Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مدخل عام حول مفهوم التصوف الإسلامي

الكاتب

أ.د. محمود حمدي زقزوق

مدخل عام حول مفهوم التصوف الإسلامي

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني، ويمثل التصوف فلسفة حياة وطريقة سلوكية لتحقيق الكمال الأخلاقي والعرفان بالحقيقة، كما يختلف تعريف التصوف باختلاف الاتجاهات الصوفية، ولكن جوهره يتعلق بالاتصال بالله والسمو الروحي.

التصوف ظاهرة إنسانية عامة في كل الأديان والحضارات

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي شرفه الخالق سبحانه وتعالى بأن خلقه بيديه وسواه وعدله وجعله في أحسن تقويم، ثم أضاف إلى ذلك كله ما هو أهم، وهو تلك النفحة الإلهية الروحية التي جعلت منه كائنًا آخر مختلفًا عن كل الكائنات الأخرى ومن أجل ذلك كان جديرًا بأن يطلب الله من الملائكة أن يسجدوا له، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [ص: ٧٢]، ومن هنا من هذه النفحة الروحية الإلهية التي أضافها الله إلى نفسه أصبح للإنسان حياة روحية تختلف عن حياته المادية وإن كانت مرتبطة بها، وهذه الحياة الروحية قدر مشترك لدى كل الناس من بدء الخليقة حتى قيام الساعة، وقد تمثلت هذه الحياة الروحية لدى الإنسان في صور مختلفة لدى كل الشعوب، وفي كل العصور.

وهكذا يمكن القول بأن التصوف - بمعنى الحياة الروحية للإنسان من حيث هو إنسان - يعد ظاهرة إنسانية عامة، وفطرة بشرية موجودة في كل العصور، وفي كل الأديان، فنجدها لدى أتباع الديانات السماوية، كما نجدها لدى أتباع الديانات الوضعية مثل البوذية، أو لدى بعض الاتجاهات الفلسفية مثل الأفلاطونية الحديثة، كما يمكن العثور على مثل هذه الميول في الهند القديمة ولدى الصينيين القدماء، ومن أجل ذلك قيل إن التصوف يمثل نهرًا روحيًّا عظيمًا يفيض عبر جميع الأديان [Annemarie Schimmel: Mystische Dimensionen des Islam,  ٣, Aalen, ١٩٧٩]، غير أن ما يميز هذه الظاهرة في الديانات السماوية هو الاتجاه المباشر نحو الله.

والتصوف بوجه عام يعتبر فلسفة حياة وطريقة معينة في السلوك يتخذها الإنسان لتحقيق كماله الأخلاقي وعرفانه بالحقيقة وسعادته الروحية، والتجربة الصوفية واحدة في جوهرها، والاختلاف بين صوفي وآخر يرجع في أساسه إلى تفسير التجربة ذاتها المتأثرة بالحضارة التي ينتمي إليها كل واحد منهما [مدخل إلى التصوف الإسلامي، دكتور أبو الوفا التفتازاني، ص٣، دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة ١٩٧٦م].

وتعتمد التجربة الصوفية بالدرجة الأولى على القلب، ومن هنا يستعصي فهمها على العقل لكن هذا لا يقلل من قيمتها وأهميتها في حياة الإنسان، فلا ينبغي أن نعد القلب - كما يقول المفكر الإسلامي محمد إقبال - (قوة خاصة خفية، إنه لا يعدو أن يكون أسلوبًا من الأساليب البشرية لتحصيل معرفة الحقيقة دون أي تدخل من جانب الحس)، وقد صاحبت الرياضة الدينية الإنسانية منذ أقدم عصورها -كما تدل على ذلك الكتب المنزلة والمؤلفات الصوفية- للجنس البشري، فمن العسير إذن النظر إلى هذه التجربة باعتبارها وهمًا من الأوهام، وليس هنالك ما يبرر تقبلنا للمستوى العادي للتجربة الإنسانية باعتباره حقيقة واقعةً، ورفضنا لغيره من المستويات باعتبارها غامضة وعاطفية، فحقائق الرياضة الدينية شأنها شأن غيرها من حقائق التجربة الإنسانية، وكل حقيقة من هذه الحقائق تتساوى مع غيرها في قدرتها على التوصيل إلى المعرفة [تجديد التفكير الديني في الإسلام، محمد إقبال، ترجمة: عباس محمود، ص ٢٣ وما بعدها، القاهرة، ١٩٦٨م].

وإذا كان التصوف بصفةٍ عامة يعد - كما سبق أن أشرنا - ظاهرة إنسانية عامة فإن مصطلح التصوف - كما تعرفه اللغة العربية - خاص بما يعرف بالحياة الروحية في الإسلام وهناك بطبيعة الحال نظير لهذا المصطلح في لغات الشعوب الأخرى.

التصوف وفكرة التأثير والتأثر

ونود هنا أن ننبه إلى حقيقة يتجاهلها كثير من الباحثين في التصوف الإسلامي، وبخاصة من المؤلفين الأجانب المولعين بفكرة التأثير والتأثر، فهذه الفكرة -على الرغم من أهميتها في بعض النواحي- تعد من أخطر المزالق في يد الباحث الذي يتصدى لدراسة التيارات الفكرية والنظريات الدينية، فالفكر البشري ليس خاضعًا مثل المادة الجامدة لقانون العلة والمعلول، ولا يجوز الحكم بأن فلسفة من الفلسفات متأثرة بفلسفة أخرى بناء على مجرد ظهور فكرة من الأفكار في الفلسفة الأولى وظهور فكرة مشابهة لها في الفلسفة الثانية إلا إذا كانت هناك بالفعل دلائل واضحة مستمدة من الصلة التاريخية بينهما [راجع مقدمة د. أبو العلا عفيفي لترجمة كتاب نيكولسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه ص. ك - القاهرة ٩٥٦ ١م].

وهكذا فإنه إذا كان التصوف فطرة بشرية وظاهرة إنسانية عامة فليس هناك مبرر على الإطلاق لمحاولة البحث عن جذور التصوف الإسلامي في غير الإسلام، وذلك بالبحث عن هذه الجذور في التصوف الهندي أو الفارسي أو المسيحي أو غير ذلك من نزعات روحية لدى شعوب أخرى، فلم تختص أمة دون غيرها بهذا الجانب الروحي الملتصق بالإنسان أينما كان وأنى كان، ولكن يمكن التمييز في هذا الصدد بين النزعة الصوفية التي هي نزعة عامة لدى جميع الشعوب وفي كل الأديان وبين الأشكال التي تتشكل فيها هذه النزعة أو النظريات التي تنطوي عليها، فهذه الأشكال أو النظريات -التي هي لاحقة وليست سابقة للنزعة الصوفية- يمكن أن تتأثر بطريقةٍ أو بأخرى بما لدى الآخرين من نظريات وأشكال.

صعوبة البحث في التصوف

والكتابة في التصوف من الأمور الصعبة، إذ إنه من الصعب على مراقب خارجي أن يفهم التصوف إلا إذا كانت له تجربة فيه، فالتصوف تجربة روحية ذاتية يعانيها المتصوف، وهو نفسه لا يستطيع التعبير عنها، وإذا حاول أن يعبر عنها خانته الألفاظ، ومن هنا كان قول الإمام الغزالي في هذا الصدد: "وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر" [المنقذ من الضلال للغزالي ص ٦٥ تحقيق د. عبد الحليم محمود وزميله - مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٦٤م].

وقد عبر عن ذلك أبو نصر السراج الطوسي (ت ٣٧٨ هـ - ٩٨٨ م) صاحب كتاب اللمع بقوله: "إن الأوائل الذين تكلموا في هذه المسائل.. إنما تكلموا بعد قطع العلائق وإماتة النفوس بالمجاهدات والرياضات والمنازلات والوجد والاحتراق والمبادرة والاشتياق إلى قطع كل علاقة قطعتهم عن الله عز وجل طرفة عين، وقاموا بشرط العلم ثم عملوا به ثم تحققوا في العمل فجمعوا بين العلم والحقيقة والعمل [اللمع لأبي نصر السراج الطوسي ص ١٩ /٢٠ تحقيق د. عبد الحليم محمود وزميله - دار الكتب الحديثة بمصر ١٩٦٠ م].

ولا يجوز التقليل من شأن هذه الصعوبة - فدارس التصوف الذي ليست له فيه تجربة قد يذهب في فهمه لأقوال الصوفية فهمًا لم يقصدوه أو يفسره تفسيرًا يتناقض مع ما يريدون التعبير عنه؛ فمن ذاق عرف ومن لم يذق لم يعرف كما يقولون، ومع إحساسنا بهذه الصعوبة إلا أنه لا مناص لنا من محاولة الاقتراب من هذه التجربة الصوفية ومحاولة فهم أبعادها ولا نقول الغوص في أعماقه، وهناك صعوبة أخرى أمام دارس التصوف تتمثل في كثرة الاتجاهات الصوفية وتشعبها وتفرعها، وكثرة التراث الصوفي سواء منه المطبوع أو الذي لا يزال مخطوطًا لم ير النور بعد.

الخلاصة

التصوف هو ظاهرة إنسانية عامة وفطرة بشرية، تمثل الحياة الروحية للإنسان المنبثقة من النفخة الإلهية، ويوجد في كل الأديان والحضارات كنهر روحي عظيم. يُعد التصوف فلسفة حياة وطريقة سلوك لتحقيق الكمال الأخلاقي ومعرفة الحقيقة والسعادة الروحية، وتجربته الذاتية تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلي المجرد؛ والبحث في التصوف صعب بسبب ذاتية التجربة الصوفية وصعوبة التعبير عنها باللغة، ولا ينبغي البحث عن جذور التصوف الإسلامي خارج الإسلام لكونه نزعة عامة تتأثر أشكالها لا جوهرها بما لدى الشعوب الأخرى.

موضوعات ذات صلة

  يعد التفسير الصوفي الإشاري أحد مناهج التفسير القرآني، التي تهدف إلى استكشاف المعاني الخفية في القرآن الكريم

التصوف هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي.

يمثل موقف الصوفية من قضيتي الجبر والقدر أحد أبرز الجوانب العقدية التي تكشف عمق نظرتهم إلى العلاقة بين الإرادة الإلهية واختيار الإنسان.

موضوعات مختارة