قبل أن نتحدث عن رأي الصوفية في هذه
المسألة، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أن الظاهر "هو ما انكشف بغير دليل"،
وضده الخفي والباطن، والظاهر عند الصوفية مقابل للباطن، ومنه علم الظاهر وعلم الباطن [المعجم الفلسفي].
وقيل: الباطن هو علم السرائر والخفيات، أو هو المحتجب عن أبصار الخلائق
وأوهامهم، أو هو العلم بكل ما بطن، والباطني هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره
إلا لمن يثق به، أو هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، أو هو الذي يحكم بأن
لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، فلفظ الباطني يدل إذن على ثلاثة معان:
١- الباطني هو الداخلي الذي هو ضد
الخارجي أو الظاهري، فالباطني هو الذي يهتم باللباب من دون القشور أو بالأمور
الخفية من دون الأمور الظاهرة، وقد رأينا كيف أن الصوفية كانوا يهتمون بصغائر النفوس
وبواطن القلوب أكثر من اهتمامهم بظواهر الأبدان.
٢- الباطني هو الخاص، ويُطلق على
كل تعليم تختص به عددًا محدودًا من السامعين، فلا تظهره إلا لنفسك أو للذين يقومون
منك مقام نفسك، لاعتقادك أن الحق مضنون به على غير أهله، وأنه يجب أن يصان عن المبتذلين
والجاهلين فلا يُبلغ إلا إلى من رزقه الله فطنة وقادة ودربة وعادة.
٣ - والباطني هو الخفي، وهو
المخصص بمعرفة الأسرار والخفيات، كعلم الجفر أو علم الحروف، وهو علم يدَّعي أصحابه
أنهم يعرفون به الحوادث إلى انقراض العالم، أو كالقبالة، وهو اسم يطلقه اليهود على
تفسير التوراة السري بالأرقام والحروف، أو كعلم السحر والطلسمات وعلوم التنجيم
والعرافة وغيرها [المعجم الفلسفي]، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمقصود
بالباطنية، فإنه يمكن الإشارة إلى أن هناك اتجاهين في الفكر الإسلامي يُطلق عليهما
لفظ الباطنية.
فهناك باطنية الفلاسفة الذين كان أغلبهم من الشيعة،
والذين مزجوا أقوالهم ببعض الآراء الفلسفية.
وهناك باطنية الصوفية، وهم القائلون بأن لكل ظاهر باطنًا
ولكل تنزيل تأويلًا، إلا أنهم قد انقسموا بدورهم إلى معتدلين ومتطرفين، فالمعتدلون
من باطنية الصوفية هم الذين قدموا تأويلات للنصوص لا تبتعد كثيرًا عن روح العقيدة
الدينية، والمتطرفون منهم هم الذين ظهرت في أقوالهم بعض آراء باطنية الفلاسفة.
وعلى أية حال، فإن معنى الباطن يبرز في
التصوف بوصفه العلم الذي يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها وهي أعمال القلوب، وهي
أعمال حقيقية؛ ولذا، فقد سمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسموا من
عداهم أهل الظواهر وأهل الرسوم، ونستطيع هنا أن نشير إشارة عابرة إلى النزعة
الباطنية عند الصوفية، تلك النزعة التي تتجلى في تأويل النصوص الدينية تأويلًا روحيًا،
أو في النظر إلى الشعائر الدينية نظرة روحية تبعدها عن المعنى الظاهر لها.
فإذا أردنا أن نتحدث عن تأويل النصوص الدينية عند الصوفية، فإنه يمكن
الإشارة إلى أن تفسير القرآن عند الصوفية كان يقوم عندهم على التأويل الباطني
للآيات، مع اختلاف الصوفية عن الشيعة الباطنية في طريقتهم الجديدة التي
نهجوها في التأويل وهي طريقة الاستبطان، تلك الطريقة التي تقوم أساسًا على تكرار
تلاوة النص مع حضور القلب وجمع الهمة والاشتغال بما هم فيه دون غيره، بحيث يتصف
القلب بصورة المقروء ويتلون بلونه فيفرح للوعد أو يحزن للوعيد.
ويبدو أن تأويل الصوفية للنصوص الدينية بهذه
الطريقة، أي عن طريق الحضور الدائم للقلب مع الله أثناء تلاوة النص، قد يُعتبر من
قبيل العلوم الإلهامية التي يحصل عليها الصوفية عن طريق المجاهدات الروحية، وقد
يتأكد لنا ذلك إذا أشرنا إلى ما ذكره أحد الصوفية المعتدلين عندما أشار إلى أن
مشايخ الصوفية أحكموا أساس التقوى وتعلموا العلم لله تعالى، وعملوا بما علموا
لموضع تقواهم فعلمهم الله تعالى ما لم يعلموا من غرائب العلوم ودقيق الإشارات
واستنبطوا من كلام الله تعالى غرائب العلوم وعجائب الأسرار [عوارف المعارف].
ويمكن توضيح ذلك بالقول بأنه إذا تلا الصوفي القرآن تلاوة فهم
على النحو الذي وصفناه، تفتحت له معانيه رويدًا رويدًا، وزادت وضوحًا مع ازدياد
مرات التلاوة، وانكشفت له "الحكمة" التي هي جماع الأسرار الباطنية
المودعة في النصوص ويبدوا أن هذا هو ما يفهمه الصوفي من قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ
ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ} [آل عمران: ٤٨] قالوا:
(الكتاب) اسم لظاهر القرآن و(الحكمة) اسم لباطنه، وقد ذكر بعض الباحثين في قوله
تعالى: {يُؤۡتِي
ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا
كَثِيرٗاۗ} [البقرة: ٢٦٩]، إن الحكمة هي الفهم في كتاب الله عز وجل
[قوت
القلوب]، فالحكمة عندهم أو (الفهم) كما يسميها
أوائل الصوفية ليست نوعًا من العلم يُكتسب بالنظر العقلي، بل هي العلم الباطن الذي
يلقى في القلب إلقاءً ويدرك القلب حلاوته ذوقًا وبذلك تتقابل حكمة الصوفية وحكمة
الفلاسفة تقابل الاضداد [التصوف الثورة الروحية في
الإسلام].
وإذا كنا لا نود أن نستطرد في الحديث
عن النماذج التي قدمها الصوفية لتأويل النصوص الدينية، وذلك حتى لا يطول بنا
الحديث في هذه المسألة أكثر من اللازم، فإننا نود أن ننتقل إلى الإشارة الموجزة عن
نظرة الصوفية الروحية أو الباطنية إلى العبادات والشعائر الدينية، فلقد نظر الصوفية إلى العبادات والشعائر الدينية
نظرة باطنية، وذلك عندما فرقوا بين الظاهر والباطن في هذه الأمور، فقرروا أن ظواهر
هذه العبادات والشعائر إنما هي ما يكلَّف به العامة بالإضافة إلى الخاصة أو خاصة
الخاصة الذين لا يقفون عند هذه الظواهر بل يتعدونها إلى ما وراء الظواهر من أمور
تتعلق بأفعال القلوب ونوايا النفوس.
والحقيقة أن الأمثلة التي توضح ذلك إنما
هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذا المقام، وإنما نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى
التفرقة الصوفية بين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فصوم العوام مثلًا إنما هو الامتناع عن
شهوتيّ البطن والفرج، وصوم الخواص هو بالإضافة إلى ذلك الامتناع عن أداء المحرمات
على وجه العموم ظاهرية كانت أو باطنية، أما صوم خواص الخواص، فهو الامتناع عن
التفكير في كل ما سوى الله، أو بالأحرى إفراغ القلب تمامًا من كل ما سوى الله.
ولكن ينبغي أن نستطرد هنا فنشير إلى
أنه إذا كان ذلك هو الإطار العام لموقف الصوفية في مسألة الظاهر والباطن، فإنه
لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض الصوفية الذين ابتعدوا عن الروح الدينية الصحيحة
قد أهملوا شأن الظواهر لكي يعلوا من شأن الباطن، فأهملوا أداء التكاليف الشرعية
بحجة أنها مجرد أمور ظاهرية إلا أن هذه الفئة القليلة لا يمكن أن تمثل الإطار
العام للفكر الصوفي، لأنها مجرد فكرة ضالة أو خارجة عن نطاق الدين الصحيح.