أعتقد أنَّ بوسعنا الآن أن نتوقف قليلًا لإجراء
مقارنة بين المعراج الفلسفي عند ابن سينا، والمعارج الصوفية، ونلخص ملامح هذه
المقارنة فيما يلي:
أولًا: كان
الاتجاه الفلسفي الذي يمثله ابن سينا يرى أن العالم المادي يبدو وكأنه على
مسافة من الباري - جل وعلا - وهو رأي متأثر بالفلسفة اليونانية كما هو واضح، ومن
ثم فإن الفكر والتأمل هو وحده الذي يملك صلاحية الاتصال بالملأ الأعلى، فلا تتيسَّر
للنفس العودة إلى أصلها العلوي إلا بالتفكُّر والتأمل، بمعنى تعويد الذهن على
التعامل مع التصورات البعيدة عن المدركات الحسية، وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان
قادرًا في النهاية على تصوُّر الأمور المفارقة للمادة، فتصبح النفس حينذاك مجلوُّة
كالمرآة لتقْبَل إشارات العالم الروحاني، وفيوضاته في شكل إشراقات نورانية تلوح،
وكأنها بروق خاطفة، ثم تتابع هذه البروق، وتتوالى كلما كانت النفس أكثر تقبلًا واستعدادًا..
[راجع: التنبيهات
والإشارات لابن سينا، ص ١٥٤- ١٥٥]
أما الصوفية، فيرون أن
الحق - تعالى - ليس بعيدًا عنا بحيث إذ أردنا أن نحقق الصلة بيننا وبينه، فإننا
نقترب بقطع مسافة أو مسيرة زمن، بل يتطلب هذا الاتصال من السالك أن يبذل جهدًا
خارقًا لكي يتبدل شعوره، ويمضي مخترقًا هذا العالم المادي كله بما فيه من عوالم
وأفلاك، وبما يعج به من مظاهر، فيثبت إرادته الخالصة في القرب من الحق تعالى، وهو
أمر يبدو عسيرًا منذ الوهلة الأولى، يقول أحد شعراء الفرس في هذا المعنى: "أحِفْنَةُ
تُرَابٍ أمام كُلّ هذا الفلك الهائلِ الدوَّار؟"، لكن الأمر كله معلق في
النهاية بالإرادة والعزيمة في ذاك القلب، فالتعويل عندهم إذن على الإرادة والشوق،
وطيران السر، ثم على الفضل الإلهي.
ثانيًا: غاية
المعراج عند الفيلسوف أن يتعهَّد نفسه بالتأمل في الجواهر
المفارقة حتى تصبح هذه النفس مرآة مجلوة يحاذي بها العارف شطر الحق تعالى كما يقول
ابن سينا، فتنعكس عليه الإلهامات النورانية والفيوضات والمعارف، ويصير عالمًا
عقليًّا ترتسم فيه صورة الوجود كما هو في الحقيقة بأكمله، وقد يغيب العارف عن نفسه
تلك، فيلحظ جناب القدس فقط، وتنعكس هذه الحالة على العارف في تغيير عاداته الخلقية
وأنماطه السلوكية وصفاته الذاتية، ويصف ابن سينا في الإشارات والتنبيهات
العارف بأنه: هَشٌّ، بشٌّ، بَسَّامٌ، يُجِلُّ الصغيرُ من تواضعه، كما يُجِلُّ الكبير،
والعارف لا يعنيه التجسُّس والتحسس، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح، لا بعُنف مُعيِّر،
وهو شجاع، وكيف لا، وهو بمعزل عن تقية الموت، وجواد وكيف لا، وهو بمعزل عن محبة
الباطل، وصفَّاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها ذاتُ بشر.
أما الصوفية: فليست غاية
الذات عندهم أن تتأمل شيئًا، بل أن تشهد الحق وحده، ولا تشهد مع الحق سببًا ولا
وسيلةً ولا رسمًا البتة، فتنتفي عنها الكدورات البشرية كما ينتفي الخبث من الحديد،
وتتخلق بأخلاق الله وبأخلاق أقرب الناس إلى الله عز وجل وهو الرسول صلى الله
عليه وسلم.
ثالثًا: يرى
الصوفية أن السالك لا يمكن أن يقف جامدًا - كما هو حال العارف
عند ابن سينا؛ ينتظر الفيوضات النورانية، ويتربص بالإلهامات القدسية لكي
تسطع على مرآة نفسه، لكن لا بد للسالك من حركة صعودية في سلم الرقي لكي يصل إلى
مقام القرب من الحضرة الإلهية، وهي الحركة التي لا تتاح للنفس عند ابن سينا
إلا عندما يحين أجلها بالموت، غير أن الصوفي قلق يشتعل قلبه بالشوق، ولا يصبر على
البقاء ساكنًا في غربته الإنسانية على هذه الأرض، ولا يطيق أن ينتظر الأجل المضروب
والموت الطبيعي، بل هو يسعى في حياته الدنيا هذه، رغم كل القيود والشواغل التي تكبل
حركته، وضغط الأغيار عليه وتشتيتها لجماع نفسه، يسعى بتجربته الذاتية المعتمدة على
القلب في النهاية أن ينطلق، ويتحرك حتى يصل إلى "الفناء" حيث يتلخص
من نزعاته وأهوائه وإرادته الخاصة.
رابعًا: ولعل هذا هو الذي
طبع نظرية الاتصال عند ابن سينا بطابع السكون وعدم الحركة، نجد العروج فيه ساكنًا،
وهو عروج تأمل وفكر، وليس هو بعروج وجداني ينتظم كل الملكات، فالسالك في قصة
ابن سينا ساكن لا يبرح مكانه، وإنما تُعرض عليه صور الأشياء وكأنها مشاهد
يتأملها دون أن يحفزه الشوق على محاولة الانطلاق لتحصيل مقصودة.
أما السالك
عند الصوفية فيُسَاورُه القلق ويتجافى عن المقام ويُنازع الشواغل
والقيود لكي ينطلق، وهو ينفعل بالمرائي التي يراها، ويتحول في بعض الأحيان إلى جزء
من المشاهد المعروضة ينفعل بها دون أن يفقد ذاته.
خامسًا: انعكست
الفكرة الصوفية بما تنطوي عليه من حركة وحيوية على الموضوع، من حيث قوة الخيال
وجرأته وتعدد الصور والرموز، والرمز عندهم يقوم غالبًا على الخيال الذي يعيد صياغة
المادة لدمجها في نظام جديد، أما الرمز عند ابن سينا فيقوم غالبًا على
الوهم، ويستدعي صورًا لا وجود لها في الواقع، كأفعوان له رأس خنزير، وإنسان هو نصف
إنسان... إلخ.
سادسًا: بدت فكرة
المعراج عند ابن سينا والصوفية على حد سواء - بسبب لطافتها ودقتها - أدخل في باب
الشعر منها في النثر، فلقد عمد الغزالي إلى كتابة رسالته نثرًا بأسلوب صوفي بالغ الرقة،
وطعَّمها بأشعار يبدو بعضها من نظمه، ولكي يوحي بأهمية الشعر في معالجة التجربة
والإفصاح عنها، ولكي يطمئن في الوقت نفسه إلى أن الفكرة قد اقتربت - قدر الإمكان -
من الأذهان والوجدان، وعلى كل حال فقد ذلل الشعر قبول الذوق الصوفي، وينطبق ذلك
على ما قدمه ابن عربي في رسالته الإسرا، وفيما كتبه عن المعراج في الفتوحات
المكية، وبدت التجربة أكثر اكتمالًا من الوجهة الفنية عند كل من العطار، وسنائي
الغزنوي حيث عبر كلاهما عنها بالشعر.
سابعًا: ضيق الفلاسفة
والصوفية جميعًا مجال التجربة المعراجية، وقصروها على ذوي العزائم القوية من
المؤمنين الصادقين، بل اشترطوا على أن تظل سرًّا مصونًا عن البوح به إلَّا لذوي
القلوب والبصائر.