Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصمت

الكاتب

هيئة التحرير

الصمت

الصمت ليس مجرد حبس للسان؛ بل هو عبادةٌ خفيّة تتهذّب بها الأرواح، وتصفو بها الأسرار، وبه يفتح الله على عباده من أبواب الحكمة ما لا يُفتَح لأهل اللغو والثرثرة.

معنى الصمت وأقسامه

الصَّمْتُ: طُولُ السُّكوتِ، [العين: ٧/١٠٦]، أو هو ترك التكلم مع القدرة عليه [التعريفات: ص١٢٠]، وهو من الإيمان، كما أخبر سيد الخلق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كما جاء فِي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». [متفق عليه].

وأما النطق بخير أو الصمت؛ فيمكن تقسيم الكلام والصمت من حيث الأحكام الشرعية إلى ستة أنواع:

أ - كلام واجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان حيث أمكن، وكشهادة الحق، وكالعبادات القولية الواجبة، فهذا لا شك في خيريته، والنطق به واجب، يُثاب عليه.

ب - كلام مندوب كالوعظ ونشر العلم والأذكار المستحبة، والكلام الذي يؤدي إلى خير دنيوي مشروع، وهو كذلك خير محقق، والنطق به مستحب يُثاب عليه.

جـ - كلام محرم تحريمًا ظاهرًا، كالكذب والغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والسب والفحش، والخوض في الباطل (كالغزل وذكر محاسن النساء والخمور والمحرمات)، فهذا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب.

د - كلام غير محرم في حد ذاته، لكنه يجر إلى محرم تحقيقا أو غالبا كالتقعر في الكلام، فإنه يجر إلى المقت والبغض، وكالوعد مع نية الخلف، وكمجادلة من يغضب، وكممازحة من لا يحب المزاح، وهذا أيضا لا خير فيه، والإمساك عنه واجب.

هـ - كلام لا خير فيه: مشكوك في أنه يجر إلى ضرر أو مكروه، كالكلام فيما لا يعنيك، والزيادة عن قدر الحاجة فيما يعنيك، وهذا هو المعروف بفضول الكلام، فالإمساك عنه مندوب، والصمت عنه مستحب.

و- كلام مباح يستوي طرفاه.

فالنوعان الأولان داخلان في الأمر الأول "فليقل خيرًا".

والثالث والرابع والخامس داخلة في الأمر الثاني "ليصمت".

والأمر على هذا لمطلق الطلب واجبًا كان المطلوب أو مستحبًّا.

وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في النوع السادس ككلام الناس ومسامرتهم فيما لا يضر، هل يدخل في الأمر الثاني؟ أو لا يدخل في الأمرين؟

جمهور العلماء على أنه يدخل في الأمر الثاني؛ لأن الأمر الأول موجه للقول الذي تحقق أو ترجح خيره "فليقل خيرا"، وهذه المسامرة مفروض أنه لا خير فيها ولا شر، والأمر بالصمت توجه لما لا خير فيه.

قال النووي في شرحه للحديث: معناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا ُيثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، وقد قال الله تعالى: {مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: ١٨]. [فتح المنعم شرح صحيح مسلم].

خطر اللسان وابتلاء الخلق به

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «... كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». [رواه الترمذي].

وَالْمُرَادُ بِحَصَائِدِ الْأَلْسِنَةِ: جَزَاءُ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَعُقُوبَاتُهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَزْرَعُ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يَحْصُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا زَرَعَ، فَمَنْ زَرَعَ خَيْرًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، حَصَدَ الْكَرَامَةَ، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، حَصَدَ غَدًا النَّدَامَةَ.

وَظَاهِرُ حَدِيثِ مُعَاذٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ بِهِ النَّاسُ النَّارَ النُّطْقُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النُّطْقِ يَدْخُلُ فِيهَا الشِّرْكُ ،وَهِيَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهُوَ قَرِينُ الشِّرْكِ، وَيَدْخُلُ فِيهَا شَهَادَةُ الزُّورِ الَّتِي عَدَلَتِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَيَدْخُلُ فِيهَا السِّحْرُ وَالْقَذْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ؛ كَالْكَذِبِ وَالْغيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَسَائِرِ الْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ قَوْلٍ يَقْتَرِنُ بِهَا يَكُونُ مُعِينًا عَلَيْهَا. [جامع العلوم والحكم: ٢/١٤٧].

الصمت من مقامات السالكين

يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي: اعلم وفقك الله أن الصمت أحد الأربعة الأركان التي بها يكون الرجال والنساء أبدالًا، قيل لبعضهم: كم الأبدال؟ قال: أربعون نفسًا، قيل له: لِمَ لَمْ تقل رجلًا؟ قال: قد يكون فيهم النساء؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الكمال؛ فذكر أنه يكون - أيضًا - في النساء، وعين منهن مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون. [الفتوحات المكية].

قال عطاء بن أبي رباح: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نهيا عن منكر، أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك مِنْهَا، أَتُنْكِرُونَ أَنَّ عَلَيْكُمْ حَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أَمَا يَسْتَحِي أَحَدُكُمْ إِذَا نُشِرَتْ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أَمْلَاهَا صَدْرَ نَهَارِهِ كَانَ أَكْثَرُ مَا فِيهَا ليس من أمر دينه ولا دنياه. وعن بعض الصحابة قال: إن الرجل ليكلمني بالكلام لجوابه أشهى إليَّ من الماء البارد إلى الظمآن، فأترك جوابه؛ خيفة أن يكون فضولًا. وقال مطرف: ليعظم جلال الله في قلوبكم، فلا تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار: اللهم اخزه وما أشبه ذلك.

وَاعْلَمْ أَنَّ فُضُولَ الْكَلَامِ لَا يَنْحَصِرُ، بَلِ الْمُهِمُّ مَحْصُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: ١١٤]، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طُوبَى لِمَنْ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ». [إحياء علوم الدين: ٣/ ١١٤].

إن من أكثر المعاصي عددًا وأيسرها وقوعًا معاصي اللسان؛ إذ آفاته تزيد على العشرين، ومن ثَمَّ قال تعالى: {وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا} [الأحزاب: ٧٠]، [الفتح المبين بشرح الأربعين: ص٣٢٠]، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ». [رواه البيهقي في شعب الإيمان].

وَعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَرْبَعٌ لَا يَجْتَمِعْنَ فِي أَحَدٍ إِلَّا تَعْجَبَ، الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَاضُعُ لِلَّهِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةُ الشَّيْءٍ". [رواه أبو نعيم في الحلية].

وَعَن عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: الصَّمْتُ حِكَمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ. [رواه البيهقي في شعب الإيمان].

وَعَن الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، مَا نَدِمْتُ عَلَى الصَّمْتِ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ فِضَّةٍ، فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنْ ذَهَبٍ. [رواه أحمد في الزهد].

الخلاصة

الصمت عند أهل الله بابُ نجاةٍ وسكينة، وسترٌ للقلب من غوائل اللسان وآفاته، ومقامٌ من مقامات السالكين يُفتَح به باب الحكمة، وهو ميزانٌ يزن به العارف كلامه، فلا ينطق إلا بخيرٍ يُقرّبه، ولا يسكت إلا عن شرٍّ يُبعده، فإذا صمت اللسان نطق القلب، وإذا خمد الصوت ظهرت أنوار البصيرة، وكان العبد أقرب إلى ربّه.

موضوعات ذات صلة

من أبرز المفاهيم الروحية في التراث الصوفي، إذ ارتبط بمراتب الأولياء في الوجدان الإسلامي عبر القرون.

هي انقطاع النفس عن الناس والاهتمامات الدنيوية، للتركيز على العبادة والتقرب إلى الله.

الذكر من أفضل العبادات والأعمال العظيمة التي أمر الله بها، وأفضلها ذكر القلب. 

موضوعات مختارة