Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

موقف علماء الإسلام من المعنى الفلسفي للمعراج

الكاتب

أ. د. محمد سعيد جمال الدين

موقف علماء الإسلام من المعنى الفلسفي للمعراج

رفض علماء الإسلام والسادة الصوفية مفهوم المعراج الفلسفي القائم على الاتحاد ووحدة الوجود، مؤكدين أن غاية العروج الروحي هي البقاء والكمال وليس الفناء؛ وقد تميز المعراج الصوفي بـالشوق والحركة الوجدانية، خلافًا للمعراج الفلسفي الذي اعتمد على التأمل والسكون العقلي. وقد عاد المفكر محمد إقبال لإحياء التجربة كمنظومة تربوية حديثة للشباب، مستلهمًا الوعي النبوي الذي يوجب العودة للأرض لإصلاح الأمة بعد المشاهدة. 

موقف علماء الإسلام من المعنى الفلسفي للمعراج

نحا المعراج منحى فلسفيًّا فابتعد عن مصدره النقي الأول، الذي تحقق في المعراج النبوي، ودخلته أفكار وحدة الوجود فغيرت الغاية من التجربة، لقد كان الرعيل الأول من الصوفية يشيرون إلى الفناء باعتباره تحررًا من الكدورات البشرية، واكتسابًا لصفات قدسية، ويرون في الحديث القدسي المعروف الذي رواه البخاري عن أبي هريرة وأحمد عن عائشة: ‹‹وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت َبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وسَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا».

 لكن القائلين بوحدة الوجود من الصوفية رأوا أن الفناء يعني الفناء في الذات الإلهية مثلما تفنى القطرة في البحر، ومن ثم لن يكون فناء لصفات البشرية، بل سيصبح اتحاد بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وأصبح هذا هو غاية المعراج عند هؤلاء.

ودارت معركة بين الفقهاء والصوفية من أصحاب وحدة الوجود، بل رفض بعض كبار الصوفية فكرة الاتحاد ، وقادوا ضدها حملة قوية.

 وكان ابن القيم معتنيًا بفكرة الفناء، فعرضها عرضًا موسعًا في كتابه "مدارج السالكين"، فيبين أنه يتقبل الفناء الذي قال به الرعيل الأول من الصوفية كمقام من المقامات لكنه لا يتقبله كغاية للمعراج، لأن حال البقاء أكمل منه، ولهذا كان البقاء حال نبينا ليلة الإسراء والمعراج، وقد رأى ما رأى، وحال موسى الفناء، ولهذا خر صعقًا عند التجلي. [راجع الدراسة التي كتبه عبد الحميد مدكور في مقدمة الجزء الثاني من مدارج السالكين، ص ١٢- ٣١]

مقارنة بين المعارج الصوفية والفلسفية

 أعتقد أنَّ بوسعنا الآن أن نتوقف قليلًا لإجراء مقارنة بين المعراج الفلسفي عند ابن سينا، والمعارج الصوفية، ونلخص ملامح هذه المقارنة فيما يلي:

أولًا: كان الاتجاه الفلسفي الذي يمثله ابن سينا يرى أن العالم المادي يبدو وكأنه على مسافة من الباري - جل وعلا - وهو رأي متأثر بالفلسفة اليونانية كما هو واضح، ومن ثم فإن الفكر والتأمل هو وحده الذي يملك صلاحية الاتصال بالملأ الأعلى، فلا تتيسَّر للنفس العودة إلى أصلها العلوي إلا بالتفكُّر والتأمل، بمعنى تعويد الذهن على التعامل مع التصورات البعيدة عن المدركات الحسية، وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان قادرًا في النهاية على تصوُّر الأمور المفارقة للمادة، فتصبح النفس حينذاك مجلوُّة كالمرآة لتقْبَل إشارات العالم الروحاني، وفيوضاته في شكل إشراقات نورانية تلوح، وكأنها بروق خاطفة، ثم تتابع هذه البروق، وتتوالى كلما كانت النفس أكثر تقبلًا واستعدادًا.. [راجع: التنبيهات والإشارات لابن سينا، ص ١٥٤- ١٥٥]

أما الصوفية، فيرون أن الحق - تعالى - ليس بعيدًا عنا بحيث إذ أردنا أن نحقق الصلة بيننا وبينه، فإننا نقترب بقطع مسافة أو مسيرة زمن، بل يتطلب هذا الاتصال من السالك أن يبذل جهدًا خارقًا لكي يتبدل شعوره، ويمضي مخترقًا هذا العالم المادي كله بما فيه من عوالم وأفلاك، وبما يعج به من مظاهر، فيثبت إرادته الخالصة في القرب من الحق تعالى، وهو أمر يبدو عسيرًا منذ الوهلة الأولى، يقول أحد شعراء الفرس في هذا المعنى: "أحِفْنَةُ تُرَابٍ أمام كُلّ هذا الفلك الهائلِ الدوَّار؟"، لكن الأمر كله معلق في النهاية بالإرادة والعزيمة في ذاك القلب، فالتعويل عندهم إذن على الإرادة والشوق، وطيران السر، ثم على الفضل الإلهي.

ثانيًا: غاية المعراج عند الفيلسوف أن يتعهَّد نفسه بالتأمل في الجواهر المفارقة حتى تصبح هذه النفس مرآة مجلوة يحاذي بها العارف شطر الحق تعالى كما يقول ابن سينا، فتنعكس عليه الإلهامات النورانية والفيوضات والمعارف، ويصير عالمًا عقليًّا ترتسم فيه صورة الوجود كما هو في الحقيقة بأكمله، وقد يغيب العارف عن نفسه تلك، فيلحظ جناب القدس فقط، وتنعكس هذه الحالة على العارف في تغيير عاداته الخلقية وأنماطه السلوكية وصفاته الذاتية، ويصف ابن سينا في الإشارات والتنبيهات العارف بأنه: هَشٌّ، بشٌّ، بَسَّامٌ، يُجِلُّ الصغيرُ من تواضعه، كما يُجِلُّ الكبير، والعارف لا يعنيه التجسُّس والتحسس، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح، لا بعُنف مُعيِّر، وهو شجاع، وكيف لا، وهو بمعزل عن تقية الموت، وجواد وكيف لا، وهو بمعزل عن محبة الباطل، وصفَّاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها ذاتُ بشر.

أما الصوفية: فليست غاية الذات عندهم أن تتأمل شيئًا، بل أن تشهد الحق وحده، ولا تشهد مع الحق سببًا ولا وسيلةً ولا رسمًا البتة، فتنتفي عنها الكدورات البشرية كما ينتفي الخبث من الحديد، وتتخلق بأخلاق الله وبأخلاق أقرب الناس إلى الله عز وجل وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: يرى الصوفية أن السالك لا يمكن أن يقف جامدًا - كما هو حال العارف عند ابن سينا؛ ينتظر الفيوضات النورانية، ويتربص بالإلهامات القدسية لكي تسطع على مرآة نفسه، لكن لا بد للسالك من حركة صعودية في سلم الرقي لكي يصل إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية، وهي الحركة التي لا تتاح للنفس عند ابن سينا إلا عندما يحين أجلها بالموت، غير أن الصوفي قلق يشتعل قلبه بالشوق، ولا يصبر على البقاء ساكنًا في غربته الإنسانية على هذه الأرض، ولا يطيق أن ينتظر الأجل المضروب والموت الطبيعي، بل هو يسعى في حياته الدنيا هذه، رغم كل القيود والشواغل التي تكبل حركته، وضغط الأغيار عليه وتشتيتها لجماع نفسه، يسعى بتجربته الذاتية المعتمدة على القلب في النهاية أن ينطلق، ويتحرك حتى يصل إلى "الفناء" حيث يتلخص من نزعاته وأهوائه وإرادته الخاصة.

رابعًا: ولعل هذا هو الذي طبع نظرية الاتصال عند ابن سينا بطابع السكون وعدم الحركة، نجد العروج فيه ساكنًا، وهو عروج تأمل وفكر، وليس هو بعروج وجداني ينتظم كل الملكات، فالسالك في قصة ابن سينا ساكن لا يبرح مكانه، وإنما تُعرض عليه صور الأشياء وكأنها مشاهد يتأملها دون أن يحفزه الشوق على محاولة الانطلاق لتحصيل مقصودة.

أما السالك عند الصوفية فيُسَاورُه القلق ويتجافى عن المقام ويُنازع الشواغل والقيود لكي ينطلق، وهو ينفعل بالمرائي التي يراها، ويتحول في بعض الأحيان إلى جزء من المشاهد المعروضة ينفعل بها دون أن يفقد ذاته.

خامسًا: انعكست الفكرة الصوفية بما تنطوي عليه من حركة وحيوية على الموضوع، من حيث قوة الخيال وجرأته وتعدد الصور والرموز، والرمز عندهم يقوم غالبًا على الخيال الذي يعيد صياغة المادة لدمجها في نظام جديد، أما الرمز عند ابن سينا فيقوم غالبًا على الوهم، ويستدعي صورًا لا وجود لها في الواقع، كأفعوان له رأس خنزير، وإنسان هو نصف إنسان... إلخ.

سادسًا: بدت فكرة المعراج عند ابن سينا والصوفية على حد سواء - بسبب لطافتها ودقتها - أدخل في باب الشعر منها في النثر، فلقد عمد الغزالي إلى كتابة رسالته نثرًا بأسلوب صوفي بالغ الرقة، وطعَّمها بأشعار يبدو بعضها من نظمه، ولكي يوحي بأهمية الشعر في معالجة التجربة والإفصاح عنها، ولكي يطمئن في الوقت نفسه إلى أن الفكرة قد اقتربت - قدر الإمكان - من الأذهان والوجدان، وعلى كل حال فقد ذلل الشعر قبول الذوق الصوفي، وينطبق ذلك على ما قدمه ابن عربي في رسالته الإسرا، وفيما كتبه عن المعراج في الفتوحات المكية، وبدت التجربة أكثر اكتمالًا من الوجهة الفنية عند كل من العطار، وسنائي الغزنوي حيث عبر كلاهما عنها بالشعر.

سابعًا: ضيق الفلاسفة والصوفية جميعًا مجال التجربة المعراجية، وقصروها على ذوي العزائم القوية من المؤمنين الصادقين، بل اشترطوا على أن تظل سرًّا مصونًا عن البوح به إلَّا لذوي القلوب والبصائر.

المعراج الروحي في العصر الحديث

 في سنة ١٩١٩ فَجَّرَ المستشرق الإسباني "ميجيل آسين بلاثيوس" قنبلة دوَّت فأسمعت العالم كله، حين أعلن في محاضرة ألقاها في الجمعية الملكية الإسبانية أن فخر إيطاليا وشاعرها الكبير دانتي أليجييري في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر قد تأثر في ملحمته الكوميديا الإلهية بالإسلام تأثرًا واسع المدى يتغلغل حتى في تصويره للجحيم والجنة فلقد تبين لآسين أن ثمة مشابهات وثيقة بين ما ورد في بعض الكتب الإسلامية عن معراج النبي صلى الله عليه وسلم فضلًا عن مصادر إسلامية أخرى تتحدث عن المعراج بصورة أدبية أو صوفية وبين ما ورد في الكوميديا الإلهية، الأمر الذى يدل دلالة قاطعة على أن الكوميديا تستمد جانبًا كبيرًا من مادتها من مصادر إسلامية، وقد أثار هذا الرأي ضجة كبرى في الأوساط العلمية، فأيده البعض، وعارضه آخرون، وكان الإيطاليون من أشد معارضيه لأنه يُعَدُّ ضربًا من القدح في شاعرهم الكبير، لا سيما وهو صادر من جهة خصومهم التقليديين وهم الإسبان.

 ونشطت الدراسات المقارنة حول مصادر الكوميديا الإلهية، وجاءت دراسات الإيطاليين أنفسهم في النهاية مؤيدة لرأي آسين، حيث قرر واحد من كبار الباحثين الإيطاليين - وهو "تشيرولي" - في كتاب أصدره في سنة ١٩٤٩ أنه لا يسعنا إلا الاعتراف بتأثر دانتي بعمق بالمصادر الإسلامية. [راجع، محمد السعيد جمال الدين، الأدب المقارن... ص ٨٧ وما بعدها]، والذي يهمنا من الإشارة إلى هذا الموضوع هو أن دويَّ هذه الضجة التي أثارها آسين بلاثيوس قد وصلت إلى أسماع الشاعر والمفكر الإسلامي محمد إقبال (١٨٧٧- ١٩٣٨)، فشرع في قراءة الكوميديا عن طريق الترجمة الإنجليزية، وحرص أثناء زيارته لإسبانيا في سنة ١٩٣١ على لقاء آسين بلاثيوس، وتطارحا سويًّا الرأي في الموضوع.

منظومة في المعراج

وقد كان إقبال منشغلًا في ذلك الحين بموضوع المعراج، وحزم أمره على نظم منظومة فيه سمَّاهَا "جاويد نامه" أو "رسالة الخلود"، ولعل إقبال كان يريد لمنظومته "رسالة الخلود" أن تذيع، وتشتهر بين الناس، لأنها تتناول نفس الموضوع الذي تناولته الكوميديا الإلهية، وهو المعراج، ثم لم يلبث إقبال أن نشر هذه المنظومة في سنة ١٩٣٢، وجعل موضوعها المعراج [راجع: رسالة الخلود، الترجمة العربية، ص ٨١ وما بعدها] وبدأها بدعاء إلى الله ينطوي على إحساس عميق بغربة الإنسان في هذا العالم، وبوقوعه في أسر الزمان والمكان، ومن ثم يسأل الله تعالى أن يعتقه من أسرهما لكي ينطلق متجهًا إلى هدفه الأسمى، وهنا تظهر روح الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي، وتأخذ في شرح أسرار المعراج، فيقول له: إن المعراج ثورة في الشعور، من شأنه أن تحطم طلسم الزمان والمكان، ثم تظهر روح الزمان والمكان في صورة ملك ينظر إلى إقبال نظرة لم يشعر بعدها إلا وجسده أكثر خفة ورشاقة، إيذانًا ببدء التجربة.

كانت الأفلاك أولَ مرحلة من مراحل الرحلة، فانتقل الشاعر في صحبة مرشده الروحي إلى فلك القمر، ثم عطارد، ثم الزهرة، فالمريخ، فالمشتري، فزحل، وهما يلتقيان في كل فلك بعدد من الشخصيات التاريخية منها على سبيل المثال: أبو جهل (عمرو بن هشام)، جمال الدين الأفغاني، سعيد حليم باشا السياسي التركي، المهدي السوداني، اللورد كتشسنر وزير الحربية البريطاني، فرعون، أبو منصور الحلاج، الشاعر الهندي أسد الله غالب، سيد أهل الفراق إبليس، كما يشاهدان في فلك زحل اثنين من الخونة الهنود وهما يعذبان، وفي منزلة بين الأفلاك وما وراء الأفلاك يشاهد الشاعر ومرشده الروحي الفيلسوف الألماني (نيتشه) يدور في دوائر أبدية متلاحقة.

ويناقش الشاعر مع بعض هذه الشخصيات عددًا من القضايا السياسية والفكرية والمشكلات الراهنة التي تمسك بخناق العالم الإسلامي: كتفشي الروح القومية والوطنية بين المسلمين، وانتشار الفكر المادي بجانبيه الشيوعي والرأسمالي، وحركات التغريب المتمثلة في تركيا الحديثة، وأسس الحكومة الإسلامية، والمدينة الإسلامية الفاضلة، وعودة الوثنيات القديمة، وقضية القضاء والقدر، وقضايا المرأة في العالم الإسلامي، وتُوَجّه بعضُ هذه الشخصيات رسائل - من خلال شاعرنا - إلى شعوب بعينها، كالرسالة التي وجهها السيد جمال الدين الأفغاني إلى الأمة الروسية، والرسالة التي وجهها الدرويش السوداني إلى الأمة العربية.

ثم ينتقل الشاعر ومرشده إلى ما وراءَ الأفلاك، ويصلان جنة الفردوس، ويصفها الشاعر وصفًا رائعًا، ويلتقيان هناك بسلاطين المشرق الثلاثة: الملك الإيراني نادر شاه، وأحمد شاه الأبدالي مؤسس أفغانستان (في القرن الثامن عشر)، والسلطان الهندي الشهيد فتح علي تيبو، ويدير إقبال والرومي معهم حوارًا حول حاضر العالم الإسلامي، وتحين لحظة الفراق بين الرومي وإقبال، فيقول له الرومي: قم، فيمضي وحده للمثول في الحضرة الإلهية، وتطلب منه حور الجنة أن يبقى معها لحظة أو لحظتين، لكنه يمضي في طريقه لا يلوي على شيء: فهو لا يبغي غير وجه الحق، والشاعر وهو يمضي وحده في نور التجليات لا زال منشغلًا بأمته وبمشكلاتها، فينطلق صوت صادر من أعماق العالم الأعلى يحدثه بأن الأمة الإسلامية لا صلاح لها إلا بوحدة الفكر والعمل.

 ثم يقع التجلي الإلهي، فيعمُّ النورُ كلَّ الكون، ويخرُّ الشاعر ثملًا بالجلوة فاقدًا النطق، ويفيق على صوت قوي يأمره بالعودة إلى الأرض، وهنا تنتهي التجربة المعراجية.

وكان لا بد للشاعر أن يعود لكي يدعو إلى طريق الحق وإلى الرقي الروحي، فرأى أن يخص الشباب بدعوته، فهم أمل الأمة ومستقبلها، ومن ثم يوجه في نهاية منظومته خطابًا إلى الجيل الجديد من شباب الأمة والخطاب ينطوي على آراء تربوية قيّمة، تناول فيها الشاعر بالتوضيح مفهوم التوحيد وآثاره، وتحدث عن إفلاس المسلمين المعاصرين، ووجَّه انتقادات لاذعة إلى الشباب المسلم، ثم انتقل إلى النصح ودعاهم إلى ربط القلب بالله وحده، وحذرهم من أن يتسرب إلى نفوسهم اليأس من الدين لما يرونه في المسلمين المعاصرين من حقد ونفاق، وأشار عليهم بصحبة رجال الحق، وهنا تنتهي المنظومة.

لا بد لنا من تعقيب مجمل على تجربة محمد إقبال:

 إذ نلاحظ فيها أن المعراج الإسلامي قد تخلص في النهاية من كل شوب علق به في رحلته الطويلة عبر الزمن، وعاد إلى استلهام مصدره النقي الأول، وينبوعه الطاهر الأسمى، وهو المعراج النبوي، فأَثَرُ المعراج النبوي واضح كل الوضوح في تجريه إقبال، لقد فضَّل إقبال الوعي النبوي على الوعي الصوفي في مقام المشاهدة، ويتضح الفرق بين الاثنين من كلمة لأحد الصوفية المسلمين في الهند عن الوعي الصوفي، قال فيها: صعد محمد النبي العربي إلى السماوات العلا ثم رجع إلى الأرض، قسمًا بربي، لو أني بلغت هذ المقام ما عدت أبدًا.

ولكن صاحبنا تأسى بالنبي الكريم، فعاد ليحدثنا عن تجربته الذاتية، ويروي مشاعره أمام الحضرة العُلوية ابتغاء تغيير هذا العالم، على أن المشاهدة ليست مجرد متعة ذاتية عند النبي، بل هي تلق مباشر من الحق تعالى لرسالة يتعين على النبي أن يعود بعد تلقيها لإبلاغها لأمته.

الخلاصة

المعراج يمثل تجربة روحية فريدة تجاوزت الزمان والمكان، وحملت في طياتها إشارات معرفية ونماذج تربوية للارتقاء الروحي؛ اتفق علماء الإسلام على وقوعه واختلفوا في كيفيته، بينما توسع الفلاسفة والصوفية في رمزيته ومعانيه، وقد أثر المعراج النبوي في الأدب العالمي كما يتجلى في أعمال مثل كوميديا دانتي. وفي العصر الحديث، أعاد المفكر محمد إقبال صياغة المعراج كمنظومة تربوية للشباب، وتبقى التجربة المعراجية دعوة مستمرة للإنسان للترقي في مدارج الكمال ومجاهدة النفس والبحث عن الحق.

موضوعات ذات صلة

المعراج يعكس تجربة ثرية تجمع بين السرد النبوي والرؤى الصوفية والفلسفية، مما يبرز تأثيره العميق في تشكيل الإنسان وتقوية الروابط بين الأرض والسماء، وبين الجانبين المادي والروحي.

"الغيب" عند الصوفية هو ما ستره الله عن عباده ثم يكشفه ويمنحه لقلوب الأولياء الصادقين.

ينقسم العلم إلى نوعين رئيسيين: العلم الشرعي والعلم العقلي.

موضوعات مختارة