تُعدّ التوبة من أعظم أبواب الرحمة الإلهية، وهي: عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب، وقد جاء التأكيدُ عليها وحثُّ الخلق إليها بشكل واسع في نصوص القرآن والسنة.
تُعدّ التوبة من أعظم أبواب الرحمة الإلهية، وهي: عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب، وقد جاء التأكيدُ عليها وحثُّ الخلق إليها بشكل واسع في نصوص القرآن والسنة.
أما القرآن فقد جاءت مادة تاب بمشتقاتها في (١٠٨) موضعًا منها تتحدث عن توبة الله على عبيده التائبين، وقبوله لتوبتهم، أو عدم قبوله، وتوفيقه لهم في التوبة، ووصفه بكونه كثير التوب عنهم، ومن ذلك قوله جل شأنه: {فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: ٣٧]، {ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: ٥٤]، {فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [المائدة: ٣٩]، {لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ} [التوبة: ١١٧]، {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ} [الشورى: ٢٥]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ} [آل عمران: ٩٠].
جاء الأمر بالتوبة والحث عليها، وبيان زمنها، وما يقبل منها في بقية المواضع كقوله تعالى: {أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [الأنعام: ٥٤]، {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا} [الفرقان: ٧١]، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا} [التحريم: ٨]، والتوبة معاملة الحق لضعف الخلق، فلو تَصورنا أننا خلقنا على هذا النحو دون هذا الباب المفتوح دائمًا لهلكنا جميعًا إلا من عصم الله.
وبالنظر في مادة تاب واستخدامها في القران نجد أنها من ظاهر الاستعمال تدعو إلى التوبة وتأمر بها، وأنها تأتي نتيجة ذنب، أو خيانة للنفس، أو إصلاحًا لظلم صدر، أو جبرًا لحسبان خاطئ وفتنة قائمة، أو مغفرة لسوء وقع بجهالة، وحتى لو كانت السيئات بلا جهالة ثم تابوا من بعدها قبلت التوبة، أو كانت تجرُّؤًا على الله في موقف معين كحال موسى عند طلبه الرؤية فإن الله واسع الرحمة، وتبين الآيات ما ينبغي أن يصاحب التوبة من إيمان وصلاح نفس، أو عملي واستقامة وهداية، وتبين للخير، ومواطنة، واعتصام بالله وإخلاص له وإقامة للفرائض الخمسة، واتباع السبيل النبوي، والرجاء في الله، والنصح في التوبة، والتصدق معها.
للتوبة زمنٌ للقبول طوال حياة العبد ما لم يغرغر كما أن لها كلمات يتلقاها العبد من الله، أو يبتكرها يرددها مخلصًا منيبًا لربه راجيًا الصفح والمغفرة، والذين تابوا مع صحة الإيمان وما تلاه من صلاح واستقامة إلى آخره هم الذين صغت قلوبهم وتفتحت أفئدتهم لزواجر الحق وداعيه، وهم فيما بعد أهل لأن تسمع قلوبهم في تجليتها حديث الحق وتكليمه، إنها سمعت في البداية زاجره، فلما صغت صارت محلًا لأسراره، وموئلًا لحديثه وأنواره؛ هكذا جاءت تلك المعاني في جو كلمة التوبة بمشتقاتها، على حد تعبير الحكيم الترمذي معلقًا على آية الشراء في التوبة، ألا وهي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم} [التوبة: ١١١]، ويزداد العطاء مع زيادة الإنابة عن ذنب أو غفلة. [منازل العباد من العبادة، إرشاد العقل السليم]
هذا هو جو التوبة في القرآن بحسب ظاهر النصوص.
وأما السنة فكثير ما جاء في الحض عليها، من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم، يقول: «وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»، وفي رواية: «إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»، وكذا رواه النسائي والترمذي، وروى مسلم عن الأَغَرِّ بن يَسَار المُزَني قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، وفي هذا: "تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه -صلى الله عليه وسلم- مع كونه معصومًا، وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة، واستغفاره -صلى الله عليه وسلم- ليس من الذنب" [دليل الفالحين]؛ بل من خلاف الأولى، وروى البخاري عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «اَللهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاةٍ». [متفق عليه]
وروى مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»، وفسر العلماء بسط اليد بالطلب، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب، أو هو مثل يُفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القاهر إلى مقتضى اللطيف الرؤوف الغافر، أو البسط كناية عن قبول التوبة [دليل الفالحين] على خلاف في الشرح أو التأويل.
وروى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ»، والحديث متعلق بمن عاش إلى وقت طلوع الشمس من المغرب، كما أنه يحدد قبول الطاعة من الجميع زمانًا بذلك، وأما بالنسبة إلى كل فرد فالتوبة مرتبطة بعمره هو؛ «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» رواه الترمذي، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والقبول الخاص بالجميع أو بالفرد ليس حتمًا على الله؛ بل يقبلها كرمًا منه وفضلًا، وحتى لو ألزم ذاته بالرحمة فالإلزام تفضل يليق بالجود، ولا يعني الإيجاب من غيره، وهذا بخلاف توبة الكافر من كفره فقبولها مقطوع به لا مظنونا، وإذا تاب العبد واعترف بذنبه تاب الله عليه «إذَا تَابَ عَبْدِي أَنْسَيْتُ جَوَارِحَهُ عَمَلَهُ، وَأَنْسَيْتُ البِقَاعَ، وَأَنْسَيْتُ حَافِظَيْهِ حَتَّى لَا يَشْهَدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وجاء في الحديث النبوي: «إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ»، قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «يَكُونُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ تَائِبًا فَارًّا حَتَّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ» [دليل الفالحين].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة"، وأما علي بن أبي طالب فيقول: "العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما النجاة؟ قال: الاستغفار"، وقال لأحد أولاده: (يا بني خف الله خوفًا لو ترى أنك أتيت بجميع حسنات أهل الأرض لم يقبلها منك، وارج الله رجاء لو ترى أنك أتيت بجميع ذنوب أهل الأرض لغفرها لك)، وأما ابن عمر فيقول: "من ذكر خطيئة ألم بها فوجل منها قلبه محيت عنه في أم الكتاب" وقريب منه قول عبد الله بن سلام: "إن العبد إذا أذنب ذنبًا، ثم ندم عليه طرفة عين سقط عنه أسرع من طرفة عينه"، والفضيل يؤكد قائلًا: (بشر المذنبين إن تابوا قبلت منهم، وحذر الصديقين إن وضعت عدلي عليهم كذبتهم) ويقول: (لا يُرد الجور بالسيوف إنما يُرد بالتوبة)؛ [طهارة القلوب] لأن منه ما هو ظاهر يُؤخذ بقوة الولاية، أو السيف، ومنه ما هو باطن لا يثبت فلا يرد إلا بالرجوع ورد المظالم، ومن الملاحظ أن القران الكريم قد أفسح المجال لبيان الجو المحيط بالتوبة المقبولة على نحو ما ذكرنا، أم السنة فإنها اهتمت بالترغيب في التوبة والحث عليها
وكما ثبت وجوب التوبة بالكتاب والسنة، فقد ثبت بالإجماع المبني عليهما أولًا، وبالإضافة إليهما، فإنه يقوم كذلك على أمرين: الأول أشار إليه اليافعي بقوله: (وإنما ثبت الوجوب؛ لأن التوبة تدعو إليها حاجة الناس على العموم) [نشر المحاسن الغالية]، ولم يفصل تلك الحاجة، وهل هي دنيوية أو أخروية؟
ويمكننا أن نترك الحاجة الأخروية لتفصيل الغزالي القادم ونحصر عبارة اليافعي في الحاجة الدنيوية، ولو كان تدخلًا منّا في مقصوده، ونقول: إن الحاجة الدنيوية قاضية بضرورة التوبة؛ لأن الناس في اجتماعهم يحتاجون إليها، وذلك لأن الذنوب سواء كانت تخص صاحبها وتقتصر عليه وحده، ولا يتعدى ضررها ذاته، أو كانت متعدية بالضرر إلى الغير دينًا كالغيبة والنميمة، والحسد أو: مالًا كالسرقة، أو: دمًا كالقتل وقطع الأعضاء، أو: عرضًا كالزنا ومقدماته، أو فسادًا بين الخلق، سواء كان هذا أو ذاك، فإن الناس جميعًا من جهة الدين والنفس والمال والسيرة والعرض محتاجون إلى التوبة ليكف كل ضرره وإيذاءه عن الغير فيسلموا؛ ولأنه حتى ولو كان ضرر الذنب مقصورًا على صاحبه، فإن العاصي يفسد نفسًا وخلقًا ونية فلا يؤمن بعد ذلك عدم تعدى فساده إلى الغير، بعكس ما لو صلح الفرد وطاب قلبًا ونفسًا طاب الجميع، وإذا تاب العبد من جناياته مع نفسه سلم الغير من إيذاءه وأضراره فأمن كل على نفسه وما يملك، وساد الأمن وانتشرت العدالة.
والأمر الثاني الذي انبنى عليه وجوب التوبة بالإجماع وقد فصله الغزالي، فهو ما يتعلق بالسعادة الأخروية، فكل فرد يدرك بالدليل، أو بالتقليد، أو بالتأمل الجمع بين وجوب التوبة وبين السعادة الأبدية، وذلك من جهة أن السعادة والنجاة لا يُتوصل إليهما إلا بفعل أو ترك فعل ما هو صالح وترك ما هو فاسد، والنهاية بسعادتها وشقاوتها مصير محتوم لا خيار لنا فيه ولا استحباب ولا إباحة، فهو أمر حتمي واجب الانتهاء إليه والسعادة تعشقها كل النفوس وترجوها فلا يُتوصل إليها إلا بفعل المحمود، والشقاوة تنفر منها النفوس وتبتعد عنها، فيجب ضرورة فعل ما يوصل إلى السعادة المرغوبة، وترك ما يوصل إلى الشقاوة المذمومة [الإحياء]، وتلك مسألة تصح عقلًا كما ثبتت نقلًا ومن ثم أجمع عليها النصيون والعقليون بالضرورة، ومن لطيف ما قيل هنا قول سيدي عبد القادر الجيلاني بأسلوبه الناصح المتميز: (يا قوم انتهزوا واغتنموا باب الحياة ما دام مفتوحًا، عن قريب يغلق عنكم، اغتنموا أفعال الخير ما دمتم قادرين عليها، اغتنموا باب التوبة وادخلوا فيها ما دام مفتوحًا لكم)، فإنه «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخَيْرِ فَلْيَنْتَهِزْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ»، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضيف الجيلاني في نصيحته: (ابنوا ما نقضتم، واغسلوا ما نجستم، وأصلحوا ما أفسدتم، صفوا ما كدرتم، ردوا ما أخذتم، ارجعوا إلى مولاكم عز وجل من إباقِكم وهرَبكم كي تسعدوا في آخرتكم
معاملة الحق تتفق وطاقة الخلق:
تحت هذا العنوان نلتقي مع التكليف أولًا، فنرى الشرع الحنيف يُوجب الفرائض الخمسة عند البلوغ، وهو إيجاب فوري فيما قدر عليه العبد وملكه، فالصلاة والصوم يجبان على الفور، والزكاة والحج مع القطع بدرجة وجوبهما لكن الأداء يكون عند الملكية والاستطاعة، وحتى لو كان المكلف قادرًا ومالكًا أدى البعض وترك البعض، فإن القبول والثواب يكون بحسب ما أدى وما ترك، فما أدَّاة قُبل منه وأُثيب عليه، وما تركه حُوسب عليه، وتركه للبعض لا يحبط عمل الكل، أو فعل ما فعل؛ بل تأتي نصوص تبشر بأن ما يفعله قد يتسبب في اجتناب ما يقترفه، وهذا يعني أن زمن التكليف وحكم الفرضية وإن كانا ملزمين للعبد لكن ترك البعض لا يحبط عمل البعض الآخر، ومع أن الفورية قد تكون متحققة في الفرائض الخمسة للمكلف القادر المالك المستطيع الخالي من الموانع إلا أنه لو ترك بعضها متكاسلًا لا ترد عليه أعماله التي قام بها من طاعة واجبة أو مندوبة، والرحيم جل جلاله لا ينظر إلى نعمته على العبد، وقدرة المخلوق على الفعل، فيرد عليه ما فعله لكونه تاركًا لبعض المأمورات؛ بل يستحثه ويطالبه أن يقلع عما هو فيه، وينذره بعاقبة تقصيره كي يستكمل أركان التكليف وشرائطه، ولو عاملنا الله بمعاملتنا لأنفسنا لرفض طاعة نظير ترك أخرى، مثلما نفعل نحن مع من أساء إلينا، أو خالفنا، فربما يحسن الواحد إلينا تارة، ويسيء أخرى فنرد إحسانه لإساءته، وأحيانا ما نرفض الكثير للإساءة القليلة هذا في الطاعات، وأما الذنوب والمخالفات، فإن معاملة الله فيها لا تتغير كذلك فتراه جل جلاله يلزم العبيد ترك الذنوب على الفور، ويقضي بوجوب التوبة وجوبًا فوريًا، وعلى عموم الأشخاص وفي كل الأحوال غير الاضطرارية، وهو حكم أزلي لا يتبدل فإذا بلغ الكافر وجبت توبته من الكفر، وإذا بلغ العاصي وجب رجوعه وإقلاعه عن المعصية، وكذا الغافل وذلك لارتباط الفورية في الترك بالإيمان الواجب فورًا، والطاعات أداء والذنوب تركًا من مقتضيات الإيمان، وأيضًا فإن العلم بضرر الذنوب يكون باعثًا على تركها فمن لم يتركها (فهو فاقد لهذ الجزء من الإيمان) [كشف المحجوب]، والإيمان ليس بابًا واحدًا؛ بل نيف وسبعون بابًا أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
والصوفية مع تأكيدهم على فورية التوبة لجميع العاصين، وأن ذلك مستطاع للكل؛ لأن الترك من المقدورات التي لا يعجز عنها أحد بخلاف الفعل فتنتابه القدرة والعجز إلا أنهم بحكم كونهم تربويون علماء نفس من الدرجة الأولى يُجوزون التدرج في الترك تذليلًا لشهوة النفس، وتدريبًا لها على أمرٍ اعتادته ووقعت فيه، فالفطام مراحل، كما أن الطاعات مدارج، يقول سيدي أحمد ابن زروق في قواعده: (تمرين النفس في أخذ الشيء وتركه وسوقها بالتدريج أسهل لتحصيل المراد منها، فلذلك قيل: ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة، ومن ترك شهوة سبع مرات، كلما عرضت له تركها، لم يُبتلَ بها، والله أكرم من أن يُعذب قلبًا بشهوة تُركت لأجله)، وعن دقة التدرج ينقل ابن زروق عن المحاسبي قوله: (إنه - أي العبد - يتوب جملة، ثم يتتبع التفاصيل بالترك، فإن ذلك أمكن له)، وهو صحيح عند صاحب القواعد [جامع السعادات].
ومذهب المحاسبي جيد ودقيق؛ لأنه يلزم نية التوبة جملة، ثم يترفق فيما بعد ذلك، فيأخذ النفس بالتدرج في تفصيل الترك حسب قدرة العبد ومصلحته في تحقيق التوبة، فيبدأ بأشد الذنوب وأمهاتها كي يسهل عليه ترك ما تعلق بها، وأثناء التدرج والتنقل من ترك لترك تبقي نية التوبة الإجمالية متأججة في القلب كي تقوي إرادته، وتشد من عزيمته فلا تفتر الهمة عن الانتقال من الرجوع عن ذنب إلى آخر، وماذا لو عجز العبد عن التوبة إجمالًا ثم تفصيلًا بمعنى أنه قصد إلى ذنب بعينه فتاب منه ورجع عنه هل تقبل توبته من ذنب بينما هو غارق في ذنوبه الأخرى؟
يجيبنا الهجويري على لسان أهل السنة قائلًا: (ويجوز عند أهل السنة والجماعة وكل مشايخ المعرفة أن يتوب الشخص عن ذنب واحد ويذنب ذنوبًا أخرى ويثيبه الله على ذلك الذنب الذي رجع عنه، وربما يرده عن الذنوب الأخرى ببركة ذلك، مثل: شخص سكير وزان، يتوب عن الزنا ويُصر على شرب الخمر، فتكون توبته من الذنب الأول صحيحة مع ارتكابه للذنب الثاني
وخالف في هذا البهشمية من المعتزلة أتباع أبي هاشم بن الجُبَّائي إذ قالوا: إن اسم التوبة لا يقع إلا على من ترك جميع المعاصي وفعل جميع الأوامر، ورد الهجويري على قولهم إن التوبة لا تقع إلا على جميع الذنوب: بأن هذا محال؛ (لأن الشخص يعاقب على كل المعاصي التي يرتكبها، وحين يترك نوعًا من المعاصي؛ فإنه يأمن من العقوبة عليه، فلا محالة من أن يكون بذلك تائبًا) [كشف المحجوب]، وأيد هذا التراقي في جامع السعادات.
وإذا صح عند الصوفية القول بالتدرج في الذنوب، وبالتوبة عن ذنب دون ذنب، فماذا يقولون فيمن تاب ثم عاد إلى ذنبه؟ وهل يشترط التأبيد في التوبة؟
أجاب صاحب كشف المحجوب بقوله: (ليس التوبة شرط التأبيد من بعد أن يصح العزم على عدم الرجوع إلى المعصية، وإذ وقعت للتائب فترة وعاد إلى المعصية من غير أن يصح عزمه على الرجوع يكون قد أدرك حكم التوبة وثوابها عن الأيام التي مرت)، وكثير منهم عقد العزم على التوبة ثم عاد ثم رجع إلى النصوح، وأخص أبا عمرو إسماعيل بن نجيم بن أحمد السلمي جد أبي عبد الرحمن السلمي لأمه، المتوفى (٣٦٦هـ) وبين العلامة النراقي أن التائب قد يتوب توبة نصوحًا، وقد يتوب عن أمهات المعاصي ثم يرجع إليها، أو إلى غيرها، وكلما عاد لام نفسه وندم وتأسف، وجدد عزمه على ألا يعود إلى مثله، ويشمر للاحتراز عن أسبابه التي تؤدي إليه، ومن يفعل ذلك هو صاحب النفس اللوامة، وأمثال هؤلاء لا نؤيسهم من أحوالهم، لكن نأخذ بأيديهم؛ وذلك لأن «المُؤمِنُ كالسُّنبُلَةِ، يَفِيءُ أحيانًا ويَمِيلُ أحيانًا»، كما جاء في الحديث: والعائدون إلى المعاصي أصناف غير ما سلف، ومنهم من يفعل الذنب عن غفلة ثم يتوب، أو يفعله مع غلبة شهوة، ثم يرجع، ومنهم المصر على الذنب المقهور بشهوته، ومهما كان فالشيخ الحاذق وطبيب النفوس النِّطاسِيُّ والنابه لا يغلق باب التوبة على أحد، وكذا العالم (حق العالم هو الذي لا يُؤيس الخلق من درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومقاومة السيئات)، وإن تعددت أشكالها، أو اختلفت المقاصد والبواعث عليها، والنصوص تؤكد ذلك وتقوية. [جامع السعادات، الهجويري]
ومع أن الصوفية رأوا ما سلف من التدرج، وترك البعض وصولًا إلى ترك الذنوب كلها إلا أنهم بينوا بعد كل هذا أن المريد الصادق هو صاحب التوبة النصوح، وأنه لا ينخرط في سلك القوم إلا بتوبة تُودِّع الذنب وهواه، وتستأصل من النفس شهوة المعصية، وتُذِيبها أسًى على ما فعلت، وتدفعها إلى الطاعة مع الشعور بلذتها، وإن لم يفعل ذلك فتوبته توبة الكذابين يقول ذو النون المصري: (الاستغفار من غير إقلاع هو توبة الكاذبين)، ولم يتجاوز استغفارهم (أطراف ألسنتهم)، ومن صدق في توبته، وتاب توبة نصوحًا، وجد (حلاوة الطاعة، وثبت على المداومة)، وامّحت لذة الذنب عند ذكره من خاطره [قوت القلوب، والرسالة، وكشف المحجوب]، كما قال المكي والبُوشَنْجِي (٣٤٨هـ)، وفي هذا المقام تكون الزلة الواحدة أقبح من سبعين قبلها حسبما أكد يحيى بن معاذ الرازي (٢٥٨هـ).
فما هي تلك التوبة الناصحة؟ نجيب على ذلك في الفقرة التالية:
الأسس والشرائط:
نعني بالأسس الأركان التي يجب توافرها في التوبة، وما يتبع ذلك ويصاحبه من شروط، والتي إذا اجتمعت سميت بالنصوح، والنصوح بمعنى منصوح، أو بعض ناصح وناصحة كضروب بمعنى ضارب أي: خالصة وصادقة، وأصل نصوح من نصح الشيء وخلص، وخالص وخالصة، أو من نصحت له نصيحتي أي أخلصت وصدقت، ومثله نصحت الإبل الشرب صدقته، ونصح الرجل الذي شرب حتى يروي، ونعني بهذا الاشتقاق المخلصة الصادقة، وقيل: مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة؛ لأن التوبة أحكمت طاعة صاحبها وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه، أو لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض.
ولكل من العلماء نظرة خاصة تتحقق بها التوبة النصوح تدق أو ترق وتصف أو تشف، وتحكم أو تفهم، فجمع من الصحابة همتهم الدقة والوصف والإحكام رأوا أن التوبة النصوح هي التي لا عود بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وإلى ذلك ذهب عمر وابن مسعود، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وقد رفعه الأخير إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن عاد إلى الذنب فقد أغرق في الشر على حد تعبير حذيفة، وافتتح ذو الأذنين [وهو لقبه الذي لقبه به النبي لحسن استماعه، ولحسن وعيه فجمع بين أذن السماع وأذن الوعي] وهو أنس بن مالك حالة الشعور الرقيق الذي ينتاب التائب الناصح بقوله: (هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي جموح)، وسلك جمع من أرباب الأذواق دربه معبرين عن صفو الحال برقة المقال، وقد سبق ذكرهم في التعريف، وركزوا هنا على الجانب النفسي للتائب في تلك الدرجة العليا، فنرى سعيد بن المسيب لا يجعل النصح متوجهًا إلى الذنب؛ بل إلى النفس، فالناصح من نصح نفسه بتوبته، أو من ضاقت عليه النفس والأرض عند أبي بكر الوراق، أو من تاب لا لفقد عوض كما ذهب إلى ذلك أبو بكر الواسطي (٣٣١هـ) إذ اعتبر الذنب لإشباع شهوة نفسية، وتركه لإشباع شهوة أخروية، الاثنان يرتبطان بخط النفس، والتوبة النصوح هي المتجردة عنهما والخالصة لله، وتلك التي يديم فيها صاحبها الندامة، ولا ينفك عن الملامة على حد مذهب شقيق البلخي (١٩٤هـ)، كل هؤلاء اتجهت نظرتهم في التوبة النصوح إلى الجانب النفس فاصطبغت شروطهم وأقوالهم به، تخليصًا لنفوسهم، ونصحًا لها ولغيرها من نفوس المؤمنين حبًا في أن يكونوا مثلها.
وهناك من ركز على التوبة في حد ذاتها، فشدد قتادة على أن تكون الناصحة صادقة وخالصة، ولا يحتاج معها صاحبها إلى توبة أخرى، وربما ركزوا على الذنب فها هو الحسن البصري يبرق إلينا قوله: (التوبة النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه)، ويشاركه الفضيل بن عياض بضرورة (أن يكون الذنب بين عينيه فلا يزال كأنه ينظر إليه) وبمثله جاءت عبارة ابن السماك.
ويعجبني في وجهات النظر الخاصة إزاء بيان أركان التوبة النصوح وأساسها قول سهل بن عبد لله التستري في ذكر شرطها (هي التوبة لأهل السنة والجماعة) أي: يقلع عن الذنب، ويسلك في الوقت ذاته طريق أهل السنة، ولو لم يذهب مذهبهم ما صحت له توبة؛ (لأن المبتدع لا توبة له، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «حَجَبَ اللهُ على كُلِّ صاحبِ بِدعةٍ أنْ يَتوبَ».
والكثير جاءت أقوالهم جامعة تبين الشروط العامة والتفصيلية التي تجعل التوبة النصوح مقبولة شرعًا رجاء قبولها عند الله حقيقة، ومن هؤلاء سعيد بن جبير الذي يبين أن النصوح هي التوبة المقبولة، ولا تقبل إلا بثلاثة شروط: (خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات)، والندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود هي جماع الشروط عند الكلبي، ويضيف القرطبي إلى الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان (إضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الخلان)، وقريب مما قاله سعيد بن جبير والكلبي ما قاله الراغب الأصفهاني[الجامع لأحكام القرآن، دليل الفالحين].
ونأتي في هذه النظرة الجامعة لما قاله المحاسبي والقشيري والغزالي إذ يجمعهم القول بأنه لا بد في التوبة من حلِّ إصرار القلب عن المعاودة، والاستغفار بالندم، ورد التبعات والمظالم، وحفظ الجوارح، ودوام الانكسار، ومداومة التنصل، وترك خيانة الضمير التي تعني الميل إلى حب الذنب بالقلب ولو مع اجتنابه في الظاهر، وكذلك ترك المداهنة في المعاملة جلبًا لمصلحة شخصية، وترك المُوارة في المذهب خشية الخلاف هذا مع تأدية حقوق الله والعباد، ويأس على ما فات، ويجب عليه أن يصلح ما هو آت، ويتحسر على الذي انقضى منه في البطالة واللعب، ويعوض ما فات اجتهادًا في الطاعة مع استقلالها، ويفزع من عارض الهوى والذنوب، ويديم التذكر في القلب خوفًا من الله، ورجاء فيه، وإقرارًا بدوام منّة الله عليه وتوفيقه لما سلك، وإدامة الشكر على المواهب والمنح، هذا كله مع الخوف من عدم القبول لتوبته والوجل من ذلك، ولهم في تفصيل القضاء، والاستحلال، ورد المظالم تفصيل يطول ويقصر، وللغزالي حديث مجمل لا بأس من التنويه إليه مقتضيًا.
يرى أن الذنوب التي تبت منها إما أن تكون ترك الواجبات لله تعالى من صلاة وصيام وزكاة إلى آخره، فهذه تُقضى بقدر الإمكان، وقد تكون الذنوب بينك وبين الله من قبيل فعل المنهيات كشرب خمر وغيرها، فالواجب توطين النفس على الترك.
وأصعب الذنوب ما كان بين العبد والخلق في المال والنفس والعرض والحرمة والدين: أما مظالم المال فما أمكن رده رددته وإلا بأن كان صاحب الحق غائبًا، أو كان التائب فقيرًا، أكثر من التضرع، أو تصدق عن صاحبها إن كان غائبًا، وإن كان متعلقًا بقصاص لزمه، أو يستحل أولياءه، وإن عجز رجع عن الذنب وأكثر من الاستغفار، وإن تعلق الذنب بالعرض غيبة أو بهتانًا أو شتمًا فتوبته بتكذيب نفسه بين من صدر الذنب ضده، أو يستحل صاحبه، فإن خشى الفتنة استغفر وأكثر من الطاعات، وإن خان الغير في أهله أو ولده وكان الإظهار يُولد فتنة فالتوبة بالرجوع والاستغفار وكثرة الطاعات، ومن فَسَّق أو كَفَّر واحدًا في دينه فتكون التوبة بتكذيب النفس أمام من فسقه، أو يستحل، أو يستغفر، وجملة الأمر (فما أمكنك من إرضاء الخصوم عملت، وما لا يمكنك رجعت إلى الله سبحانه بالتضرع والابتهال والتصدق ليرضيه عنك) [القصد والرجوع إلى الله، رسالة المسترشد، والرسالة القشيرية، منهاج العابدين، وطهارة القلوب، وكشف المحجوب، وجامع السعادات].
وهذا التفصيل فيه من الدقة واللطف والحكمة مالا يخفى، وما يُخرج التائب من الفتنة والحرج، ويعوضه عن ذلك بما ذكر وربما أضافوا إلى تلك الشروط علامات مثل: قول سفيان الثوري (علامة التوبة النصوح أربعة: القلة والعلة والذلة والغربة)، والقلة يفسرها ذو النون بقوله: (قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام) فقصدوا الأرقى، وثمة توبة من النفس إلى الحق يُعبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» أو «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وهذه الدرجة تخص المحبين الذين ذهبوا من نفوسهم لمحبوبهم، ومن وجودهم لوجود الحق، ومن خواطرهم لأسراره، ومن معاملاتهم لمعاملته وحده، فتابوا من المقام العالي والأعلى ومن رؤية المقامات والأحوال [كشف المحجوب].
ومرة أخرى يُقسم ذو النون التوبة باعتبار النزوع الشعوري للتائب إلى: توبة الإنابة، وتوبة الاستجابة، وذلك لأن التائب في معاملته مع ربه إما أن يَتولد لديه النزوع من خوف الجلال، وما يقتضيه من عقوبة، وصاحب هذا المقام محترق من نار خوفه، قلق على مصيره، يدفعه نزوعه هذا إلى التوبة خوفًا وكمدًا على ما سيلقى في آخرته، وربما تولد النزوع من الحياء، فتتراءى للتائب سبحات الجمال تسطع على قلبه، فتسكره وتشع على باطنه فتبهره، فيتوب عن الغفلات والعوارض حياء من رب اللطف والبر والجمال والنور. [كشف المحجوب]
والأنواع المشار إليها، والمسماة بالنصوح، أو بتوبة العوام والخواص، أو الإنابة والاستجابة في إطار التوبة التي يرجى قبولها، ومن علامتها وجود حلاوة في الطاعة وأهلها، وبغض للذنوب ومرتكبيها، ويوجد نوع آخر يسمى بالتوبة الموقوفة، وعلاماتها ألا يجد التائب حلاوة الطاعة؛ بل يحس ألمها، ولكن لا يتركها؛ بل يصبر ويجاهد كي ينتقل إلى لذة الحب في العبادة والأنس بها، وتبقى التوبة المردودة مع أصحابه من أهل العجب والكبر، والرياء، والرغبة في منفعة الدنيا ومرضاة الخلق، لا للإقلاع عن الذنب مرضاة للحق وطوعًا لأمره [معرفة الأسرار].
ولا شك أن القبول والوقف والرد قد انبنى على نية الطالب وسلوكه، وقصده من وراء توبته ورجوعه كما ترى، أضف إلى ذلك كثرة البكاء، وهجران إخوان السوء وقرنائه، وحب العزلة، وترك الخوص ومجانبة الفضول وغير ذلك، ومتى توافرت الأركان والشروط واستقام حال التائب الصادق، وبرزت علامات إخلاصه لا يبقى عليه (أثر من المعصية سرًا ولا جهرًا) كما قال الواسطي [الرسالة].
قد تكون التوبة من كل الذنوب على النحو الذي بيناه في الفقرة السابقة من التوبة النصوح، وتكون من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، وفيها تُردُّ المظالم وتُقضى الفوائت، ويجتهد صاحبها في الطاعة، ويديم الاستغفار، وقد تكون بتدرج وتنقل من ترك ذنب إلى تركٍ لآخر حتى يقلع عن جميعها بعد تدريب النفس على ذلك، وللتوبة أنواع أخرى لاعتبارات معينة غير ذلك، فقد توصف بوصف يتفق مع حال التائب ومع المتوب منه، وذلك على غرار تقسيم ذي النون المصري الذي قال: (إن التوبة توبتان: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلات)، وأضاف عبد الله التميمي إلى الاثنتين (التوبة من رؤية الحسنات)، وعلى ذلك فهناك تائب من ذنب، وآخر من غفلة، وثالث عن رؤية لحسنة، وكلها درجات متفاوتة الأجر والمثوبة، فأدناها الأولى، وأعلاها الثالثة، والأولى للعوام، وما تلاها للخواص، وإنما تفاوتت رتبة وحالًا باعتبار التائب والمتوب منه؛ (لأن العوام يسألون عن ظاهر الحال، والخواص عن تحقيق المعاملة) [كشف المحجوب، والرسالة].
وصاغ الهجويري هذا التقسيم الثلاثي بطريقة أخرى فرأى أن التوبة ثلاثة أنواع: واحدة من الخطأ إلى الصواب، وهي المعنية من قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ} [آل عمران: ١٣٥]، ونظيرها في التنوع السابق توبة العوام، وهناك توبة من الصواب إلى الأصوب، ويشير إليها حال موسى عندما طلب الرؤية، فعلم استحالتها، فقال: {سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ} [الأعراف: ١٤٣]، وإنما طلبوا الأصوب رجوعًا عن الصواب؛ لأن الاستقرار مع الصواب عند أهل الخصوص توقف وحجاب، وهم متطلعون إلى ما فوق ذلك بهمتهم ونزوعهم.
نجد كلمات أخرى دارت معانيها في فلك الرجوع إلى الله، والإقلاع عن الذنوب، ومن الباحثين من تناولها أثناء الحديث عن التوبة، ومنهم من فصلها ببيان مستقل، وآثرت النهج الثاني لفروق بينها وضحت، وإن كانت دلالاتها على المقصود قد اقتربت وها هي:
أولًا- الإنابة:
يقال: ناب إلى الله رجع وناب: لزم الطاعة، وناب عنه قام مقامه، وناب إليه رجع مرة بعد أخرى، وناوبه: عاقبه والنوب: نزول الأمر، وما كان منك مسيرة يوم وليلة، والقوة، والقرب، والنَّوْبَةُ: الفُرصَة، والمناب: الطريق إلى الماء، وفلان ينتاب فلانًا أي: يقصده مرة بعد أخرى [القاموس المحيط، وأقرب الموارد، والمفردات]، ويربطها الحكيم الترمذي بالقلب فيرى أنها: (لزوم القلب وثباته واحترامه) [معرفة الأسرار] بالله وفعله، وصاحبها لا تقطعه النعمة والبلية عن الله لوثوقه فيه واستقامة قلبه تصديقًا وعزمًا مع الطاعة، وإنما ربطها، بالقلب لمجيء ذلك في قوله تعالى: {وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ} [سورة ق: ٣٣]، فهي لصيقة به، وإن لم توافقها النفس، ولما كان القلب محلًا للأسرار، وموئلًا للخواطر، ومهبطًا للواردات كان منبعًا للإنابة في زاجر الحق له، وقذفه باللطف فيه، ومن ثم عرفه إبراهيم الخوّاص بقوله: هي (أن يردك الله تعالى عنك إليه)، أما الدريني فيجعلها من ثمار المراقبة والحياء، فيقول: (ومن ثمرات المراقبة: الإنابة، ومعناها: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى الطاعة حياء من نظر الله عز وجل) [طهارة القلوب]، قال الله تعالى: {وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: ٥٤].
ثانيًا: الأوبة:
ولهذا المصطلح عدة معان في اللغة منها:
الرجوع، تقول آب من سفرة: رجع، وكذا أوبي: {يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ} [سبأ: ١٠] أي: رَجِّعي، والأوب: الرجوع، والقصد، والعادة، والاستقامة، والطريق، والجهة، وتستخدم في الورود ليلًا يقال: آب الرجل الماء وُروده ليلًا، وكذا الأوب وتأوبه، والغياب من دلالات الوضع قالوا: آبت الشمس لغة في غابت، وكذا السير جميع النهار، والنزول ليلًا، فإذا قلنا: أوب الركاب أي: ساروا جميع النهار ونزلوا الليل، وتعني الكلمة التباري في الشيء فأوب الركاب مؤاوبة: تباروا في السير، وأخيرًا تدل على كثرة الرجوع؛ إذ الأوَّاب هو: كثير الرجوع [المعجم الوسيط، وأقرب الموارد، والقاموس المحيط]، وعرفها سعيد بن جبير وأبو عثمان الحِيرِي بأنها (الر جوع إلى الله عز وجل) [القصد والرجوع إلى الله، والرسالة].
إنما رتبناها على هذا النحو، بأن بدأنا (التوبة، ثم الإنابة، ثم الأوبة)؛ لأن هذا ما أشار به كثير من الصوفية على ما سنبين قريبًا، والكلمات وإن تشابهت دلالة، لكنها تمايزت لغة واصطلاحًا نوع تمايز، فاللغة تدلنا من أول وهلة على أن لفظة التوبة لم تستخدم في أي غرض سوى الرجوع عن الذنب، بحيث قصرها الواضع على ذلك قصرًا، ولذا كثر استعمالها في هذا الغرض، وسارت مصطلحًا شرعيًا محددًا للمقصود منه دون توضيح، أما الإنابة، فشاعت في كثير من المعاني كنزول الأمر، والمسير، والقوة إلى غير ذلك، بجانب دلالتها على الرجوع عن الذنب، والأوبة هي الأخرى دلت على الرجوع السابق، كما أشارت إلى الرجوع من السفر والورود ليلًا، والغياب، والتباري، إلى آخره، وأدرك الراغب الأصفهاني ملحظًا دقيقًا في آب بأنها تعني: الأوب والرجوع للحيوان صاحب الإرادة بخلاف مطلق الرجوع، أو الرجوع المدلول للدالة أناب، فيكون للحيوان وغيره، وإذا كان الأمر كذلك فلو استعملنا كلمة تاب قادتنا إلى الرجوع دون قيد آخر، أما في غيرها كأناب وآب فيحتاج الاستعمال إلى قيد أو وصف، وحاول العلماء وضع ترتيب معنوي يوضح الفروق بين الألفاظ الثلاثة، وكانت محاولة إبراهيم بن أدهم من أسبق المحاولات، لكنها مقصورة على اثنتين فقط قال: (إذا صدق العبد في توبته صار مُنيبًا؛ لأن الإنابة ثاني درجة التوبة) وردده أبو عثمان المغربي فقال: (إذا صحت التوبة صحت الإنابة)، والرجل الذي رتب الثلاثة معًا هو أبو علي الدقَّاق إذا جعل أول الرجوع التوبة، وأوسطه الإنابة، وآخره الأوبة، ثم توالت أقوال الصوفية تتحدث عن الألفاظ الثلاثة بحسب هذا الترتيب وتشرحها مراعية الفروق بينها حسب أولوية كل وأسبقيته، فالتائب راجع عن الذنب نادم على ما فعل يخاف العقوبة، والمنيب طامع في الثواب، راجع من الغفلة إلى الذكر، وقد يرجع حياء أو يرجع عن كل شيء سوى الله، وربما رجع حتى من رجوعه فيبقي شبحًا لا وصف له قائمًا بين يدي الحق مستغرقًا في عين الجمع، والآيب راجع عن الذنب لا طمعًا في ثواب ولا رهبة من عقاب، وإنما رجع مراعاة للأمر وانصياعًا للحكم يستحي من الله أن يخالفه، وقد تتداخل معاني الإنابة مع الأوبة عندما يترقى العبد فينيب، أو يؤوب عن كل شيء ليبقى بالله دون كل الأشياء من نفسٍ وهوى ووجود، ولا يسكن إلا بالمولى وحده، والحكيم الترمذي أشرك العارف مع كل من المنيب والآيب في التحقيق بالصفات والمقامات والأحوال حتى استبدلهما به [معرفة الأسرار، عوارف المعارف ، المريدين، كشف المحجوب، والرسالة، وطهارة القلوب، ونشر المحاسن].
جعلنا الله من التوابين المنيبين الأوابين الصادقين المخلصين، وحال بيننا وبين غيره، وكشف عنا الحجب بيننا وبينه، ومتعنا بأنواره وأسراره، وحفظ أبداننا بحوله، ونصرنا بقوته، وعافانا بقدرته إنه نعم المولى ونعم النصير.
تُعدّ التوبة، التي وردت مشتقاتها في القرآن (١٠٨) مرة، معاملة إلهية للضعف البشري، وهي واجبة بالإجماع لما تحققه من حاجة دنيوية (صلاح المجتمع) وأخروية (تحصيل السعادة)، وتؤكد النصوص الشرعية على قبول التوبة ما لم يُغَرْغِر العبد، مع تفصيل شروط "التوبة النصوح" التي تتطلب الندم، والإقلاع الفوري، والعزم على عدم العود، وردّ المظالم، ورغم وجوب الفور في التوبة، أجاز بعض السالكين التدرج في ترك تفاصيل الذنوب تذليلًا للنفس، مميزين بين توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلات، مؤكدين أن الصدق في التوبة يمحو أثر المعصية ويُورث حلاوة الطاعة.
يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي، إذ يجسد تعلق القلب برحمة الله وطمعه في عفوه.
ركز السادة الصوفية على المجاهدات النفسية كطريق للترقي الروحي، وصولًا إلى مقام المراقبة والمحاسبة، ومن ثم النفس المطمئنة.
مفهوم الخلوة يختلف بين المعنى اللغوي والفقهي والصوفي، وجميعها تدور حول فكرة الانفراد والانعزال، لكن لكل منها غاية وأحكام مختلفة.