Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المحجوبون بالزائل وأسرار التجريد في قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

المحجوبون بالزائل وأسرار التجريد في قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

نتعرف في هذه الحكمة للإمام الرفاعي رحمه الله أن التعلق بزينة الدنيا الفانية هو علامة الحجب والجهل بمقام العبودية الحقيقي، وأن الخروج من هذا الحجاب يكون بالانسلاخ من وهم المُلْك والعمل على الاقتداء التام بسيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي وقف عند حد العبودية.

حقيقة الحجب وأثر التعلق بالمستعار

قال الإمام الرفاعي قدس الله سره: "مَا أَقَامَ مَعَ الْمُسْتَعَارِ إِلَّا الْمَحْجُوبُ".

لا يخفى أن المستعار ما أمكن زواله كالقوة والمنصب، والجاه، والأهل، والولد، والمال، والرجال، وأمثال ذلك، ففي الإقامة مع المستعار ينقطع المخلوق عن مقام العبدية، ويجهل الحد الذي حُدَّ له، فيتجاوز درجة الآدمية، ومرتبة الإنسانية، فيعلو ويغلو، ويُحرِّف الكلم عن مواضعه، وربما يأخذ به غليظ حجابه إلى إنكار ما لا ينكر، وذكر ما لا يُذكر، فينحرف عن الطريق المستقيم، ويسلك المسلك القبيح الذميم، فيصده حجابه، وتكثر منه عن الله حجابه، وما ذلك إلا من إقامته مع المستعار، وجهله بمقام العبودية الذي وقف عنده المرسلون الأخيار، والمقربون الأبرار.

وحسن ما قلته في كتابي ضوء الشمس مما يناسب هذا الباب، وهو: كيف بنا وقد لعبت فينا رعونات النفس، وانبسطت همتنا للشهوة، وصارت الأغيار مطمح نظرنا وغاية أملنا، فهل بلية الدعوى التي تصدر منا حاصلة إلا من عدم العلم بالكتاب المبين، وحكم الشرع المتين، وناشئة عن الجهل الصرف بسنة سيد المخلوقين، وطريق أولاده الطاهرين وخلفائه الراشدين، وعلماء هذا الدين وأوليائه العارفين رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟ وهل هي إلا الغفلة الكلية عن درك حالة البشرية؟

وأنى للمسكين المخلوق العاجز من قوة يفعل بها ويقول، ويَكِرُّ بها ويصُول؟

كيف تجتمع الحياة والممات أو العجز والقدرة، أو الفقر والغنى؟ كِلَا الضدين لا يجتمعان، ولكنَّ "النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا" [أخرجه أبو الفضل الزهري في جزئه: ٧٤٢، عن بِشْر بْن الْحَارِثِ، وأبو نعيم في الحلية: ٧/٥٢، عن سفيان الثوري] لأنَّ الدنيا حجاب، ورؤيا النفس حجاب، وكم تحت هذا الحجاب من حجاب، ولا تنكشف تلك الحجب عن القلب إلا بتوفيق الله، وإن من علامات التوفيق: الانسلاخ من حُجُبِ الدُّنيا ورؤيا النفس.

التفكر في الذات والكون سبيلًا للتجريد

على أن العاقل لو صرف فكره إلى ذاته وكلياته وجزئياته، لا نسلخ بطوعه عن رؤيا نفسه والدنيا أيضًا، وما أحسن ما قلت بفضل الله من قصيدة تخلصت فيها بمدح النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تذكر الصَّواب في هذا الباب وهذا مطلعها:

اللهُ أَكْـبَرُ هَــذِهِ الآثَـــارُ       مِنهــا بِسابِقِ خَلْقِهـــا أَســـرارُ

فلكلِّ شَيءٍ حِكمَةٌ وحقيقَـــةٌ       حارَتْ بِفَهـــمِ ضَميرِها الأفكـــارُ

والكـــونُ لـــو حَقَّقْتَـــهُ وفَهِمتَـــهُ       كَنْـــزٌ وِفيـــهِ شُـــؤونُنا الإِضـــمارُ

بُســـتَانُ رَمـــزٍ مُغْلَـــقٌ بِطِـــرازِهِ       أَرْواحُنـــــا بِرِياضِـــــهِ الأَطْيــــــارُ

هُـــوَ مُســـتَعارٌ كَالوديعَـــةِ عِنـــدَنا       وكَأَنَّنـــــا المُـــــــلاَّكُ والأَمَّـــــــارُ

فاعْجَبْ بِحَقِّكَ من عَبيدِ عُجَّـــزٍّ       يَتَصرَّفُـــــونَ كَأَنَّهُـــــم أَحْــــــرارُ

فَالمَرْءُ مِنَّـــا لـــو تَفَكَّـــرَ ثَوبَـــهُ       حَـــالَ اغْتِسَـــالٍ ذَاقَ كَيـــفَ يُعَـــارُ

وَإِذا انْتَحَى بيتَ الخَلا مُتَبَصِّرًا       خَضَعَتْ بــه في ذاتِــها الأَطْــوَارُ

وَإِذا مَشَى في البَرِّ أَدْرَكَ أَنَّـــهُ       فَـــردٌ وَظِـــلُّ الـــدَّارُ والدِّينــارُ

وَوُجُـــودُهُ إِنْ نَـــامَ أَرشَـــدَهُ إِلى       تَــركِ الوُجُــودِ وَنَومُـــهُ الإِجْبَـــارُ

وبِــنَفسِ هَيكَلِـــهِ بِكُـــلِّ دَقِيقَـــةٍ       يَتَبـــارَزُ الأَخطـــارُ والأَخْطـــارُ

والسَّمْــعُ والصَّمَــمُ الثَّقيــلُ وعِلَّــةٌ       وشِـــفاؤُها والبَســـطُ والأَكـــدارُ

والأَمْــنُ والخَوفُ المُريــعُ وغَيــرُهُ       يُنْبِيـــهِ كَيفَ تُمَـــزَّقُ الأَغيـــارُ

نَشـــرٌ وَطَـــيٌّ فيهِمـــا لِمُفَكِّــــرٍ       حــــالٌ بــــهِ تتسَلســــلُ الأَدوارُ

لَيـــلٌ تــدورُ عليــهِ أَحكــامُ الدُّجَــا       وَيَليـــهِ في دَوْرِ الشُّـــؤُونِ نهـــارُ

والكُـــلُّ لِلرَّجُـــلِ الرَّشـــيدِ حقائِـــقٌ       تَجـــري بها في سُفْنِهــا الأَقـــدَارُ

فَــإِذا عَزَمْــتَ بقــاءَ نفسِــكَ فانيــًا       أَدْرَكْــتَ كيــفَ إِلى الإِلـــهِ يُسَــارُ

وعلِمْـــتَ أَنَّ الفعـــلَ ظاهِــرُ فِعْلِـــهِ       وهـــو القَديـــرُ الفاعِـــلُ المختـــارُ

فاخْلَــعْ لَعَمْرُكَ ثَوبَ وهْمِكَ بالسِّوَى       فَالجهـــلُ عنـــدَ ذَوِي البصائِــرِ عــارُ

واصــرِفْ وجــودَ الرُّوحِ للبابِ الَّــذِي       مِـــنْ فَضْـــلِهِ تتنَـــزَّلُ الأســـرارُ

وَالحَـــقُ بأَرواحِ الأَعِـــزَّاءِ الأُلَـــى       فهُـــمُ الكِــرامُ السَّــادَةُ الأَخيـــارُ

رَأَوُا الوجــودَ بنـــورِ عيـــنِ بصيـــرةٍ       فَــــرَأَوْهُ ظِــــلًا مــــا لديــــهِ قَــــرارُ

وَتَفَكَّــرُوا الصُّنــعَ القديــمَ وحادِثَ الـ       ـطُّـــرُزِ الكَــرِيمِ فضـــاءَتِ الأبصـــارُ

وَتَجَـــرَّدُوا عنهــم فَهُمْ بيــنَ الوَرَى       أهــلُ العقــولِ السَّــادَةُ الأحــرارُ

عَلِقُــوا بِذَيْــلِ مُحَمَّــدٍ شمسِ الهُــدى       وعلــى طَرِيقَتِـــهِ الكَرِيمَـــةِ سَـــارُوا

مقام العبودية النبوية أسوة للتجريد

وقوف النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عند حد العبودية:

ولا يخفى على كل حاذق مُتشرع أنَّ نبينا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويَلْبَس الصوف، ويُردِف خَلْفَهُ، ويضع طعامه على الأرض، ويُجيب دعوة المملوك، ويكنس بيته، ويخيط ثوبه، ويخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا، ويسلم على الصبيان، ويمسح رؤوس اليتامى، ويجلس على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة العبد على خبز الشعير، ويبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، ويأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم و يشهد جنائزهم، ولا يمنع شيئًا يُسأله، وإذا جلس جلس إليه أصحابه حِلَقًا حلقًا، وإذا دخل عليهم جلس حيث انتهى به المجلس، ولا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته.

وكان يقول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَتْ مِنِّي، إِنِّي بُعْثْتُ والسَّاعَةُ تَسْتَبِقُ.

وكان يقول صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَنْتُمْ لَاقُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا أَكَلْتُمْ طَعَامًا عَلَى شَهْوَةٍ أَبَدًا، وَلَا شَرِبْتُمْ شَرَابًا عَلَى شَهْوَةٍ أَبَدًا، وَلَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ أَبَدًا، وَلَبَرَزْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَلْزَمُونَ صُدُورَكُمْ وَتَبْكُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ». [أبو داود في الزهد: ٢٠١، وابن أبي الدنيا في المتمنين: ١٢٣].

وكان يقول أيضًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُهُ الْعِبَادُ إِلَّا وَصَارِخٌ يَصْرُخُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لِدُوا لِلتُّرَابِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ». [البيهقي في شعب الإيمان: ١٠٢٤٦].

فتفكر أيها العاقل، كيف وقف السيد الكامل عند حد عبديته، وأوضح لنا هذا الحد بحكمته، وتقلب صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ على بساط القربية في حضرة العبودية، ولم يلتفت إلى الأغيار بالكلية منذ برز إلى الوجود صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أن انتقل من هذه الدَّار صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الخلاصة

التعلق بالمستعار (متاع الدنيا الزائل) هو جوهر الحجب، ويؤدي إلى الانقطاع عن مقام العبودية، وغياب العلم بالحدود الإنسانية، ويتمثل الخروج من هذا الحجاب في التجريد والتفكر في فناء الوجود، والسعادة الحقيقية في كمال الاقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي جسّد أسمى مراتب العبودية.

موضوعات ذات صلة

انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق إن كل ما سوى الحق تعالى إنما هو حجاب عنه.

مع حكم الإمام الرفاعي نأخذ العبرة من حقيقة الدنيا، مُبينةً أن حبها علامة على الحجب.

الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مختارة