ثم قال بعد قوله تخلق بخلق نبيك: كن
لَيِّن العَرِيكَة... إلى آخر ما قال، وإفادة ذلك أن كل ما ذكره كان من أخلاقه عليه
الصَّلاة والسَّلامُ فقد ثبت أنه عليه الصَّلاة والسلام: كان لين العَريكة، حسن
الخلق، بل أحسن النَّاس خُلقًا، وكان حسن العِشرة، كثير الأدب، سخي الكفّ.
قال
البخاري: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لا. [البخاري: ٢٢٩٦،
ومسلم: ٢٣١١ واللفظ له].
وقال
ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُما: كَانَ أَجْوَدَ مِنَ الرِّيحِ
الْمُرْسَلَةِ. [البخاري: ٦، ومسلم: ٢٣٠٨].
وعن
أنسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ
غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وقَالَ: أَسْلِمُوا، فَإِنَّ
مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَاقَةَ.
[البيهقي في دلائل النبوة: ١/٣٢٧].
وأعطى
غير واحد مائةً من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة [مسلم: ١٠٦٠]، وهذه كانت حاله صلى الله عليه وسلم.
وقد
رد على هوازن سباياها، وكانوا ستة ألاف. [عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ
عُرْوَةُ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ،
أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حِينَ
جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ
أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا
إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ
اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ»، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ،
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا
نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا
بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي
قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ...» (البخاري: ٢٣٠٧)].
وأعطى
العباس من الذهب ما لم يطق حمله. [عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنَ
البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ» وَكَانَ أَكْثَرَ
مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ،
فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا
إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:
أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذْ» فَحَثَا فِي
ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: «لاَ» قَالَ:
فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ» فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ
يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ،
قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ»
فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ
انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتْبِعُهُ
بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا - عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ - فَمَا قَامَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ (البخاري: ٤٢١)].
وحُمل
إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلًا حتى فرغ
منها، وجاءه رجل فسأله، فقال: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ،
فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ»، فقالَ لَهُ عمرُ : ما كَلَّفَكَ
اللَّهُ مَا لَمْ تَقْدِرْ عَليهِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى
عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذلك، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُوْلَ اللهِ،
أَنْفِقْ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلالا، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ البشر في وجهه، وقال: «بِهَذَا
أُمِرْتُ».
قال
أنس رضي الله عنه: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ"
[الترمذي: ٢٣٦٢].
والأخبار
الواردة في ما له صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الْجُودِ والكرم
مشهورة عند العرب والعجم، معروفة عند سائر الأمم، وقد عقدت لها بابًا مختصرًا في
كتابي (ضوء الشمس).