Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قصة فتح مدينة سمرقند

الكاتب

أ.د. عبدالحكيم الصعيدي

قصة فتح مدينة سمرقند

تتجلى عظمة الإسلام في تقديم العدل على الغزو، وقصة سمرقند خير شاهد؛ حيث أمر عمر بن عبد العزيز بانسحاب الجيش لتصحيح خطأ إجرائي، مما فتح القلوب للإيمان قبل البلاد.

توجه الجيش الإسلامي لفتح مدينة سمرقند

إن الدين الإسلامي الحنيف، يأمر أتباعه بالتزام مقررات العدل مع الغير، ولا يقبل التجاوز في ذلك ولا التهاون في شيء منه، حتى ولو كان ذلك للصالح العام على ما يبدو للبعض، فالحق أبلج، والباطل لجلج.

لقد حدث في خلافة عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ أن توجه الجيش الإسلامي لفتح مدينة سمرقند، وهي مدينة في الجبهة الشرقية، على حدود العراق فيما يلي فارس، وكانت التعليمات التي أرساها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن جاء من بعده من الخلفاء الراشدين وغيرهم، أن على جيش المسلمين إذا بلغ منطقة من المناطق ألا يقاتل أهلها إلا إذا عرض عليهم الإسلام أولا، فإن أسلموا فيها ونعمت، وصار لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم من ساعتها، وإن لم يقبلوا الإسلام يعرض عليهم أن يتركوا على دينهم في مقابل أن يدفعوا الجزية للمسلمين في مقابل حمايتهم لهم، فإن قبلوا ذلك فيها، وإلا فإنه يعلنهم بالقتال، وتكون نتيجة الحرب هي الفيصل بين الفريقين، ولكن القائد المكلف بفتح سمرقند لم يلتزم بهذه البنود، وإنما فتحها بطريقته هو، وفوجئ عمر بن عبد العزيز بوفد من أهل سمرقند قد جاءوا إليه بالمدينة، وشكوا إليه القائد الذي فتح بلدهم بطريقة غير مشروعة، كما هو المعروف في الفتوحات الإسلامية، والذي أشرنا إليه من قبل، ذلك لأن هذا القائد لم يدعهم إلى الإسلام أولا، وإنما فتحها عليهم عنوة.

دخول أهل سمر قند في الإسلام

ليست عظمة الإسلام في اتساع رقعته الجغرافية، ولا في سرعة انتشاره بين الأمم، وإنما تتجلى حقيقته في العدل الذي يسبق الدعوة، والحق الذي لا يُضحّى به ولو كان الثمن مكسبًا عظيمًا، فكم من انتصار ظاهري قد يخفي في طيّاته خسارة للمبادئ، وكم من موقف أخلاقي صعب كان سببًا في فتح القلوب قبل البلاد، ومن أروع الشواهد على ذلك موقف الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في قضية دخول أهل سمرقند في الإسلام؛ حيث قُدِّم الحق على السياسة، والعدل على المصلحة، فكان النصر الحقيقي الذي لا يزول، والنتيجة قد جاءت لصالح الإسلام، يعني دخول مدينة كبيرة في الإسلام، وهذا مكسب عظيم، فماذا يفعل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يا ترى؟ هل ينظر إلى هذا المكسب السريع، ويقوم بتطييب خاطر الوفد على غرار الطرق السياسية والدبلوماسية المتبعة في مثل هذه الظروف، أم يقوم بمعالجة الموقف بصورة صحيحة، حتى ولو تغير وجه الأمر إلى غير ذلك؟؟! إن عمر في حصافة رأيه نظر في المسألة، فوجد أنه إن طيب خاطر الوفد ولم يجر تحقيقًا في الموضوع فإن الخسارة ستكون فادحة؛ لأنها تعني ضياع هذا المبدأ الذي أرساه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفاؤه الراشدون، وإن أجرى تحقيقًا جادًا في من الموضوع فسيكون الخير فيه والبركة، فما كان من عمر إلا أن عيّن قاضيًا ينظر في هذه الواقعة ويقضي فيها بما يرى، فتوجه القاضي إلى سمرقند وأجرى التحقيق المطلوب، فاتضح له أن جيش المسلمين فتح هذه المدينة عنوة (بالقوة)، فهداه الله إلى حكم الصواب، حيث أمر قائد الجيش أن يخرج بجيشه من هذه المدينة، ويعسكر على حدودها، وأن يعرض عليهم الإسلام بطريقة صحيحة، وفعلًا نَفَّذ القائد هذا الحكم بصورة دقيقة وواقعية، فلم يكن ذلك نوعًا من التمثيل، فما كان من أهل هذه المدينة إلا أن دخلوا في الإسلام عن طريق الرضا والاختيار لما رأوه من سماحة الإسلام وعدله في التعامل معهم.

إن هذه الصورة الناصعة البياض لا نظير لها في تاريخ الدنيا، لا في القديم ولا في الحديث، ولن تتكرر هذه الصورة إلا في دنيا المسلمين، وهي وإن دلت فإنما تدل على فرط التسامح، والمعاملة الرحيمة لكل خلق الله، وهي من قبل ومن بعد تدل على الأسس الثابتة التي شيدت عليها الحضارة الإسلامية الأصيلة.

الخلاصة

إن قصة فتح سمرقند هي وثيقة خالدة تُثبت أن العدل في الإسلام لا يُجزأ ولا يخضع لسياسة المكاسب الآنية، حتى لو كان التهاون في إجراءات الفتح يُحقق مصلحة عسكرية، لقد فضّل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن يخسر الفتح العسكري المؤقت على أن يُفسد مبدأ العدل الذي هو جوهر الدين، وأن يُعاد فتح المدينة بالرضا والاختيار بعد الإنصاف، هذا الموقف رسّخ صورة الإسلام كدين سماحة وإحسان.

 

موضوعات ذات صلة

من قيود العبودية إلى عرش السلطنة، ملوكٌ سحقوا المغول وحموا حمى الإسلام لقرون.

بين سيف خالد وسماحة أبي عبيدة، فُتحت دمشق لتسود العدالة قبل القوة.

زلزال الزلاقة: حين أنقذ المرابطون الأندلس من فك الضياع في اللحظة الأخيرة.

موضوعات مختارة