذلك إلى حد تنطمس فيه موارد الزهو والنسيان" [رشح الزلال].

 والذكر معناه التخلص من الغفلة والنسيان، فالذاكر يستحضر مذكوره في قلبه فهو حاضر مع ذلك الذاكر، وناسٍ لما سواه من الأغراض والرغبات، فإذا استمر ذلك أورث استغراق الذكر مع مذكوره غيابه عن ذكره [الرسالة].

 ويؤكد الصوفية على الذكر باعتباره وسيلة لتحقيق الحضور مع الله، فالذكر حضور أعلى من الحضور البرهاني، وإن كان الجسد مستغرقًا في النوم، فالذاكر قائم وإن نام، لأنه نام على حب الله ولا يلهيه عنه لاهٍ مما يتلهى به الغافلون.

والذكر بالقلب معناه إحضار الشيء في الذهن، والذكر باللسان معناه التلفظ بالشيء، والذكر هو تمجيد الله بعبارات محددة معينة تردد بحسب ترتيب الشعائر، ويكون ترديدها إما جهرًا أو سرًا، وثمة خلاف كبير بين الصوفية حول أفضلية أحدهما على الأخر [دائرة المعارف الإسلامية].

 وقد تأتي للمريد أثناء الذكر بعض الوساوس تجعله غافلًا عن ذكر الله فيحذر الصوفية من ترك الذكر في الحالة، بل لأن من متابعة الذكر؛ لأن الغفلة من الذكر شر من الغفلة فيه.

ويؤكد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) على عظمة عبادة الذكر؛ لأن ذكر الله سبحانه وتعالى مع خفته على اللسان وقلة التعب منه صار أنفع، وأفضل من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها، ويرشد العبد لكي يحقق الحضور قائلًا "اعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة، إن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب، أما انخراط الصوفي في الذكر وقلبه غائب عن الله أو منشغل بالدنيا يجعل الذكر قليل الجدوى، فالذكر النافع يستلزم حضور القلب الدائم مع الله، ويكون الذكر على هذه الصورة هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات.

وبالذكر يقترب الصوفي من الله، ويحضر إلى حضرته القدسية، فالقرب الذي يتكلمون عنه ليس قربًا مكانيًّا، وإنما هو قرب روحاني خاص بالوجود الإلهي، والقرب حال يشعر به المريد، فيتمثل الله دائمًا في كل خطوة يخطوها، بحيث يدرك أن الله تعالى أقرب إليه في كل آن من حبل الوريد.

ويفسر الجنيد هذا القرب بقوله: إن الله تعالى يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه، فالغافلون يعيشون في حلم الله، والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والعارفون يعيشون في لطف الله، والصادقون يعيشون في قرب الله [طبقات الصوفية]. أي: في حضرته.

وكان أبو الحسن الشاذلي (ت٦٥٦هـ) يسعى إلى هذا الحضور، فيناجي ربه في دعائه قائلًا: "إني أسألك أن تغيبني بقربك مني، حتى لا أرى ولا أحس بقرب شيء ولا ببعده عني "[الفناء عند صوفية المسلمين والعقائد الأخرى].

وبعد القرب يحظى العبد بالتمكن، والدرجة العليا منها هي الاستقامة المطلقة في أحدية الجمع والفرق، ورؤية الخلق في عين الحق وهذه الدرجة هي تَمَكُّن العارف، وهي الدرجة التي يستريح فيها من الطلب، ويستقر فوق المقامات، ويبقى العبد بعد أن يفنى، فعندما يصل إليها يفنى عن وجوده في هذه الحضرة، وهي حضرة الجمع، فيصير بقاؤه إنما هو بوجود ذات الحق تعالى، فالعارف يفنى وجوده في جود الحق تعالى، ولا يكون موجودًا إلا بوجوده تعالى، فصاحب هذا التمكين وصل ثم اتصل، فالسالك وصل لنهاية الاستقرار في الحضرة التي يفنى فيها الخلق جميعًا ويبقى هو وحده [طبقات الصوفية].

ولكي يتوصل الصوفية لهذا القرب وهذا الحضور القلبي بالحضرة الإلهية يأخذون في الذكر في مجالس جماعية تسمى مجالس الذكر أو الحضرة يذكرون فيها الله بمجموعة من الأدعية والأوراد والأذكار والمدائح النبوية، وقد يصاحبها الموسيقى وبعض الحركات الإيقاعية.

ويُعد الذكر هو القطب الذي يدور عليه التصوف كله؛ لأن الصوفية يتشبهون في مسلكهم بخاصة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - الذي أوصاه الله بهم في قوله تعالى: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ} [الكهف: ٢٨].

ويعد الصوفية الذكر سلم الواصلين من السالكين إلى الحضرة الإلهية، وهو يحرس الجوارح، ويحفظ الوقت، ويفتح أبواب الأنس، ويطبع في النفوس رسوم العبودية، ثم يمنحها منشور العتق، ويضمن الخير بكل حال، ويجدد قوافل السائرين إلى الله، وهي العبادات التي ظاهرها أجور، وباطنها حضور، وباطن باطنه نور على نور.

 ويربط القشاني بين الذكر والحضور في تأويله لقوله تعالي: {وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: ٢٤]، وهي تعني الرجوع إلى الله، والحضور إليه "اذكر ربك" بالرجوع، أي الحضور، إذا نسيت بالغفلة.

 فالذاكر هو جليس الله، والحاضر بين يديه، ينال الذاكر من الأسرار والعلوم ما شاء الله، وحضرة الله لا يَرِد عليها أحد ويفارقها بغير مدد، ويُسأل من ادعى حضوره بقلبه في ذكره مع ربه تعالى: ماذا أتحفك وأعطاك في هذا الحضور؟ فإذا قال: ما أعطاني شيئًا، قيل له: وأنت الآخر لم تحضر معه في ذكره، فأنت كنت في غفلة عن الله، لم تحظ بالقرب منه.

يقول "مخمش الجلاب" صحبت أبا حفص اثنتين وعشرين سنة ما رأيته ذكر الله تعالى على حد الغفلة، وما كان يذكره إلا على سبيل الحضور والتعظيم، فكان إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله، حتى كأن يرى ذلك منه جميع من حضره [طبقات الصوفية].

كما يؤكد الخراز (ت: ٢٧٩هـ) هذه الفكرة قائلًا: "إذا أراد الله أن يوالي عبدًا فتح له باب الذكر، فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجلس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجاب وكشف عنه الجلال والعظمة، فإذ نظر الجلال والعظمة بقي بلا هو، فيصير فانيًا بارئًا عن دعوات نفسه محفوظًا لله، فكل من فني في ذكر الله فإن روحه شهدت جمال الحضرة [المدرسة الشاذلية، وإمامها أبو الحسن الشاذلي].

كما يربط الغزالي (ت: ٥٠٥هـ) بين الذكر والحضور فيرى أن أول مبادئ السالك أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسري الذكر في أعضائه وعروقه، وينتقل الذكر إلى قلبه، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظًا لمطلوبه مستغرقًا به، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته، ثم يفنى عن كليته، فحينئذٍ ينجلي الحق على قلبه، ويغلب عليه السكر، وحالة الحضور والجلال والتعظيم.

ويحذر الصوفية من الغفلة عن ذكر الله؛ لأن الغفلة تحرم الإنسان من الحضور أو التواجد في الحضرة الإلهية قال الجنيد: "الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار" [المنهج الصوفي عند عبد الرزاق القشاني].

الحضرة ومجالس الذكر

الحضرة مجالس يعقدها بعض الصوفية، وخاصة أصحاب الطرق الصوفية، أو من يطلق عليهم اسم المريدين أو "الدراويش"، وهي مجالس تخصص لذكر الله تعالى ويمارس هؤلاء الذكر في جماعة ويرون أنه أمر قد ورد في الكتاب والسنة، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن أمرًا مبتدعًا في الدين، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ} [فصلت: ٣٠]. {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الشعراء ٢٢٧]، {ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: ١٩١]، وكل هذه الآيات فيها لفظ الجمع (الذين).

وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل لمسجد فوجد حلقتين ذكر وحلقة علم فجلس في حلقة العلم، فنزل عليه قوله تعالى {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ} [الكهف: ٢٨] فقال:«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ»، وهم أهل الصفة، يقال: إن هؤلاء كانوا النواة الأولى للصوفية، كما يستشهد الصوفية بالحديث القدسي: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ»، والملأ الجماعة، وهي ذكر الله في مجالس، يطلق عليها اسم الحضرة، وتعني هذه المجالس أن يكون المرء حاضرًا مع الله بقلبه، والحضور هو الوعي بمعيته عز وجل، وتعني الحضور أي المثول في حضرته.

 وقد استخدمت كلمة الحضرة بمعان أوسع مما سبق قبل ظهور الطرق الصوفية، وابن عربي وهو بسبيل وضع مذهبه القائم على وحدة الوجود يستعمل كلمة حضرة في معنى أكثر اتساعًا، وذلك حين يتحدث عن الحضرات الخمس الإلهية، وهو ما سبق الإشارة إليها، ويريد بذلك درجات أو مراتب الوجود، أو الموجودات في سلسلة الوجود.

 أمّا ما يطلقه الدراويش على الحفلات الدينية التي يحيونها بانتظام، فتسمى الحضرة، أو مجالس الذكر، وهي تختص بمعنى خاص، وهي إما الحضور مع الله قلبًا وذكرًا، وإما أن يكون للحضور القدسي مكانه بينهم فهي تعبير يدل على التشريف والإجلال في التوجه لله والأولياء والأنبياء. [دائرة المعارف الإسلامية].

 وتعد الحضرة بمعناها العملي السابق، إحدى الممارسات الصوفية التي يواظب عليها أصحاب الطرق الصوفية، بل هي من أهم العوامل التي ساعدت على بقاء التصوف واستمراريته، وذلك أن الممارسات تقوي باطن المتدين، أو المتصوف وظاهر سلوكه، وتجعل الفكرة الدينية حقيقة حاضرة قابلة للنمو، والتأثر والتأثير في البيئة التي يعيش فيها، وقد اهتم أصحاب الطرق الصوفية -بصفة خاصة- بالممارسات أو الشعائر في الحضرة؛ لما لها من أهمية في ترقي المريد.

 والوصول به لأسمى مقامات النفس، والشعائر هي التعبير الرمزي عن المشاعر، والاتجاهات والقيم والمعتقدات عن طريق أفعال، وممارسات منظمة تعمل على تقوية المعتقد نفسه، كما تمد المشتركين فيها ببعض أساليب ووسائل الضبط [التصوف في مصر والمغرب].

ويتم في الحضرة ذكر الله بترديد الأذكار الواردة في القرآن والسنة، أو بالتفكر في خلقه، والقيام بأفعال أو أقوال تقرب الصوفي من الله تعالى، بأداء نسك، أو عبادات، أو أفعال مع حضور القلب.

ويستعين الصوفية في هذه المجالس أو اللقاءات بأساليب منها: قراءة القرآن، وقيام الليل والتهجد، وصلاة النوافل، وذكر أسماء الله الحسنى، أو قراءة الأوراد والأدعية أو الحزب وغيرها، وقد يكون لكل طريقة مجموعة معينة من الأقوال.

 وهذا الذكر المستمر في الحلقات هو الذي يهيج الشعور ويملك مجامع القلوب، وُسكر معه الذاكرون في حمية وغلبة محبتهم وبشوقهم إلى الله تعالى محبوبهم الوحيد، وقوام هذا الذكر ذكر شهادة لا إله إلا الله، ويسمى ذكر الجلالة، وذكر الحزب، وهو يتألف من مختارات مطولة من القرآن والأدعية الأخرى مروية عن بعض الشيوخ، وثمة ذكر أبسط من هذا هو ذكر الأوقات، وهو عبارات مصطلح عليها يرددها أصحاب الطريقة عقب كل صلاة مرتين في اليوم على الأقل، وهناك اصطلاح آخر يستعمل في هذا المقام هو الورد، ومعناه عند الصوفية الوصول أو الورود، ويطلق على دعوات أو أذكار يصوغها أحد مؤسسي الطريقة، وتؤدي على نحو دوري متكرر، وتعد تلاوته عملًا أعمال الرياضة الروحية، والسعي إلى الحضور[دائرة المعارف الإسلامية].

وقد يصحب الذكر دقّ على الدفوف، وربما اصطنع بعض أصحاب الطرق الصوفية أسلوب الرقص، ولاسيما عند الدراويش من العجم، سواء أكانوا مولوية أم نقشبندية أم بكتاشية [الحركة الصوفية في الإسلام].

وهذه الجماعات الصوفية المتأخرة، عندما قامت، وتحددت شعائرهم اتخذت من الذكر وحلقات الذكر ركنًا من أركان طريقتها، ويصف "ماكدونالد" هذه المجالس بقوله: يطلق الدراويش على الحفلات التي يحيونها بانتظام كل يوم من أيام الجمعة اسم الحضرات [دائرة المعارف الإسلامية].

 وربما صحب الذكر أغانٍ صوفية، كما قد يصحبه الرقص والنقر على شتى أنواع الدفوف، والنفخ في النايات، وفى الحضرة تختلط أصوات الذكر مع دقات الطبول مع الرقص، وقد وقف الصوفية مواقف مختلفة من السماع أو الغناء الصوفي في الحضرة، وأيضًا وقفوا مواقف متباينة من الرقص، وأصبحت أركان الحضرة ثلاثة أركان هي: الذكر، والسماع أو الغناء، والرقص.

 ١ - الذكر: اتفق كل الصوفية على أهمية الذكر، ولكن أصحاب الطرق الصوفية ترى في الذكر الذي يعقد في الحضرة نوعًا من تربيه المريد بالذكر الدائم لله، اعتماد على قوله تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ} فيذهب أحد شرَّاح ابن عطاء الله السكندري (ت٧٠٩هـ) إلى أهمية الذكر قائلًا إنه أعظم باب أنت داخله لله فاجعل له الأنفاس حراسًا. [غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية].

 وارتبط الطريق الصوفي أو التربية الروحية لدى القوم بالذكر، وذكروا الله في كل حال، وحذروا من ترك الذكر، وخاطبوا المريد قائلين: لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود ويقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ذلك بعزيز على الله، فهو فعال لما يريد.

ومن هنا قد نرى المريدين في الحضرة قد يصلون إلى حالة الغيبة والسكر والمحو، ولا يشعرون بمن حولهم بكثرة الذكر، واستحضار الحضرة القدسية، ويغيبون عمن حولهم.

فالطريقة التي يربي بها الشاذلي تلاميذه تقوم على ذكر الله في كل حالاته: {فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ} [النساء: ١٠٣] فلسان الصوفي يلهج دائمًا بذكر الله في سفره وحضوره، وكذلك يعنى أتباع السيد أحمد البدوي (ت ٦٧٥هـ) مؤسس الطريقة الأحمدية الحضرة لدوام الحضور في ذكر الله، حتى يتحقق الذاكر بما جاء في الحديث القدسي، وتعقد هذه المجالس في الزوايا والتكايا، أو في الاحتفالات الدينية.

 ٢- السماع: والسماع الصوفي هو كل ما يسمع في حلقات الحضرة من إنشاد أو ذكر للقرآن مع دقات الطبول، وللسماع عند الصوفية منزلة خاصة، وهو مفتاح نحو حالات نفسية عديدة، ومختلفة لها أثرها على حركة الأعضاء، سواء أكانت منضبطة أم غير منضبطة، متناسقة أم عفوية، ويسمون الأولى: التصفيق والرقص، والثانية الاضطراب.

 ويُعرِّف القشيري السماع في رسالة له بنفس المعنى يقول فيها: إن السماع هو "إدراك الغيوب لسمع القلب لفهم الفؤاد لحقائق المراد، والوقوف على إشارات الحق عند وجود عبارات الخلق، والترقي مما يقرع سمع الظاهر إلى ما يوجب جمع السرائر". [رسالة السماع].

 والسماع ضرورة عند الصوفية، من فقدها فقد عنصرًا هامًّا من عناصر الاتصال بالحق، والوصول إلى حضرته أو كما قال الهجويري (ت ٤٦٥هـ) "السماع تنبيه الأسرار لما فيها من المغيبات، لتكون بذلك حاضرة دائمًا، معبرة عن الحق [كشف المحجوب].

وفى حين أجاز بعض الصوفية السماع، نجد البعض الآخر قد حرمه ومن هؤلاء ابن الجوزي الذي رأى أن سماع الغناء يجمع بين شيئين: أحدهما: أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله والقيام بخدمته.

والثاني: أنه يميل إلى اللذات العاجلة، ويدعو إلى استيفائها مع جميع الشهوات الحسية [تلبيس إبليس].

كذلك ينكر أبو عبد الله بن خفيف (ت: ٣٧١هـ) استماع الغناء والرباعيات مع الرقص بالإيقاع، وغناء الراقصين لأحكام الدين، ويعتبره فسقًا، ويحرم غناء أسماء الله وصفاته، ويعتبر هذا مما لا يليق به عز وجل [الرسالة].

ويتناول العلماء نوعين من السماع عند حديثهم عن السماع، وهما السماع القرآني وغيره، ولا خلاف بين العلماء والصوفية على جواز السماع القرآني، بل ووجوبه، أما السماع غير القرآني سواء كان قصائد ملحنة أو غير ملحنة، فهو ما وقع فيه الخلاف بينهم، يقول الغزالي: "اعلم أن قول القائل: السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع، وقد دلّ النص والقياس جميعًا على إباحته". [إحياء علوم الدين].

 ويشترط القشيري في المستمع حضور القلب، وعدم تكلف الوجد، وطهارة السر بعدم شهود الغير، وعدم اقتراح ما يقال من المنشد، ولا يصحح للمنشد إذا أخطأ، والمبادرة إلى بذل المال، أو الخلق الحسن، والصبر على إخوانه لما يحدث منهم في السماع، والسكون عند حضور الوجد لتحقيق شرط الصدق الذاتي [رسالة السماع].

ويميز الصوفية بين السماع بفرق والسماع بجمع، أو السماع في حال الحضور وحال الغيبة، يقول القشيري: "سماع الفرق حضور بخلق، وسماع الجمع غيبة بحق، وسماع الفرق مثل الأصل" [رسالة السماع].

 ٣- الرقص: وقد يتطور أمر السماع من تحريك الأشواق والمواجيد الباطنية للصوفي إلى التعبير الحركي الراقص، والذي قد يبلغ أقصاه حتى يغيب المريد عن نفسه، وفنائه عمن حوله، حتى إنه لا يدرك ماذا يفعل.

 وقد اختلف الصوفية في أمر الرقص الحادث في الحضرة، فمنهم من أباحه، ومنهم من رأى فيه بدعة، ونهى عنه، فقد أباحه أبو عبد الله السلمي (ت١ ١ ٣هـ) استنادًا إلى ما ورد عن بعض الصحابة أنهم حركوا أرجلهم فيما يشبه الرقص، وتبدو ظاهرة الرقص واضحة في التصوف الفارسي، ويعد الرقص مما تميز به فرقة المولوية [تاريخ الأدب في إيران] المنسوبة إلى مولانا جلال الرومي، ولهم في مصر تكية تعرف باسم تكية الدراويش، لهم فيها مسرح يقومون بإجراء الحضرة في داخلها، وتعتمد الحضرة عندهم على الرقص في المقام الأول.

وقد هاجم الرقص صوفية آخرون، منهم ابن الجوزي [تلبيس إبليس]، ورأي فيه السهروردي [عوارف المعارف] (ت٥٣٩هـ) أنه عمل لا يليق بالشيوخ، وكذا الهجويري [كشف المحجوب] فإنه يرى أن الرقص ليس له أصل في الشريعة والطريقة، لأنه باتفاق العقلاء لهْو حين يكون جدًّا، ولغْو حين يكون هزلًا، وفى نظره يعد الرقص قبيح شرعًا وعقلًا، ومرفوضًا عند أهل الطريق، وليس طريقًا مقررًا للحضور.

 ويذهب الغالبية العظمى من ناقدي الطرق الصوفية إلى نقد هذه الطرق بناء على ممارستهم لهذه الحركات الإيقاعية في الحضرة، ويعتبرها خروج عن الحدود الشرعية في حين أن من يقوم بها يرجع بنسبها ووجوده إلى زمن الصحابة رضوان الله عليهم.

الخلاصة

الحضرة والحضور في التصوف هو حالة روحية يغيب فيها العبد عن الخلق ليحضر مع الحق، ويتحقق عبر الذكر والمجاهدة، وتنقسم الحضرة إلى أنواع متعددة، منها الحضرة الجلالية والجمالية والقدسية، والذكر عند الصوفي هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الحضور، سواء فرديًا أو جماعيًا في مجالس الحضرة، ويتدرج السالك من المحاضرة إلى المكاشفة ثم المشاهدة، ليصل إلى مقام الغيبة عن النفس والبقاء بالله، فالحضرة ليست مجرد طقس، بل هي مقام قرب واستغراق في أنوار الحق، والهدف النهائي للسالك هو الثبات في الحضرة القدسية.

موضوعات ذات صلة

التصوف هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي.

هو شيخ جماعة من الأتقياء، وهو مصطلح صوفي، وللقطب كرامات على يديه تناسب المقام الذي بلغه.

 هي انقطاع النفس عن الناس والاهتمامات الدنيوية، للتركيز على العبادة والتقرب إلى الله.

موضوعات مختارة