Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فناء الدعاوى وتجريد الافتقار لله تعالى من حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

فناء الدعاوى وتجريد الافتقار لله تعالى من حكم الإمام الرفاعي

نبذ الدعاوي النفسية والرئاسات الوهمية والرجوع إلى حقيقة الافتقار الكامل للخالق سبحانه من أخلاق أهل الله تعالى، ومنهج السلوك القويم القائم على العلم والتواضع وتفويض الأمور للفعال المقتدر الذي بيده مقاليد كل شيء من أخلاقهم.

كذب الدعاوى وحقيقة العجز البشري

قَالَ أبو الهدى الصيادي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: كُلُّ دَعْوَاكَ كَاذِبَةٌ، وَكُلُّ رِئَاسَتِكَ وَغِرَّتِكَ هَزْلُ، القَوْلُ الفَصْلُ: ﴿قُلۡ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ﴾ [النساء: ٧٨]، وأوضح رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ فِي جُمَلِ حِكَمِه هذه أنَّ مَنِ اعتصم بالله ملتجئًا إليه منحرفًا عن غيره صار جليلًا عند الله والناس، ومن اعتمد على غير الله منقطعًا عن طريق الاعتصام بالله صار ذليلا عند الله والناس، ومن استغنى بالأغيار مترفعًا عن رتبة الافتقار إلى الله تعالى ابتُلي بالقلة، ومن اتبع برأيه غير طريق الرسول ﷺ وهو السُّنَّة السنية، والشريعة الأحمدية، فقد تاه عن طريق الصواب، وصار من أهل الضَّلالة، وهذا لا يكون إِلَّا مِنَ الجهل.

العلم والهمة وأدب الاعتصام بالله

ولذلك قال أبو الهدى رضي الله عنه: العلم نور يهتدي به العبد إلى سبيل الرشاد، والتواضع غايته سرور لكونه من الأسباب الموصلة إلى العلم، وقد ورد بما معناه: "إنَّ العلم يُذبَحُ أو يضيعُ بين الكبرِ والحياء؛ فإِنَّ المُتَكَبِرَ تَعْظُمُ عليهِ نَفْسُهُ أَنْ يَسأَلَ لِكِيْلا يُجَهَلَ، والْمُسْتَحِي يَمْنَعُه خَجَلُهُ عَنِ السُّؤَالِ، فَلَا يَصِلُ إِلى مَقصَدِهِ مِنَ العلم".

وقال: الهمة، وهي: الجزم الصحيح، والنية الخالصة حالة الرجل مع الله، وبها يحصل التفاوت في علو مرتبة الإيمان، فمن أيقن وتحقق أنَّ الله تعالى هو الفعال المطلق، وغيره لا فعل له صرف همته، وحول جزمه ونيته عن النظر إلى غيره؛ فإنَّ من علت في الله همته، وانحرفت عن الأغيار بالكلية نيته، صحت إلى الله عزيمته، وثبتت مع المقربين منزلته، وانفصلت عن غير الله هجرته؛ فإِنَّ «مَنْ كانَتْ هجرَتُهُ إلى الله وَرَسُوْلِهِ...» [البخاري: ٥٤، ومسلم: ١٩٠٧] كما ورد في الحديث الصادق.

ولا ريب فإنَّ مائدة الكرم ووليمة الإحسان يدعى إليها، ويجلس عليها البر والفاجر، والأصاغر والأكابر، ولله سبحانه وتعالى عند الخواتيم ونهايات الآجال حنان وعطف، وكرم ولطف على عباده فوق حنان الوالدة الشفيقة على ولدها الصالح، وإنَّ الله إذا وهب عبده نعمةً، وأتحفه من إحسانه خصيصةً ما استردها؛ لأنَّ فيوضات المواهب الإلهية فوق مدارك العقول السليمة، وتصورات الأوهام، ومدارج الخواطر.

فمَنْ عَلِمَ أَنَّ الله يفعل ما يريد، ولا راد لأمره، ولا منازع لحكمه، فَوَّض الأمر إلى الفعّال المقتدر المتصرف في ملكه كيف شاء، وفرش جبينه إذعانًا وانقيادًا على تراب التسليم للحكم الحكيم؛ لأن كل الحقائق القائمة مع الخلائق إذا انجلت وانكشف غطاؤها، يُقرأ في صحائفها ويشهد في كل لوح من ألواحها رسم الأمر الإلهي المنجلي فيه سطر: ﴿كُلُّ شَیۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ﴾ [القصص: ۸۸].

فبعد ذلك، وقبل أن تصل إلى كشف هذه المسالك إذا أمعنت النظر معتبرًا في دوائر الأكوان، وعوالم الذرات والإنسان رأيت العجز محيطًا بها من كل جانب، والافتقار قائمًا معها في جميع التقلبات والمذاهب، ولربك الحول والطول، والقوة والبقاء، والغنى والقدرة، وحده لا شريك له.

واعلم أن مزالق الأقدام: الدعوى العريضة، ورؤيا النفس وأعمالها، ومعارضة الأقدار بالاعتراض عليها، ولو كان لك ما ادعيت أيُّها المدعي، وثبت لك ما نسبته لنفسك من الحول والقوة والقدرة، لما تحوّل حالك من الصغر إلى الكبر، ومنه إلى الهرم ولما مِتَّ، وتَحوَّلْتَ من الوجود إلى العدم.

أين أنت يا عبد الرئاسة المستغرق الأوقات بلذاتها الفانية؟

أين أنت يا عبد الدعوى المشغول بأوهامها الواهية؟

أنت على غِرَّةٍ، تنح وتباعد عن رئاستك الفانية، وغرتك الواهية، والبس ثوب عبديتك لربك، وتردى برداء ذلتك له بلسانك وقلبك؛ فإنَّ كل دعواك الوصل والقطع والفتق والرتق كاذبة، وكل رئاستك بوهمك وغرتك بوقتك وجسمك هزل، فالقول الفصل المستجمع لكل فضل: ﴿قُلۡ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ﴾ [النساء:٧٨]، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولا يخفى أن ما أورده رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ في هذه الجمل المباركة من الحكم الفائقة والمعاني الرائقة، مُؤيَّد بكثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية غَنِيٌّ فيه المقام عن الإيضاح، وقد أوردت ما يناسب بعض مقاصده صلى الله الكريمة في قصيدة لي تخلصت فيها بمدح النبي ﷺ وهي:

هون عليكَ أُخَيَّ فَالأَيَّامُ *** مهما اسْتَطَالَ مَطَالُهَا أَحلامُ

واصْبِرْ لِغُصَّتِهَا فَآيَتُهَا وَإِنْ *** ضَاقَتْ مَدَارٌ ما لَدَيْهِ دَوَامُ

كادَتْ تُشَابِهُ إِبْرَةَ الفَلَكِ الَّتِي *** ثَبَتَتْ ودارتْ حَوْلَها الأَجْرَامُ

تَجْرِي لِغَايَةِ مُسْتَقَرٌّ شَمْسُها *** فَيَحُفُها عند العمود ظَلام

قد كُوِّرَتْ لفًا ودارت أرضها *** والنَّاسُ بِالشَّبْرِ البَسيط نِيَامُ

ما أعجب الْمَهْدَ الَّذِي خَفَّتْ على *** مقدارها في دورها الأعلام

هو كالسَّرِيرِ تَهُزُّهُ مِنْ نَفْسِهِ *** كُرَوِيَّةُ البرهان وهو مُقام

خُذ منه فيما صارَعَتْكَ يدُ النَّوى *** معنى فَعَلَّ تُذِيعُهُ الأقلام

قد يحسبُ النَّاسُ الجِبَالَ جوامدًا *** ومرورها للنص فيه نظام

فاصبر لَعَمْرُكَ فَالزَّمانُ حوادث *** تَمْضِي ورأس المال فيه كلام

خبر يطيب وعكسه فأصلح به *** شأنًا إذا ذَكَرَ الشَّؤونَ كِرام

واجعل لشمس الروح قطبًا ثابتًا *** يرضى بما يقضي به العلام

واقْرَأْ إِذا أَرَّخْتَ نفسكَ ذكرها *** فرحًا بما نسجَتْ لك الأرقام

فلأنت عَالَمُ كل شيء ثابت *** شكلًا وشَكْلُكَ هيكل لَمَّامُ

من كل زوجين المثال ونوعها *** بك صبغة حارث بها الأفهام

کم آدم من قبل آدمك انطوى *** نصًا وأنت تغرك الأوهام

منها خلقناكم تتمة آيِهـا *** يُخبرك كيف تسلسل الأجسام

فاشهر إذا نام الخَلِيُّ لحكمة *** يُعلي شرافَةَ مَجدِها الأحكام

وافتح مِنَ القرآن كنز معارف *** فالدين عند الخالق الإسلام

وخذ الرَّسُولَ وسيلةً فَمَنِ التجا *** لرحابه المعمور ليس يُضَامُ

الخلاصة

إن جوهر الطريق يقوم على تحطيم الأصنام النفسية، واليقين بأن الله هو المتصرف الوحيد في ملكه، مما يورث العبد طمأنينة الرضا بالتسليم، ويؤكد أن العلم والتواضع هما جناحا السلوك الموصلان إلى مقام المقربين، بينما الدعاوى العريضة هي مزالق الأقدام التي تورد الهلاك، وختامًا، يظهر أن الفلاح في اتباع السنة الأحمدية والاعتصام بالوحي، فكل ما يشهده الكون من تدابير هو رسم للأمر الإلهي النافذ.

موضوعات ذات صلة

مع حكم الإمام الرفاعي نأخذ العبرة من حقيقة الدنيا، مُبينةً أن حبها علامة على الحجب والابتلاء.

 تأنف نفس العارف عن الانشغال بكل ما سوى الله، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟

استقامة السرائر لا تُستر برداء الرياء، فشأن الواصل السكون عند تجلي العظمة والاشتغال بالمُكرم عن الكرامة.

موضوعات مختارة