Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بلاد ما وراء النهر

الكاتب

أ. د/ عبد المجيد أبو الفتوح بدوي

بلاد ما وراء النهر

شهدت بلاد ما وراء النهر تحولات كبرى مع الفتح الإسلامي بقيادة قتيبة بن مسلم، حيث امتزج السيف بالعلم لنشر الحضارة، وكان لهذا الفتح الأثر البالغ في ترسيخ الإسلام، وإشعاع الثقافة الإسلامية في تركستان وسمرقند وما جاورهما.

التعريف ببلاد ما وراء النهر

التحديد الجغرافي: ما وراء النهر مصطلح جغرافي أطلقه العرب المسلمون على الولايات الواقعة شمالي مجرى نهر (جيجون)، ويشتمل على أقاليم هامة مثل: (الصغد)، (وفرغانة)، و (الشاش)، و (طشقند)، (وأشروسنة)، و(الختل) وغيرها من الولايات والمدن، وهي جزء من التركستان الغربية، ومع ذلك لم يتفق الجغرافيون المسلمون على تحديد جغرافي دقيق لهذا الإقليم؛ فبعضهم توسع فيه فضم إليه بعض الأقاليم الموجودة خارجة مثل ابن حوقل، الذي رأى أن إقليم خوارزم يقع ضمن إقليم ما وراء النهر؛ لأنه أقرب إليه من قربه إلى خراسان، حيث ينحدر نهر جيحون إلى هذا الإقليم قبل أن يصب في البحيرة المنسوبة إليه (بحيرة خوارزم) (بحر أورال).

أما ياقوت الحموي: فاعتبر إقليم خوارزم إقليمًا قائمًا بذاته لا هو تابع لما وراء النهر ولا إلى خراسان، ورأى أن إقليم ما وراء النهر يشمل المناطق الواقعة في شرقي نهر جيحون في الجنوب حتى حوض نهر (سيحون) في الشمال، وقد كان هذا الإقليم يطلق عليه قبل الفتح الإسلامي إقليم (الياطلة)، ويتضح مما أوردناه أن الجغرافيين المسلمين لم يتفقوا على تحديد جغرافي دقيق لهذا المصطلح، فبعضهم توسع فيه حتى أدخل فيه بعض البلدان التي تقع في إقليم خراسان لكنها موجودة على الشاطئ الغربي لنهر جيحون أو قريبًا منه، وبعضهم قصره على المنطقة المحصورة بين النهرين: (جيحون) و(سيحون)، ويبدو أن التقسيمات الإدارية والتوسعات في المناطق المجاورة من جانب حكام هذا الإقليم قد حكمت تصورات بعض الجغرافيين في رسم حدود هذه المنطقة، وهي المشكلة التي واجهت المستشرق المجرى (أرمنيوس فامبري) في كتابه عن تاريخ الإقليم، فآثر أن يختار له عنوانًا يخرجه من كل هذه الإشكالات فسمَّاه: (تاريخ بخارى) باعتبار أن بخارى غالبًا ما كانت حاضرة هذا الإقليم وعاصمته، وأبسط تحديد جغرافي لهذا الإقليم وجدناه عند المستشرق الروسي: (بارتولد) في كتابه (التركستان) موسوعة التاريخ فيقول: "ما وراء النهر هو الاسم الذي أطلقه العرب على المنطقة المتحضرة الواقعة بين حوضي نهر أمودريا (جيحون) وسير داريا (سيحون)، ولم تكن هذه المنطقة وفقًا لمفهوم الجغرافيين المسلمين تدخل ضمن مصطلح (التركستان)؛ لأن هذا المصطلح الأخير كان يُقصد به بلاد الترك عامة، وهي منطقة مترامية الأطراف تمتد بين الصين وبلاد الإسلام، ويقطنها بدو رحل من الترك والمغول".

وبناء على ذلك كله نستطيع أن نحدد: بأنه الإقليم الذي يقع بين حوضي: نهر جيحون جنوبًا ونهر سيحون شمالًا، وهذا الإقليم هو الجزء المتحضر المستقر من منطقة التركستان عامة، وعُرف فيما بعد باسم: تركستان الغربية في مقابل الجزء الشرقي الذي تحتله الصين.   

وأشهر مدن هذا الإقليم: بخارى وسمرقند، ولأن هذا الإقليم يقع شمالي الدولة الفارسية، فإن معظم سكانه قبيل القرن السادس الميلادي كانوا من الفرس، ثم بدأت هجرات العناصر التركية تنحدر إليه من الشرق منذ القرن السادس الميلادي وما بعده حتى غلب العنصر التركي على العنصر الفارسي، ومع ذلك فقد ظلت اللغة الفارسية لغة الكتابة والثقافة والعلم والأدب فترة من الزمان، وبقيت اللغة التركية لغة التخاطب والتعامل اليومي بين الناس، والديانات التي كانت موجودة في الإقليم قبل الفتح الإسلامي، انتشرت عبادة النار في إقليمي (الصغد) (وخوارزم) إلى جانب الديانة (الزرادشتية) وذلك بين العناصر الفارسية.

أما الديانة (البوذية) فكانت شائعة بين العناصر التركية، وقد انتقلت إليهم من الصين، وبالإضافة إلى ذلك فقد وجد المبشرون المسيحيون من (النساطرة) فرصة لنشر مذهبهم في هذ الإقليم، وذلك قبل الفتح الإسلامي بقرنين أو ثلاثة. 

مراحل الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام

مراحل الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام:  

  • المرحلة الأولى: بدأت المناوشات العسكرية بين المسلمين والقوى السياسية في منطقة ما وراء النهر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد تمت هذه المناوشات على الحدود في إقليم (طخارستان) الواقع إلى الجنوب الغربي لنهر جيحون وعاصمته مدينة (بلخ) وذلك أثناء مطاردة القوات الإسلامية (ليزدجرد) آخر ملوك الفرس وكانت بقيادة (الأحنف بن قيس)؛ فقد عبر يزجرد نهر جيحون، واستنجد بملوك الترك الذين أنجدوه، وتمكنوا بالفعل من استعادة إقليم طخارستان، إلا أنهم هزموا بعد ذلك، وفروا إلى داخل ما وراء النهر.

وتجددت الاشتباكات في عهد سيدنا عثمان بن عفان، فواصل الأحنف قتاله مع الترك إلى أن أجبرهم على توقيع صلح معه، ثم واصل الفتوحات حتى وصل إلى إقليم (خوارزم) الذي يقع جزء منه غربي نهر جيحون، وكانت هذه الجهود بمثابة المرحلة الأولى من جهود المسلمين في محاولة فتح هذا الإقليم.    

  • المرحلة الثانية: قامت هذه المرحلة على شن العديد من الغارات الإسلامية على أمهات المدن في هذا الإقليم مثل: بخارى، وسمرقند وغيرها، وشملت هذه المرحلة فترة حكم معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، إذ كان من الطبيعي أن تتوقف هذه المواجهات أثناء الفتنة بين الإمام علي ومعاوية، وما أن استقرت الأمور لمعاوية حتى واصل حركة الفتوحات في هذا الإقليم عن طريق ولاة إقليم خراسان؛ هذا الإقليم الذي أصبح ثغرًا تنطلق منه الجيوش الإسلامية إلى منطقة ما وراء النهر، وظهر في هذه المرحلة ولاة أكفَّاء من أمثال: عبيد الله بن زياد، وسعيد بن عثمان بن عفان، ومسلم بن زياد، استطاع عبيد الله بن زياد أن يصل إلى بخارى ويفتح بعض أجزائها عام ٤٥هـ/٦٦٥م، وخضعت المدينة نفسها للنفوذ الإسلامي حين وقّع عبيد الله صلحًا مع ملكة بخارى تدفع بمقتضاه مليون درهم سنويا للمسلمين.

أما سعيد بن عثمان فقد غزا سمرقند عام ستة وخمسين /٦٧٥م، واستسلمت له المدينة صلحًا على أن تدفع سنويًا سبعمائة ألف درهم، ودخل بخارى وجدد الصلح مع ملكتها، وفتح مدينة ترمذ صلحًا، لكنها نقضت الصلح بعد ذلك إلى أن فتحها قتيبة بن مسلم، أما مسلم بن زياد فقد تولى خراسان في عهد يزيد بن معاوية وواجه في عام إحدى وستين/ ٦٨٠م، جيوش بخارى والصغد ، وقوات من تركستان الشرقية فانتصر عليهم وجدد الصلح مع بخارى وسمرقند ، واستمرت حملاته على المنطقة حتى وفاة يزيد ، وصراع الأمويين مع ابن الزبير إلى أن استقرت الأمور لعبد الملك بن مروان (٧٥- ٨٦هـ/٦٩٤- ٧٠٥م) فعين على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي، فقام بغزو ما وراء النهر فصالحه أهل بخارى، ثم فتح مدينة الختل للمرة الثانية بعد أن نقضت الصلح الذي سبق أن أبرمته مع سعيد بن عثمان.

 وعندما وَلِىَ عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق وخراسان أسند ولاية خراسان إلى المهلب بن أبى صفرة، ففتح بعض المناطق فيما وراء النهر التي نقضت صلحها مع المسلمين، ثم فتح "خجندة" وغزا "كش"، و"نسف" وأدى إقليم الصغد الجِزْيَة المقررة، ثم مات المهلب بمدينة مرو بعد أن استخلف ابنه "يزيد" فأرسل بعض قواده إلى ما وراء النهر، وحقق المسلمون انتصارات كثيرة، وفتحوا العديد من المدن من بينها: مدينة ترمذ التي سبق أن فتحها المسلمون في عهد سعيد بن عثمان ثم انقضت عليهم.

والملاحظ أن هذه المرحلة الثانية من الفتوحات التي امتدت من عهد معاوية حتى نهاية حكم عبد الملك لم تشهد استقرارًا لفتوحات المسلمين في منطقة ما وراء النهر، وكانت هذه الجهود العسكرية غالبًا ما تنتهي بالصلح، ثم ينتهز ملوك ما وراء النهر فرصة أي اضطرابات في داخل الدولة الإسلامية لينقضوا هذا الصلح حتى جاءت المرحلة الثالثة التي تبدأ بعهد الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ/٧٠٥- ٧١٤م) وولاية "قتيبة ابن مسلم" على خراسان عام ست وثمانين للهجرة /٧٠٤م، وهذه المرحلة هي مرحلة الفتوحات المستقرة بعد أن تكونت لدى المسلمين الخبرة الكاملة بشئون هذا الإقليم جغرافيًا وبشريًا.

  • المرحلة الثالثة: تبدأ هذه المرحلة بولاية قتيبة بن مسلم الباهلي على خراسان من قبل الحجاج بن يوسف (والي المشرق)، وقد استهل فتوحاته فيما وراء النهر بعبور نهر جيحون بعد أن دخل مدينة "بلخ" وعبر معه أمراؤها، فأتاه بعض ملوك المنطقة يجددون الطاعة، فعاد إلى خراسان تاركًا مهمة متابعة الفتوح في هذا الإقليم لأخيه صالح بن مسلم ففتح العديد من المدن، ثم أستأنف قتيبة بنفسه جهوده العسكرية في عام (٨٧- ٨٨هـ / ٧٠٦- ٧٠٧م)، وكان من أهم فتوحاته في هذه الفترة: فتح "بخارى، وسمرقند وبيكند" وهي أقرب مدن بخارى إلى نهر جيحون، ثم هزم الترك في إقليم "الصغد" وافتتح "كش" و"نسف" ثم اتخذ مسجدًا بسمرقند وعين عليها أميرًا من قِبَلِه هو الضحاك بن مزاحم، ثم تمكن من فتح جميع إقليم الشاش (طشقند) وحصن أسبيجاب، ثم قتل قتيبة في عام ٩٦هـ /٧١٤م) بعد وفاة الوليد بن عبد الملك وتوجس خلفه سليمان خيفة من غدره؛ لأنه سبق له أن وافق الخليفة الوليد على نقل ولاية العهد من سليمان إلى ابنه عبد العزيز، فاضطربت الأمور بين القبائل العربية في خراسان، وقتل قتيبة في هذه الاضطرابات وقد بلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا، وجاء سليمان بعد الوليد (٩٦- ٩٩هـ / ٧١٤- ٧١٧م) فَوَلَّي أمر خراسان الجراح ابن عبد الله الحكمي، فواصل هو وجنده الفتوحات فيما وراء النهر، وأوغل في فتوحاته حتى وصل إلى حدود الصين شرقًا، وبعد موت سليمان ومجيء عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١هـ/ ٧١٧- ٧١٩م) كانت أمور المسلمين قد استقرت إلى حد كبير في منطقة ما وراء النهر، وبدأ الإسلام يمتد امتدادًا طبيعيًا، ومن ثم آثر عمر الثاني أن ينهج منهجَا سلميَا لإيصال كلمة الله إلى الناس، فرفع الجزية والخراج عن كل من أسلم، وفرض العطاء لمن أسلم منهم، واهتم بإصلاح الطرق وعمارتها، وبناء الخانات عليها، وتوفي عمر وجاء من بعده يزيد بن عبد الملك (١٠١ هـ - ١٠٥هـ /٧١٩- ٧٢٣م) فَوَلَّى أخاه مسلمة شئون خراسان فعيّن عليها هذا الأخير سعيد بن الحارث الأموي، فأرسل سعيد أحد قواده إلى منطقة ما وراء النهر فالتقى بقبائل الترك المتمردة، وتبادل معهم النصر والهزيمة إلى أن عُزِلَ وتولى مكانه سعيد بن عمر الجرش، فافتتح جميع حصون منطقة الصغد، وعندما مات يزيد خلفه أخوه هشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥هـ/٧٢٣- ٧٤٢م) وقد حظيت خراسان في عهده بعدد من الولاة الأكْفاء مثل: مسلم بن سعيد، وخالد بن عبد الله القسري، وأخيه أسد، ونصر بن سيار وكان لهم جميعًا دور بارز في استكمال فتح الإقليم، وفي صد غارات الأتراك الشرقيين عليه، وفي التصدي لبعض ملوك ما وراء النهر الذين تمردوا أحيانًا على حكم الدولة الإسلامية، وفي العصر العباسي وأثناء إقامة الخليفة المأمون بخراسان (١٩٨ - ٢٠٤هـ/٨١٣- ٨١٩م) توالى زحف الجيوش العباسية على منطقة ما وراء النهر، وتزايد مع ذلك التركيز على الجهود السلمية في محاولة نشر الإسلام، فكان المأمون يكاتب ملوك المنطقة يدعوهم إلى الإسلام والطاعة والترغيب فيهما، فأسلم ملك "أشروسنة" والد القائد المشهور: حيدر الأفشين وفرض المأمون لمن أسلم منهم عطاءً في بيت المال، وإذا ورد على بابه بعض قادتهم شرفهم، واسنى صلاتهم، وما أن جاء المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧هـ/٨٣٣- ٨٤١م) حتى كان الاستقرار السياسي قد تمَّ، وانتشار الإسلام قد تمكن، وأصبح معظم جند الخلافة من هذه المنطقة، وحضر ملوكها إلى بابه، وصاروا حماة لحدود الدولة الإسلامية يغزون من خلفهم من الترك الوثنيين.

عوامل انتشار الإسلام فيما وراء النهر

عوامل انتشار الإسلام فيما وراء النهر: لقد تعاونت عدة أسباب أدت إلى انتشار الإسلام في هذه المنطقة ومنها:  

  1. سياسة قتيبة التي اتبعها بعد استقرار الفتوحات في هذا الإقليم حيث عمل على دمج العناصر التي تولت شئون الفتح من القبائل العربية مع عناصر السكان الأصليين، وذلك من خلال تبنى سياسة توطين بعض القبائل في المنطقة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما جعل بعض أفراد هذه القبائل يشاركون السكان الأصليين في سكنى منازلهم، فكان هذا الاختلاط سببًا في الانصهار بين العنصرين، وتعرُف كل منهما على الآخر، وبالتالي أدى حسن المعاشرة بينهم وبين المسلمين إلى إقبال بعضهم على الإسلام، ثم جاءت الخطوة الثانية التي تمثلت في بناء المساجد في أمهات المدن التي فتحتـ، وبخاصة مسجد قتيبة في بخارى، ومسجد سمرقند، وكان قتيبة يدعو الذين أسلموا إلى أداء صلاة الجمعة في المسجدين، ويعتبر من أسلم منهم حديثًا من المؤلفة قلوبهم فكان يأمر مناديًا يوم الجمعة بأن من يأتي للصلاة فله درهمان؛ كما عنى قتيبة بإلزام من أسلم بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وعمل على إزالة رسوم الوثنية والمجوسية من البلاد التي فتحت، وكان من الطبيعي أن تقوم هذه المساجد التي أسست بدوها في تعريف أهل البلاد بتعاليم الإسلام وآدابه ونشره بينهم.
  2. ثم جاء دور عمر بن عبد العزيز الذي اهتم بإرساء قواعد العدل في المنطقة، ورفع الظلم عن أهلها، فأسقط الجزية عمن أسلم، وعزل الولاة الجائرين، وتحرى العدل والعفاف، والتقى بولاته الجدد الذين عينهم على أقاليم الدولة، ومنها خراسان وما وراء النهر، وألقى الرجل بكل ثقله في تفعيل الدعوة السلمية إلى الإسلام.
  3. وكانت سياسة العباسيين في هذا الإقليم لها أجمل الأثر في جذب المزيد من أهله إلى الإسلام؛ فقد أنفتح العباسيون على الأعاجم بصفة عامة، واهتموا بالعنصر التركي بصفة خاصة، فأشركوهم في الجيش منذ عهد الرشيد، ثم نمت هذه الظاهرة في عهد المأمون، ثم تطورت ووصلت إلى قمتها في عهد الخليفة المعتصم فأصبح جلَّ عسكره من الأتراك سواء كانوا من منطقة ما وراء النهر أو أتراكًا شرقيين جيء بهم من إقليم التركستان الشرقي، وبالإضافة إلى ذلك استمر العباسيون في نشر الدعوة سلميًا بين الأتراك، وفرضوا العطاء لمن أسلم منهم، وحسنوا نظم الإدارة في المنطقة حتى شهد عهد المعتصم رسوخ قدم الإسلام فيما وراء النهر، وأخذ أهله على عاتقهم مهمة توصيل هذا الدين إلى إخوانهم من الترك الشرقيين المتواجدين خلف نهر سيحون.
  4. هجرة كثير من علماء العراق والشام ومصر إلى ما وراء النهر باعتبارها منطقة ثغر يجب الرباط فيها للجهاد ونشر الإسلام، وقد أشار الجغرافيون المسلمون إلى انتشار الأربطة في جميع أنحاء الإقليم حتى إن الإصطرخي ذكر أنها كانت تزيد على العشرة آلاف، وكلها معدة ومجهزة لاستقبال المرابطين، ولها أوقاف واسعة تفي بالنفقة عليها، ويبدو أن العلماء الغزاة المرابطين كان لهم شأن بارز في المنطقة أثناء ولاية الطهاريين عليها فقد أصبحت لهم طائفة (نقابة)، تنظم شئونهم وكان لهم قائد يتمتع بنفوذ واسع، ولم يقتصر الدور على العلماء والفقهاء، بل سرعان ما شاركهم في هذه الجهود نفر غير قليل من المتصوفة الذين هاجروا إلى الإقليم، وبذلوا جهودًا مشكورة في دعوة الناس إلى هذا الدين فأكملوا دور العلماء؛ لأن العلماء كانوا يعتمدون على العقل والمنطق والحجة في إيصال العقيدة الجديدة إلى عقول المخالفين، أما الصوفية فقد خاطبوا قلوب المخالفين ومشاعرهم عن طريق سلوكهم الزاهد في متع الحياة الدنيا وانصرافهم عنها فاستطاعوا أن يؤثروا فيهم تأثيرًا قويًا، وكانت الثمرة يانعة نتيجة لجهود هؤلاء وأولئك.
  5. يضاف إلى ما سبق الهجرات المستمرة من قبل أتراك ما وراء النهر إلى مواطن إخوانهم من الأتراك الشرقيين واحتكاكهم بهم ومصاهرتهم وحسن التعامل معهم، فكان لذلك كله دور هام في جذب كثير من إخوانهم إلى الإسلام خاصة أنهم كانوا يتحدثون لغتهم، ويشتركون معهم في كثير من الخصائص العرقية والحضارية. 

تطورات الإقليم السياسية

تطورات الإقليم السياسية:

  1. الخضوع المباشر للخلافة: قبيل الفتح الإسلامي كانت منطقة ما وراء النهر تحكم من قبل أمراء محليين، ولكن من غير المعلوم ما إذا كانوا يحكمون مناطقهم على سبيل الاستقلال أم كانوا خاضعين لنفوذ خاقان الترك في تركستان الشرقية، حيث شهد القرن السادس الميلادي تمكن خانات الترك من إقامة دولة لهم امتدت من حدود الصين حتى حوض نهر جيحون، ولكن هذه الدولة سرعان ما انقسمت إلى قسمين: تركستان الشرقية، ومملكة ما وراء النهر الغربية التي توزعت بدورها إلى إمارات متناثرة، وأيَّا ما كان الأمر فالثابت أن هذا الإقليم قد تعرض في القرنين الأول والثاني الهجريين (السادس والسابع الميلاديين) لهجرات واسعة من قبل العناصر التركية التي دخلته من السهوب الشمالية حتى طغى نفوذ المهاجرين على نفوذ السكان الأصليين من الفرس، وبعد استقرار الفتوحات السلامية ظل هؤلاء الأمراء المحليون يحكمون مع اعترافهم بنفوذ دولة الخلافة عليهم، أي أن المنطقة حكمت حكمًا لا مركزيًا، وكان إلى جانب هؤلاء الأمراء المحليين عامل من قبل الخلافة يتولى جباية الخراج، وقادة عسكريون مسلمون يتولون حماية الإقليم، ثم تناوب على حكمها في عصر الدويلات المستقلة: السامانيون والإيلكخانيون والسلاجقة، والأوي غور، والخوارزميون، والمغول، والتيمور يون والأوزبك، ثم الروس.
  2. الدولة السامانية: واستمر هذا الوضع حتى بعد مجيء العباسيين فترة من الزمن إلى أن أصبح الوالي الذي يعين من قبل الخلافة العباسية هو المتصرف الحقيقي في شئون الإقليم، ولم تقم حكومة مستقلة فيه إلا بقيام الدولة السامانية (٢٦٠- ٣٨٩هـ/ ٨٧٣- ٩٩٨م) فاستطاعت أن ترعى شئون هذا الإقليم رعاية كاملة في كافة المجالات وقامت بواجب الدفاع عن حدوده ونشر الإسلام بين جيرانه من الأتراك الشرقيين إلى أن دخلت هذه الدولة في مرحلة الضعف الذي تعددت أسبابه.
  3. القراخانيون: انتهي حكم السامانيين على يد الدولة القراخانية (الإيلكخانيون)، وهم مجموعة من قبائل الترك الشرقيين الذين اعتنقوا الإسلام في أواخر النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وأقاموا لهم دولة في تركستان الشرقية عاصمتها مدينة كاشغر، وعندما قضوا على الدولة السامانية خضعت منطقة ما وراء النهر لنفوذهم ولكنهم لم يسيطروا على الإقليم سيطرة كاملة فنشأت على أنقاض الدولة السامانية إمارات إسلامية متناثرة تمتعت باستقلال ذاتي لكنها خضعت نظريًا لحكم إيلخانات كاشغر.
  4. السلاجقة: واستمر الوضع السياسي على هذا النحو إلى أن ظهر الأتراك السلاجقة على مسرح الأحداث في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الهجريين / العاشر والحادي عشر الميلاديين في منطقة ما وراء النهر، واستطاعوا السيطرة على أجزاء منها، ثم عبروا نهر جيحون إلى خراسان، واصطدموا بالدولة الغزنوية، وأوقعوا بها هزيمة فاصلة عام (١ ٤٣هـ/٢٨ ١٠م) ومن ثم اعترفت الخلافة بنفوذهم على المناطق التي سيطروا عليها في خراسان وإيران، ثم واصلوا زحفهم غربًا باتجاه العراق حتى دخلوا بغداد عام (٤٤٧هـ/١٠٥٥م).
  5. الأويغور والخوارزميون، وفي عهد السلطانين السلجوقيين: ألب أرسلان (٤٤٥- ٤٦٥هـ/١٠٥٣- ١٠٧٢م) وابنه ملكشاه (٤٦٥- ٤٨٥هـ/١٠٧٢- ١٠٩٢م) تطلَّع السلاجقة إلى إقليم ما وراء النهر، واستطاعوا إخضاعه لنفوذهم السياسي مع الإبقاء على الأمراء المحليين من الإيلكخانيين، وعندما قسم ملكشاه مملكته بين أبنائه كانت منطقة ما وراء النهر من نصيب ابنه "سنجر" فاستمر أمراء المنطقة يعترفون بنفوذه الأسمى عليهم، لكن السلاجقة سرعان ما فقدوا كل نفوذ سياسي لهم في هذا الإقليم بعد أن تعرض لغزو الترك الشرقيين بزعامة كرخان، وهذه القبائل عرفت تاريخيًا باسم (الأويغور) أو قبائل "الخطأ"، وهي قبائل وثنية استطاعت أن توقع الهزيمة بالسلطان سنجر في منطقة ما وراء النهر عام (٥٣٦هـ/١١٤٢م) وسيطروا عل الإقليم سيطرة كاملة، ثم امتد نفوذهم على بعض المناطق في خراسان، وبعد سقوط السلاجقة عام (٥٩٠هـ - ١١٩٤م) وسيطرة الخوارزميين على ممتلكاتهم نشب الصراع بين الخوارزميين وقبائل الخطأ حتى اضطر الخوارزميون إلى توقيع صلح معهم، مقابل دفع إتاوة مالية سنوية لهم، واستمر الخوارزميون في دفع هذه الإتاوة حتى عهد آخر سلاطينهم علاء الدين محمد الذي استطاع أن يوقع بالخطا هزيمة كبرى أبعدتهم عن خراسان ومنطقة ما وراء النهر وذلك في (٦٠٦ أو ٦٠٧هـ/١٢٠٩ أو ١٢١٠م) وبقي نفوذ الخوارزميين على المنطقة قائمًا حتى تعرضت للغزو المغولي عام (٦١٦هـ/١٢١٩م) فدخلت ما وراء النهر ضمن نفوذهم.
  6. المغول: وقبيل وفاة "جنكيز خان" زعيم المغول في عام (٦٢٤هـ /١٢٢٧م) قسم مملكته بين أبنائه، فكانت منطقة ما وراء النهر من نصيب ابنه "جغتاي" الذي ظلت أسرته تحكم المنطقة حتى عام (٧٦٥هـ/١٣٦٣م)، أي حتى ظهور الإمبراطور "تيمورلنك" باستثناء فترة يسيرة.
  7. التيموريون والأوزبك: خضعت ما وراء النهر لحكم تيمورلنك وخلفائه من عام (٧٦٥- ٩٠٦هـ/١٢٦٣- ١٥٠٠م)، ثم جاءت نهاية حكمهم على يد قبائل: (الأوزبك) وهم من حفدة جنكيزخان، وقد توزعوا على قبائل متعددة، لكنهم ينتسبون في الأصل إلى أوزبك تاسع الحكام الذين حكموا بلاده وهم خليط من المغول والترك، كانوا يسكنون المنطقة الواقعة بين نهر الفولجا شمالًا وبحيرة خوارزم (بحر أورال) جنوبًا، وكانت أولى قبائلهم التي أنهت حكم التيمورييين الشيبانيون وقد أمتد نشاط هذه الأسرة العسكري إلى خراسان ولم يوقف تقدمها باتجاه الغرب سوى ظهور الشاه إسماعيل الصفوي في إيران، حيث تمكن من قتل زعيمهم عام (٩١٦هـ - ١٠١٠م) وبعد مقتله احتدم الصراع بين الشيبانيين والقوى السياسية المجاورة حتى عام (١٠٠٦هـ/١٥٩٧م) الأمر الذي أدى إلى سقوطهم وظهور قبيلة أوزبكية أخرى هي "الاشتراخانيون" فحكموا المنطقة حتى عام (١٠٩٩هـ/١٦٨٧م) ، وقد بدأت المنطقة في عهدهم تفقد أهميتها السياسية ويتضاءل نفوذها حتى عرفت في عهدهم باسم "خانيه بخارى وسرعان ما خضعت هذا القبيلة لنفوذ الدولة الصفوية في عام (١١٥٣هـ /١٧٤٠ م) فيعهد السلطان نادر شاه الصفوي ثم انتهت دولتهم، وجاءت على إثرهم قبيلة أخرى من أبناء عمومتهم وهم: (المنغيتيون)، (١١٩٩- ١٢٤٢هـ/ ١٧٨٤- ١٨٢٦م)، وفي عهد هذه الأسرة تحولت أمور المنطقة تحولًا سريعًا حيث بدأت تتعرض لمطامع الأوروبيين الاستعمارية هي وغيرها من مناطق آسيا الإسلامية، فانطلقت روسيا باتجاه الجنوب حتى وصلت إلى شواطئ نهر سيحون، وزحف البريطانيون على بلاد الأفغان، ولم يَعُدْ يفصلهم عن شواطئ جيحون سوى مسافات قليلة، وقد سبق لهم أن سيطروا على شبه القارة الهندية، وسرعان ما احتدم الصراع بين الروس والإنجليز على مناطق النفوذ فيما وراء النهر، إلى أن حدث التدخل الروسي السافر في شئون المنطقة، وطالبوا حكامها بامتيازات خاصة لهم في الإقليم يتعلق معظمها بأمن روسيا ورعاياها وتجارتها.            
  8. الروس: شهدت هذه الفترة أيضًا تقدم الروس نحو شواطئ جيحون وأكملوا استيلاءهم على كامل وادي نهر سيحون في أواخر الخمسينيات، وأوائل الستينيات من القرن التاسع عشر، فخضعت لهم ولاية "فرغانة"، ثم سقطت سمرقند في أيديهم في عام (١٢٨٥هـ/١٨٦٨م) ولم يبق للأوزبكيين إلا نفوذ هش في منطقة بخارى حتى عام (١٢٨٧هـ/١٨٧٠م)، وفي هذا التاريخ سيطر الروس على بخارى ودخلت المنطقة كلها في نطاق النفوذ الروسي، وإن بقى للأمراء المحليين نفوذ شكلي على بعض المناطق؛ هذا النفوذ الذي انتهى بقيام الثورة البلشفية عام (١٣٣٦هـ/١٩١٧م) ثم ظهور اتحاد الجمهوريات السوفيتية فقامت في آسيا الوسطى على إثر ذلك خمس جمهوريات في الفترة من عام (١٣٤٣ - ١٣٥٥هـ/١٩٢٤- ١٩٣٦م) ثلاث منها كانت تشكل معظم بلاد ما وراء النهر التاريخية وهي: أوزبكستان، وطاجكستان، وتركمانستان، ثم جمهوريتان في آسيا الوسطى هي: كازاخستان وقيرغزستان، هذه الجمهوريات التي ظلت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي حتى انهار نفوذه في عام (١٤١١هـ/١٩٩١م)، فتحررت هذه الدول الإسلامية من تلك السيطرة ونالت استقلالها.

إسهامات هذا الإقليم في الحضارة الإسلامية

أسهم هذا الإقليم في الحضارة الإسلامية والإنسانية إسهامًا رائعًا شمل الجانبين المادي والفكري: ففي هذا الإقليم ازدهرت مصادر الحياة المادية من زراعة وتجارة وصناعة، كما ازدهرت الحياة الثقافية والفكرية ازدهارًا رائعًا، وأشعت بنور معارفها على أقطار العالم الإسلامي إلى ما هو أرحب وأوسع من بقاع العالم الأخرى، ففي الجانب المادي ازدهرت الزراعة، حيث حبا الله هذا الإقليم بشبكة من الأنهار المتدفقة ذات الروافد المتعددة، فازدهرت على ضفافها المزارع والبساتين والفواكه والرياحين لدرجة أذهلت الكثيرين من جغرافيينا ورحالينا الذين زاروا هذه المنطقة كالإصطخري والمقدسي وياقوت وابن بطوطة؛ فالإصطخري يشير إلى أن سكان هذا الإقليم يملكون كل شيء بوفرة، وأنهم لا يحتاجون إلى أي سلع من الأقطار الأخرى، والمقدسي يقول عنه: إنه أخصب بلاد الله وأكثرها خيرًا، ومعظمهم أشار إلى ما يحويه هذا الإقليم من منتجات زراعية مثل: القمح، والقطن، والجوز واللوز، والبندق، والسفرجل، والزعفران، والريحان، وأنواع الفواكه المتعددة، كالعنب، والبطيخ، والمشمش، والتفاح، ويشير الإصطرخي وياقوت إلى أنهم كانوا يصدرون إلى الغرب الإسلامي وخاصة العراق والشام ومصر ما يزيد عن حاجتهم من هذه المنتجات، وإلى جانب الزراعة ازدهرت الصناعة أيضًا بفضل ما توفر في هذا الإقليم من مواد خام، وصناع مهرة، فعندهم القطن والحرير والصوف؛ ولذلك ازدهرت صناعة النسيج في بخارى وسمرقند، واشتهرت بعض بلدان هذا الإقليم بإنتاج المنسوجات المتناهية في الرقة، ومنها إقليم الشاش، كما يتوفر في هذا الإقليم من المعادن: الذهب والفضة والحديد والنحاس والزئبق، ولذلك ازدهرت صناعة الأسلحة والآلات المعدنية في إقليم فرغانة وازدهرت صناعة الورق بصفة خاصة في سمرقند، وكان لازدهار هذه الصناعة أثرها الخطير في انتشار الثقافة والمعرفة على أوسع نطاق في العالم الإسلامي؛ كما ازدهرت صناعة الصابون في مدينة (ترمذ)، ويشير بعض الرحّالة إلى أن صناعات هذا الإقليم فاقت مثيلاتها الصينية في الجودة إلى حد كبير.     

التجارة الخارجية والداخلية: نشطت التجارة بنوعيها بفضل وقوع هذا الإقليم على طريق الحرير الذي يبدأ من الصين، وينتهي عند سواحل البحر الأسود مرورًا بإقليم ما وراء النهر وبمعظم البلدان في غربي العالم الإسلامي، ولذلك أصبحت مدينة سمرقند مركز تجمُّع هام للتجار الوافدين عليها من الهند والصين حاملين معهم النفيس والطريف من الحرير والمسك والخزف والأحجار الكريمة والعطور.. تلك الطرائف التي كان يعاد تصديرها إلى أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا، كذلك اشتهرت تجارة الصادرات بين بخارى والعراق، فكان يصل إلى العراق منها: البسط، والثياب، والجلود، والأواني النحاسية، كما كانت بخارى سوقًا رئيسة تُعرض فيها البضائع الصينية، ومنتجات آسيا الصغرى، ثم يُعاد تصديرها إلى البلاد الأخرى.

ويشير النرشخي في كتابه: تاريخ بخارى إلى أن بخارى كان بها بيت للطراز حتى عصر النرشخي (٣٤٨هـ /٩٥٩م)، وكان بها دار صناعة تنسج بها البسط والسرادقات وأنواع من الأقمشة الفاخرة من أجل الخليفة، وأنه كان يأتي في كل عام عامل من قبل الخلافة يأخذ من هذه المنتجات ما يقابل ما تدفعه بخارى من خراجها لدار الخلافة، وكان التجار يأتون من الولايات الإسلامية المختلفة فيحملون من تلك الثياب ما يصدِّرونه إلى مصر والشام وبلاد الروم، ولم يكن هناك صاحب منصب ليس عنده شيء منها، أما الحياة العلمية والثقافية في هذا الإقليم فكان رواد نهضتها الأولون أمراء الدولة الطاهرية، فهم الذين أشاعوا روح الحياة الثقافية في الإقليم عندما كان خاضعًا لنفوذهم، وقد سار خلفاؤهم السامانيون على دربهم لكن بخطى أوسع، فانتشرت المدارس انتشارًا كبيرًا وبخاصة في بخارى وسمرقند، واستطاعت هذه المدارس أن تؤدي دورها على خير وجه بفضل العلماء الذين وفدوا على هذا الإقليم من أنحاء العالم الإسلامي في العهد الساماني، بالإضافة إلى جهود السامانيين في توفير الإمكانات اللازمة لهذه المدارس، ورعايتهم للعلماء، وتوقيرهم، وتوفير المكتبات العامة والخاصة، فلعبت هذه المدارس بفضل هذه الإمكانات دورًا رائعًا في نشر العلم وانتشار الإسلام.

وقد تميز العهد التيموري بظهور حضارة إسلامية مزدهرة في هذا الإقليم لم تعرف لها الشعوب الإسلامية مثيلًا إلا في بغداد والأندلس في عصر ازدهار النهضة الإسلامية، لقد اهتم التيموريون بحركة العلوم والآداب والفنون والعمارة، ولعل هذا كان بمثابة رد اعتبار لهذا الإقليم الذي شهد تدميرًا لحضارته على يد غزاة المغول، فلم يتيسر لبخارى وسمرقند أن تستعيدا دورهما الثقافي والحضاري إلافي العهد التيموري، ومن ثَمَّ لم يكن غريبًا أن نجد هذا الإقليم يقدم للعالم الإسلامي بل للحضارة الإنسانية عامة أفذاذ العلماء في علوم القرآن والسنة والفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف والطب والرياضيات والفلك والموسيقى، ومن نماذج هؤلاء العلماء: الإمام أبو حفص البخاري الشيخ المحدث الكبير أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو بكر القفال أبرز فقهاء الشافعية في هذا الإقليم، والإمام النسفي صاحب كتاب: العقائد النسفية وغيرها، وأبو منصور محمد بن محمد الماتريدي، مؤسس مذهب الماتريدية في علم الكلام، وهو أحد أقطاب الفكر السني وكان معاصرًا للأشعري في العراق، وكلا المذهبين يشكلان مذهب أهل السنة والجماعة، والإمام البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل إمام أهل الحديث، ولد بمدينة بخارى من أب محدث، قضى ستة عشر عامًا متنقلًا بين المراكز العلمية في العالم الإسلامي، فزار العراق والشام ومصر والحجاز وجمع كتابه: الصحيح في ست عشرة سنة بمنهج جديد، حاول أن يركِّز على جمع الأحاديث الصحيحة، ولذا يعتبر هو الواضع الحقيقي لأسس علم مصطلح الحديث، وكتابه الجامع هو العمدة حتى الآن فيما يتعلق بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ولد ضريرًا في مدينة "ترمذ"، لكنه نبغ في علم الحديث بعد أن تتلمذ على يد الإمام أحمد بن حنبل، وكتابه السنن: أحد كتب الصحاح الستة المشهورة، وهناك في العلوم العقلية يأتي الفارابي: أبو نصر محمد، نسبة إلى مدينة فاراب في حوض نهر سيحون، وهو فيلسوف مشهور شرح كتب أرسطو فلقِّب بالمُعَلِم الثاني، وله مؤلفات كثيرة من أهمها: المدينة الفاضلة، وإحصاء العلوم، وله كتاب الموسيقى الكبير، الذي يُعَدُّ أهم مؤلف عربي في علم الموسيقى، وقد ترجم إلى الفرنسية في العصر الحديث، إلى جانب كثير من مؤلفاته التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى، ويأتي أبو علي الحسين بن سينا أشهر أطباء العالم في العصور الوسطى، وهو فيلسوف أيضًا، ولد في قرية من أعمال بخارى، درس العلوم الشرعية والعقلية، وأصبح حجة في الطب والرياضة والفلك والفلسفة، وقد عاصر الدولة السامانية وتوفي في همذان، وتجاوزت مصنفاته المائتين من أهمها: الشفاء، والنجاة، والإشارات والتنبيهات، والقانون في الطب وإلى هذا الكتاب ترجع شهرة ابن سينا في العالم كله؛ فقد ترجم إلى اللاتينية في العصور الوسطى وظل العمدة في تدريس الطب في أوروبا حتى القرن السادس عشر، ومن علماء هذا الإقليم أيضًا: أبو العباس أحمد الفرغاني، نسبة إلى إقليم فرغانة على حوض نهر سيحون، عاش في عصر المأمون، ويُعَدُّ من أكبر علماء زمانه في علم الفلك، له كتاب الحركات السماوية، وجوامع علم النجوم الذي ترجم إلى اللاتينية، وكان له أثره في نهضة علم الفلك بأوروبا، وقد قام الفرغاني بتعيين أبعاد وأقطار الكواكب، وأشرف على تركيب مقياس النيل بالفسطاط في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي).  


مصادر ومراجع للاستزادة

أولًا: المصادر:

  • الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق.
  • الإصطرخي: المسالك والممالك.  
  • البلاذري: فتوح البلدان.  
  • ابن حوقل: صورة الأرض.
  • الحسيني: أخبار الدولة السلجوقية.
  • العماد الأصفهاني: تاريخ آل سلجوق.
  • القزويني: أثار البلاد وأخبار العباد.
  • المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.
  • النرشخي: تاريخ بخارى.
  • ياقوت: معجم البلدان.

ثانيًا: المراجع:

  • أرمنيوس فامبري: تاريخ بخارى.
  • بار تولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى، التركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي.
  • حسن أحمد محمود: الإسلام في آسيا الوسطى بين الفتحين: العربي والترك.

الخلاصة

تقع بلاد ما وراء النهر بين نهري جيحون وسيحون، وقد شهد مراحل متعددة من الفتح الإسلامي بلغت أَوْجَهَا بقيادة قتيبة بن مسلم، ساعدت السياسات العادلة والدعوة السلمية وهجرة العلماء والمتصوفة في ترسيخ الإسلام وانتشاره؛ كما ساهم الإقليم بثرائه الزراعي والصناعي والعلمي في النهضة الحضارية الإسلامية، وأصبح مركزًا تجاريًّا وثقافيًّا مزدهرًا.

موضوعات ذات صلة

مهد الحضارات التركية والإسلامية في آسيا الوسطى.

يحده غربًا بلاد الترك الغزية، وجنوبًا خراسان، وشرقًا بلاد ما وراء النهر.

من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الشرق الأوسط.

موضوعات مختارة