ويستخدم الصوفية كلمة "الحجاب" بمعان متعددة
حسب الحال الذي يتكلمون فيه، فيقال أحيانًا: إن هذا المريد الصادق أو السالك قد
كُشِفَ عنه الحجاب، أي رفع عنه حجاب الدنيا، وظهرت التجليات، والمنن، والعطايا التي
تتوارد على قلبه، وأصبح من أهل المكاشفات والفتوحات، أي أنه وصل إلى مقام الولاية،
وأضحى من أصحاب الأسرار.
ويستخدم "الحجاب" أيضًا- بمعنى
"الحجب"، ويكون ذلك عندما يسقط الولي، ويقع في الالتباس، فينتكس ويتلف،
فيقال عنه: إنه قد حجب، أي رجع إلى نظره وبصره وحسه ونفسه، ومدركاته الحسية، وفقد
المنن الربانية، والفيوضات الرحمانية، والعلوم الإشراقية التي تقذف في قلوب
الأولياء، وأهل الحق، والعارفين بالله.
ويمكن أن يستخدم "الحجاب" بمعنى
"الستر"؛ أي لا يعرف حال العبد الصالح، فهو مستور عن الخلق، معروف لله،
فلا يعرف مقامه عند الناس، وما أفاض الله به عليه من النعم، والرحمات والمنن؛
ولهذا العبد في هذه الحالة حجاب من نفسه على نفسه، فلا تعلم يده ما ذاقه قلبه من
ثمرات المجاهدة [انظر معجم ألفاظ الصوفية د. حسن الشرقاوي ص
١١٨].
وهناك مسألة مهمة يجب الإشارة إليها فيما يتعلق بحجاب العقل: هي أن
"التقليد" يعد حجابًا للعقل ومانعا له من الانطلاق، ومعوقًا له عن
التفكير، ومن هنا نجد الله -سبحانه -يثني علي الذين يخلصون للحقائق، ويميزون بين
الأشياء، بعد البحث والتمحيص، فيأخذون ما هو أحسن، ويتركون غيره: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة الزمر ١٧، ١٨].
كما نجده سبحانه يندد بالمقلدين الذين لا يفكرون إلا
بعقول غيرهم، ويجمدون على القديم المألوف، ولو كان الجديد أهدى وأجدى لهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة ١٧٠].
وهذا الحجاب الذي تحدث الصوفية عنه هو خاص بالخلق أو
البشر، أما الله -سبحانه وتعالى -فإنه لا يصح أن يكون حجابًا ولا محجوبًا، يقول الشيخ زروق: "وإنما قلنا: إن احتجاب الخلق بهم، لأن الحق سبحانه لا يصح أن يكون
حجابًا ولا محجوبًا [الشيخ زروق: شرح حكم ابن عطاء الله، تحقيق
د. عبد الحليم محمود، ود. محمود بن الشريف مكتبة النجاح، طرابلس ليبيا ص ٦٥] ويستدل ابن عطاء الله على بطلان وجود الحجاب في حقه تعالى بعشرة أمور، متعجبًا من كل واحد
لظهوره مع خفائه، لشدة ظهوره عند العارفين وشدة خفائه عند الغافلين الجاهلين:
١.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو الذي أظهر كل شيء من العدم إلى
الوجود، وخصصه بإرادته وأبرزه بقدرته، وأتقنه بحكمته، وتجلى فيه برحمته.
٢.
إنه لا يتصور أن يحجب الحق شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء، فقد تجلى بكل شيء،
فلا وجود لشيء مع وجوده فكيف يحجبه شيء؟ إنه المنفرد بالكمال والبقاء والأزلية.
٣.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو الذي ظهر في كل شيء، بقدرته وحكمته،
القدرة باطنة، والحكمة ظاهرة، فالوجود كله بين قدرة وحكمة، وقد قال بعض الصوفية: "ما
رأيت شيئًا إلا رأيت الله فيه؛ أي بقدرته وحكمته".
٤. إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو الظاهر لكل شيء،
فهو المتجلي لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته. ولما تجلى لكل شيء، وعرفه في
الباطن كل شيء، وسبح بحمده كل شيء، فلم يحجبه شيء عن شيء: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: ٤٤].
يقول بلسان حاله: سبحان المتجلي لكل شيء، الظاهر
بكل شيء يفقهه العارفون، ويجهله الغافلون.
٥.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء، فكل ما ظهر
فمنه وإليه، فكان في أزله ظاهرًا بنفسه ثم تجلى لنفسه بنفسه، فهو الغني بذاته عن
أن يظهر بغيره أو يحتاج إلى من يعرفه غيره.
٦.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو أظهر من كل شيء؛ لأنه الواجب الوجود
لذاته، وكل شيء إنما وجد بإيجاده، فهو السبب في ظهور كل ما ظهر [انظر إيقاظ الهمم في شرح الحكم، لابن عجيبة ص ٧٨، ٧٩].
٧.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو الواحد الذي ليس معه شيء، فوحدانيته
تتحقق أزلًا وأبدًا [المرجع السابق ص ٨٠].
٨.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، وهو أقرب إلى الإنسان من كل شيء: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق ١٦]، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: ٨٥]، وقربه تعالى قرب علم وإحاطة وشهود لأقرب
مسافة؛ إذ لا مسافة بين الله والإنسان [المرجع السابق ص ٨١].
٩.
إنه لا يتصور أن يحجب الحقَّ شيءٌ، ولولاه ما كان ظهور ووجود كل شيء، فكل
ما ظهر في عالم الشهادة فهو فائض عن عالم الغيب، وكل ما برز في عالم الملكوت فهو
فائض من بحر الجبروت، فلا وجود للأشياء إلا منه، ولا قيام لها إلا به، ومن ثم فهي
مفتقرة إليه، وهو غني عنها [المرجع السابق ص ٨٢].
١٠.
إنه لا يتصور أن يظهر الوجود في العدم، كما لا يتصور أن يثبت الحادث مع من
له وصف القدم، فالأشياء عدم بالنسبة لله، وعلى فرض وجودها فهي حادثة فانية، ولا
نسبة للعدم مع الوجود، ولا للحادث مع القديم.
الوجود والعدم ضدان لا يجتمعان، والحادث والقديم
متنافيان لا يلتقيان. وقد تقرر أن الحق واجب الوجود، وكل ما سواه عدم على التحقيق،
فإذا ظهر الوجود انتفى ضده وهو العدم، فكيف يتصوره أن يحجبه وهو عدم؟ فالحق لا
يحجبه الباطل: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [سورة يونس ٣٢]، والقديم والحادث لا يلتقيان،
فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم [المرجع السابق ص ٨٣].