ثُمَّ قَالَ المُؤَلِّف رضي الله عنه:
دَفْتَرُ حَالِ الرَّجُلِ:
أَصْحَابُهُ.
قد وافقت هذه الحكمة المباركة مضمون
ما جاء في الخبر الشريف إِنَّ «الْمَرْءُ
عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» [مسند الإمام أحمد: ٨٠٢٨].
وقال الإمام الشعراني في كتابه (الجواهر
والدرر): "إنَّهم - يعني: أهل الله -يقولون : من لم يجتمع بشيخ مات، فليجتمع
على تلامذته يُحيط به علماً". انتهى.
حال الشيخ
كمالاً أو نقصاناً تظهر في أتباعه
ولينظر كيف يقول سيدنا المؤلف رضي الله
عنه في كتابه "البرهان": حالة الشيخ كمالاً كانت أو نقصاناً تظهر في
أتباعه ومريديه بطناً بعد بطن، فإن كانت حالة كمال، علا بها حال الكامل، وزاد بها
حال الناقص، وإن كانت حالة نقص، نقص بها حال الكامل، وذهب بها حال الناقص، إلا إن
وهب الكريم فلا تأثير للأحوال.
إياكم وإبقاء أثر ينقص حال كُمَّل
أتباعكم، ويُذهب حال ناقصهم.
الرجل من تظهر آثاره بعده، قال
الرجال:
إِنَّ آثَارَنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا *** فَانْظُرُوا بَعدنا إلى الآثار
اتركوا بعدكم أثر الذل والانكسار،
والتجرد من الدعوى، والخروج من حيطة الاستعلاء، والتذلل بباب المولى، ومحبة
الفقراء والعلماء، وموافقة الأقدار بالتسليم إلى الله، والتمسك بسنة رسوله.
وإياكم والغرة بالوقت، فما هو عند
العارف بشيء، إلا إذا لم يصرفه في غير الطاعة، ويأخذ منه ما يثلج صدره، أجل: «مَنْ
سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلى يَوْمِ
القِيامَةِ؛ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلِيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ
عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [بنحوه مسلم: ١٠١٧].
ما بقي من قوم سليمان أحد، ذهب ملكه،
ونُسِخَتْ شريعته، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لا يذهب شأنه، ولا تُنْسَخ
شريعته بإذن الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا
يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} [آل عمران: ٩].
وصف سليمان نازعه وصف الملك
الدَّيَّان، فطمسه: {لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ
ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} [غافر: ١٦].
ووصف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
لَمَّا كان العبدية، أعانه وصف الربوبية، فدام ذكره، وعلا أمره: {وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:
٦٧].
وقد ترون أن الملوك وذراريهم وحواشيهم
تذهب، ورُسُومَهم تَنْقَلِب، والرَّعيَّة على حالها!
هؤلاء نازعتهم صفة الربوبيَّة لَمَّا
رَأَوُا المَالِكِيَّة فزالوا، وهؤلاء صانتهم صفة الربوبية، لما تحققوا بمنزلة
المملوكية فداموا.
قال سيدي الشيخ منصور: صحيفة حال
الشيخ أتباعه، لهم من حاله وخُلقه شمة لا بد أن تفعل كيف كانت، إلا إذا غلبها حال
سماوي اختص به التابع، فربما يعلو منزلة شيخه: {ذَٰلِكَ
ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ } [النساء: ٧٠]، {يُؤۡتِيهِ
مَن يَشَآءُۗ }. [آل عمران: ۷۳].
ترى في أصحاب الحلاج: حُبَّ القول
بالوحدة.
ترى في أصحاب أبي يزيد رحمه الله:
حُبَّ الإغماض، والتكلم بالرقائق.
ترى في أصحاب الجنيد: حُبَّ الجمع بين
لسان الطريقة والشريعة.
ترى في أصحاب السَّلَمَابَاذِي: حُبَّ
المعالي، لِما كان عليه من المنزلة.
ترى في أصحاب سيدي الشيخ أبي الفضل: حُبَّ
الوحدة إلى الله، بالذُّلِّ لله وللخلق.
وقد تنعكس هذه القاعدة في البعض، ولكن
يكون ذلك بالاختصاص: {يَخۡتَصُّ
بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ } [البقرة: ١٠٥].
معروف الكرخي، وداود الطائي، والحسن
البصري، ومَنْ تَأدَّبَ بصحبتهم من هذه الطائفة رضي الله عنهم اختصروا أسباب السير
على كلمتين: التمسك بالشرع، وطلب الحق وحده. انتهى.
ويناسب هذا قول بعضهم:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلُ وسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ *** فَكُلُّ
قَرِيْنِ بِالمَقارَنِ يَقْتَدِي