على أن العاقل لو صرف فكره إلى ذاته
وكلياته وجزئياته، لا نسلخ بطوعه عن رؤيا نفسه والدنيا أيضًا، وما أحسن ما قلت
بفضل الله من قصيدة تخلصت فيها بمدح النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تذكر الصَّواب في هذا الباب وهذا مطلعها:
اللهُ أَكْـبَرُ هَــذِهِ الآثَـــارُ
مِنهــا بِسابِقِ خَلْقِهـــا أَســـرارُ
فلكلِّ شَيءٍ حِكمَةٌ وحقيقَـــةٌ
حارَتْ بِفَهـــمِ ضَميرِها الأفكـــارُ
والكـــونُ لـــو حَقَّقْتَـــهُ وفَهِمتَـــهُ
كَنْـــزٌ وِفيـــهِ شُـــؤونُنا الإِضـــمارُ
بُســـتَانُ رَمـــزٍ مُغْلَـــقٌ بِطِـــرازِهِ
أَرْواحُنـــــا بِرِياضِـــــهِ الأَطْيــــــارُ
هُـــوَ مُســـتَعارٌ كَالوديعَـــةِ عِنـــدَنا
وكَأَنَّنـــــا المُـــــــلاَّكُ
والأَمَّـــــــارُ
فاعْجَبْ بِحَقِّكَ من عَبيدِ عُجَّـــزٍّ
يَتَصرَّفُـــــونَ كَأَنَّهُـــــم
أَحْــــــرارُ
فَالمَرْءُ مِنَّـــا لـــو تَفَكَّـــرَ ثَوبَـــهُ
حَـــالَ اغْتِسَـــالٍ ذَاقَ كَيـــفَ يُعَـــارُ
وَإِذا انْتَحَى بيتَ الخَلا مُتَبَصِّرًا
خَضَعَتْ بــه في ذاتِــها الأَطْــوَارُ
وَإِذا مَشَى في البَرِّ أَدْرَكَ أَنَّـــهُ
فَـــردٌ وَظِـــلُّ الـــدَّارُ والدِّينــارُ
وَوُجُـــودُهُ إِنْ نَـــامَ أَرشَـــدَهُ إِلى
تَــركِ الوُجُــودِ وَنَومُـــهُ الإِجْبَـــارُ
وبِــنَفسِ هَيكَلِـــهِ بِكُـــلِّ دَقِيقَـــةٍ
يَتَبـــارَزُ الأَخطـــارُ والأَخْطـــارُ
والسَّمْــعُ والصَّمَــمُ الثَّقيــلُ وعِلَّــةٌ
وشِـــفاؤُها والبَســـطُ والأَكـــدارُ
والأَمْــنُ والخَوفُ المُريــعُ وغَيــرُهُ
يُنْبِيـــهِ كَيفَ تُمَـــزَّقُ الأَغيـــارُ
نَشـــرٌ وَطَـــيٌّ فيهِمـــا لِمُفَكِّــــرٍ
حــــالٌ بــــهِ تتسَلســــلُ الأَدوارُ
لَيـــلٌ تــدورُ عليــهِ أَحكــامُ الدُّجَــا
وَيَليـــهِ في دَوْرِ الشُّـــؤُونِ نهـــارُ
والكُـــلُّ لِلرَّجُـــلِ الرَّشـــيدِ حقائِـــقٌ
تَجـــري بها في سُفْنِهــا الأَقـــدَارُ
فَــإِذا عَزَمْــتَ بقــاءَ نفسِــكَ فانيــًا
أَدْرَكْــتَ كيــفَ إِلى الإِلـــهِ يُسَــارُ
وعلِمْـــتَ أَنَّ الفعـــلَ ظاهِــرُ فِعْلِـــهِ
وهـــو القَديـــرُ الفاعِـــلُ المختـــارُ
فاخْلَــعْ لَعَمْرُكَ ثَوبَ وهْمِكَ بالسِّوَى
فَالجهـــلُ عنـــدَ ذَوِي البصائِــرِ عــارُ
واصــرِفْ وجــودَ الرُّوحِ للبابِ الَّــذِي
مِـــنْ فَضْـــلِهِ تتنَـــزَّلُ الأســـرارُ
وَالحَـــقُ بأَرواحِ الأَعِـــزَّاءِ الأُلَـــى
فهُـــمُ الكِــرامُ السَّــادَةُ الأَخيـــارُ
رَأَوُا الوجــودَ بنـــورِ عيـــنِ بصيـــرةٍ
فَــــرَأَوْهُ ظِــــلًا مــــا لديــــهِ
قَــــرارُ
وَتَفَكَّــرُوا الصُّنــعَ القديــمَ وحادِثَ الـ
ـطُّـــرُزِ الكَــرِيمِ فضـــاءَتِ الأبصـــارُ
وَتَجَـــرَّدُوا عنهــم فَهُمْ بيــنَ الوَرَى
أهــلُ العقــولِ السَّــادَةُ الأحــرارُ
عَلِقُــوا بِذَيْــلِ مُحَمَّــدٍ شمسِ الهُــدى
وعلــى طَرِيقَتِـــهِ الكَرِيمَـــةِ سَـــارُوا