Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التحدث بنعمة الله وحال الشيخ الكامل من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

التحدث بنعمة الله وحال الشيخ الكامل من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

يتحقق كمال السلوك بالتحدث بنعم الله شكراً وافتقاراً لا فخراً ولا استعلاءً، فالعبودية المحضة هي سر بقاء الذكر وعلو الشأن عند الحق والخلق، ويعد الاتباع والمرآة العاكسة لحال الشيخ وصدقه، مما يوجب لزوم طريق الذل والانكسار والتمسك بظاهر الشريعة، والحذر من مزالق الشطح ودعاوى الوحدة المطلقة.

فقه التحدث بالنعمة والفرق بين الشكر والدعوى

قول الإمام الرفاعي رضي الله عنه في التحدث بالنعمة

ومن العجائب أن قوماً أرادوا صرف هذه الكلمات على ظاهرها، وإدخالها في باب التحدث بالنعمة، والحال أنَّ ما جاء في السُّنَّة من باب التحدث بالنعمة مشهور، وفي كتب السنة مسطور، ولله در سيد الأقطاب، شيخنا المؤلف، فإنه أوضح في كتابه "البرهان" سرائر هذا الشأن، وكشف به أستار الحقائق، وبَيَّنَ وجه الأدب مع المخلوق والخالق، وقد عرف وأوضح الله في كتابه المذكور، أمر التحدث بالنعمة، فقال: انظر كيف كان نبيك عليه أفضلُ الصَّلواتِ والتسليمات، وكيف قال؟ وكيف خَالَقَ النَّاس بَرَّاً وفاجِرًا؟ واعمل بِعَمَلِه، وقل بقوله، وتَخَلَّقَ بِخُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم.

إن كنت لا تعلم، فاسأل العلماء، قال تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: ٤٣].

يتحدث القوم بالنعم، اعترافًا بنعمة المنعم، وشكرًا لها، وحثًّا للناس على العمل؛ لتحصل لهم هذه البركة، قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ } [العنكبوت: ٦٩].

يقول المتحدث بالنعمة: أطلعني ربي على كذا، وعلمني كذا، ووهبني من الخير والبركة كذا، ولكن لا يقول: أنا خير منكم، أنا أجل منكم، أنا أشرف منكم.

مقامات الرجال بين التمكن الكامل وسكرات الشطح

هذه كلمات دعوى تكون من رُعُونة النَّفس، ينطق بها لسان الأحمق.

ما الذي خَيَّرني عليك، وأجلَّنِي وشرَّفَنِي؟ صلاة وصوم، وغيرها مِنَ العبادات؟ {فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} [الأعراف: ٩٩].

لولا امتثال قوله تعالى: {وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} [البقرة: ١٥٢]، لخاط العاقل فَمَهُ بِمِخْيَطٍ.

أي أخي، تفتخر بأبيك آدم عليه السلام الصفوة الأولى، كَفَرَ أكثر أولاده، وكذلك أكثر الأنبياء والمرسلين -كفرت بهم أممهم-.

تفتخر بعلمك؟ إبليس حل كلَّ عَوِيص، حل وقرأ صحاف الموجودات.

تفتخر بمالك؟ قارون هلك بماله.

تفتخر بملكك؟ لم يغن ملك فرعون عنه من الله شيئًا.

ما هَلَكَ إبراهيم عليه السلام بعد أن تجرد إلى ربه.

ما ذل موسى عليه السلام بعد أن فرش بساط ذله بين يدي خالقه.

ما ضاع شأن يُونُس اللي بعد أن قال بصدق الالتجاء: {لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنبياء: ۸۷].

ما خاب يوسف عليه السلام بعد أن استسلم لقضائه معتمدًا عليه.

هكذا النبيُّون، هكذا المرسلون هكذا الصدّيقون، هكذا الصالحون: {لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ } [يونس: ١٦٤] انتهى.

وقال الإمام عبد الوهاب الشعراني قُدِّسَ سِرُّهُ في كتابه (الجواهر والدرر): وسمعته - يعني شيخه رضي الله عنهما - يقول: قال لي بعض أهل الكتاب: نحن جعلنا مع الله إلهًا آخر، وأنتم جعلتم آلهة لا تحصى.

فقلت: ما هي؟

قال: تقولون بألوهية الأسباب.

فقلت له: هذا باطل عنا، وإنَّما هذا كلام من هو خارج عن الصراط المستقيم.

فقال: إذا أنصفتم، فنحن أقل شركاً بالله تعالى منهم.

فعليك يا أخي، باتباع العلماء العاملين من السلف والخلف، وإياك وما انتحله غلاة المتصوفة، والله يتولى هداك. انتهى.

قلت: وأظن أنَّ القائلين بألوهية الأسباب أقل شركًا من القائلين بألوهية الأشياء؛ أعني: أصحاب الوحدة المطلقة؛ ولهذا حذر القوم العارفين من سماع كلماتهم، والقول بأقوالهم، وانظر كيف يقول سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان): صُمُّوا أسماعكم عن علم الوحدة، وعلم الفلسفة، وما شاكلهما؛ فإنَّ هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار، حمانا الله وإياكم.

الظَّاهِرَ الظاهر، اللهم إيماناً كإيمان العجائز: {قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ} [الأنعام: ٩]. انتهى.

ومن المعلوم أن فتاوى العلماء، وأئمة الدين طافحة بتكفير من يعتقد الوحدة المطلقة، والأمر وفاقي بين العلماء لا نزاع فيه، نسأل الله الحماية.

وأما أصحاب الشطح، فالقول فيهم بالنظر إلى الكلمات التي تُروى عنهم، فإن كانت تقبل التأويل، وقائلها رجل عارف، متمكن في دينه، أخذته سكرة الحب فتكلم كلمة يصح فيها التأويل، نُؤَوّل كلامه على شرط درء الحدود بالشبهات، عملاً بقوله: «ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» [بنحوه الترمذي: ١٤٢٤، والبيهقي ١٦٨٣٤]، و«أَقِيلُوا الكِرَامَ عَثَرَانِهِم إِلَّا فِي حَدٌ مِنْ حُدُودِ الله» [بنحوه مسند الإمام أحمد: ٢٥٤٧٤].

ونرى أنَّ الرجل المتمكن الكامل أجل منزلة، وأرفع مكانة من الشطاح كيف كان؛ لتحققه في مقام العبودية الذي هو أشرف المقامات، وأرفع الدرجات، وهذا الذي اختاره أئمة هذا الدين سلفاً وخَلَفاً.

صحيفة حال الشيخ وآثاره في أتباعه

ثُمَّ قَالَ المُؤَلِّف رضي الله عنه:

دَفْتَرُ حَالِ الرَّجُلِ: أَصْحَابُهُ.

قد وافقت هذه الحكمة المباركة مضمون ما جاء في الخبر الشريف إِنَّ «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» [مسند الإمام أحمد: ٨٠٢٨].

وقال الإمام الشعراني في كتابه (الجواهر والدرر): "إنَّهم - يعني: أهل الله -يقولون : من لم يجتمع بشيخ مات، فليجتمع على تلامذته يُحيط به علماً". انتهى.

حال الشيخ كمالاً أو نقصاناً تظهر في أتباعه

ولينظر كيف يقول سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه "البرهان": حالة الشيخ كمالاً كانت أو نقصاناً تظهر في أتباعه ومريديه بطناً بعد بطن، فإن كانت حالة كمال، علا بها حال الكامل، وزاد بها حال الناقص، وإن كانت حالة نقص، نقص بها حال الكامل، وذهب بها حال الناقص، إلا إن وهب الكريم فلا تأثير للأحوال.

إياكم وإبقاء أثر ينقص حال كُمَّل أتباعكم، ويُذهب حال ناقصهم.

الرجل من تظهر آثاره بعده، قال الرجال:

إِنَّ آثَارَنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا *** فَانْظُرُوا بَعدنا إلى الآثار

اتركوا بعدكم أثر الذل والانكسار، والتجرد من الدعوى، والخروج من حيطة الاستعلاء، والتذلل بباب المولى، ومحبة الفقراء والعلماء، وموافقة الأقدار بالتسليم إلى الله، والتمسك بسنة رسوله.

وإياكم والغرة بالوقت، فما هو عند العارف بشيء، إلا إذا لم يصرفه في غير الطاعة، ويأخذ منه ما يثلج صدره، أجل: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلِيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [بنحوه مسلم: ١٠١٧].

ما بقي من قوم سليمان أحد، ذهب ملكه، ونُسِخَتْ شريعته، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لا يذهب شأنه، ولا تُنْسَخ شريعته بإذن الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} [آل عمران: ٩].

وصف سليمان نازعه وصف الملك الدَّيَّان، فطمسه: {لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} [غافر: ١٦].

ووصف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كان العبدية، أعانه وصف الربوبية، فدام ذكره، وعلا أمره: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧].

وقد ترون أن الملوك وذراريهم وحواشيهم تذهب، ورُسُومَهم تَنْقَلِب، والرَّعيَّة على حالها!

هؤلاء نازعتهم صفة الربوبيَّة لَمَّا رَأَوُا المَالِكِيَّة فزالوا، وهؤلاء صانتهم صفة الربوبية، لما تحققوا بمنزلة المملوكية فداموا.

قال سيدي الشيخ منصور: صحيفة حال الشيخ أتباعه، لهم من حاله وخُلقه شمة لا بد أن تفعل كيف كانت، إلا إذا غلبها حال سماوي اختص به التابع، فربما يعلو منزلة شيخه: {ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ } [النساء: ٧٠]، {يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ }. [آل عمران: ۷۳].

ترى في أصحاب الحلاج: حُبَّ القول بالوحدة.

ترى في أصحاب أبي يزيد رحمه الله: حُبَّ الإغماض، والتكلم بالرقائق.

ترى في أصحاب الجنيد: حُبَّ الجمع بين لسان الطريقة والشريعة.

ترى في أصحاب السَّلَمَابَاذِي: حُبَّ المعالي، لِما كان عليه من المنزلة.

ترى في أصحاب سيدي الشيخ أبي الفضل: حُبَّ الوحدة إلى الله، بالذُّلِّ لله وللخلق.

وقد تنعكس هذه القاعدة في البعض، ولكن يكون ذلك بالاختصاص: {يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ } [البقرة: ١٠٥].

معروف الكرخي، وداود الطائي، والحسن البصري، ومَنْ تَأدَّبَ بصحبتهم من هذه الطائفة رضي الله عنهم اختصروا أسباب السير على كلمتين: التمسك بالشرع، وطلب الحق وحده. انتهى.

ويناسب هذا قول بعضهم:

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلُ وسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ *** فَكُلُّ قَرِيْنِ بِالمَقارَنِ يَقْتَدِي

الخلاصة

التحدث بالنعمة اعترافٌ بفضل المنعم لا وسيلة للاستعلاء، والافتخار بالعلم أو الجاه رعونة نفس؛ تذهب ببركة العمل، فالأنبياء والصالحون لم يسودوا إلا بصدق الالتجاء وكمال العبودية والذل بين يدي الخالق، ويُعد الأتباع والمريدون دفتر حال الشيخ ومرآة كماله أو نقصانه، فالرجل الحقيقي من يترك بعده أثر الانكسار والتمسك بالسنة، والتمكين في مقام العبودية أرفع منزلة من شطحات القلوب وسكرات المحبين.

موضوعات ذات صلة

نتعرف في هذه الحكمة للإمام الرفاعي رحمه الله أن التعلق بزينة الدنيا الفانية هو علامة الحجب والجهل بمقام العبودية الحقيقي.

الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل.

تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

موضوعات مختارة