السؤال الذي ينبغي الوقوف عنده طويلًا
كيف تختار الصديق لأن الاختيار يتوقف عليه بناء الذات في كثير من جوانبها أو
تكميلها، وأظنه ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «الْمَرْءُ
عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل»، فالأمر
بالنظر هو التأمل والدقة في الاختيار، وتمحيص الأحوال للأشخاص الذين يمكن أن
نصاحبهم ولا ينبغي القدوم على الصحبة إلا بعد التريث ثم التثبت من دين من بطلبهم
وأخلاقهم وآدابهم، وحسن علاقتهم بالله، ولما سئل حبيبنا صلى الله عليه وسلم
من نجالس؟ قال: «من ذكركُمْ بِاللَّه رُؤْيَته وَزَاد فِي علمكُم مَنْطِقه ورغبكم
فِي الْآخِرَة عمله»، وعلى قدر الاختيار تكون المنفعة ويكون الحكم على الشخص
الطالب للصحبة ذاته، فإذا اختار أهل الصلاح والخير كان خيرًا وإن كان شريرًا لأن
تلك الصحبة تجعله بإذن الله خيرًا فتتبدل بها صفاته، وإن فرط في الاختيار فمال إلى
أهل الفساد كان شريرًا ولو كان خيرًا لانتقال الشر والفساد إليه حسبما نبه الهجويري
[كشف المحجوب (٢/٥٨٤)].
والنظر والتحري في انتقاء الصحبة قد
يوصل إلى الألفة مع من يشبهه الطالب أو من يفوقه، فإن تآلف وصاحب من يشبهه فلا بد
أن يتصفوا بصفات يتحقق معها جميل الفائدة، وعميم النفع، ومن تلك الصفات ما حدده عمر
رضي الله عنه في قوله: "عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في
الرخاء وعدة في البلاء" [قوت
القلوب (٤/١١٨)]، والشخص الذي يستحق الصحبة هو بالنسبة
إليك (من لا تكتمه شيئًا يعلمه الله تعالى منك) عند ذي النون والجنيد،
ويمكننا أن نذوق طعم معاشرة أهل الجنة في صحبة الفقراء الصادقين على حد قول المحاسبي
(٢٤٣هـ) [الرسالة ٢٩٦، طبقات الأولياء ٣٧، ١٧٥].
وأوصى أبو عثمان سعيد بن سالم المغربي
(٣٧٣هـ) كل مريد فقال: (لا تصحب إلا أمينًا أو معينًا، فإن الأمين يحملك على
الصدق، والمعين يعينك على الطاعة).
[طبقات السلمي: ٢٥، ٢٦]، وبعقلانية المؤلف حدد الغزالي
(٥٠٥هـ) شروط الصحبة بالعقل، وحسن الخلق والصلاح، والصدق وعدم الحرص على الدنيا [بداية الهداية ١٢٧- ١٢٨]، وأضاف الجيلاني قوة الإيمان والإيقان
والعمل والمجاهدة، وقهر النفس والهوى [الفتح
الرباني ٢٥ ،٢٦]، وإذا
قلت إن المريد قد يختار من يشبهه لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على تمام المساواة بين
الصديق الطالب والأصدقاء المطلوبين بل لا بد أن يبقى المطلوب متفوقًا ليستفاد منه.
وقد ألمح الشيخ أبو الحسن الشاذلي إلى
هذا الفرق في قوله: (لا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله ولا تصطفِ لنفسك إلا
من تزداد به يقينًا) [الفتوحات الإلهية: ١٢١- ١٢٣]، ومن كان في المستوى أو أدنى لا تتحقق
به هذه الزيادة بل تظل حاله من الفتور أو الكسل كما هي، ولا تسمو إلى علٍ، من ثم
حذروا من صحبة الأشباه ومن هم على الشاكلة تمامًا عند ابن قيم الجوزية كذلك [زاد
المهاجر: ٧٤].
وأفضل الصحبة أن يقبل المريد على من هو فوقه إيمانًا
ويقينًا وعلمًا وعملًا وجهدًا ومعاملة وكشفًا وولايةً، ومعرفةً ووصلًا، فهؤلاء هم
الذين يستفاد بهم، ويطلعون على القلوب فيوقظونها، وعلى الظواهر فيربونها، ويدلون
المريد على زلاته، ويحذرونه من غفلاته ويأخذون بيده إلى طرائق الرضا، ومطارق
القرب، وبصحبة أولياء الله يوفق المرء للوصول إلى الله كما قال أبو عثمان الحيري
النيسابوري (٩٨ ٢هـ) (والألفة معهم تورث في القلب الصلاح)
[ابن الملقن: طبقات الأولياء ص٢٨٨]، والنقاء فيؤهل للكشوف والمعارف الربانية حسبما
نبه ممشاد الدينوري (٢٩٩هـ)، لهذا كله دعا الجيلاني
عموم المريدين قائلًا: (اصحبوا العلماء المتقين فإن صحبتكم لهم بركة عليكم.. إذا
صحبت من هو أكبر منك في التقوى والعلم كانت صحبتك له بركة عليك في سلوكك)
[الفتح الرباني ص ٥١].
وهؤلاء الذين يتميزون بالسمو والرقي هم
الصوفية العلماء والخاشعون والمخبتون، وأهل التقى والوصول، وبصحبتهم يحصل
كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين للدين والعلم لكونهم خصوا من
حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص لم يساهمهم فيها أحد، ويأمل ابن عجيبة أن
يصل ذلك إلى المريد، وأن يحدث له من المزيد ما لا يحدث له مع غيرهم، وما لا يتحقق
له بدونهم ولو مع كثير من المجاهدات والمكابدات، واعتبرهم ابن القيم أحياء
وحدهم ومن سواهم أموات، وبالأحياء تحيا قلوبنا ذكرى ومجالسة، وبالأموات تموت
القلوب سيرة ومخالطة [الفتوحات الإلهية ص ١٢١- ١٢٣، وزاد
المهاجر ص٧٤]،
ويتلخص أن المثمر في الصحبة يأتي من ألفة الأشباه والنظائر في الغايات والسلوك،
بحيث يصحب المريد المبتدئ شبيهه من أرباب الوسط، أو يلازم أرباب النهايات من
العارفين الواصلين.
الصحبة الضارة: لم يكتفِ رجال الطريق ببيان الصحبة
المفيدة وإنما حذروا من كل صحبة ضارة، على أي نحو كان الضرر جسيمًا أو صغير،
فمنعوا صحبة الفجار، والفساق، والأشرار وأهل البدع والفساد، وعللوا ذلك بخشية
انتقال الفجور من الفاجر إلى غيره، ولأن الفسق داء، والدواء مفارقته، وقد يسري
الشر إلى المريد وأقله سوء الظن بالأخيار، والسير مع أهل البدع يورث الإعراض عن
الخلق. [قوت القلوب ٤/١١٨، وطبقات الأولياء ص٥٧، والرسالة
ص٢٩٦، وطبقات ابن الملقن ص١٦٤، ١٢٠، ١٩٣].
ثم انتقلوا من النهي عن ألفة هؤلاء إلى
التحذير من صحبة أبناء الدنيا لأن عشرتهم سم قاتل، وهم ينتفعون بالمريد وهو ينتقص
بهم، وكذلك أوصوا بالتباعد عن الأغنياء وبينوا أن من آثر صحبتهم على الفقراء
ابتلاه الله بموت القلب حسبما قال سعيد بن سلام المغربي (٣٧٣هـ) وعدد أبو
بكر الوراق أنواعًا قال: "احذر صحبة السلطان إبقاء على نفسك، والملوك إبقاء
على خلقك، والسوقة إبقاء على خُلقك، والصبيان والنساء إبقاء على قلبك"؛ ونصح الهروي
سائر المريدين باجتناب كل من يضيع الوقت أو يفسده [الرسالة
٢٠٢ أ، ابن الملقن: الطبقات ٢٣٧ ، طبقات السلمي: ٥٣ ، منازل السائرين: ٣].
ثم انتقلوا انتقاله ثالثة فحذروا من صحبة الجهال
خوفًا من أن يتعدى جهلهم إلى مصاحبيهم ومن صحبة الأحمق واعتبروها غينًا [الفتح
الرباني ٢٥]،
وكذا صحبة العلماء الغافلين أو العلماء الذين يرضون عن أنفسهم، ومن القراء
المداهنين، والمتصوفة الجاهلين [الطوسي اللمع ٢٣٧، وشرح الرندي
على الحكم ٣١ - ٣٢]، وأدخلوا
مع هؤلاء كل من يسترسل في الغيبة، أو يزكي نفسه ويعظم ذنب الغير أو يحقر ذنبه ولا
يقيل عثرة لأحد: أو أرباب الطمع وحب الرياسة [ابن
عجيبة الفتوحات الإلهية ١٢٢ - ١٢٥].
أو الذين يمدحون الناس بما ليس فيهم أو
بغير ما قيل لأنهم إن غضبوا ذموا بما ليس موجودًا، وعمومًا لا تصحب كل من لا ينهضك
حاله، ولا يدلك على الله مقاله، وانبذ كل أخ أو صاحب لم تستفد منه خيرًا في دينك.
فقد رأيت أنهم حذروا من صحبة أنواع ثلاثة:
نوع تفحمت نفسه من الفجور والفسق والشر
والفساد والبدع، وآخر ارتبط بالدنيا حبًّا وثراءً وجاهًا وسلطانًا، ونوع ثالث ربما
يظن به الخير وهو ليس كذلك، وعددوا منهم الجهال، والعلماء الغافلين أو الراضين عن
أنفسهم وغير هؤلاء ممن جاء تحت الانتقالة الثالثة المشار إليها: والملفت للنظر في
هذ النوع الأخير أنهم حذروا من صحبة الصوفية الجاهلين لأن ضررهم على السالك أعظم
من غيرهم، وذلك من جهة أنه ربما أحسن المريد الظن بهم فقبل منهم أمورًا لا أصل لها
في الشرع أو الطريق، ثم إن التصوف مبني في كل مرحلة من مراحله، وكل مقام أو حال أو
أدب أو كشف على الشرع والعلم، والجهال من المتصوفة تغيب عنهم الأحكام لجهلهم فكيف
يستفاد بهم؟ إنهم كما قلت ربما كانوا أخطر على صاحبهم من غيرهم.