Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصحبة

الكاتب

أ. د/ عبد الله الشاذلي

الصحبة

التصوف الإسلامي رحلة في أعماق النفس تبحث عن صفاء القلب ونقاء الروح من خلال الصحبة الصالحة والتزكية العملية، فالصوفي يرى في الصحبة وسيلة لترقية السلوك وتزكية الأخلاق، فلا يبلغ السالك مقامات الكمال إلا بالتآخي، والمرافقة في طريق الله، واقتفاء أثر أولياء السلوك الرباني.

مفهوم الصحبة

الدلالات اللغوية: حملت المادة اللغوية للكلمة كثيرًا من الدلالات التي نحتاجها في مجالنا، فمن معانيها يفيد العشرة والملازمة، ويفيد معناها الذل والانقياد للصاحب بعد النفور، وهناك اشتقاق يدل على أن الانقياد من الصاحب لا يتحقق إلا بعد جهد من الطرف الآخر بذله لكي ينقل النافر من حالة العصيان إلى حالة الانقياد كما تقول: أصحبته فهو مصحب أي فعلت به ما جعلته صاحبًا لي غير نافر عني، ويتدرج الاشتقاق ليغطي أهم الصفات اللازمة للصحبة، فإذا قلنا: أصحب فلانًا دلت على أنه حفظه أو أصحب زيدًا عن الأمر أشارت إلى أنه منعه وكفه عنه، وصفة الحياء والاستحياء ترد مع الاشتقاق في قوله: تصحب منه أي استحيا، ويتصحب من مجالستنا أي يستحي وقد يفيد الاشتقاق معاني الملازمة مع انقياد كل صاحب لصاحبه، واستقامتهما على درب الصداقة والصحبة، وحفظ كل منهما للآخر ومنعه من الانحراف أو الفساد، وتحقق الأطراف المشاركة في الصحبة بالاستحياء، وعدم المخالفة للحفظ والاستقامة.

بين الصحبة والعزلة

على الرغم من أن الصحبة كما سيرد لها أهمية بالغة لكننا نرى رجالًا مثل سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم (١١٧هـ) وداود الطائي (١٦١هـ) والفضيل بن عياض (١٦٥هـ) وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط (١٩٠هـ) وحذيفة المرعشي، وبشر الحافي (٢٢٧هـ) يؤثرون التقلل من الصحبة قائلين (إن ذلك أسلم لدينك، وأقل عدًّا لفضيحتك، وأخسف لسقوط الحقوق عنك) [المكي: قوت القلوب ٢/١١٥] والوحدة (خير لصاحب الحظ من الصحبة) [الهجويري: كشف المحجوب (٢/٥٨٦)]، وهكذا تكون الوحدة خيرًا من الألفة في حالات يتجنب فيها الإنسان السقوط في آفات الصحبة مثل خوف الحسد للإخوان، ودبيب الرياء، والغيبة وغير ذلك من العلل، الأمر الذي جعل المكي يسوق على لسان من ذكرنا بأن الوحدة أسلم للدين وأقل من الفضيحة، ومن مؤونة الحقوق للغير، ويستعيض المختلي عن الصحبة (باكتفائه بوجود الحق) [الرسالة شرح الأنصاري: ٢٠٠]، ومراقبته، والاستقامة على شرعه، ثم إن الخلوة أجمع للفكر، وأعون على التدبر وأقدر على معالجة الذات واستبطانها بصورة هادئة، وفي أحيان كثيرة يلزم وجود الوحدة حتى ولو كان هناك صحبة لكي يعيد السالك موقفه من ذاته على ضوء خبرته وعلاقته بالآخرين، وبذا تكتسب الذات خبراتها وتجمعها ثم تفحصها فحصًا دقيقًا في حال من الصفاء والخلوة، وتوجه كل هذا لما ينفعها في سلوكها، من هنا يظل التتابع المتبادل بين الصحبة والوحدة قائمًا كشرط في نمو الفرد لدى فلاسفة التربية الحديثة كذلك [النجيحي: فلسفة التربية: ٣٢٧]، ويمكن أن نحصر وجهة نظر المتقللين من الصحبة في كونهم تخوفوا من مؤونتها، أو تخففوا من عواقبها وآفاتها وعدم مراعاة آدابها وحقوقها وخشوا إن هم لزموا الصحبة دائمًا ألا يكون لهم الوقت الكافي لفحص الذات وتبصرها، ومن أجل هذا توحدوا واختلوا، أو صحبوا مع التحفظ والتقلل ولم يستغرقوا عمرهم مع الآخرين بل كان لهم من الوقت ما يساعدهم على معالجة أنفسهم وبواطنهم.

 أما الفريق الغالب من رجال الحديث والفقهاء والصوفية فيرون ضرورة الصحبة شرعًا وتربية، نلحظ هذا عند ابن المسيب والشعبي، وابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، وابن شبرمة، وشريح، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، هؤلاء جميعًا استحبوا كثرة الإخوان، وشاركهم في هذ الاتجاه مشايخ الصوفية إذ يرون الصحبة بداية من البدايات تلي الخدمة كما سبق، فهم يطلبون أولًا حق الصحبة من أحدهم الآخر ويأمرون المريد بذلك إلى حد أن صارت الصحبة بينهم كالفريضة [قوت القلوب: (٢/١١٥-١١٦)، وكشف المحجوب: (٢/٥٨٤].

أهمية الصحبة في التربية والسلوك الديني

ولأهميتها حرص عليها المريدون مع نظرائهم، والمشايخ مع بعضهم، والأدنى مع الأعلى، وبالعكس، وصرح أبو عثمان الحيري أنه جاء إلى أبي حفص الحداد وهو غلام فطرده قال أبو عثمان فانصرفت جاعلًا وجهي للشيخ وظهري للإمام، وظللت على ذلك حتى غبت عنه، فلما رأى حرصي على صحبته قربني وقبلني، وصيرني من خواص أصحابه إلى أن مات [اللمع: ٢٣٥]، وجعل المكي القرين الصالح أحد خصال سبعة يجب أن يتحلى بها المريد وبقيتها الصدق في الإرادة، ومعرفة حال النفس، ومجالسة عالم بالله، وتوبة صادقة، وطعمة حلال، واستمرار على الطاعة [القوت (١/١٤١)]، واعتبرها أبو النجيب السهروردي مع صحة شروطها أجل الأحوال لأن الصحابة مع كونهم أفضل الناس علمًا وفقهًا وعبادةً وزهدًا وتوكلًا ورضًا لم ينسبوا إلى شيء من ذلك وإنما نسبوا إلى الصحبة فهي من أرقى النسب وأعلاها، وتقف الصحبة عنده فوق المعرفة والمودة والألفة والعشرة والمحبة، إذ كلها بدايات لها أما هي فقمة لتلك الأحوال، ويرى أن تأثير تلك الدرجات من العلاقات متوجه إلى النفس بخلاف الصحبة فيسري غذاؤه للقلوب، وبالتالي فمن شرطها اتفاق البواطن [آداب المريدين ٧٦].

 ويتفق ابن عجيبة الحسني مع الهجويري في فرضية الصحبة للمبتدئ بالنسبة لمن فوقه، ويجعله شرطًا مؤكدًا من شروط التربية والسلوك ثم يقول (اعلم أن الاجتماع عند القوم هو أعظم الأركان وأهمها حتى قال بعضهم، التصوف مبني على ثلاثة أركان: الاجتماع والاستماع والاتباع) [الفتوحات الإلهية ١١٦،١٠]، فمن انفرد بنفسه بعيدًا عن الإخوان لا يجيء منه شيء، وبالتالي فطريقهم ليس بطريق العزلة ونعجب إذا رأينا عبارة ابن عجيبة نفسها يرددها فيليب فينكس فيلسوف التربية المعاصر عندما يقول: (والفرد ليس كيانًا مكتفيًا بذاته، والذات ليست شيئًا في عزلة... ولا يوجد نمو إنساني في عزلة)، وما دام الأمر كذلك فلا تستطيع الشخصية أن تنمو إلا عن طريق الارتباط والتعامل مع الآخرين، والشخصية والذات بالضرورة شيء موجود في علاقة. [فينكس فلسفة التربية: ٥]

أدلة الصحبة

كان الفقهاء والمحدثون على حق في دعوتهم إليها لاستنادهم إلى كثير من النصوص وإلى واقع المؤمنين في كل عصر، فالنصوص تحث الجميع أن يتآلفوا ويتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا: {عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ} [المائدة: ٢]، وقال جل شأنه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا} [مريم: ٩٦]، قال الهجويري: أي (يحسن رعايتهم الإخوان) [نفسه (٢/٥٨٢]، وألزم الله جماعة المؤمنين أن يكونوا إخوة {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ} [الحجرات: ٦]، والجماعة رحمة والفرقة عذاب كما جاء في زوائد المسند، ويد الله مع الجماعة والشيطان مع من فارق الجماعة يركض.

 وروى الدارقطني بسنده عن أبي هريرة في الأصغر والأوسط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أُنبِّئُكم بأحبِّكمُ وأقربِكُمْ منِّي مجلسًا يوم القيامةِ؟! أَحَاسِنُكمْ أَخْلاقًا المُوطْؤُونَ أَكْنَافًا الذَّيِنَ يَأْلفُونَ وَيُؤْلَفُون» وروى أيضًا بسنده أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».

 وأسند المكي كثيرًا من الأحاديث إلى رواياته فقال: وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آخَى أَخا فِي الله عزوجل رَفَعَه الله دَرَجَة فِي الْجنَّة لَا يَنَالُهَا بِشَيْء مِنْ عَمَله»، وكذا قال: وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُونُوا مُؤْتَلِفِينَ وَلَا تَكُونُوا مُنَفِّرِينَ»، والمتحابون في الله لهم منازل وكراسي يوم القيامة ليست لغيرهم، وفي الحديث لهم منابر من نور، ولباسهم من نور، ووجوههم نور، يغبطهم الأنبياء والشهداء، وأصحاب تلك الدرجات هم المتحابون في الله عز وجل والمتجالسون في الله تعالى المتزاورون في الله تعالى وما تحابَّ اثنان في الله عز وجل إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبًّا لصاحبه، كما جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، إلى غير ذلك من الأحاديث التي بشرت ونبهت ورغبت في المحبة والصحبة والأخوة وحذرت من الفرقة والتباغض والتحاسد والتناجش والغيبة والنميمة.

آثار الصحبة

ولا شك أن القريب من القوم يدرك أن ثمار الصحبة تتنوع حسب حال كل من الأصحاب، وحسب درجة الصحبة ذاتها، فإن كانت بين نظراء كانت زينًا في الرخاء، وعونًا في الشدائد، وتعاونًا على البر والتقوى، وشفاعة لكل منهم حيث إن لكل أخ شفاعة فلعل الأخ يدخل في شفاعة أخيه، وقد يعطي كل نظير لأخيه بالتبادل ما يحتاجه الطرف الآخر، فيعطي واحد شيئًا ويعطي الثاني شيئًا آخر كما قال أبو يزيد البسطامي: "صحبت أبا علي السندي فكنت أُلَقّنُه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفًا"[ اللمع: ٢٣٥، وقوت القلوب (٤/١١٥-١١٦)]، وبعبارة أحمد بن يوسف الزجاجي يقول: "مثل المصطحبين مثل النورين إذا اجتمعا أبصر باجتماعهما ما لم يكونا يبصرانه قبل ذلك" [نفسه: ٢٣٤]، وإنما يبصر كل نظير ذاته في ضوء الاجتماع لأن الإنسان عادة ينجذب إلى خارج ذاته أكثر من تعمقه فيها: فإذا فتح عينيه على أخيه مع طول الصحبة، وتأمل ما يجري بقلبه وعقله أدرك كثيرًا من الحقائق التي تبدو من إخوانه، ثم عاد إلى ذاته كما قلنا فاستفاد بما رأى، وربما لا يحتاج الأمر إلى طول معاناة بل يظهر عنصر الاحتياج واضحًا عند كل من المصطحبين فيقوم المتحقق في أمر بسد حاجة الناقص فيه، وأما إذا كانت الصحبة للمبتدئ، مع السابقين في السلوك فإن الشيخ أبا العباس أحمد بن محمد التجيبي المعروف بابن البنا السرقسطي بين الفائدة من الصحبة في الأرجوزة التي نظمها يوضح بها قواعد الطريق، فيقول:

                          وافتقروا فيه للائتلاف             ليعلم المستوفي حال الوافي

 ومن خلال شرح ابن عجيبة لهذا البيت ومما جاء في المفاخر العلية لابن عباد النفري يظهر لنا أن الثمار التي يجنيها المريد من الصحبة تلتقي في أمور:

أهمها أن صحبة أهل الخير حصن للمريد من الانقلاب والعودة إلى البطالة، وإبعاد للنفس من التشوف والتشوق للمعاصي أو البطالة، وكذلك فإن السالك إذا عمل وحده فربما ظهر له أنه على شيء ولم يكن كذلك، وربما خيل إليه الشيطان بأوهام فيحسبها حقائق وهو لا يدري لا سيما وأن المبتدئ تولع نفسه بما لا عادة له، وبالتالي فلا بد وحال المريد هكذا في البداية من اجتماع يميز فيه بين حال المستوفي من حال الوافي وحال الطالب من حال الواصل، وحال أرباب الخيالات من أحوال أصحاب الواردات، وبهذا الاجتماع يدرك الأصاغر رتبتهم، ويعرفون قدرهم وعلمهم ومقامهم فلا يغترون ببارق، ولا يفتخرون بطارق، ولا تأخذهم الأوهام والظنون.

 ومن أهم ما يفيد عن طريق الصحبة أن المريد إذا أطلع على أحوال من فوقه ومن هو أنهض منه حالًا وأكثر منه علمًا عرف ذاته فجد في سيره، وتحقق بقدره، وحصل له النشاط والقوة وما يزال يجدد نشاطه، ويطرد عن نفسه الفترة والكسل كلما طرأ له ذلك، فيزداد التنافس وتقوى الهمم، وترتفع العزائم، وقد حدثوا أنهم كانوا إذا فتروا نظروا إلى محمد بن واسع الزاهد المشهور قالوا: (فعملنا عليه أسبوعًا) لسريان همته في بعث همتهم، والملازم للصحبة يعرف صدقه في طلب دوائه، ويظهر حاله في وجه الشفا من دائه لمعرفة وجه العلة عنده وسببها، والدراية بأُسِّ العلة ومبعث الداء لا يتأتى إلا بدوام الصحبة وملازمة الأخيار، ثم إن الصحبة مجال فسيح للمذاكرة والتعلم والتفقه في الدين وتذوق المعرفة النقية [راجع: ابن عجيبة: الفتوحات الإلهية ١٢١- ١٢٢، ابن عباد النفري: المفاخر العلية: ١٢٧-١٢٨]، إلى غير ذلك كثير من القطوف الدانية المجنية من الصحبة الوافية والألفة الحانية.

اختيار الصاحب

السؤال الذي ينبغي الوقوف عنده طويلًا كيف تختار الصديق لأن الاختيار يتوقف عليه بناء الذات في كثير من جوانبها أو تكميلها، وأظنه ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل»، فالأمر بالنظر هو التأمل والدقة في الاختيار، وتمحيص الأحوال للأشخاص الذين يمكن أن نصاحبهم ولا ينبغي القدوم على الصحبة إلا بعد التريث ثم التثبت من دين من بطلبهم وأخلاقهم وآدابهم، وحسن علاقتهم بالله، ولما سئل حبيبنا صلى الله عليه وسلم من نجالس؟ قال: «من ذكركُمْ بِاللَّه رُؤْيَته وَزَاد فِي علمكُم مَنْطِقه ورغبكم فِي الْآخِرَة عمله»، وعلى قدر الاختيار تكون المنفعة ويكون الحكم على الشخص الطالب للصحبة ذاته، فإذا اختار أهل الصلاح والخير كان خيرًا وإن كان شريرًا لأن تلك الصحبة تجعله بإذن الله خيرًا فتتبدل بها صفاته، وإن فرط في الاختيار فمال إلى أهل الفساد كان شريرًا ولو كان خيرًا لانتقال الشر والفساد إليه حسبما نبه الهجويري [كشف المحجوب (٢/٥٨٤)].

والنظر والتحري في انتقاء الصحبة قد يوصل إلى الألفة مع من يشبهه الطالب أو من يفوقه، فإن تآلف وصاحب من يشبهه فلا بد أن يتصفوا بصفات يتحقق معها جميل الفائدة، وعميم النفع، ومن تلك الصفات ما حدده عمر رضي الله عنه في قوله: "عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء" [قوت القلوب (٤/١١٨)]، والشخص الذي يستحق الصحبة هو بالنسبة إليك (من لا تكتمه شيئًا يعلمه الله تعالى منك) عند ذي النون والجنيد، ويمكننا أن نذوق طعم معاشرة أهل الجنة في صحبة الفقراء الصادقين على حد قول المحاسبي (٢٤٣هـ) [الرسالة ٢٩٦، طبقات الأولياء ٣٧، ١٧٥].

 وأوصى أبو عثمان سعيد بن سالم المغربي (٣٧٣هـ) كل مريد فقال: (لا تصحب إلا أمينًا أو معينًا، فإن الأمين يحملك على الصدق، والمعين يعينك على الطاعة). [طبقات السلمي: ٢٥، ٢٦]، وبعقلانية المؤلف حدد الغزالي (٥٠٥هـ) شروط الصحبة بالعقل، وحسن الخلق والصلاح، والصدق وعدم الحرص على الدنيا [بداية الهداية ١٢٧- ١٢٨]، وأضاف الجيلاني قوة الإيمان والإيقان والعمل والمجاهدة، وقهر النفس والهوى [الفتح الرباني ٢٥ ،٢٦]، وإذا قلت إن المريد قد يختار من يشبهه لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على تمام المساواة بين الصديق الطالب والأصدقاء المطلوبين بل لا بد أن يبقى المطلوب متفوقًا ليستفاد منه.

 وقد ألمح الشيخ أبو الحسن الشاذلي إلى هذا الفرق في قوله: (لا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله ولا تصطفِ لنفسك إلا من تزداد به يقينًا) [الفتوحات الإلهية: ١٢١- ١٢٣]، ومن كان في المستوى أو أدنى لا تتحقق به هذه الزيادة بل تظل حاله من الفتور أو الكسل كما هي، ولا تسمو إلى علٍ، من ثم حذروا من صحبة الأشباه ومن هم على الشاكلة تمامًا عند ابن قيم الجوزية كذلك [زاد المهاجر: ٧٤].

 وأفضل الصحبة أن يقبل المريد على من هو فوقه إيمانًا ويقينًا وعلمًا وعملًا وجهدًا ومعاملة وكشفًا وولايةً، ومعرفةً ووصلًا، فهؤلاء هم الذين يستفاد بهم، ويطلعون على القلوب فيوقظونها، وعلى الظواهر فيربونها، ويدلون المريد على زلاته، ويحذرونه من غفلاته ويأخذون بيده إلى طرائق الرضا، ومطارق القرب، وبصحبة أولياء الله يوفق المرء للوصول إلى الله كما قال أبو عثمان الحيري النيسابوري (٩٨ ٢هـ) (والألفة معهم تورث في القلب الصلاح) [ابن الملقن: طبقات الأولياء ص٢٨٨]، والنقاء فيؤهل للكشوف والمعارف الربانية حسبما نبه ممشاد الدينوري (٢٩٩هـ)، لهذا كله دعا الجيلاني عموم المريدين قائلًا: (اصحبوا العلماء المتقين فإن صحبتكم لهم بركة عليكم.. إذا صحبت من هو أكبر منك في التقوى والعلم كانت صحبتك له بركة عليك في سلوكك) [الفتح الرباني ص ٥١].

وهؤلاء الذين يتميزون بالسمو والرقي هم الصوفية العلماء والخاشعون والمخبتون، وأهل التقى والوصول، وبصحبتهم يحصل كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين للدين والعلم لكونهم خصوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص لم يساهمهم فيها أحد، ويأمل ابن عجيبة أن يصل ذلك إلى المريد، وأن يحدث له من المزيد ما لا يحدث له مع غيرهم، وما لا يتحقق له بدونهم ولو مع كثير من المجاهدات والمكابدات، واعتبرهم ابن القيم أحياء وحدهم ومن سواهم أموات، وبالأحياء تحيا قلوبنا ذكرى ومجالسة، وبالأموات تموت القلوب سيرة ومخالطة [الفتوحات الإلهية ص ١٢١- ١٢٣، وزاد المهاجر ص٧٤]، ويتلخص أن المثمر في الصحبة يأتي من ألفة الأشباه والنظائر في الغايات والسلوك، بحيث يصحب المريد المبتدئ شبيهه من أرباب الوسط، أو يلازم أرباب النهايات من العارفين الواصلين.

الصحبة الضارة: لم يكتفِ رجال الطريق ببيان الصحبة المفيدة وإنما حذروا من كل صحبة ضارة، على أي نحو كان الضرر جسيمًا أو صغير، فمنعوا صحبة الفجار، والفساق، والأشرار وأهل البدع والفساد، وعللوا ذلك بخشية انتقال الفجور من الفاجر إلى غيره، ولأن الفسق داء، والدواء مفارقته، وقد يسري الشر إلى المريد وأقله سوء الظن بالأخيار، والسير مع أهل البدع يورث الإعراض عن الخلق. [قوت القلوب ٤/١١٨، وطبقات الأولياء ص٥٧، والرسالة ص٢٩٦، وطبقات ابن الملقن ص١٦٤، ١٢٠، ١٩٣].

ثم انتقلوا من النهي عن ألفة هؤلاء إلى التحذير من صحبة أبناء الدنيا لأن عشرتهم سم قاتل، وهم ينتفعون بالمريد وهو ينتقص بهم، وكذلك أوصوا بالتباعد عن الأغنياء وبينوا أن من آثر صحبتهم على الفقراء ابتلاه الله بموت القلب حسبما قال سعيد بن سلام المغربي (٣٧٣هـ) وعدد أبو بكر الوراق أنواعًا قال: "احذر صحبة السلطان إبقاء على نفسك، والملوك إبقاء على خلقك، والسوقة إبقاء على خُلقك، والصبيان والنساء إبقاء على قلبك"؛ ونصح الهروي سائر المريدين باجتناب كل من يضيع الوقت أو يفسده [الرسالة ٢٠٢ أ، ابن الملقن: الطبقات ٢٣٧ ، طبقات السلمي: ٥٣ ، منازل السائرين: ٣].

ثم انتقلوا انتقاله ثالثة فحذروا من صحبة الجهال خوفًا من أن يتعدى جهلهم إلى مصاحبيهم ومن صحبة الأحمق واعتبروها غينًا [الفتح الرباني ٢٥]، وكذا صحبة العلماء الغافلين أو العلماء الذين يرضون عن أنفسهم، ومن القراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين [الطوسي اللمع ٢٣٧، وشرح الرندي على الحكم ٣١ - ٣٢]، وأدخلوا مع هؤلاء كل من يسترسل في الغيبة، أو يزكي نفسه ويعظم ذنب الغير أو يحقر ذنبه ولا يقيل عثرة لأحد: أو أرباب الطمع وحب الرياسة [ابن عجيبة الفتوحات الإلهية ١٢٢ - ١٢٥].

أو الذين يمدحون الناس بما ليس فيهم أو بغير ما قيل لأنهم إن غضبوا ذموا بما ليس موجودًا، وعمومًا لا تصحب كل من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله، وانبذ كل أخ أو صاحب لم تستفد منه خيرًا في دينك.

فقد رأيت أنهم حذروا من صحبة أنواع ثلاثة:

نوع تفحمت نفسه من الفجور والفسق والشر والفساد والبدع، وآخر ارتبط بالدنيا حبًّا وثراءً وجاهًا وسلطانًا، ونوع ثالث ربما يظن به الخير وهو ليس كذلك، وعددوا منهم الجهال، والعلماء الغافلين أو الراضين عن أنفسهم وغير هؤلاء ممن جاء تحت الانتقالة الثالثة المشار إليها: والملفت للنظر في هذ النوع الأخير أنهم حذروا من صحبة الصوفية الجاهلين لأن ضررهم على السالك أعظم من غيرهم، وذلك من جهة أنه ربما أحسن المريد الظن بهم فقبل منهم أمورًا لا أصل لها في الشرع أو الطريق، ثم إن التصوف مبني في كل مرحلة من مراحله، وكل مقام أو حال أو أدب أو كشف على الشرع والعلم، والجهال من المتصوفة تغيب عنهم الأحكام لجهلهم فكيف يستفاد بهم؟ إنهم كما قلت ربما كانوا أخطر على صاحبهم من غيرهم.

الخلاصة

الصحبة الصالحة هي أعظم أركان التصوف وشرط أساسي لنمو الذات، وعلى المريد اختيار الصاحب الصادق ذي العلم والدين، والابتعاد عن صحبة الفجار أو أهل الدنيا، لضمان الثمرة الكاملة في السلوك والتربية الروحية.

موضوعات ذات صلة

فصّل السادة الصوفية آداب الصحبة في فقه سلوكي دقيق، شأنه شأن الفقه الظاهري، لضبط المعاملات والأخلاق الباطنة بين المريدين.

من بين التجليات الصوفية: الحضرة والحضور، فنلقي الضوء حول مفهوم الحضرة والحضور.

العشق نوع من أنواع المحبة.

موضوعات مختارة