الإنسان
هو الكائن الوحيد الذي شرفه الخالق سبحانه وتعالى بأن خلقه بيديه وسواه وعدله
وجعله في أحسن تقويم، ثم أضاف إلى ذلك كله ما هو أهم، وهو تلك النفحة الإلهية الروحية
التي جعلت منه كائنًا آخر مختلفًا عن كل الكائنات الأخرى ومن أجل ذلك كان جديرًا
بأن يطلب الله من الملائكة أن يسجدوا له، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {فَإِذَا
سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [ص:
٧٢]،
ومن هنا من هذه النفحة
الروحية الإلهية التي أضافها الله إلى نفسه أصبح للإنسان حياة روحية تختلف عن
حياته المادية وإن كانت مرتبطة بها، وهذه الحياة الروحية قدر مشترك لدى كل الناس
من بدء الخليقة حتى قيام الساعة، وقد تمثلت هذه الحياة الروحية لدى الإنسان في صور
مختلفة لدى كل الشعوب، وفي كل العصور.
وهكذا
يمكن القول بأن التصوف - بمعنى الحياة الروحية للإنسان من حيث هو إنسان - يعد
ظاهرة إنسانية عامة، وفطرة بشرية موجودة في كل العصور، وفي كل الأديان، فنجدها لدى
أتباع الديانات السماوية، كما نجدها لدى أتباع الديانات الوضعية مثل البوذية، أو لدى بعض الاتجاهات الفلسفية مثل الأفلاطونية الحديثة، كما يمكن العثور على مثل
هذه الميول في الهند القديمة ولدى الصينيين
القدماء، ومن أجل ذلك قيل إن التصوف يمثل نهرًا روحيًّا عظيمًا يفيض
عبر جميع الأديان [Annemarie Schimmel: Mystische
Dimensionen des Islam, ٣, Aalen, ١٩٧٩]، غير أن ما يميز هذه الظاهرة في الديانات
السماوية هو الاتجاه المباشر نحو الله.
والتصوف بوجه عام يعتبر فلسفة حياة وطريقة معينة في السلوك يتخذها
الإنسان لتحقيق كماله الأخلاقي وعرفانه بالحقيقة وسعادته الروحية، والتجربة
الصوفية واحدة في جوهرها، والاختلاف بين صوفي وآخر يرجع في أساسه إلى تفسير
التجربة ذاتها المتأثرة بالحضارة التي ينتمي إليها كل واحد منهما [مدخل إلى التصوف الإسلامي، دكتور أبو الوفا التفتازاني،
ص٣، دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة ١٩٧٦م].
وتعتمد التجربة الصوفية بالدرجة الأولى على القلب، ومن هنا يستعصي فهمها على العقل لكن هذا لا يقلل من
قيمتها وأهميتها في حياة الإنسان، فلا ينبغي أن نعد القلب - كما يقول المفكر
الإسلامي محمد إقبال - (قوة خاصة خفية،
إنه لا يعدو أن يكون أسلوبًا من الأساليب البشرية لتحصيل معرفة الحقيقة دون أي
تدخل من جانب الحس)، وقد صاحبت الرياضة الدينية الإنسانية منذ أقدم عصورها -كما
تدل على ذلك الكتب المنزلة والمؤلفات الصوفية- للجنس البشري، فمن العسير إذن النظر
إلى هذه التجربة باعتبارها وهمًا من الأوهام، وليس هنالك ما يبرر تقبلنا للمستوى
العادي للتجربة الإنسانية باعتباره حقيقة واقعةً، ورفضنا لغيره من المستويات
باعتبارها غامضة وعاطفية، فحقائق الرياضة الدينية شأنها شأن غيرها من حقائق التجربة
الإنسانية، وكل حقيقة من هذه الحقائق تتساوى مع غيرها في قدرتها على التوصيل إلى
المعرفة [تجديد التفكير
الديني في الإسلام، محمد إقبال، ترجمة: عباس محمود، ص ٢٣ وما بعدها، القاهرة،
١٩٦٨م].
وإذا كان التصوف بصفةٍ عامة يعد - كما سبق أن أشرنا -
ظاهرة إنسانية عامة فإن مصطلح التصوف - كما تعرفه اللغة العربية - خاص بما
يعرف بالحياة الروحية في الإسلام وهناك بطبيعة الحال نظير لهذا المصطلح في لغات
الشعوب الأخرى.