Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الميثاق

الكاتب

أ. د / عبد اللطيف أحمد العبد

الميثاق

الميثاق ليس مجرد كلمة في صفحات الكتب، بل هو عهد أزلي بين الروح وخالقها، يذكِّر الإنسان بأصله ومصيره، ومن تأمل هذا العهد، وجد فيه بوصلة تعيد قلبه إلى الله، وتعيد للعقل رشده في خضم الحياة.

مفهوم الميثاق

الميثاق لغة: من "وَثِقَ" بفلان "يَثِقُ" به ثِقَةً، ومَوْثِقًا، ووُثُوقًا، ووَثَاقَةً: ائتمنه فهو واثق به، وفلان موثوق به.

ووَثُقَ الشيءُ وَثَاقَةً: قوي وثبت وصار محكمًا. وأَوْثَق العهد: أحكمه و"وَاثَقَ فلانًا": عاهده والثقة: الائتمان و"المَوْثِق" العهدُ و"الميثاق" العهد المحكم (ج) مواثيق. [مجمع اللغة العربية بالقاهرة: المعجم الوجيز. مادة وثق. وانظر أيضًا: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة مادة وثق. والأزهري: تهذيب اللغة. مادة وثق]

 فخلاصة معنى الميثاق في اللغة كما يظهر مما سبق: أن الميثاق هو العهد المُحكم، والعقد الذي يُؤكَّد بيمين وعهد. والمُعاهدة، والائتمان، والثقة.

 الميثاق اصطلاحًا:  فيما يخص الميثاق البشري، نجد عدة تعريفات أهمها ما يلي:

١- الميثاق بالمعنى العام: وثيقة صادرة عن السلطة التنفيذية أو التشريعية أو أي سلطة أخرى، لتنظم مؤسسة عامة أو الاعتزاز بمبادئ وقيم معينة في مجال خاص، مثل ميثاق الشرف لمهنة الصحافة، والميثاق الوطني في الستينيات.

 ٢- ميثاق الدولة: أي الدستور، وهو وثيقة تصدر عن ممثلين منتخبين أو مختارين تتضمن المبادئ والمهام، والأسس العامة للدولة وخاصة العلاقة بين السلطات الثلاث، والحقوق والواجبات للمواطنين.

 ٣- الميثاق بالمعنى الشخصي: هو عهد مغلظ، يلتزم فيه الإنسان صادقًا بما تحتويه بنوده من حقوق وواجبات، وتُجَسَّد معانيه على الواقع بكل مستوياته أن يتشجع الكل على الوفاء الدائم بمقتضيات الميثاق.

 ٤- الميثاق بالمعنى القانوني: هو عهد بين طرفين أو أكثر، يلتزم به الإنسان فكرًا وسلوكًا أمام الله ثم أمام نفسه والآخرين، وتترتب عليه واجبات وحقوق للأطراف المعنية. [راجع بصفة عامة: محمد عبد الغني المصري: أخلاقيات المهنة. ط١٩٨٦م الأردن، عزت جرادات وآخرون: التدريس الفعال. ط ١٩٨٣م الأردن]

 ويلاحظ أن التعريفات السابقة وإن كانت تخص مواثيق البشر بعضهم مع بعض على المستويات المختلفة؛ فإن فيها أيضًا مراعاة لجانب الله عز وجل، ولو على سبيل التوثيق والتوكيد ومن هنا كانت أهميتها وخطورتها ووجوب الوفاء بها، وينطبق نفس الكلام على العهود.

الميثاق والعهد

كذلك لا ننسى أن نفرَّق بين الميثاق والعهد أو المعاهدة، بأن الميثاق قد يكون بين فردين، أما العهد فقد نص حديثًا على أنه: اتفاق بين سلطتين أو أكثر دولًا أو هيئات، يتم التوقيع عليه بشكل رسمي من قبل ممثلين معتمدين مخولين بذلك، وغالبًا ما يخضع للتصديق أو القبول بواسطة السلطات التشريعية للدولة أو المجلس التأسيسي للهيئة وربما أطلق عليه أيضًا، اتفاقية، أو بروتوكول، بجانب كلمتي عهد أو معاهدة.

الميثاق في القرآن الكريم

جاءت كلمة "ميثاق" في القرآن الكريم حوالي أربع وثلاثين مرة بالإفراد والجمع وغير ذلك: ونذكر هنا بعض المعاني التي جاءت بها:

١- فقد جاءت بمعنى العهد الذي أخذه الله على عباده مثل: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِ} [البقرة: ٢٧]، فالميثاق هنا: هو العهد المؤكد باليمين. [تفسير القرطبي، ٣٤٧:١].

٢- وورد بمعنى ما أخذه الله تعالى على بني إسرائيل من عهد وميثاق مثل: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ} [البقرة: ٦٣]، أي أخذ الله ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة أو: أعطوا الله عهدًا ليعملن بما في التوراة، فلما نقضوا العهد وقعوا تحت لعنة الله تعالى: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُم} [المائدة: ١٣] [تفسير ابن كثير، ٣٣:٢]

٣- وورد الميثاق دالًّا على ما أخذه الله على النبيين من عهد وميثاق، مثل: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ} [آل عمران: ٨١] وفال تعالى: {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} [الأحزاب: ٧] وهذا يدل على أن الله تعالى، قد أخذ ميثاق الأنبياء بالدعوة إلى التوحيد وأن يصدق بعضهم بعضًا، سابقين أو لاحقين ويأمر كل منهم بالإيمان بمن يأتي بعده. [تفسير القرطبي، ٤ :١٢٤]

٤- وجاء الميثاق في القرآن الكريم أيضًا، بمعنى ما أخذه الله على ذرية آدم، وهم في صلب أبيهم آدم أن يؤمنوا بالله وبوجوده مثل: {وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [الحديد: ٨]، هذا وقد دلت آيات الميثاق على وجوب الوفاء بالميثاق، وبالعهد، وبينت شناعة نقضه أو عدم الوفاء بمقتضياته؛ مما يترتب عليه غضب الله عز وجل، كقوله تعالى عن بني إسرائيل: {فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ} [المائدة: ١٣] وعلى الجانب الآخر: فإنه تعالى رضي الله عن الموفين بالعهد والميثاق، أيًّا كان نوع هذ الميثاق أو ذلك العهد حقًّا وافق الشرع أو التزم به المرء، فلم يجعل لذلك جزاءً إلا الجنة، كما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ * وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ * وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ * جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٍٖ * سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} [الرعد: ٢٠-٢٤].

الميثاق عند الصوفية

بنى الصوفية نظريتهم في المعرفة، على أساس الميثاق الإلهي، وبالرغم من تعدد الآيات القرآنية التي تشير إلى كلمة ميثاق، والتي قد تصل إلى أربع وثلاثين مرة كما أسلفنا، فإنهم يركزون في هذ المجال على آية معينة هي الآية رقم ١٧٢ من سورة الأعراف، وهى: {وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢] والآية ١٧٣، وهي: {أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ} [الأعراف: ١٧٣]. 

وقد أدلى علماء الإسلام كل بدلوه، في تفسير الآية الأولى:

- فمنهم من ذهب إلى أنها تشير إلى حادث تاريخي خاص بفئة أو بأمة معينة من الناس.

- ومنهم من فسره على أنه تعبير عن لقاء فِعلي بين الله وجميع الخلق، قبل أن تتلبس أرواحهم بأبدانهم، أي وهم في صلب آدم، فأخذ عليهم الميثاق بأن الله ربكم لا إله سواه، وهو قول مجاهد. [تفسير القرطبي، ٢١٨:٢٧]

- ومنهم - وهم فريق العقلانيين - من رأى أن الآية لا تعني أكثر من أن الله جل جلاله، قد وضع في الإنسان عقلًا يستطيع أن يتعرف به عليه، وأن يقر بربوبيته ضرورة، لأن دلالة العقل على الله دلالة ضرورية؛ فكأن الله استشهد الناس، وكأن الناس قد شهدوا فعلًا بالربوبية عن طريق عقولهم. [الزمخشري: الكشاف ١٢٩:٢]

ففي الآية نوع من التعبير المجازي عن هذه الفطرة الإنسانية، أما عن وقوع لقاء بهذه الصورة في عالم الذر فإنه في رأي هؤلاء لم يتم، لما يترتب عليه من نتائج عقلية ودينية غير مقبولة لهم، وهؤلاء العقليون قد رأوا أن الآية لا تعني أكثر من ذلك القدر المشترك بين الناس جميعًا، وهو العقل والتمييز والفطرة الإيمانية، كما يستند هؤلاء إلى أدلة عقلية أخرى على ما ذهبوا إليه، منها:

أ- استحالة وقوع ذلك اللقاء والخطاب بعد اتصال الأرواح بالأبدان، وإلا لأمكن لكل إنسان أن يتذكره؛ لأن المعقول أن يكون ذلك عند بلوغ الإنسان مرحلة التكليف وفهم الخطاب، وهذ غير واقع. [د. مصطفى غلوش: التصوف في الميزان، ص٨٠، دار نهضة مصر بالقاهرة بدون تاريخ]

ب- ويستحيل كذلك في نظرهم أن يكون قبل تلبس الأرواح بالأبدان، لأن في ذلك تسليمًا بسبق وجود الروح للبدن؛ وهو ما يرفضونه لأنه يستدعي قدمها، ولا قديم إلا الله تعالى.

ج- وقد يفترض إمكان سبق وجود الروح على البدن بقدر من الزمان؛ بحيث لا يقال إنها قديمة؛ فإن تعددها وتميزها وتحددها، لا يظهر له - في رأيهم - أساس عقلي مفهوم؛ لأن الأرواح إنما تتميز بعد تعلقها بأبدانها، وظهور انطباعاتها وتصرفاتها فيها، المترتبة على هذا التحقق.

ويمكن أن نلاحظ على هذه الأدلة ما يلي:

أنها أولًا: تقوم على أساس خاطئ، تطبق فيه المقاييس العقلية الواقعية البشرية في غير مجالها، ينقلها إلى المجال الروحي، فما بالنا بالجانب الإلهي.

وأنها ثانيًا: تستخدم وصف القدم، وتقصره على الله تعالى، وهو لفظ لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية وصفًا له تعالى؛ بل إن استعماله في القرآن قد اقتصر على وصف شيء مرذول أو قليل الشأن، كقوله تعالى: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ} [يوسف: ٩٥] وقوله تعالى: {كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ} [يس: ٣٩] ولكن وصف الله عز وجل نفسه بأنه {هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ} [الحديد: ٣].

 فهو الأول بكل اعتبار، وهو الآخر كذلك بكل اعتبار، وهذا الوصف لا يتأتى لأي مخلوق.

 وبذلك يثبت خطأ الاتجاه الذي يصر في إلحاح على اعتبار المقاييس العقلية المحدودة صالحة للتطبيق على كل الأمور على الإطلاق؛ فالأولى فيما يمس جانب الألوهية، أن نقتصر فيه على ما يرد إلينا عن طريق الوحي.

هذا وإن العديد من الصوفية لم تقلقهم مثل هذه الاعتراضات التي أثيرت حول فهم الآية، على أنها تسجيل لإشهاد حقيقي بين البشر وبين الله عز وجل، في مرتبة من الوجود تغاير المرتبة الحالية.

 ففي رأي هؤلاء الصوفية، أن كل روح أو نفس: شاهدت ربها، وأقرت بربوبيته، وهذا الإقرار كان حتميًّا؛ لأنها صنعته المباشرة - عز وجل - وهي في عالم الحق لا تنطق إلا الحق، تمامًا كما في يوم القيامة حين تشهد الجوارح على صاحبها، ويصدق الكافر في إجابته.

ويتفق الصوفية على أن هذا الميثاق أخذ على الخلائق قبل هبوطهم إلى الأرض، ولا يترتب على ذلك بالضرورة مشاركة هذه الأرواح أو الأنفس لله في صفاته أو في طبيعته، لأن ذات الله سبحانه بما هي هي، لا تصلح كلمة واحدة من لغات البشر للإشارة إليها غير كلمة الوجود تقريبًا، ثم ما وصف نفسه وتعرف على خلقه في وحيه سبحانه.

تصور حالة الأنفس أثناء أخذ الميثاق

وللصوفية اتجاهان فيما يخص تصور حالة الأنفس أثناء أخذ الميثاق؛ من حيث مرتبة الوجود التي كانت تتمتع بها الأنفس إبان هذا اللقاء:

الفريق الأول: ويمثله ذو النون المصري (ت ٢٤٥هـ) وسهل بن عبد الله التستري (ت ٢٨٣هـ): يرى هذا الفريق أن الأنفس كانت واعية بذواتها، حاضرة بعقولها، محددة بخصائصها الفردية؛ ومن ثم وعت خطاب الله جل جلاله؛ فأجابت وهي بكل وعيها وتمييزها.

فالآية الكريمة تشير إلى مشهد حقيقي، وتجربة حية، فيها عرفت النفوس ربها، وهو ما يطلق عليه الصوفية "المعرفة الأصلية أو القديمة" ويقولون في مواعظهم: "لا تكونوا أبناء الدهر، وكونوا أبناء الأزل"؛ بقصد أن يوجه المرء كيانه الواعي كله بعد نزوله إلى الأرض؛ ليظفر بمثل هذا اللقاء المباشر، الذي يتلقى فيه عن الله بلا واسطة، أو يظفر بصفاء نفس ينطق عنه، وتفرغ إلى الله، ولا شيء غير الله سبحانه.

 ويرى هذا الفريق أن النفوس قد استدعيت لهذا اللقاء في الجنة أو في الأرض، فحشرت إلى الحضرة الإلهية كهيئة الذر، مع تحقق عنصر التعقل في كل ذرة منها، ومع وجود الخصائص المميزة لكل نفس على حدة، وقد يسمونه هذا المشهد "يوم القَرَر" أو يوم "ألست؟".

وأصحاب هذ الاتجاه قد ركزوا عقلهم ووجدانهم ووعيهم كله في هذا النص القرآني، فصار أحدهم مرددًا إياه باللسان تارة، وبالقلب تارة أخرى، وقد استبطن مفهوم النص، ودوام استحضاره له؛ حتى طبع في ذاكرته وشعوره كتجربة فعلية تحدثت الآية عن ذكراها العطرة الخالدة، أو على حد تعبير ذي النون المصري (ت ٢٤٥هـ) بأن هذا النداء ما تزال ترن أصداؤه في الآذان، ويعني بذلك أذنه هو، وتجربته الشخصية في حياته الروحية.

بل إن بعض رجال هذا الفريق، وهو سهل التستري، ينبئنا بأنه لا يتذكر هذ اليوم فحسب، بل يتذكر الهيئة التي كان عليها، ويتذكر رفقاءه، ومن كان على يمينه ومن كان على شماله، وبذلك استحال الميثاق لدى هذا الفريق من الصوفية إلى تجربة فعلية روحية، وهو من أهم الجوانب للطريق الصوفي أو السلوك في نظر هذا الفريق.

 وهناك فريق آخر من الصوفية، يفسرون رأي هذا الفريق ويصفونه بالصدق من الناحية الشعورية لقائليه، وإن كان ذلك الصدق الشعوري لا يعني صدقه الواقعي، فيقول أحدهم كابن عربي (في الفتوحات) ما ملخصه: إن الخطاب الإلهي قد خطر في ذاكرة هؤلاء؛ نتيجة التخيل المركز حتى ثبت. [د. محمود قاسم: الخيال في مذهب محيي الدين بن عربي، دار نهضة مصر بالقاهرة بدون تاريخ]

على أن آية الميثاق الأولى قد أشارت إلى غفلة البعض عن الخطاب الإلهي؛ حيث جاء فيها: {أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢].

ومن جانب آخر يجب أن نلتفت إلى الآية التي تلي الآية السابقة، والتي تدل على عدم تمكين الأبناء من الاحتجاج بإشراك الآباء، وتبعيتهم لهم في ذلك، يقول الله تعالى: {أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ} [الأعراف: ١٧٣].

ومعنى هذ أن العدل الإلهي قد اقتضى أن يكون كل فرد في مستوى المسئولية المستقلة؛ حيث لا تزر وازرة وزر أخرى.

أما الفريق الآخر وعلى رأسه سيد الطائفة الجنيد (ت٢٩٧هـ): فإنه قد اتفق مع الفريق الأول: في كون الميثاق قد تم فعلًا قبل الهبوط إلى هذا العالم، لكنه يرى أن مرتبة وجود الخلائق في تلك المرحلة، كانت أقل بكثير من الناحية الإيجابية، من تلك المرتبة التي أشار إليها أصحاب الفريق الأول.

فلقد كان الخلق فيما يرى الجنيد حقائق متميزة بحضرة الله عز وجل، ولكن هذه الحقائق لا تتمتع بأي وجود سوى ما يمنحه الله جل جلاله لها بمقتضى الحكمة لإلهية، وعلى ذلك فلم تكن إجابة الخلق على السؤال الرباني (ألست بربكم) إلا نتيجة لتدخل إلهي، حتى إن الجنيد ليرى أنها إجابة تولاها الله عنهم، لأنهم كانوا في حالة فناء أو عدم، بحكم قانون الحضرة الإلهية التي لا يقف أمامها أي كائن إلا أن يشاء الله، فيهب لتلك النفوس ما به تقوى على روعة ذلك اللقاء.

وحتى في هذه النقطة، لا يمكن أن تدعي تلك النفوس أي شيء من الإيجابية بين يدي الله عز وجل بل ذهب الجنيد إلى أبعد من هذا، حين أشار إلى تغّرب أرواح الأفذاذ من الأولياء وتألمها للفراق المفجع الذي يعانيه من جرَّاء بُعْدها عن هذا المقام الأول، بل إن هذه النفوس أو الأرواح قد تستروح لرؤية مظاهر الجمال الطبيعية من خضرة وماء وقبة زرقاء لما له من نسب إلى ما في نفوسهم من شواهد الجمال المطلق قبل تغربها في هذه الأرض.

وكل هذا في رأينا تجربة روحية لا تمت بصلة إلى مذهب الفيض الذي أتت به الأفلاطونية المحدثة في التراث الهلنستي، وإن تكلف ذلك بعض الباحثين. [د. حسن الشافعي: فصول في التصوف. ص٦٤ وما بعدها. ط ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م دار الثقافة بالقاهرة]

هذا وإن ظاهرة ارتياح النفس إلى المناظر الطبيعية الجميلة، لهو أمر طبيعي تشهد له تجاربنا جميعًا، على اختلاف نوازعنا وأحوالنا وفى وسع أي إنسان أن يقول عن تلك المناظر إنها جميلة، إذا أراد أن يعلل ارتياحه إليها، لكنه قد لا يستطيع أن يفسر السبب الذي جعل الجمال متعة بعينه.

تفسير كلمة الإشهاد في آية الميثاق

وقد اختلف الصوفية في تفسير كلمة الإشهاد أو الاستدعاء في آية الميثاق، فكل عبَّر عن رأيه، وكل له وجه نظر يستفاد به، دون وقوع تناقض أو تضارب بين الرأيين، ودون سدِّ باب الاجتهاد أمام الآراء الأخرى:

فالتستري وذو النون ومن تبعهما، يرون أن كلمة الاستدعاء كانت لإثبات الربوبية، ولا بد أن تقتضي الربوبية مربوبًا، أي كائنًا مخلوقًا تظهر عليه دلائل الربوبية وملاحقها، ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل، إلا إذا كانت الأنفس أو الأرواح متمتعة بكيان إيجابي مستقل، ينطق إيجابيًّا بمربوبيته لله عند استشهاده: (ألست بربكم) فيقول: بلى، ولا يصدر هذا القول إلا عن كائن عاقل واع.

وأما الجنيد وأنصاره: فإنهم يرون أن الاستدعاء كان يهدف في نهايته إلى إثبات الوحدانية، ولا تثبت الوحدانية فعلًا إلا بفناء ما عداها ومن عداها؛ لتكون الحالة ترجمة حقيقية عن هذه الوحدة؛ لقوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: ١٨] حيث قدم الله - تعالى - شهادة لنفسه بنفسه؛ حين لم يكن سواه سبحانه ثم قالت الآية: {وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ} [آل عمران: ١٨] ومعنى ذلك لديهم أن هذه الشهادة لم تطلب إلا من فئات خاصة بعد شهادة الله ذاتها.

هذا وإن كل ما يشير إليه الصوفية هنا في الميثاق، يدل على أن هذه المعرفة الخاصة بهم مباشرة، وليست عن طريق وسائط؛ فالصوفي هنا قد وجد، لا قد علم، كما أن هذه المعرفة متجددة، ومن ثم فهي متغيرة؛ لأنها تعكس رؤية الصوفي وتجربته، أكثر مما تصور الحقيقة في كمالها، وكل أولئك بعيد عن أي ادعاء للوحى. [د. محمد كمال جعفر التصوف طريقا وتجربة ومذهبا من ص١٨٧ إلى ٢٠٠ ملخصا. ط١٩٧٠م، دار الكتب الجامعية، بالإسكندرية]

ومع تقديرنا لوجهات نظر هؤلاء السادة من الصوفية، الذين أدلوا بدلوهم - على اختلاف آرائهم - في تفسير آية الميثاق؛ فإننا نذكر الجميع بشيء آخر في هذ المقام، ألا وهو أن هذا الميثاق -مع تسليمنا به- ليس كافيًا لإقامة الحجة على الخلق، بل إن مشيئة الله وحكمته ورحمته تعالى التي وسعت كل شيء؛ اقتضت إقامة الله - سبحانه - الحجة على عباده بإرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال سبحانه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥]، وقال أيضًا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [الإسراء: ١٥].

الخلاصة

إن الميثاق الإلهي هو الجذر الذي تستند إليه كل رحلة إيمانية صادقة؛ فمن وعاه عاش بحضرة الله قلبًا وروحًا، وهو دعوة لكل إنسان أن يفتش في داخله عن أثر ذلك العهد الأول الذي لا يزول صداه، فطوبى لمن صدق مع الله في وفائه، فكان من أهل "بلى" حقًّا وصدقًا، يلقى الله وهو شاهدٌ له بالربوبية والعبودية معًا.

موضوعات ذات صلة

العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين.

هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي، ورؤية السادة الصوفية للتوبة شاملة.

هي أعلى درجات المحبة، حيث تتخلل القلب وتُعبّر عن صداقة خالصة لا تشوبها شائبة.

موضوعات مختارة