الأبدال من أبرز المفاهيم الروحية في التراث الصوفي، إذ ارتبط بمراتب الأولياء في الوجدان الإسلامي عبر القرون، ويهدف هذا المقال إلى عرض حقيقة هذا المصطلح كما وردت في المصادر الأصيلة، مع توثيقٍ دقيق للنقول لضمان أصالة المحتوى ووضوحه.
الأبدال من أبرز المفاهيم الروحية في التراث الصوفي، إذ ارتبط بمراتب الأولياء في الوجدان الإسلامي عبر القرون، ويهدف هذا المقال إلى عرض حقيقة هذا المصطلح كما وردت في المصادر الأصيلة، مع توثيقٍ دقيق للنقول لضمان أصالة المحتوى ووضوحه.
يستعمل الأبدال للدلالة على رجال من الصالحين إذا مات واحد منهم بُدِّل بآخر، فهم قومٌ أقامهم الله – تعالى - في إظهار الحق والدعاء إليه، وصفاء الأسرار، واستقامة الأحوال، وإقامة ما افترض الله – تعالى - على عباده، وسُمّوا أبدالًا؛ لأنّ الله - تعالى - أبدل ما فيهم من صفات ذميمة بصفات حميدة.
فالأبْدالُ: قومٌ يُقيمُ اللهُ بهم الدِّينَ ويُنَزّلُ الرِّزْقَ، إذا ماتَ واحدٌ منهم يقومُ مَقامَه مِثلُه ولا يُؤبَهُ لهم - أي: لا يُعرفون ولا يُشتهرون بين الناس -. [العين: للخليل بن أحمد الفراهيدي: ٨/٤٥، بتصرف]
وردت عدة أحاديث تُذكَر فيها هذه الطبقة، ونورد بعضها في هذه السطور:
عن شُرَيْحٍ قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ بِالْعِرَاقِ، فَقَالُوا: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمِ الْعَذَابُ».[رواه أحمد].
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، فَبِهِمْ يُسْقَوْنَ وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ، مَا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ» قَالَ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: "لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الْحَسَنَ مِنْهُمْ". [رواه الطبراني في الأوسط].
وأخرج ابن الجوزي بسنده عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلا وَأَرْبَعُونَ امْرَأَةً كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلا، وَكُلَّمَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهَا امْرَأَةً». [رواه في التبصرة].
أخرج ابن أبي الدنيا عَن سُفْيَان بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو الزِّنَادِ: "لَمَّا ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَكَانُوا أَوْتَادَ الْأَرْضِ أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُمُ الْأَبْدَالُ، لَا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَكَانَهُ آخَرَ يَخْلُفُهُ، وَهُمْ أَوْتَادُ الْأَرْضِ، قُلُوبُ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ عَلَى مِثْلِ يَقِينِ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَفْضُلُوا النَّاسَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الصِّيَامِ، وَلَا بِحُسْنِ التَّخَشُّعِ، وَلَا بِحُسْنِ الْجِبِلَّةِ، وَلَكِنْ بِصِدْقِ الْوَرَعِ، وَحُسْنِ النِّيَّةِ، وَسَلَامَةِ الْقُلُوبِ، وَالنَّصِيحَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، بِصَبِرٍ، وَخَيْرٍ، وَبِرٍّ، وَلُبٍّ حَلِيمٍ، وَتَوَاضُعٍ فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ شَيْئًا، وَلَا يُؤْذُونَ أَحَدًا، وَلَا يَتَطَاوَلُونَ عَلَى أَحَدٍ تَحْتَهُمْ، وَلَا يَحْقِرُونَهُ، وَلَا يَحْسُدُونَ أَحَدًا فَوْقَهُمْ، لَيْسُوا مُتَخَشِّعِينَ، وَلَا مُتَمَاوِتِينَ، وَلَا مُعْجَبِينَ، وَلَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا، وَلَا يُحِبُّونَ لِلدُّنْيَا، لَيْسُوا الْيَوْمَ فِي خَشْيَةٍ، وَغَدًا فِي غَفَلَةٍ". [رواه ابن أبي الدنيا في الأولياء].
وقال الحكيم الترمذي: ألا ترى أن أبا الدرداء - رضي الله عنه - لما وصف الأبدال، قال: "ليسوا متماوتين ولا متخشعين"؛ لأن ذلك التماوت هو خشوع النفاق. [ختم الأولياء: ١/٨٠].
ونُقل عن أبي حامد الغزالي قوله: ووصف بعضهم الأبدال فقال: أكلهم فاقة، ونومهم غلبة، وكلامهم ضرورة، أي: لا يتكلمون حتى يُسألوا، وإذا سئلوا ووجدوا من يكفيهم سكتوا، فإن اضطروا أجابوا، وكانوا يعدون الابتداء قبل السؤال من الشهوة الخفية للكلام. [إحياء علوم الدين: ١/ ٦٩].
ويقول الإمام الشعراني: ومما يدل على وجود الأبدال قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بُدَلَاءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِسَخَاوَةِ النُّفُوسِ، وَالنُّصْحَ لِلْأُمَّةِ»، وكان أمير المؤمنين على - يقول: الأبدال بالشام، والنقباء بالعراق، والنجباء بمصر، وقد سُئل الإمام أبو عبد الله بن ماجد الجريمي - رحمه الله تعالى - أيكون من النساء أبدال؟ قال: نعم.
وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: لولا الأبدال لخُسفت الأرض بمن فيها، ولولا الصادقون لفسدت الأرض، ولولا العلماء لکان الناس كالبهائم، ولولا السلطان لأهلك الناس بعضهم بعضًا. [تنبيه المغترين: ص١٢٣].
يقول الإمام القشيري سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: سمعت فتحا الموصلي يَقُول: صحبت ثلاثين شيخًا كَانُوا يعدون من الأبدال كلهم، أوصوني عِنْدَ فراقي إياهم وَقَالُوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم، ومن ارتقى فِي هَذَا الباب عَن حالة الفسق، وأشار إِلَى أَن ذَلِكَ من بلاء الأرواح وأنه لا يضر وَمَا قالوه من وساوس القائلين بالشاهد وإيراد حكايات عَن بَعْض الشيوخ، لما كَانَ الأولى بِهِمْ إسبال الستر عَلَى هناتهم وآفاتهم، فذلك نظير الشرك، وقرين الكفر، فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم؛ فَإِن اليسير منه فتح بَاب الخذلان، وبدء حال الهجران، ونعوذ بالله من قضاء السوء. [الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٨٠]
وأنشد بعضهم:
يا من يريد منازل الأبدال من غير قصد منه للأعمال
لا تطمعن فيها فلست من أهلها إن لم تزاحمهم على الأحوال
يمثل مصطلح الأبدال أحد أهم مفاتيح فهم التصوف، فيجمع بين البُعد الروحي والوظيفة الأخلاقية في تراث الأولياء، وتكشف المصادر الكبرى عن حضور راسخ لهذا المفهوم في طبقات أهل السلوك، مع تباين في عدد الأبدال وصفاتهم وأدوارهم، وتؤكد النقول الموثقة أن الأبدال مظهرٌ من مظاهر العناية الإلهية في الوعي الصوفي، دون أن يخرج ذلك عن إطار الإيمان بقدرة الله وسُننه.
هو شيخ جماعة من الأتقياء، وهو مصطلح صوفي، وللقطب كرامات على يديه تناسب المقام الذي بلغه.
عند الصوفية يُعدّ مقامًا روحيًا يتدرج من الانقطاع عن الناس، إلى الانقطاع عن النفس، وصولًا إلى الاستغراق الكامل في التوجه إلى الله.
ليس مجرد حبس للسان؛ بل هو عبادةٌ خفيّة تتهذّب بها الأرواح، وتصفو بها الأسرار، وبه يفتح الله على عباده من أبواب الحكمة ما لا يُفتَح لأهل اللغو والثرثرة.