وكما اختلفت المصادر التاريخية في تاريخ
وقوعها اختلفت كذلك في تحديد مكانها، فذهبت المصادر المصرية كابن عبد الحكم وابن
تغري بردي إلى وقوعها بالغرب من الإسكندرية، فنرى ابن عبد الحكم يذكر
كيف أن عبد الله بن سعد ذكَّر جنوده هجوم الروم: "بُلِّغْتُ أن هرقل
قد أقبل إليكم في ألف مركب"، وهو ما أكده صراحة ابن تغري بردي بقوله: "غزوة
ذات الصّواري البحرية في ناحية الإسكندرية"، وعلى هذا جرت معظم
المراجع الحديثة والمعاصرة، ومن أشهر أعلام هذا الاتجاه، الدكتور حسن إبراهيم،
والدكتورة سعاد ماهر، التي حددت مكان المعركة وأنه بناحية مرسى مطروح.
وفي المقابل ذهبت بعض الآراء الغربية إلى أن
هذه المعركة وقعت في آسيا الصغرى؛ فيقول (أرشيبالد لويس) عن السفن
العربية: إنها أقلعت من شواطئ سوريا قرب موضع يقال له فونك، ويقول في موضع آخر:
ومما يلفت النظر أن المكان الذي دارت فيه هذه المعركة، وهو ساحل الأناضول يزدحم
بغابات السرو الكثيفة، وهو الشجر المستخدم في صواري السفن، وهو الرأي الذي يذهب
إليه (يوليوس فلهوزن) حيث ذكر أنها كانت قرب شواطئ لوقية. [النجوم الزاهرة، ط. الهيئة العامة للكتاب، القاهرة].
وقد مال إلى هذا الرأي كل من الدكتور محمد
فتحي عثمان، والدكتور عبد الهادي شعيرة، فالمعركة دارت في آسيا الصغرى
بوجه عام، وإن كان محمد فتحي عثمان يرى أنها كانت بالتحديد عند جزيرة رودس،
في حين يرى د/ شعيرة أنها كانت عند جزيرة أرواد. [أنظر: تحصيل ذلك في الحدود الإسلامية البيزنطية، ص٢ – ٣٠، ط. دار
الكاتب العربي]، والذي نراه أنها كانت ناحية الإسكندرية، وذلك للأسباب
التالية:
(أ) قول ابن عبد الحكم، وكذا ابن
تغري بردي وهما من أهل مصر؛ فيكونان بحسب الظاهر أعرف بما جرى في بلادهما.
(ب) أن البحرية الإسلامية كانت في أول
عهدها، رغم أنها قامت ببعض المهام الناجحة تجاه جزيرتي قبرص وكريت؛ بينما كانت
البحرية البيزنطية عريقة، فليس من الميسور أن تخرج البحرية المصرية في أول عهدها
للهجوم على السفن البيزنطية في عقر دارها.
(ج) قلة عدد السفن الإسلامية مقارنة بالسفن
البيزنطية؛ الأمر الذي يعني أنها كانت في موقف الدفاع لا الهجوم.
(د) أن خطة عبد الله بن سعد في
تقسيمه الجيش إلى نصفين أنزل أحدهما إلى البر؛ تحسبًا لنزول الروم إلى البر، يؤكد
أن المعركة كانت بالقرب من الإسكندرية، وأنه كان من المتوقع أن يجعلها البيزنطيون
معركة برية.