Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الشريعة والحقيقة

الكاتب

أ.د/ إبراهيم تركي

الشريعة والحقيقة

يرى التصوف الإسلامي أن الشريعة والحقيقة وجهان لحقيقة واحدة، فالشريعة هي ظاهر الدين والحقيقة باطنه، ولا يكتمل أحدهما دون الآخر؛ فالإخلاص في الطاعة لا يتحقق بمجرد أداء الأعمال الظاهرة، بل بصدق النية ونقاء الباطن من حب الظهور والتفاخر بالطاعة أمام الناس.

الدين بين الظاهر والباطن

قبل أن نتحدث عن رأي الصوفية في هذه المسألة، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أن الظاهر "هو ما انكشف بغير دليل"، وضده الخفي والباطن، والظاهر عند الصوفية مقابل للباطن، ومنه علم الظاهر وعلم الباطن [المعجم الفلسفي].

وقيل: الباطن هو علم السرائر والخفيات، أو هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، أو هو العلم بكل ما بطن، والباطني هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره إلا لمن يثق به، أو هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، أو هو الذي يحكم بأن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، فلفظ الباطني يدل إذن على ثلاثة معان:

١- الباطني هو الداخلي الذي هو ضد الخارجي أو الظاهري، فالباطني هو الذي يهتم باللباب من دون القشور أو بالأمور الخفية من دون الأمور الظاهرة، وقد رأينا كيف أن الصوفية كانوا يهتمون بصغائر النفوس وبواطن القلوب أكثر من اهتمامهم بظواهر الأبدان.

٢- الباطني هو الخاص، ويُطلق على كل تعليم تختص به عددًا محدودًا من السامعين، فلا تظهره إلا لنفسك أو للذين يقومون منك مقام نفسك، لاعتقادك أن الحق مضنون به على غير أهله، وأنه يجب أن يصان عن المبتذلين والجاهلين فلا يُبلغ إلا إلى من رزقه الله فطنة وقادة ودربة وعادة.

٣ - والباطني هو الخفي، وهو المخصص بمعرفة الأسرار والخفيات، كعلم الجفر أو علم الحروف، وهو علم يدَّعي أصحابه أنهم يعرفون به الحوادث إلى انقراض العالم، أو كالقبالة، وهو اسم يطلقه اليهود على تفسير التوراة السري بالأرقام والحروف، أو كعلم السحر والطلسمات وعلوم التنجيم والعرافة وغيرها [المعجم الفلسفي]، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمقصود بالباطنية، فإنه يمكن الإشارة إلى أن هناك اتجاهين في الفكر الإسلامي يُطلق عليهما لفظ الباطنية.

 فهناك باطنية الفلاسفة الذين كان أغلبهم من الشيعة، والذين مزجوا أقوالهم ببعض الآراء الفلسفية.

وهناك باطنية الصوفية، وهم القائلون بأن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، إلا أنهم قد انقسموا بدورهم إلى معتدلين ومتطرفين، فالمعتدلون من باطنية الصوفية هم الذين قدموا تأويلات للنصوص لا تبتعد كثيرًا عن روح العقيدة الدينية، والمتطرفون منهم هم الذين ظهرت في أقوالهم بعض آراء باطنية الفلاسفة.

وعلى أية حال، فإن معنى الباطن يبرز في التصوف بوصفه العلم الذي يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها وهي أعمال القلوب، وهي أعمال حقيقية؛ ولذا، فقد سمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسموا من عداهم أهل الظواهر وأهل الرسوم، ونستطيع هنا أن نشير إشارة عابرة إلى النزعة الباطنية عند الصوفية، تلك النزعة التي تتجلى في تأويل النصوص الدينية تأويلًا روحيًا، أو في النظر إلى الشعائر الدينية نظرة روحية تبعدها عن المعنى الظاهر لها.

   فإذا أردنا أن نتحدث عن تأويل النصوص الدينية عند الصوفية، فإنه يمكن الإشارة إلى أن تفسير القرآن عند الصوفية كان يقوم عندهم على التأويل الباطني للآيات، مع اختلاف الصوفية عن الشيعة الباطنية في طريقتهم الجديدة التي نهجوها في التأويل وهي طريقة الاستبطان، تلك الطريقة التي تقوم أساسًا على تكرار تلاوة النص مع حضور القلب وجمع الهمة والاشتغال بما هم فيه دون غيره، بحيث يتصف القلب بصورة المقروء ويتلون بلونه فيفرح للوعد أو يحزن للوعيد.

 ويبدو أن تأويل الصوفية للنصوص الدينية بهذه الطريقة، أي عن طريق الحضور الدائم للقلب مع الله أثناء تلاوة النص، قد يُعتبر من قبيل العلوم الإلهامية التي يحصل عليها الصوفية عن طريق المجاهدات الروحية، وقد يتأكد لنا ذلك إذا أشرنا إلى ما ذكره أحد الصوفية المعتدلين عندما أشار إلى أن مشايخ الصوفية أحكموا أساس التقوى وتعلموا العلم لله تعالى، وعملوا بما علموا لموضع تقواهم فعلمهم الله تعالى ما لم يعلموا من غرائب العلوم ودقيق الإشارات واستنبطوا من كلام الله تعالى غرائب العلوم وعجائب الأسرار [عوارف المعارف].

ويمكن توضيح ذلك بالقول بأنه إذا تلا الصوفي القرآن تلاوة فهم على النحو الذي وصفناه، تفتحت له معانيه رويدًا رويدًا، وزادت وضوحًا مع ازدياد مرات التلاوة، وانكشفت له "الحكمة" التي هي جماع الأسرار الباطنية المودعة في النصوص ويبدوا أن هذا هو ما يفهمه الصوفي من قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ} [آل عمران: ٤٨] قالوا: (الكتاب) اسم لظاهر القرآن و(الحكمة) اسم لباطنه، وقد ذكر بعض الباحثين في قوله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ} [البقرة: ٢٦٩]، إن الحكمة هي الفهم في كتاب الله عز وجل [قوت القلوب]، فالحكمة عندهم أو (الفهم) كما يسميها أوائل الصوفية ليست نوعًا من العلم يُكتسب بالنظر العقلي، بل هي العلم الباطن الذي يلقى في القلب إلقاءً ويدرك القلب حلاوته ذوقًا وبذلك تتقابل حكمة الصوفية وحكمة الفلاسفة تقابل الاضداد [التصوف الثورة الروحية في الإسلام].

وإذا كنا لا نود أن نستطرد في الحديث عن النماذج التي قدمها الصوفية لتأويل النصوص الدينية، وذلك حتى لا يطول بنا الحديث في هذه المسألة أكثر من اللازم، فإننا نود أن ننتقل إلى الإشارة الموجزة عن نظرة الصوفية الروحية أو الباطنية إلى العبادات والشعائر الدينية،  فلقد نظر الصوفية إلى العبادات والشعائر الدينية نظرة باطنية، وذلك عندما فرقوا بين الظاهر والباطن في هذه الأمور، فقرروا أن ظواهر هذه العبادات والشعائر إنما هي ما يكلَّف به العامة بالإضافة إلى الخاصة أو خاصة الخاصة الذين لا يقفون عند هذه الظواهر بل يتعدونها إلى ما وراء الظواهر من أمور تتعلق بأفعال القلوب ونوايا النفوس.

 والحقيقة أن الأمثلة التي توضح ذلك إنما هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذا المقام، وإنما نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى التفرقة الصوفية بين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فصوم العوام مثلًا إنما هو الامتناع عن شهوتيّ البطن والفرج، وصوم الخواص هو بالإضافة إلى ذلك الامتناع عن أداء المحرمات على وجه العموم ظاهرية كانت أو باطنية، أما صوم خواص الخواص، فهو الامتناع عن التفكير في كل ما سوى الله، أو بالأحرى إفراغ القلب تمامًا من كل ما سوى الله.

ولكن ينبغي أن نستطرد هنا فنشير إلى أنه إذا كان ذلك هو الإطار العام لموقف الصوفية في مسألة الظاهر والباطن، فإنه لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض الصوفية الذين ابتعدوا عن الروح الدينية الصحيحة قد أهملوا شأن الظواهر لكي يعلوا من شأن الباطن، فأهملوا أداء التكاليف الشرعية بحجة أنها مجرد أمور ظاهرية إلا أن هذه الفئة القليلة لا يمكن أن تمثل الإطار العام للفكر الصوفي، لأنها مجرد فكرة ضالة أو خارجة عن نطاق الدين الصحيح.

الشريعة والحقيقة

 ويتصل بموضوع الظاهر والباطن عند الصوفية موضوع آخر يتعلق بما يُسمى "الشريعة والحقيقة"، وهو موضوع يتعلق بالعلاقة بين الفقه والتصوف، أو بين التكاليف الشرعية ومدارج الطريق الصوفي بما فيه من أحوال ومقامات، فإذا كان المقصود بالشريعة هو الأوامر والنواهي الإلهية الواردة في النصوص الدينية، فإن الحقيقة في مصطلح الصوفية تعني إقامة العبد في محل الوصال إلى الله ووقوف سره على محل التنزيه، وقيل: الحقيقة سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه تعالى [معجم مصطلحات الصوفية]، ولا يعني ذلك أن هناك انفصالًا تامًا بين الشريعة والحقيقة، إذ يقرر بعض أعلام الصوفية المعتدلين أن الشريعة علم واحد يدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة، فلا يجوز أن يجرَّد القول في العلم بأنه ظاهر أو باطن؛ لأن العلم متى ما كان في القلب فهو باطن فيه إلى أن يجري ويظهر على اللسان فهو ظاهر ولا يستغني الظاهر عن الباطن، كما لا تستغني الشريعة عن الحقيقة، فالباطن أو الحقيقة علم مستنبَط من الشريعة الظاهرة [اللمع].

ويكاد يجمع الصوفية على القول بأن "كل علم عن طريق الكشف والإلقاء (أي يُلقى في روع المؤمن) يأتي بحقيقة تخالف شريعة متواترة، فإن ذلك العلم وهذ الكشف لا يعوَّل عليه، أما إذا كان هذا العلم هو علم حقيقة يوافق شريعة فهو صحيح، فإذا ردته الشريعة، فلا يعوَّل عليه"، ومن الملاحظ أن الصوفية على وجه العموم لا يرون أن هناك انفصالًا بين الشريعة والحقيقة، وإنما يقررون إنه لا استغناء بأحدهما عن الآخر، فلا حقيقة بلا شريعة ولا شريعة بلا حقيقة، لأنه من تحقق ولم يتشرَّع فقد تزندق، كما أن من تشرَّع ولم يتحقق فقد تفسَّق، فالشريعة والحقيقة متكاملتان، لأن الشريعة هي أن تعبده والحقيقة أن تشهده (تعالى) [الرسالة القشيرية، التصوف الثورة الروحية في الإسلام] .

إلا أننا لا ينبغي أن نترك هذا المقام من غير أن نشير إلى أن هناك من الصوفية الذين أكدوا على التكامل بين الشريعة والحقيقة، وهناك من أشار إلى أن هناك اختلافًا في الحكم على بعض الأمور الشرعية بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة، فقد ذكر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (المتوفى سنة ٦٢٨هـ /١٢٣٠م) أن حكم الصائم الذي يفطر ساهيًا لا يجب عليه الإعادة والكفارة، فإن أهل الحقيقة قد قرروا إنه يجب عليه الإعادة والكفارة [الفتوحات المكية]، ويمكن تبرير هذا الموقف من ابن عربي بالقول بأنه كان يرى أن الصوفي الحقيقي ينبغي أن يكون حاضر القلب دائمًا مع الله، ومن المعلوم أن هذا الحضور الدائم للقلب مع الله لا يدع مجالًا للسهو أو النسيان في مجال العبادة.

وأيًّا ما كان الأمر، فإننا قد لاحظنا أن الصوفية قد فرَّقوا بين الشريعة والحقيقة في مجال الدين، باعتبار أن الشريعة تمثل الجانب الظاهري أو البراني للدين، بينم الحقيقة تمثل الجانب الباطني أو الجوَّاني له، ولا يقتصر الدين على أحد هذين الجانبين دون الآخر، وإنما يكون الدين الحقيقي متمثلًا في اجتماعهما.

رفض المذهبية الدينية

 إذا كان التصوف يمكن أن يمثل رد فعل لمسلك المتكلمين، وذلك يُعد أحد أسباب نشأة التصوف في الحضارة الإسلامية، فإنه لابد من الإشارة إلى أن السمة المميزة لعلم الكلام هي كثرة الاختلاف والمجادلة بين الفرق الكلامية التي يعارض بعضها بعضًا إلى الحد الذي يذهب معه بعض المتكلمين إلى تكفير الخصوم وإن كانوا من المسلمين، فلقد أنكر الصوفية كثرة الخلاف في الدين والجدال والخصومة بين المتكلمين، إذ إن مثل هذه الأمور تتعارض تعارضًا جوهريًا مع حقيقة "التسليم" و"الطاعة" التي يقوم عليها الدين.

 أضف إلى ذلك أن بعض الصوفية قد عارضو إمكان استخدام العقل في المسائل الدينية، لأن العقل عندهم محدث عاجز لا يدل إلا على محدث عاجز مثله، كما أن استخدام العقل في المسائل الدينية كان السبب الأساسي وراء اختلاف المتكلمين في مسائل أصول الدين، ولا ينبغي أن نترك هذا المقام من غير أن نشير إلى أن السمة العامة في الفكر الصوفي هي ذلك التسامح الفكري الذي يكاد أن يتمسك به معظم الصوفية، ومن المعلوم أن التسامح الفكري يقضي على المذهبية الدينية، وذلك عندما يحدث التقارب بين الفرق والمذاهب الدينية المختلفة وهنا يمكن الإشارة إلى أن التصوف يمثل همزة الوصل بين مختلف الفرق خصوصًا بين أهل السنة والشيعة، ليس لأن الصوفية من أهل الحلول الوسطى وإنما لأنهم يدفعون بالمريدين بعيدًا عن المجادلات والمشاحنات، ويميلون بهم إلى عدم الانتصار للنفس، ومن ثم، فقل أصبح التصوف يجمع بين أهل السنة والشيعة، فضلًا عن اعتناق أهل السنة منهم أفكارًا شيعية معتدلة، كأفضلية عليٍّ.

وإذا كانت هذه معتقدات وتصورات قد تسربت إلى أهل السنة من الشيعة عن طريق التصوف، فإن الإيمان بأزلية النور المحمدي، فضلًا عن الاعتقاد بظهور المهدي المنتظر، إنما هي أفكار ذاعت وانتشرت بين أهل السنة وهي أفكار شيعية: وذلك بتأثير وتوسط من التصوف.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن الإشارة إلى ما أحدثه التصوف من أثر في التشيع، حيث تمكن التصوف من تخفيف غلواء عداوة الشيعة لأئمة أهل السنة.

ونستطيع أن نشير هنا إلى أن مقدرة الصوفية على التوفيق بين الفرق المختلفة، أو بالأحرى التقريب بينها، لا ترجع إلى محاربتهم شرور النفس بما في ذلك الغضب والإحن وإثارة الأحقاد فحسب، وإنما لما في طبيعة التصوف من تناقض، إنه إذا أمكن اجتماع النقيضين أو بالأحرى انبثاق النقيض عن نقيضه، وكان ذلك نسقًا عامًا للتصوف، فكيف لا يمكن الجمع بين طائفتين من المسلمين ما دام ذلك واقعًا ممكنًا؟

 وهكذا تمكن التصوف من أن يبدل تصورات الشيعة من أخلاق مغلقة لا تفصح إلا عن روح التعصب والجمود إلى أخلاق مفتوحة يشيع منها التسامح والصفاء، ومازال التشيع الآن يتأرجح بين تيارين متعارضين: تيار يتقارب مع أهل السنة بفضل علماء الشيعة المتصوفة، وتيار منغلق يخشى على كيانه من التسامح والانفتاح بتأثير علمائه المتعصبين [وحملها الإنسان].

خلاصة القول: إن الصوفية قد نبذوا المذهبية الدينية وأرادوا أن يكون الإسلام بلا مذاهب، إلا أن ما أرادوه وحاولوا تنفيذه لم يتحقق بعدُ على النحو الذي كانوا يريدونه.

التصوف ووحدة الأديان

 إذا كنا لا نود في المقام أن نتحدث بالتفصيل عن نظرية وحدة الأديان، لأنها من الموضوعات التي تحتاج إلى أبحاث مستقلة، فإننا نود أن نشير إلى بعض القضايا التي تتعلق بهذا الموضوع في مجال التصوف الإسلامي.

تتمثل القضية الأولى في القول بأن هناك تفرقة بين الاعتقاد في عالمية الدين وبين الاعتقاد في وحدة الأديان، فإذا كان الدين الإسلامي، يقرر أن الدعوة الدينية موجهة إلى البشر وأنه لا فرق في ذلك بين أمة وأخرى، فإن هذ لا يعني أن هذا الدين قد استوعب جميع الديانات والمعتقدات الأخرى، وإنما يعني أنه هو الدين الصحيح الذي ينبغي للناس كافة الإيمان به.

أما عن القول بوحدة الأديان، فإنه يختلف عن ذلك اختلافًا جوهريًا، إذ إنه يعني أن جميع المعتقدات الدينية على اختلاف عقائدها وشعائرها تعبر عن حقيقة دينية واحدة تتمثل في طاعة المعبود والتسليم له، هذا المعبود الذي يختلف من دين إلى آخر إنما يُعتبر في نهاية الأمر مظهرًا أو تعبيرًا عن الحقيقة المطلقة، ففي هذا الاعتقاد يبدو التسليم بصحة جميع الأديان والمعتقدات، وهذا بالطبع اعتقاد مرفوض من وجهة النظر الدينية الصحيحة، إذ إن الإسلام قد اعترف بوجود الاختلاف بين الأديان المتعددة في الوقت الذي قدم فيه الأدلة على ضعف أو فساد ما عداه من اعتقادات.

 أما القضية الثانية، فإنها تتمثل في القول بأن الاعتقاد في وحدة الأديان، على النحو الذي أشرنا إليه، لم يظهر في الجانب السني من التصوف الإسلامي؛ ولكنه ظهر في التصوف الفلسفي الإسلامي بصفة خاصة ويعتبر الحلاج (المقتول سنة ٠٩ ٣هـ/ ٩٢١م) هو أول المتصوفة المسلمين القائلين بهذه الفكرة، وذلك استنادًا إلى رأيه في الحقيقة المحمدية ورأيه في الجبر كما قال بها محيي الدين بن عربي (المتوفى سنة ٦٢٨هـ/١٢٣٠م)، المؤسس الحقيقي لمذهب وحدة الوجود في الفكر الإسلامي وما تفرع عنها من القول بالحقيقة المحمدية والقول بالجبر، ثم توسع فيها عبد الكريم الجبلي (المتوفي سنة ٨٢٦هـ/١٤٢٢م).

وإذ كنا لم نفصِّل القول في رأى هؤلاء الصوفية المتفلسفين بصدد رأيهم في وحدة الأديان؛ لأن هذا المقام ليس مخصصًا لذلك، فإننا نود أن نعرج إلى الحديث الموجز أيضًا حول القضية الثالثة التي تتعلق بأصول فكرة وحدة الأديان، فلقد ظهرت هذه الفكرة على نحوٍ مبهم إلى حدٍ ما في بعض الكتب الهندوسية، كما أنه من الملاحظ أنها قد ظهر لدى الماسونية اليهودية باعتبارها من الأفكار الأساسية التي تدعو إليها، ويبدو أنها قد انتقلت إلى فكر الإسماعيلية عبر هذا الطريق، حيث ظهرت واضحة في رسائل إخوان الصفا، ومن المعلوم أنه توجد روابط أساسية بين المذهب الإسماعيلية والتصوف الفلسفي الإسلامي [الصلة بين التصوف والتشيع].

فإذا ما تأكد لنا القول بأن نظرية وحدة الأديان في التصوف الفلسفي الإسلامي يمكن أن تُعتبر ذات أصول أجنبية قد ظهرت في الفكر الإسلامي عن طريق الإسماعيلية، فإنه يمكننا أن نتطرق إلى الحديث عن القضية الرابعة التي تدور حول الحديث عن تطورات هذه النظرية، حيث إنه من الملاحظ أن هذه الفكرة قد ظهرت على نحوٍ غامض لدى كل من البابية والقاديانية، ثم ظهرت على نحوٍ واضح لدى البهائية.

 ومن المعلوم أن هذه النحل كانت في الأصل مذاهب متفرعة من الشيعة ثم أصبحت ديانات مستقلة فيما بعد. والحقيقة أن الصلة بين البهائية وبين التصوف الفلسفي قائمة إلا إننا لا نستطيع تفصيل القول في هذ المقام حتى لا يطول بنا الحديث أكثر من اللازم.

 وأخيرًا، وليس آخرًا، فإنه يمكن الإشارة إلى أن المفكر المعاصر روجيه جارودي قد تبنى القول بوحدة الأديان، وربما يكون ذلك في إطار دعوته إلى حوار الحضارات أو في إطار تأثره بفكر محيي الدين بن عربي.

 هكذا أشرنا في عجالة إلى فكرة وحدة الأديان لدى متفلسفة الصوفية من حيث أصولها وتطوراتها، وكان لا بد من الإشارة إليها في معرض الحديث عن نظرة الصوفية إلى الدين، وذلك لبيان أن بعض اتجاهات التصوف الإسلامي قد تبنت آراء ومعتقدات غربية عن الدين الإسلامي، وإن كان الغالبية العظمى من الصوفية تتمسك بالإطار العام للفكر السني الإسلامي [إحياء علوم الدين].

الخلاصة

الدين والتصوف بينهما علاقة وثيقة، حيث يمثل التصوف البعد الجواني والروحي للدين، في مقابل البعد الظاهري المتمثل في الشريعة، ويركّز على تفضيل الصوفية للإيمان القلبي والطاعة الباطنية على الجدل العقلي، مع التأكيد على تكامل الشريعة والحقيقة، كما يشير إلى دور التصوف في نبذ المذهبية والتقريب بين الفرق الدينية.

موضوعات ذات صلة

يُقصد باسم الله الأعظم، الاسم الذي إذا دُعي به الله أجاب؛ وقد تعددت اقوال العلماء في تحديده.

يعد التفسير الصوفي الإشاري أحد مناهج التفسير القرآني، التي تهدف إلى استكشاف المعاني الخفية في القرآن الكريم.

"الحقيقة المُحمّديّة" ظهرَ هذا المصطلحُ متأخرًا في أدبياتِ التصوّف الإسلاميِّ، وهو يعني أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مخلوقٌ من نورٍ.

موضوعات مختارة