منهج العارف في تزكية النفس، وتحقيق المعرفة الربانية الكاملة، من خلال الجمع بين استقامة الباطن، وحسن المعاملة مع الخلق.
منهج العارف في تزكية النفس، وتحقيق المعرفة الربانية الكاملة، من خلال الجمع بين استقامة الباطن، وحسن المعاملة مع الخلق.
قَالَ أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:
رُوْحُ جِسْمِ الْمَعْرِفَةِ الانْتِبَاهُ الدَّائِمُ، والسَّرُّ السَّلِيمُ، والقَلْبُ الرَّحِيمُ، والقَدَمُ الثَّابِتُ.
بين سيدنا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: أن معرفة العبد بربه كالجسم، ولكن مجرد المعرفة به سبحانه وتعالى على ما عليه العامة من الإيمان بوجوده، والاعتراف بنوافذ أقداره لا يكون كافيًا في مقام المعرفة الكاملة؛ لتجرد ذلك الجسم من الروح التي تدبر أعضاءه، وتقوم بحركاته وسكناته، وقد جعل المؤلف روح جسم المعرفة مركبة من الانتباه الدائم: وهو دوام التفكر بآلاء الله تعالى، والتبري من الغفلة عن الله سبحانه.
والسر السليم أيضًا وهو سلامة النية في الأعمال من شوائب الرياء، والالتفات إلى الأغيار.
والقلب الرحيم: وهو القلب الذي أتحفه الله تعالى بالرحمة للخلق، والشفقة عليهم.
والقدم الثابت: وهو الإيمان الصادق الذي لا يشوبه الريب فيما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذا من اجتمعت فيه هذه الخصال، فقد أتحف الله جسم معرفته بروح قدسية تلحقه بالقوم العارفين بالله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ ولا يخفى أن الانتباه الدائم إنَّما يحصل من الخشية من الله تعالى، والخوف منه سبحانه.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض أدعيته المباركة: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيْكَ» [رواه الترمذي في "سننه" رقم ٣٥٠٢، والنسائي في "السنن الكبرى" رقم ۱۰۲۳٤، والحاكم في "المستدرك" رقم ١٩٣٤] ... إلى آخر ما قاله في دعائه المبارك.
وأما السر السليم: فهو اليقين الذي تهون به مصائب الدنيا، وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه من ربه.
وأما القلب الرحيم الخاشع الأواه: وهو الذي أشار إليه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قُلُوْبًا أَوَّاهَةً مُخْبِتَةً مُنِيبَةً فِي سَبِيْلِكَ» [رواه الحاكم في "المستدرك" رقم ١٩٥٧، (قُلُوْبًا أَوَّاهَةً): متضرعة أو كثيرة الدعاء أو كثيرة البكاء، (مُخْبِتَةً) خاشعة مطيعة متواضعة، (مُنِيبَةً): راجعة].
واستعاذ من عكسه صلى الله عليه وسلم فقال في بعض أدعيته: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ» [رواه مسلم رقم ٢٧٢٢].
ولما كان الخشوع من أشرف الخصال الناجحة المقربة إلى الله تعالى سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، واستعاذ من فقدانه، وعَرَّفنا عزَّة قدره، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ هَذِهِ الأُمَّةِ الْخُشُوعُ حَتَّى لَا يُرَى فِيْهَا خَاشِعًا» [ٍرواه الطبراني في "مسند الشاميين" رقم ١٥٧٩ عن أبي الدرداء، وعزاه السيوطي في "الجامع" للطبراني في "المعجم الكبير" رقم ۲۸۲۲، ورواه عن شداد بن أوس رضي الله عنه: الطبراني في "المعجم الكبير" رقم ۷۱۸۳، بلفظ: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخشوع»].
فإذا نظام روح المعرفة الانتباه، وسلامة السر، ورحمة القلب، وثبوت القدم في طريق الله على ما يرضي الله، وبعد المعرفة بالله، فالطريق إليه سهل، والوصول إليه جَلَّتْ قُدْرَتُهُ بتوفيقه هين، والمحجة البيضاء شريعة حبيبه سيد الأنبياء واضحة السبيل لا ضلال بعدها أبدًا.
ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:
مِنَ الحِكْمَةِ: أَنْ تُوْدِعَ المَعْرُوْفَ أَهْلَهُ، وَمِنَ الصِّدْقِ: أَنْ لَا تَمْنَعَهُ غَيْرَ أَهْلِهِ، وثَمَرَةُ الصَّنِيْعَيْنِ مِنَ اللَّهُ تَعَالَى.
إِذَا أُوْدِعْتَ مَعْرُوفَا فَلَا تَكْفُرُهُ؛ فَإِنَّهُ ثَقِيلُ عِنْدَ اللَّهُ.
مَا أَفْلَحَ مَنْ دَسَّ، ولا عَزَّ مَنْ ظَلَمَ، ولا يَتِمُّ حَالٌ لِبَاغٍ، وَلَا يُخْذَلُ عَبْدٌ رَضِيَ بِاللهِ وَكِيْلًا وَنَصِيرَاً.
مُشَكِّكٌ لا يُفْلِحُ، ودَسَّاسٌ لا يَصِلُ، وَبَخِيْلٌ لا يَسُودُ، وَحَسُوْدٌ لَا يُنْصَرُ، وكَلْبُ الدُّنْيَا لَا يَسْتَوْلِي عَلَى لَحْمِ جِيفَتِهَا؛ وَاللَّهُ مُحَوِّلُ الْأَحْوَالِ.
غَارَةُ الله تَقْصِمُ وتَقْهَرُ، وتُدَمَّرُ وتَفْعَلُ، وَتَقْلِبُ حَالَ مَمْلَكَةٍ كِسْرَوِيَّةٍ لِكَسْرِ قَلبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ انْتَصَرَ بِاللَّهِ.
أراد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ بقوله: مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ تُوْدِعَ المعروف أهله؛ أي: من الحكمة العقلية التي يطمئن إليها الطبع، وتسكن لها النفس، إيداع المعروف أهل الاستحقاق الذين يعرفون قدره، ويقومون بواجبات شكره.
وأراد بقوله: ومن الصدق أنْ لا تَمَنَعَهُ غَيْرَ أهْلِهِ؛ أي: ومن الصدق مع الله سبحانه وتعالى أن تودع المعروف عباد الله المستحق منهم، وغير المستحق لا لجزاء ولا لشكر، بل لله جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وأن تطلب ثمرة الصنيعين اللذين هما إيداع المعروف عند المستحق وغيره من الله تعالى.
ويناسب هذا المعنى قول القائل:
يد المعروف غنم حيث كانت *** تحملها كفور أو شكور
ففي شكر الشكور لها جزاء *** وعند الله ما كفر الكفور
وألزم سيدنا المؤلف بالاعتراف بالمعروف فقال: "إِذا أُوْدِعْتَ مَعروفًا فَلا تَكْفُرهُ هذا إن كان المعروف كثيرًا أو قليلًا".
وكفر المعروف: تغطيته وستره وكتمانه، وسر هذه الحكمة مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُوْدِعَ مَعْرُوفًا فَلْيَنْشُرْهُ، فَإِنْ نَشَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير" رقم ۲۱۱ عن طلحة، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" رقم ٨٣٦، ولفظهما: «مَنْ أُولِي مَعْرُوفًا فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ».
وروى أبو هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ» [رواه أبو داود في "سننه" رقم ٤٨١١، وأحمد في "المسند" رقم ٧٩٣٩].
وما أحسن قول القائل:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد *** لعِزَّةِ مُلْكِ أو عُلُو مكان
لما أمر الله العباد بشكره *** فقال: اشكروا لي أيُّها الثقلان
وقال قُدِّسَ سِرُّهُ: ما أَفَلَحَ مَنْ دَسَّ، الدَّسُ: من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء.
بين رضي الله عنه أن استعمال الدسيسة المضرة للناس المذمومة في الدين: قاطعة لأسباب الفلاح، وموجبة للخيبة والعياذ بالله قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠]؛ أي: قد أفلح من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة، ومجانبة المعصية؛ وقد خاب من دساها؛ أي: من دس نفسه في الفجور، أو دس نفسه في الصالحين وليس منهم، أو اشتغل بالمعاصي ودس أفعاله أو أخفاها عن الناس ليظهر لهم صلاح حاله حياء منهم، مع عدم الحياء من الله.
وقال: ولا عز من ظلم، أي: لا يصل إلى مقام العزة المقبولة عند الله المحبوبة لدى النفوس من ظلم، أي: من غير الموضوعات عن مواضعها، فوضع الشيء في غير موضعه، وعدا على الناس.
وقد ورد أن أعظم دليل على سلب الإيمان – والعياذ بالله – كثرة ظلم أهل الإيمان، وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» [رواه مسلم رقم ٢٥٧٧].
وقال صلى الله عليه وسلم: «الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانَهُمْ فِي النَّارِ» [رواه الديلمي في "مسند الفردوس" رقم ٤٠٠٠].
وقول الشيخ رضي الله عنه: ولا يتم حال لباغ، مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَدُكَ البَاغِي مِنْهُمَا» [أخرجه ابن الدنيا في "ذم البغي" عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً رقم ٧، وابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" ص٦٣، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم ٦٢٦٦].
وقوله: ولا يخذل عبد رضي بالله وكيلًا ونصيرًا، يؤيده ما قال عون بن عَبْدِ اللَّهِ بْن عُتْبَة: كَانُوا يَتَوَاصُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ يَكْتُبُ بِهَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: «مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» [رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم ٣٤٩٨٨، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" ٤/٢٤٧ ].
وقوله تعالى عزَّ مِنْ قائل: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ﴾ [الطلاق: ٣].
وقد أتبع سيدنا المؤلف كلامه الذي ذكر بقوله: مُشَكِّكٌ لَا يُفْلِحُ، وَدَسَّاسٌ لا يَصِلُ، أراد بذلك أن من كان على شك وريبة في أمره مع ربه لا يفلح أبدًا؛ لأنَّ الفلاح مشروط بتزكية القلب، وطهارة النفس، قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس: ٩].
والدَّسَّاس الذي يدس نفسه في زمرة الصالحين وأهل الحق ليس منهم، لا يصل إلى حضرة الحق، ولا يُحسب من أهل الحق، وأنى يكون له ذلك والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ تَزَيَّنَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ وَهُوَ لا يُرِيدُهَا وَلَا يَطْلُبُهَا لُعِنَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» [رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" كما في "الجامع الصغير من حديث البشير النذير" للسيوطي رقم ٨٥٩٢].
وقوله رضي الله عنه: وبَخِيلٌ لا يَسُودُ، وحسودٌ لا يُنْصَرُ، صريح المفاد، ثابت المعنى عقلًا ونقلًا على أن السيادة لا تتم لبخيل على قوم، ويؤيد ذلك ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» [رواه الترمذي في "سننه" رقم ١٩٦١].
ويكفيك في هذا البحث قوله تعالى: ﴿وَلَا یَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ یَبۡخَلُونَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَیۡرࣰا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرࣱّ لَّهُمۡۖ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٨٠].
فإذا مَنْ كان بعيدًا عن الله لا تتم له سيادة على الناس، وأما الحاسد، فهو أقبح من البخيل؛ لأن البخيل يمنع ماله، ويقطع نفعه عن الناس، والحسود يغضب إذا انتفع الناس من الناس، ولا يكتفي بذلك، بل يريد زوال نعمة الله عن محسوده.
وإذًا من كانت هكذا سريرته ساءت بين الناس سيرته، ومن ساءت سيرته، قل شاكره، وعز ناصره، والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوا» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير" رقم ٨١٥٧]، وقال عليه الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيْسَ مِنِّي ذُو حَسَدٍ...» [رواه الديلمي في "مسند الفردوس" رقم ٥٢٧٩].
وقوله قُدَّسَ سِرُّهُ في بقية كلامه: وكلب الدُّنيا لا يستولي على لحم جيفتها؛ شبه الدنيا بالجيفة المنتنة، وطالبها الحريص عليها بالكلب، إشارة لما ورد في الأثر وهو: "الدُّنْيَا جِيْفَةٌ، وَطُلابُهَا كِلابٌ" [رواه أبو نعيم في "الحلية" موقوفاً عن سيدنا علي رضي الله عنه: ٨/٢٣٨]؛ وإيضاحًا للمغرور بالأيام، الحريص على الحطام أنَّ إمكانه دون طلبه؛ لأنَّ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَيَبْنِيهَا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»- [رواه الإمام أحمد في "المسند" رقم ٢٤٤١٩، بلفظ: «...وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»]- كما جاء في الخبر، كيف لا، وأيامها زوال، ولياليها تمر كالخيال.
ويعجبني من هذا المعنى قول سُوَيْد بن عامر المُصْطَلِقي- الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَدْرَكْتُهُ لأَسْلَمَ بنا»- نصه:
«لا تَأْمَنَنَّ وَإِنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَم *** إِنَّ الْمَنَايَا بِكَفَّيْ كُلِّ إِنْسَانِ
وَاسْلُكْ طَرِيقَكَ تَمْشِ غَيْرَ مُخْتَشِعِ *** حَتَّى تُلاقِي مَا يُمَنِّي لَكَ الْمَانِي
فَكُلُّ ذِي صَاحِبِ يَوْمًا مُفَارِقُهُ *** وَكُلُّ زَادٍ وَإِنْ أَبْقَيْتَهُ فَانِي
وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ *** بِكُلِّ ذَاكَ يَأْتِيكَ الجَدِيدَانِ» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير" رقم ١٠٤٩، بلفظ: «لَوْ أَدْرَكَنِي هَذَا لَأَسْلَمَ»].
وانظر ما ألطف قول الشيخ رضي الله عنه: واللهُ مُحَوِّل الأحوال، فإنَّ هذه الكلمات أنت بعد الجملة الأولى مؤكدة لمعانيها، مشيدة لمبانيها.
وأتبعها بقوله: غارة الله تقصم؛ أي: تقد، وتقطع، وتقهر، وتدمر، وتفعل كل أفعال القهر والبطش تعززًا وانفرادًا بالقدرة والطَّول، والقوة والحَوْل، وتقلب حال مملكة كسروية من العز والشوكة، والرفعة والمكنة إلى الخزي والذل بسبب كسر قلب عبد اعترف بعبديته، منقطع عن الأغيار لسيده، مؤمن متوكل بصدق الإيمان على الله، وقد انتصر متجردًا عن حوله وقوته بالله، ولا يبعد ذلك على قدرة الله إنَّ رَبَّك على كل شيء قدير.
إن كمال الإيمان يتحقق بامتزاج الخشية الباطنة بالرحمة الظاهرة، والتحرر من أغيار النفس وشكوكها. والمسار الصحيح للوصول إلى الله يقتضي تطهير السريرة من الآفات السلوكية كالبخل والظلم والتحاسد، فمن استقام قلبه، وثبتت قدمه في طريق الشريعة، تولاه الله بنصره، وحماه بغارته من كيد الكائدين.
تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله ﷺ .
جواهر السلوك في "قلائد الزبرجد"، في استقامة السرائر لا تُستر برداء الرياء.
تأنف نفس العارف عن الانشغال بكل ما سوى الله، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟