Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السلوك إلى الله من نور القرآن، والرضا، وتزكية النفس

الكاتب

هيئة التحرير

السلوك إلى الله من نور القرآن، والرضا، وتزكية النفس

العارف بالله سيدنا أبو الهدى الصيادي رضي الله عنه له جملةً من الحكم التربوية والسلوكية التي قررها في بيان منزلة القرآن، وحقيقة الرضا، وأصول تزكية النفس، كما يكشف عن أخطر آفات السالكين من الكِبر والعجب والتعالي، ويضع معالم واضحة للسير إلى الله على بصيرةٍ واستقامة.




٤.:


٥. الخلاصة:

القرآن بحر الحكم ومفتاح الهداية

قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: القُرْآنُ بَحْرُ الحِكَمِ كُلَّهَا، وَلَكِنْ أَيْنَ الْأُذُنُ الوَاعِيَةُ؟!.

أراد بقوله: بحر الحكم؛ أي: الحقائق الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: ٣٨].

ولما كان القرآن العظيم أعظم بحور الحكم الإلهية، أنزله الله على أعظم أنبيائه، تشريفًا لقدره عليه الصَّلاة والسلام وجعله أعظم معجزة له؛ لأنَّ المعجزات التي وقعت وانقضت يمكن أن يجحدها الجاحد الحاسد، وأن يُنكرها جهلًا وطيشًا، المشرك المعاند، وأما معجزة القرآن العظيم الشأن، فهي بحمد الله موجودة حاضرة، وبين أيدي الخلق متداولة ظاهرة، تردع أهل الزيغ والفساد، وتقمع أرباب الجحود والعناد، على أن القرآن العظيم جعله الله تعالى معجزًا بِعشر سور، ثم جعله معجزًا بسورة.

وقد تحدى عليه الصَّلاة والسلام بسورة منه، فبهت لها فُصحاء العرب، وعَجَزُوا عن أن يأتوا بمثل سورة الكوثر التي هي أقصر السور؛ لأن فصاحة القرآن، ووجوه بلاغته، وشريف نظمه، وجميل مزاياه ونكاته، كلها خوارق لا طاقة للمخلوق على الإتيان بشيء منها.

وقد انطوى هذا الكتاب الكريم والكلام القديم، على عظائم المعجزات والأخبار بالمغيبات، وأتى بكل حكمة لا بد منها، ولا غنى عنها.

ولذلك أرشدنا سيدنا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ إلى منزلته، ودلنا على شريف مكانته، فقال: القرآن بحر الحكم كلها عند من يفهم ويعي ويدرك ما قررناه من عظم شأن القرآن.

ولهذا أتبع ما قال بقوله: ولكن أين الأذن الواعية؛ أي: التي إذا سمعت كلام الله وعت، وفهمت بعض ما انطوى فيه من الحكم الربانية، والإرشادات الصمدانية، ويؤيد هذه الحكمة قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: القُرآنُ غِنَى لَا فَقْرَ بَعْدَهُ، وَلَا غِنَى عَنْهُ.

وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «القُرْآنُ هو النُّورُ المُبِينُ والذَّكْرُ الحَكِيمُ، والصَّرَاطُ المُسْتَقِيمُ» [البيهقي في الشعب: ١٧٨٩] وفي هذا إبلاغ لِمَنْ وَفَقَهُ اللهُ تعالى.

الرضا بالقضاء طريق الأمن والفلاح

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنه: رَنَّةُ النَّجَاحِ تُسْمَعُ عِنْدَ قُرْبِ بَابِ الرِّضا مِنَ اللَّهِ، اِرْضَ عَنِ اللَّهِ، وَنَمْ مَرْضِيَّا، ولَكَ الأَمْنُ.

لا يخفى أن القوم أكثروا الأقوال في ذكر الرضا، فمنهم من قال: الرضا حال، ومنهم من قال: مُكْتَسَبٌ، ولهم فيه أبحاث.

وقالوا: هو أن لا يعترض العبد على مقادير سيده.

وقالوا: الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وتنزلات الأقدار، وهذا سر قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ» [ٍالنسائي: ١٣٠٥، والإمام أحمد في المسند: ١٨٣٢٥]؛ لأنَّ الرِّضا بعد القضاء، هو الرضا الأكمل.

ولذلك قال سيدنا أبو الهدى الصيادي: رنة النجاح؛ أي: نغمة. صوت البشر في الغيبية بنجاح حال العبد بعد صدمة القضاء تُسمع، وتظهر حالة قرعه باب الرضا من الله تعالى.

ولهذا السر قال سيدنا أبو الهدى الصيادي رضي الله عنه معلمًا ومُرشدًا: ارْضَ عَنِ اللَّهِ، وَنَمْ مَرْضِيَّا، ولَكَ الأَمْنُ بعد الرضا من دهشة وارد القضاء، فإنَّ العبد إذا لزم الرضا من سيده مع ضعفه وعجزه، ومسكنته واحتقاره، فلا بد أن يقابله العظيم، القادر الكريم، البر الرحيم، بما يناسب أوصاف ربوبيته، وشأن ألوهيته، من الكرم والرحمة، والفضل والعناية، ويجعله في ساحة إحسانه معزّزًا مكينًا، محتفلًا أمينًا.

تزكية النفس وقطع أسباب الكبر والعجب

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: مَا شَمَّ رَائِحَةَ الْمَعْرِفَةِ مَنِ افْتَخَرَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَخَالِهِ وَعَمِّهِ، وَمَالِهِ وَرِجَالِهِ؛ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ عَلَى شَيْءٍ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ.

لَوْ عَبَدَ اللهَ العَابِدُ بِعِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ، وفيهِ ذَرَّةٌ مِنَ الْكِبْرِ، فَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وأَعْدَاءِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم.

جمعت هذه الكلمات المباركة النهي عن التفاخر بالأنساب، والمال، والرجال، والعجب، والكبر، استنادًا لقول رسول الله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ» [الطبراني: ٦١٠٠].

وقوله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كبر» [مسلم: ۹۱].

وعنه صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي» [أبو داود: ٤٠٩٠، وابن ماجه: ٤١٧٤].

وقال: «ثلاث مُهْلِكَاتٌ: شُحٌ مُطاعٌ، وهَوَى مُتَّبَعُ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» [الطبراني في الأوسط: ٥٤٥٢، والبيهقي في الشعب: ٧٥٤].

فإذا طبق العاقل حكم الحضرة الأحمدية على هذه النصوص الشريفة النبوية، أدرك ما في العجب، والتفاخر، والكبر، من الخطر، ووقف عند حد عبديته بما يناسب عجز البشر.

آفات الولاية وخطر التعالي والمراتب الكاذبة

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: ثَلاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيْهِ لا يَكُونُ وَلِيًّا إِلَّا إِذَا طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْهُنَّ: الْحُمْقُ، والعُجْبُ، والبُخْلُ.

ولا يخفى أن الحمق نتيجته سوء الخلق، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ» [أبو داود: ٥١٦٢].

والعجب: هو استعظام الرجل عَمَلَ نفسِهِ، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيْتُ عَلَيْكُم مَا هَوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ العُجْبَ العُجْبَ» [البيهقي في الشعب: ٧٢٥٥، والقضاعي في مسند الشهاب: ١٤٤٧، والديلمي في الفردوس:٥١٢٦] كررها صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مرتين.

والبخل وهو الحرص، والشُّحُ، والتهالك على حطام الدنيا، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ، فَمَنْ كان سَخِيَّا أَخَذَ بِغُصْنٍ منها حتى يُدْخِلَهُ الجنَّة، والشُّحُ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ، فَمَنْ كان شَحِيْحَا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنها حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» [البيهقي في الشعب: ١٠٣٧٧].

وقال عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» [الترمذي: ١٩٦١].

فتدبر هذه الأخبار الصادقة يظهر لك ما قاله رضي الله عنه ونفعنا الله بعلومه من أن الأحمق، والمعجب بنفسه، والبخيل، لا يكون وليا؛ لأنَّ الولي لما كان من أحباب الله، يأبى الله أن يُخَلِّقَهُ بِخُلُقٍ يكرهه.

ألا ترى سيدنا الصيادي رضي الله عنه مع ما كان عليه من حسن الخلق، والتواضع، كيف كان أجود مِنَ المطر تَخَلْقًا بِخُلُقِ جده سيد البدو والحضر.

فقد روى الإمام الشعراني في مننه ما حاصله: "أن حلقة سيدنا السيد أحمد الرفاعي المشار إليه الله من إخوانه لورده ومجلس ذكره كل يوم كانت ستة عشر ألفًا، وكان يمد لهم السماط صباحًا ومساءً".

وقال صاحب (الترياق): كان السيد أحمد الرفاعي الله على جانب عظيم من سخاء النفس، وكرم الطبع، وما أشبهه بجده؛ فإنه كان يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ثقة بالله واعتمادًا عليه، وفيه أقول آخذًا معنى ابن رشيق في بيتيه المشهورين:

أعز روايات المكارم حجة *** وأصدقها قيلًا بأحسن مسند

حديث رواه السيل عن خير وابل *** عن البحر عن كف الرفاعي أحمد

ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنَا أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:

أَكْذَبُ النَّاسِ عَلَى اللهِ وَالخَلْقِ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنَ الخَلْقِ؛ كُلُّ الظُّلْمِ: التَّعَالِي عَلَى النَّاسِ الظُّلْمُ: حِرْصُ الرَّجُلِ عَلَى المَرَاتِبِ الكَاذِبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَمِنْهَا أَنْ يُحِبُّ الارْتِفَاعَ على أَخِيهِ بِكَلِمَةٍ أو جَلْسَةٍ لا حَقَّ لَهُ بِهَا؛ وَعَلَى ذَلِكَ تُقَاسُ الْمَرَاتِبُ.

أرشدنا أبو الهدى الصيادي قدَّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ أَنَّ إعجاب المرء بنفسه كَذِبٌ على الله والخلق، وذلك معنى قوله تعالى: {وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: ٢١].

فكأنه أسند إلى الربوبية بغير علم ولا هدى إعلاءه على غيره من الخلق الذين ربما كانوا عند الله كلهم أحسن منه، وأقرب منزلة، وأدنى مكانةً، فبرؤيته نفسه خيرًا من الخلق، افترى الكذب على الله والخلق، بل وعلى نفسه.

ولهذا أتبع سيدنا أبو الهدى الصيادي قوله المذكور بقوله: كُلُّ الظُّلْمِ: التَّعَالِي على النَّاسِ، ثمَّ صرح بأنَّ الظُّلم: هو حرص الرجل على المراتب الكاذبة، وأن يُحب الارتفاع على أخيه بكلمة، أو جلسة لا حق له بها.

وما أحسن هذا المعنى؛ لأنَّ الحرص على المراتب الكاذبة، وحبَّ الترفع على الناس، يأخذ بصاحبه إلى المناهج الدميمة، وربما يقوده غرضه للكذب والفساد، وإلقاء الفتن بين العباد، ومنع من يستحق، وجرح الأعراض بسهام الأغراض، وغير ذلك مما لا يكاد يُحصر من الخصال القبيحة حمانا الله والمسلمين.

الخلاصة

القرآن الكريم هو أصل الهداية ومجمع الحكم، ولا ينتفع به إلا من صفا سمعه وقلبه عن الغفلة والاعتراض، والرضا بالقضاء أصل الأمن والنجاح، وتزكية النفس لا تتحقق مع الكِبر والعُجب والتفاخر، بل مع التواضع والانكسار، فالحذر من التعالي وطلب المراتب الكاذبة، فيه سلامة السلوك، والولاية ثمرة للأخلاق المحمودة ومجاهدة النفس.

موضوعات مختارة