ليس هناك في الواقع تعريف واحد متفق عليه لظاهرة التصوف
بين الصوفية أو بين المشتغلين بدراسة التصوف، وهناك أكثر من مائة تعريف للتصوف
تعبر كل منها في الغالب عن ناحية خاصة من نواحي التصوف، أو تشير إلى وجهة نظر خاصة
لصوفي معين أو إلى حالة غالبة على صوفي في وقت من الأوقات، وهكذا تشكل الحالة
الراهنة الغالبة على المتصوف الأساس لفهم ما يقول: فكل واحد منهم - كما يقول الطوسي-
( يتكلم من حيث وقته، ويجيب من حيث حاله، ويشير من حيث وجده) [اللمع، ص ١٥٠].
وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي
في الإحياء: (فإن عادة كل واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقط)، وفي موضع آخر يقول:
(وهؤلاء أقوالهم تعرب عن أحوالهم، فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق، لأنهم لا يتكلمون
إلا عن حالتهم الراهنة الغالبة عليهم) [إحياء علوم الدين، ج ٤ ص ٢٤، ٨٢].
وقبل أن نعرض لأهم تعريفات التصوف نود أن نشير هنا
باختصار إلى الخلاف الكبير والجدل الكثير الذي أثير حول الأصل الذي اشتقت منه كلمة
صوفي أو تصوف:
فقد ذهب البعض إلى أن كلمة صوفي مشتقة من الصفاء وهذا يعني أن الصوفي
يعد واحدًا من خاصة أهل الله الذين طهر الله قلوبهم وصفاها من كدورات الحياة، وذهب
فريق آخر إلى القول بأن كلمة الصوفي مشتقة من الصف، بمعنى أن الصوفي من حيث
حياته الروحية في الصف الأول لاتصاله بالله، وذهب آخرون إلى القول بنسبة الصوفي
إلى الصفة، وهذا يعنى أن أصل التصوف متصل بأهل الصفة وأهل الصفة - كما هو معروف -
اسم كان يطلق على بعض فقراء المسلمين في صدر الإسلام الذين كانوا يأوون إلى صفة
بناها لهم الرسول عليه الصلاة والسلام خارج المسجد بالمدينة، نظرًا لأنه لم
تكن لهم بيوت يأوون إليها.
وقد رفض كثير من الباحثين هذه الاشتقاقات لأن اللغة العربية لا تجيزها، وإن كان التصوف في حقيقة
أمره يشتمل على كل هذه المعاني المشار إليها.
وذهب أبو الريحان البيروني
(ت ٤٤٨ هـ) قديمًا وبعض المستشرقين حديثًا إلى أن لفظ الصوفي مأخوذ من أصل
يوناني هو كلمة (صوفيا) اليونانية التي تعني الحكمة – وهذا الرأي لا يستقيم لسبب
بسيط وهو أن التسمية بالصوفي كانت موجودة في العربية قبل ترجمة الحكمة اليونانية
إلى العربية.
والرأي الذي عليه غالبية الباحثين هو أن كلمة صوفي
منسوبة إلى الصوف،
وهذا الاشتقاق لا يخالف القياس اللغوي وقد قال به أبو
نصر السراج قديمًا حيث يقول: نسبوا
إلى ظاهر اللباس؛ لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء -عليهم السلام- وشعار المتنسكين [اللمع، ص ٤١]، وأبو نصر السراج هو صاحب أقدم
كتاب عربي معروف في التصوف وهو كتاب (اللمع).
ويؤيد هذه النسبة إلى الصوف نصوص عديدة من أقوال
المؤلفين المسلمين – كما يقول المستشرق نولدكه، أيضًا - فالمسلمون في القرنين
الأولين للإسلام كانوا يلبسون الصوف وبخاصة من كان منهم يسلك في حياته طريق الزهد،
وكانوا يقولون: لبس فلان الصوف بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا فلما انتقل الزهد إلى
التصوف قالوا لبس فلان الصوف بمعنى أصبح صوفيًّا [في التصوف الإسلامي وتاريخه، نيكولسون، ص ٦٦ وما بعدها]، وإذا كانت كلمة الصوفي -بناءً على ذلك- تنتسب إلى
الملبس وهو مظهر وشكل، فليس معنى ذلك أن التصوف مجرد مظاهر وأشكال، وأيًّا ما كان
الأصل الذي اشتق منه مصطلح الصوفي والتصوف فإن العبرة ليست في المظهر ولكن في المضمون
الذي يشتمل عليه التصوف، وهذا ما يؤخذ من التعريفات العديدة للتصوف.
وأول تعريف للتصوف الإسلامي نجده لدى معروف الكرخي (ت٢٠٠هـ) حيث يقول: "التصوف الأخذ بالحقائق
واليأس مما بأيدي الخلائق" [الرسالة
القشيرية، ج١/ص٧٨، هامش ٢، تحقيق دكتور عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة،
القاهرة]، ولن يتسع
المجال هنا بطبيعة الحال لاستعراض كل التعريفات التي قيلت وبيان مضامينها وما تشير
إليه، ولكننا نكتفي فقط بالإشارة إلى بعض الاتجاهات البارزة في تعريفات التصوف.
(أ) الاتجاه الأخلاقي
لا جدال في أن السمو الأخلاقي وتصفية النفس من الشرور
والآثام والارتفاع إلى أعلى درجات الكمال الخلقي من الأمور الأساسية في التصوف، بل
يجعلها البعض مرادفة للتصوف، ومن هنا نستطيع فهم هذه النوعية من التعريفات التي
تركز على الجانب الخلقي.
فأبو بكر الكتاني (ت٣٢٢هـ) يقول في تعريفه للتصوف: "التصوف خلق، فمن
زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء".
وسئل أبو محمد الجريري (ت٣١١هـ) عن التصوف فقال: "الدخول في كل خلق
سني والخروج من كل خلق دني".
ويحدد أبو الحسين النوري (ت٢٩٥هـ) التصوف بأنه خلق فيقول: "ليس التصوف رسمًا،
ولا علمًا ولكنه خلق، ويعلل ذلك بقوله: لأنه لو كان رسمًا لحصل بالمجاهدة، ولو كان
علمًا لحصل بالتعليم، ولكنه تخلق بأخلاق الله، ولن تستطيع أن تقبل على الأخلاق الإلهية
بعلمٍ أو رسمٍ".
ويتضح من هذه النماذج من تعريفات التصوف تركيزها العام
على الجانب الخلقي بوصفه أساس التصوف وثمرته في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أن هذه
الحقيقة لا مراء فيها فإن البعض يرى أن هذه التعريفات غير كافية في الكشف عن حقيقة
التصوف، فليس كل من بلغ الدرجة العليا في الأخلاق الكريمة يعد صوفيًّا بالمعنى
الدقيق لهذه الكلمة، ومن هنا لا يُعَد سقراط الذي كان داعية للفضيلة في المجتمع اليوناني ومتمسكًا
بالمثل العليا -لا يُعَد- صوفيًّا، كما لا يُعَد الحسن
البصري صوفيًّا، مع أنه كان مثلًا صادقًا
للشعور الأخلاقي وللسلوك المثالي [مقدمة
المنقذ من الضلال، دكتور عبد الحليم محمود، ص٩٨ وما بعدها].
(ب) الاتجاه الزهدي
وإذا
كان البعض قد سوى بين التصوف والخلق كما رأينا - اعتمادًا على أقوال بعض الصوفية،
فهناك أيضًا من يذهب إلى تعريف التصوف بالزهد، وفي أقوال الصوفية أنفسهم ما يؤيد
ذلك، فقد سئل سمنون (ت حوالي ٢٩٧هـ) عن
التصوف فقال: "ألا تملك شيئًا ولا يملكك شيء" [الرسالة القشيرية، ج١/ص٥٤، هامش ١]، وقال أبو الحسين النوري:
"الصوفي من لا يتعلق به شيء ولا يتعلق بشيء".
وقال أبو عثمان المغربي (ت ٣٧٣ هـ): "التصوف قطع العلائق، ورفض
الخلائق، واتصال بالحقائق".
وقال أبو علي الروذباري (ت ٣٢٢ هـ) "الصوفي من لبس الصوف على الصفا،
وأطعم نفسه طعام الجفا ونبذ الدنيا وراء القفا، وسلك سبيل المصطفى".
وقال أبو محمد رويم (ت ٠٣ ٣ هـ): "التصوف مبني على ثلاث خصال:
التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالذل والإيثار، وترك التعرض والاختيار".
ويقول سهل بن عبد الله
التستري: "التصوف قلة الطعام والسكون إلى الله والفرار من
الناس" [في التصوف
الإسلامي وتاريخه، ص٣٠ وما بعدها]،
ولعل تعريف التصوف بالزهد هو الأمر الذي يتبادر إلى ذهن كثير من الناس، فالمتصوف
رجل زاهدٌ في الدنيا، راغبٌ عنها، لا يتعلق قلبه بها، ولكن تعريف التصوف بالزهد لا
يكفي أيضًا للكشف عن حقيقته، فليس كل زاهدٍ متصوفًا وإن كان كل متصوفٍ زاهدًا، هذا
فضلًا عن أن الصوفية الذين يفهم من أقوالهم غلبة الاتجاه الزهدي أو الأخلاقي في
تعريف التصوف لهم أيضًا من الأقوال ما يكشف عن جوانب أخرى للتصوف، ومن ناحية أخرى
نجد أن زهد غير الصوفي هدفه الاستمتاع في الآخرة، أما الصوفي فإنه يزهد في الدنيا
لأنه يتنزه عن أن يشغله شيءٌ عن الله.
(ج) الاتجاه التعبدي
ولا يكفي أيضًا تعريف الصوفي بالعابد، فالصوفي كثير العبادة، ومن هنا
يخلط كثيرٌ من الناس بين الصوفي والعابد، ولكن ليس كل عابدٍ صوفيًّا، فهناك فرق
بين عبادة الصوفي وعبادة غير الصوفي، فالصوفي يعبد الله؛ لأنه مستحق للعبادة، لا
طمعًا في جنةٍ أو خوفًا من نارٍ، ومن هنا كان القول الذي ينسب إلى رابعة العدوية: "اللهم إن كنت أعبدك خوفًا
من نارك فألقني فيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك
لوجهك الكريم فلا تحرمني من رؤيته"، ولعل خلط الناس بين الصوفي والعابد
والزاهد هو الذي حدا بابن سينا إلى
تحديد هذه المفاهيم حتى تتضح الفروق بينها حيث يقول في كتابه الإشارات:
١- المعرض عن متاع
الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد.
٢- المواظِب على فعل
العبادات من القيامٍ والصيامٍ ونحوهما يخص باسم العابد.
٣- المنصرف بفكره
إلى قدس الجبروت مستديمًا لشروق نور الحق في سره يخص باسم العارف، والعارف عند ابن سينا هو
الصوفي [المنقذ من
الضلال، ص١٠٠ وما بعدها]، ومن
هنا يتضح أن التصوف ليس فقط مجرد خلق أو زهد أو عبادة، إنه كل هذه المعاني مجتمعة
ومعها شيءٌ آخر إنه العرفان بالله والاتصال به والقرب منه والشوق إليه والفناء في
حبه، وهذا يتبين لنا من أقوال الصوفية أيضًا:
فقد سئل أبو سعيد الخراز (ت٢٦٨هـ)
عن التصوف فقال: "الصوفي من صفَّي ربه قلبه فامتلأ قلبه نورًا، ومن حل في عين
اللذة بذكر الله".
ويقول الجنيد:
"التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة"، ويقول أيضًا: "التصوف هو أن يميتك
الحق عنك ويحييك به"، ويقول أبو بكر الكتاني:
"التصوف صفاء ومشاهدة".
ويقول جعفر الخلدي (ت٣٤٨هـ): "التصوف طرح النفس في العبودية
والخروج من البشرية والنظر إلى الحق بالكلية".
ويقول أبو الحسن الحصري (ت٣٧١هـ): "إذا وجد الصوفي ربه لم ينظر بعد ذلك
إلى شيءٍ سواه" [في التصوف
الإسلامي وتاريخه، ص٣٠ وما بعدها].
فالصوفية هم - كما يقول الإمام الغزالي -
السالكون لطريق الله تعالى خاصة، ويحدد الغزالي معالم طريقتهم بقوله: أول شروطها: تطهير
القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها: استغراق القلب بالكلية بذكر
الله، وآخرها: الفناء بالكلية في الله، وهكذا ينتهي الأمر إلى قرب يكاد
يتخيل منه طائفةٌ الحلول والاتحاد وطائفةٌ الوصول، وكل ذلك خطأ [المنقذ من الضلال، ص٦٥]، والعقل هو الذي يفصل في ذلك ويبين وجه الصواب في
الأحوال التي تطرأ على العارفين، وفي ذلك يقول الغزالي في كتابه مشكاة الأنوار عن العارفين بعد
عروجهم إلى سماء الحقيقة وتخيلهم الاتحاد أو الحلول أو ما شاكل ذلك: "العارفون
- بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد
الحق، لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانًا علميًّا، ومنهم من صار له ذلك حالًا ذوقيًّا،
وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، واستوفيت فيها عقولهم،
فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبقَ فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضًا،
فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكرًا دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم
"أنا الحق"، وقال الآخر: "سبحاني ما أعظم شأني"، وقال آخر: "ما
في الجبة إلا الله"، وكلام العشاق في حال السكر يُطوَى ولا يُحكَى، فلما خف
عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن
حقيقة الاتحاد، بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه: (أنا أهوى ومن
أهوى أنا)" [مشكاة
الأنوار، تحقيق: د. أبو العلا عفيفي، ص٥٧].