تعتبر الدولة الغزنوية واحدة من أهم الدول الإسلامية التي قامت في آسيا الوسطى والهند خلال العصور الوسطى، كما أسسها سُبُكْتِكِين في القرن الرابع الهجري، وبلغت أوجها في عهد محمود الغَزْنَوِيّ، الذي قاد العديد من الفتوحات في الهند ونشر الإسلام فيها.
تعتبر الدولة الغزنوية واحدة من أهم الدول الإسلامية التي قامت في آسيا الوسطى والهند خلال العصور الوسطى، كما أسسها سُبُكْتِكِين في القرن الرابع الهجري، وبلغت أوجها في عهد محمود الغَزْنَوِيّ، الذي قاد العديد من الفتوحات في الهند ونشر الإسلام فيها.
شهد النصف الثاني من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي ظهور قوة إسلامية كبيرة في شرق العالم الإسلامي استطاعت خلال فترة قصيرة أن تسيطر على الشطر الإيراني من أملاك السامانيين، وتفتح مناطق جديدة في بلاد الهند، لم تبلغها من قبل للإسلام راية وتزاحم البويهيين على زعامة العالم الإسلامي، حتى كادت أن تزيلهم عن بغداد، واستمرت أكثر من قرنين، تلكم هي الدولة الغَزْنَوِيّة التي نعرض لها في هذه الدراسة الموجزة.
ينتمي الغَزْنَوِيُّون إلى العنصر التركي الطوراني الذي ظهر منذ أقدم العصور في وسط آسيا، وسميت بلادهم (تركستان) نسبة إليهم، ولم تكن هذه البلاد في نظر جغرافيي القرنين الثالث والرابع الهجريين التاسع والعاشر الميلاديين تبدأ خلف نهر جيحون أموداريا الآن مباشرة فقد كانت المناطق المجاورة للنهر من شماله وجنوبه تعرف باسم (بلاد ما وراء النهر) على سبيل التغليب وكانت آرية إيرانية الجنس والثقافة، أما البلاد التي تبعد عن النهر ممتدة إلى حدود الصين فقد كانت موطنًا للقبائل التركية (الطورانية).
وخضع إقليم ما وراء النهر للفاتحين المسلمين، وكان السامانيون وهم من أصل فارسي يحكمون هذا الإقليم، وتقع فيه عاصمتهم "بخارى" إلى جانب سيطرتهم على جزء كبير من خراسان، أما قبائل الترك فقد كانت شديدة المراس تتأبى على الفاتحين، وكانت الحروب سجالًا بينهم، وكان بعض هؤلاء الأتراك يجلبون إلى الحواضر الإسلامية عن طريق الأسر، أو الشراء ليعملوا حرسًا في قصور الخلفاء، حتى صاروا يمثلون الغالبية الساحقة من الجند في عهد المعتصم العباسي.
ولم يبرع هؤلاء الترك في ثقافة أو علم أو صناعة، بل كانت فضيلتهم الوحيدة هي قوة الأجسام ومعاناة الحروب واستخدام آلات القتال، والجلد والصبر على الإقتار [ابن حول: رسالة في تفضيل الأتراك على سائر الأجناد، مخطوط بدار الكتب المصرية ص ٦ - ۸].
وكانت أعدادهم تتزايد باستمرار فيدفعهم فقر بلادهم نحو المناطق الحضارية الغنية المجاورة لهم في إقليمي ما وراء النهر وخراسان.
وقد عرف حكام هذه الدولة بالغَزْنَوِيّين نسبة إلى حاضرتهم غزنة قصبة ولاية زابلستان التي تقع في أقصى الشرق من خراسان، وتوجد الآن في جبال سليمان في أفغانستان، وهذا النسب سماعي وكان القياس يقتضي أن نقول "غزني".
يمكننا أن نقسم حكام هذه الدولة إلى قسمين وهما: " الطائفة الألبتكينية، وآل سُبُكْتِكِين"
وفي بداية أمره غلامًا لدى الأمير أحمد بن إسماعيل (٢٩٥هـ - ٣٠١ م / ٩٠٧ -٩١٣م) ثم أصبح أميرًا في عهد الأمير نوح بن نصر بن أحمد الملقب بالحميد (ت ٣٤٣هـ / ٩٥٤م ) وارتقى في سلم الإدارة حتى تولى أكبر منصب في الدولة وهو قيادة جيوش خراسان في عهد الأمير التالي عبد الملك بن نوح (ت ٣٥٠ هـ / ٩٦١م) وكان عمره خمسًا وثلاثين سنة هجرية، وعرف عنه النبل والوفاء، كما اشتهر بسداد الرأي وحسن التدبير [حمد الله المستوفى القزويني: تاريخ كزيدة ملحق بتاريخ بخارى للترشحي الفصل الثاني من الباب الرابع ص ١٤٢].
وقد وصل البتكين إلى درجة عالية من النفوذ، فكان يتدخل في اختيار الوزراء والأمراء، وكان وراء تولية الوزير أبي علي البلعمي، وأرسل الأمراء وأصحاب الرأى في بخارى يستأذنونه في تولية الأمير السديد منصور بن نوح، بعد وفاة أبيه سنة ٣٥٠هـ / ٩٦١م، فرفضه لحداثة سنه وأرسل إليهم يرشح عمه، ولكن الأمر كان قد أبرم وبويع الأمير منصور قبل وصول الرد، ومن هنا وقعت الجفوة بين الأمير والبتكين.
حاول البتكين أن يصلح العلاقة بالأمير الساماني بالهدايا والتحف والرسائل لكنها لم تجد نفعًا، وبعد سنوات استدعاه الأمير إلى بخارى، فعلم أن استدعاءه لا يبشر بخير، فجمع خلصاءه وانحاز إلى غزنة في ثلاثة آلاف من جنده، وفشل الأمير الساماني في إزالته عنها، وكان ذلك سنة ٣٥١هـ / ٩٦٢م التي يعتبرها المؤرخون بداية لتاريخ الدولة الغَزْنَوِيّة.
توفى البتكيين سنة ٣٥٢هـ / ٩٦٣م أو سنة ٣٥٤هـ / ٩٦٥م على اختلاف الروايات، وخلفه ابنه أبو إسحاق، ولم يطل به الأجل، فوافته المنية سنة ٣٥٥هـ / ٩٦٥م، وتولى بعده القائد بلكاتكين باعتباره أكبر غلمان سيدهم الراحل البتكين، فضرب السكة باسمه، فلما توفى سنة ٣٦٢هـ /۹۷۲م تولى قائد آخر اسمه (بيري) وصفته بعض المصادر بأنه كان ضعيف الرأي ووصفه آخرون بأنه عظيم الفساد، وفي عهده تعرضت غزنة لهجوم من ابن حاكم غزنة السابق أتوك بالتحالف مع أمير كابل، وملك من ملوك الهند يدعى جيبال)، وكان الهجوم مفاجئًا فاضطرب أهل غزنة، وكادت المدينة أن تسقط في أيديهم، لولا رباطة جأش القائد سُبُكْتِكِين الذي صمد في خمسمائة فقط من الجند الشجعان وتصدى للمعتدين، وحقق النصر، فرأى الجميع أنه أولى بالحكم فعزلوا بيري وولوه مكانه [القاضي منهاج الدين عثمان بن سراج الدين الجوزجاني: طبقات ناصري، الطبعة الثانية، كابل افغانستان سنة ١٣٤٢هـ - ج ا، ص ٢٢٦].
وبوصول سُبُكْتِكِين إلى الحكم تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ غزنة فقد بدأت تتحول من مجرد ولاية صغيرة مقصورة على كورة زابلستان إلى دولة كبرى تحكم معظم بلاد المشرق الإسلامي، وأكثر المؤرخين يعتبر سُبُكْتِكِين المؤسس الحقيقي لهذه الدولة، ويذكرونه بعد أبي إسحاق بن البتكين متجاهلين ذكر بلكاتكين وبیری. [العتبي (أبو نصر محمد بن عبد الجبار): تاريخ اليميني القاهرة ١٩٥٩م، ج ٥٧/١، ابن الأثير: الكامل ٦٨٣/٨].
وكان سُبُكْتِكِين بعيد الطموح؛ فما كاد يتولى الإمارة في غزنة حتى شرع في مد رقعة ملكه وبسط سلطانه على الإمارات الصغيرة الموجودة حوله فاستولى على بست وقصدار، وقام بغزوات ناجحة على أطراف السند رفعت من قدره، وأضفت عليه ثوب الفاتح المجاهد لنشر الإسلام، ثم تظاهر بالدفاع عن السامانيين، ونصره الأمير الرضي نوح ابن منصور، فقضي على الطامعين والمنشقين عليه مثل أبي علي بن سيمجور قائد جيوش خراسان، وفائق وبكتوزون القائدين الطامعين في ملك بخارى. [ابن الأثير: ٢٦/٩، ٥٥].
وفي نفس الوقت تمكن سُبُكْتِكِين من التصدي لأطماع القراخانيين حكام تركستان الذين كانوا يتربصون لوراثة ملك السامانيين والامتداد حتى نهر جيحون، وكان ملكهم يدعى (هارون بن سليمان ويلقب بإيلك خان وبغراخان)، فلما مات خلفه أبو نصر أحمد بن إيلك خان الملقب بشمس الدولة [العتبي: ۲۳۲/۱ ۲۳۷].
كان سُبُكْتِكِين في كل هذه المراحل يعتمد على ابنه محمود، الذي ولاه إمرة جيوش خراسان، وقد آل إليه الحكم بعد وفاة أبيه سنة ٣٨٧هـ / ٩٩٧م، وتغلبه على أخيه الأكبر إسماعيل.
فواصل سياسة أبيه بالتدخل في شئون الدولة تحت شعار نصرة الأمراء السامانيين، ووطد أقدامه في خراسان وأناب عنه في حكمها أخاه نصرًا، ولقب نفسه سلطانًا، وكاتب الخليفة القادر العباسي معلنًا طاعته فأقره الخليفة على ما في يده، وأرسل إليه الألقاب والخلع سنة ٣٨٩هـ / ٩٩٩م.
ورأى محمود أن نهر جيحون حد مناسب لدولته، وكان هناك اتفاق غير مكتوب بينه وبين القراخانيين، فلم ير بأسًا في أن يترك لهم نصيبًا من ملك السامانيين وهو بلاد ما وراء النهر واكتفى هو بحكم خراسان [المصدر السابق: ٣٢٤/١ ٢٤٧، حمد الله القزويني: تاريخ كزيدة الملحق بتاريخ بخارى ص ١٤٩].
عرف العرب الهند منذ أقدم العصور وكانت العلاقات التجارية تربط بينهما، وفى أواخر عهد عمر بن الخطاب وصل المسلمون إلى إقليم السند، ثم أصبحت حملات المسلمين إلى هذه البلاد برًا وبحرًا أكثر قوة في العصر الأموي.
وتولى قيادة المسلمين محمد بن القاسم الثقفي الذي فتح الديبل والملتان، واختط المسلمون المدن فيها كالمنصورة والمحفوظة، واستمرت موجات الفتح الإسلامي حتى عهد المعتصم العباسي.
وأخذ الوجود الإسلامي بالهند ينحسر ويتضاءل، وأصبح لطائفة الإسماعيلية دويلة صغيرة في الملتان، وكانت هناك جاليات إسلامية محدودة محاطة بالهنود وأصبح الوجود الإسلامي بالسند في مفترق الطريق [حسن أحمد محمود: الإسلام والحضارة العربية في آسيا الوسطى، القاهرة، ١٩٦٨ م ص ٢٠٤].
وجاء الفتح الغزنوي ليحفظ ما بقي من وجود إسلامي، متخذًا صورة منظمة، في شبه غزوات حولية في فصل الشتاء، عابرة الحائط الجبلي العظيم المتمثل في جبال هملايا وهندكوش من خلال الممرات الطبيعية التي تتخللها، وهي: خيبر وجوبال وبولان، وهي المدخل الطبيعي لبلاد الهند من الشمال الغربي.
وقد ساعدت ظروف الهند الداخلية على نجاح الفتوحات الغَزْنَوِيّة، فقد انقسمت الهند في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي إلى إمارات صغيرة متناحرة، وتمكن الغَزْنَوِيُّون في وقت قصير من التوغل في الهند أكثر من سابقيهم، وأقاموا فيها حكومة وإدارة، ونشروا الإسلام على نطاق واسع.
وبدأت غزوات الغَزْنَوِيّين في عهد الطائفة الألبتكينية بغارات أو اشتباكات محدودة، ثم بدأ الفتح المنظم في عهد سُبُكْتِكِين الذي تابع غاراته على إقليم البنجاب في باكستان الحالية بصحبة ولده محمود، وهزم جيبال، وألزمه بالجزية، واكتسب كثيرًا من الغنائم.
وكان محمود بن سُبُكْتِكِين أكثر طموحًا، وكانت بلاد الهند بسهولها الخصبة وخيراتها الوفيرة أفضل الميادين لتحقيق هذا الطموح بعد أن خلص له حكم خراسان، ففي الشمال بلاد ما وراء النهر وتركستان حيث توجد القوة التركية التي يصعب قهرها، والفيافي والقفار التي لا يرجى منها خير كثير، وفي الغرب القوة البويهية التي كانت تحتفظ بكثير من قوتها، وأملاك الخلافة التي لا تقبل من أحد الانتقاص منها، أما فتوحات الهند فمن شأنها أن تجلب له الشهرة والمجد ورضا الخليفة في بغداد.
وكانت أولى غزوات محمود في شهر المحرم سنة ٣٩٢هـ / نوفمبر سنة ١٠٠١م، قام فيها بغزو مملكة (جيبال) وتمكن من أسر ملكها ثم أعتقه مقابل الفدية [العتبي (كاتب السلطان محمود): تاريخ اليميني ٣٦١/١ ٣٦٧].
ورأى محمود في فصل الشتاء موسمًا مناسبًا لغزواته نظرًا لمناخ الهند الموسمي الذي يمتاز بشتاء جاف، وصيف حار مطير.
وتتابعت شواتي السلطان محمود بن سُبُكْتِكِين على الهند، فغزا (بهاطية) سنة ٣٩٥هـ / ١٠٠٤م، والملتان سنة ٣٩٦هـ / ١٠٠٥ - ١٠٠٦م، ومملكة نواسه شاه سنة ٣٩٧هـ / ١٠٠٦م، ومملكة أبرهن ابن أندبال سنة ٣٩٨هـ / ١٠٠٧م، وناراين سنة ٤٠٠ هـ / ١٠٠٩م، وناردين سنة ٤٠٤هـ / ١٠١٣م، وتانيسر سنة ٤٠٥ هـ / ١٠١٤م، وقنوج سنة ٤٠٩ هـ / ١٠١٨م.
واستولى السلطان على بلاد تفوق في اتساعها خراسان وامتدت فتوحاته في البلاد حتى كان جيشه يقطعها في ثلاثة أشهر مع السير المتصل. [العتبي: ١٥٣/٢، ٣٦٥].
وفي سنة ٤١٦هـ / ١٠٢٥م قام السلطان محمود بخاتمة غزواته إلى الهند فوصل إلى سومنات وفيها صنمهم الأعظم وكان يقوم على عبادته المئات من البراهمة والرجال محلوقي الرءوس ويزعمون أنه يعيد إنشاء الأرواح بعد مفارقتها للأجساد على مذهب التناسخ فأصر محمود على تحطيمه ليثبت لهم كذب ادعاءاتهم، ورفض ما بذلوه من مال لفداء صنمهم.
وبعد وفاة السلطان محمود سنة ٤٢١هـ / ١٠٣٠م توقفت غزوات الهند تقريبًا، برغم ما كان يأمله ابنه وخليفته السلطان مسعود الذي قال: إن قلبي يميل إلى أبعد ثغور الهند إحياء لسنة أبينا وشكرًا لله على ما أولانا. [أبو الفضل البيهقي: تاريخ البيهقي، ص ٤٢٦]
وقام مسعود بغزوة واحدة إلى الهند سنة ٤٢٨هـ / ١٠٣٦م استولى فيها على قلعة هانسي التي تعرف بالقلعة العذراء، بعد حصار وقتال عنيف [المصدر السابق، ص ٥٨٠].
وفي بداية عهد ابنه مودود، حاول بعض ملوك الهند التمرد، لكن مودودًا تمكن من قمعهم وكانت آخر غزوات الغَزْنَوِيّين بالهند سنة ٤٧٢هـ / ١٠٧٩م، في عهد إبراهيم بن مسعود (٤٥١هـ - ٤٩٢هـ / ١٠٥٩ -۱۰۹۸م) الذي تمكن خلالها من فتح عدد من قلاعهم البعيدة.
وكان الغَزْنَوِيّون يهتمون بنشر الإسلام، ويعلنون أن فتوحاتهم في الهند تجري باسم الخليفة العباسي، ويبنون في كل مدينة يفتحونها مسجدًا، كما عمدوا إلى توطين الكثيرين من أهل خراسان في هذه المدن، وكان هذا التهجير يتم اختياريًا أو إجباريًا مثل أسرى خوارزم، وكانوا بالآلاف، وقد سيرهم السلطان محمود في أفواج إلى الهند، ومنحهم العفو وكلفهم بحماية الثغور ويقول المؤرخون: إن قِطَار الأسرى كان ممتدًا من بَلْخ حتى لاهور والملتان، وبذلك أوجد للإسلام قاعدة بشرية في هذه الديار. [البيهقي: ٧٤٥]
واتخذ الغَزْنَوِيُّون من الهند عمقًا استراتيجيًا يلجأون إليه إذا داهم حاضرتهم (غزنة) عدو قوي كالسلاجقة والغوريين، حيث يجمعون صفوفهم، ثم يعاودون الزحف على غزنة من جديد.
وأصبحت للهند أهمية كبرى في أواخر العهد الغزنوي، عندما سقطت (غزنة) في أيدي الغوريين، وفقدوا أملاكهم في إيران، فأصبحت دولتهم مقصورة على ما فتحوه في الهند ونقلوا حاضرتهم إلى (لاهور)، ونقلوا إليها إدارتهم ودواوينهم سنة ٥٤٣هـ / ١١٤٨م حتى سقطت هي الأخرى سنة٥٨١هـ / ١١٨٥م [منهاج سراج جوزجاني: طبقات ناصري (فارسي) - كابول سنة ١٣٤٢هـ - ج ا، ص ٢٤٤].
في نفس الوقت الذي تواصلت فيه فتوحات محمود الغَزْنَوِيّ في الهند استطاع أيضًا إخضاع المناطق الإيرانية، فبسط سلطانه على ولاية سجستان جنوبي غزنة وأقيمت له الخطبة فيها سنة ٣٩۳هـ / ١٠٠٢م، وأخضع قصدار، الواقعة إلى الجنوب الغربي من مملكته وكانت قبل ذلك خاضعة لأبيه سُبُكْتِكِين، ثم أعلنت تمردها، ومنعت الجزية، فعاد حاكمها إلى الطاعة سنة ٤٠٢ هـ / ١٠١١م.
وفتح محمود بلاد غرشستان، ولم تحدد المصادر تاريخ فتحها، لكنها ذكرتها بعد فتح قصدار، وكان ملوكها يلقبون (بالشار)، وحضر ملكها وابنه إلى البلاط الغزنوي وأعلنا الطاعة والولاء للسلطان محمود [العتبي: ١٤٦/٢].
وتمكن محمود من إخضاع بلاد الغور المنيعة، الواقعة في جبال سليمان وكانوا بعيدين عن الإسلام لعزلتهم وتمتاز بلادهم بالخصب ووفرة المياه وكثرة المراعي [الإصطخري: المسالك والممالك، تحقيق د. محمد جابر الحيني القاهرة سلسلة (تراثنا)، سنة ١٩٦١م ص ١٥٣ - ١٥٧]، وكان حكامها يحملون اسم (سوری) [البيهقي (أبو الفضل): تاريخ البيهقي، ص ١١٥ – ١٢٥] فحاصرها محمود وأسر ملكها ابن سوري، وأقام فيها شعارات الإسلام، وترك فيها دعاة يعلمون أهلها أمور الدين الحنيف، وذلك سنة ٤٠١ هـ / ١٠١٠م، وتابع غزواته على هذه البلاد في السنوات التالية حتى أكمل فتحها، ثم زحف على جرجان وطبرستان الواقعتين جنوب بحر قزوين مستفيدًا مما وقع منها من صراع داخلي على السلطة. [البيهقي: ۱۸٦، ابن الأثير: الكامل: ١٣٩/٩]
وتواصل الفتح الغَزْنَوِيّ غربًا، فاستولى السلطان محمود على خوارزم سنة ٤٠٧هـ، وبلاد الأفغان الذين ورد ذكرهم لأول مرة في التاريخ في مؤلف العتبي [العتبي: تاريخ اليميني، ص ۳۰۰، دائرة المعارف الإسلامية مادة (افغانستان) بقلم المستشرق لونج ويرث ديمز].
وكانوا مصدر إزعاج للسلطان لقطعهم طريق القوافل والجيوش المتجهة إلى إقليم السند، فقصدهم، وأوقع بهم سنة ٤٠٩ هـ / ١٠١٦م.
وزحف السلطان محمود على أملاك البويهيين في المناطق الإيرانية وهي الري والجبال وكرمان، متهمًا مجد الدولة البويهي بإيواء أهل البدع من الباطنية والرافضة، واعتناقه لمذاهبهم، ونكل محمود بكثير من الغلاة سنة ٤٢١هـ، وترك ابنه مسعودًا واليًا على المناطق الغربية لدولته، وبذلك كسب محمود نصرًا سياسيًا إلى جانب انتصاراته العسكرية، إذ أثبت للخلافة والمتغلبين عليها من البويهيين أنه نصير الخلافة وحامي المذهب السني، والقوة الوحيدة التي تتزعم بلاد الشرق الإسلامي من أطراف العراق حتى بلاد الهند.
استقر في نفوس الغَزْنَوِيّين أن الممثل الوحيد للإسلام هو المذهب السني، الذي يرأسه الخليفة العباسي في بغداد، ولذا كانوا حريصين برغم نأي حاضرتهم وما أصاب الخلافة من وهن على أيدي المتغلبين على الاعتراف بهم وتفويضهم بحكم بلادهم من الخليفة العباسي، ولم تكن لهم كالفرس رغبة في انتزاع السيادة من العرب، أو الاستعلاء على العنصر العربي. [محمد عزة دروزه: العرب والعروبة في فترة التغلب التركي، ص ۱۱].
وكان قيام الدولة الغَزْنَوِيّة بمثابة دفعة قوية بعثت الدماء في جسد الخلافة الواهي وأسهمت في استمرارها حتى جاء السلاجقة فخلصوها من تسلط البويهيين الشيعة.
وكانت منابر خراسان وغزنة تخطب باسم الخليفة العباسي (القادر) بعد أن منعت من ذكره قبل ذلك في عهد السامانيين الذين رفضوا الاعتراف بخلافته ثماني سنوات لخلافهم مع البويهيين، وعدم رضاهم عن الطريقة التي تمت بها توليته [أبو شجاع: ذيل تجارب الأمم، ۳۳۲].
ونقش اسم الخليفة (القادر) وولي عهده إلى جانب اسم السلطان الغَزْنَوِيّ على السكة فتقارن ذكرهما في الخطب وترافق اسماهما على صفحات (الفضة والذهب) كما يقول العتبي [العتبي: ۱۱۲/۲].
وقد أعلن السلطان محمود الغَزْنَوِيّ أن كل فتوحاته وانتصاراته تجري باسم الخليفة وبأمره، وكان يكاتب الخليفة باستمرار، ويلقب نفسه (عبد مولانا أمير المؤمنين وصنيعته محمود بن سُبُكْتِكِين) [سبط بن الجوزي: مرآة الزمان، ج۱۱، ص ٤٤١].
واستجاب السلطان محمود لأوامر الخليفة بالتصدي لدعاة الفاطميين في المشرق، فأهانهم ورفض استقبالهم كما أمر علماء السنة بمناظرة دعاة الفاطميين ليثبت فساد عقيدتهم، وأمر بقتل أحد زعمائهم ويُسمى (التاهرتي) [حمد الله المستوفي: تاريخ كزيدة، ترجمة محمود قشطة، ص ۳۸].
وفرق السلطان الغَزْنَوِيّ بين المذهب والنسب، فكان العلويون إلا من كانت له صلة بالفاطميين موضع تكريم وتقدير، مثل الشاعر الملقب بالزيني العلوي الذي نال كثيرًا من العطايا والأموال، والفقيه الحسن بن طاهر بن مسلم [السبكي طبقات الشافعية، ج٣، ص ٨١].
وكان الغَزْنَوِيُّون يحاربون مذاهب الباطنية والقرامطة، ويعاقبون بكل قسوة من يثبت انتماؤه إليهم أو اعتناقه لأفكارهم، وكانوا يرفضون مذهب المعتزلة، ويحرقون ما يجدونه من كتب لأهل هذه المذاهب كما فعل السلطان بالري سنة ٤٢١هـ / ١٠٣٠م.
وهناك شبهة في ميل الغَزْنَوِيّين إلى الكرامية أتباع محمد بن كرام (ت ٢٥٥هـ / ٨٦٩م) وكان من أهل سجستان وله كتاب باسم (عذاب القبر)، وهم جماعة من المجسمة والمشبهة، وكان لهم [المقدسي: أحسن التقاسيم، ص ۳۲۳] وجود في بعض بلدان المشرق .
كان الأمير سُبُكْتِكِين أبو محمود يعتقد أن هؤلاء الكرامية من العباد [الذهبي سير أعلام النبلاء، ج ۱۰، ص ۲۷۲، ج ۱۱، ص ١٠٦] الزهاد، ويغضب لهم، ولم تكن لهم تطلعات سياسية، وكانت الخلافة العباسية تحسن إليهم مثل ابن الهيضم الذي ألقى خطبة في مدح الخليفة القادر [العتبي: ۱۰٩/٢- ۱۱۱، ۳۱۱].
وكان الكرامية يساعدون الحكام الغَزْنَوِيّين في مواجهة القرامطة، ويلوذون بهم من ظلم الحكام الآخرين، مثل زعيمهم ابن محمشاد، فولاهم السلطان [العتبي: ج٢، ص ٣١١] رئاسة المتصوفة [الإسفراييني: التبصير في الدين، ص ۱۰۰].
لكن الغَزْنَوِيّين، وبخاصة السلطان محمود الذي نعتته المصادر بحامي السُّنة ومحارب البدعة ويمين الخلافة ونصيرها، لا نعتقد أنهم اعتنقوا هذا المذهب أو مالوا إليه، وكان السلطان محمود يستمع إلى مناظرات أهل السنة مع زعماء الكرامية في حياد، ويحمي علماء السنة إذا حاول أحد منهم أن يتطاول عليهم، وعندما ألجم أبو إسحاق الإسفراييني في مناظرته علماء الكرامية، ولم يستطيعوا الرد عليه أظهر السلطان محمود غبطته وقال لوزيره أبي العباس الإسفراييني: "إن ابن بلدك هذا قد حطم معبود الكراميين على رؤوسهم" [العتبي: ٣١٤/٢].
وقد قبل محمود الزهد والتعبد من المعتدلين، لكنه لم يقبل من غلاة الكرامية ما أظهروه من تجسيم وتشبيه واستدعى زعيم الكرامية ابن محمشاد فأعلن براءته منهم، وأمر بتعقبهم، فمن رضخ وتاب تركه وشأنه، ومن أصر على دعواه أمر بحبسه في بيته [الرواندي: راحة الصدور ترجمة الشواربي].
وكان المذهبان الفقهيان السائدان في أنحاء الدولة الغَزْنَوِيّة هما المذهب الحنفي، والمذهب الشافعي.
كان العامل الأول في ضعف الدولة الغَزْنَوِيّة هو ظهور السلاجقة على أطرافها من ناحية الشمال الشرقي في بلاد تركستان وما وراء النهر، وهم قبيلة تنتمي إلى فرع من الترك يعرفون باسم (الغز)، وقد دفعهم فقر بلادهم وتزايد أعدادهم إلى الزحف نحو المناطق الإيرانية، وكان الغَزْنَوِيُّون يستعينون بهم، ويستخدمونهم كمرتزقة في مطاردة أعدائهم الفارين إلى بلاد ما وراء النهر وعبر بعضهم نهر (جيحون) واستأذنوا السلطان محمودًا أن يسمح لهم بالمقام على أطراف دولته، فاستشار أصحابه فحذروه منهم، لكنه اضطر في النهاية أن يأذن لهم أمام كثافة أعدادهم وتعاظم قوتهم، ليكونوا تحت عينيه، ولا يخرجون عن طاعته، فأنزلهم نواحي خراسان وألزمهم بالخراج .
وكان هذا القرار بالغ الخطورة؛ حيث ترتبت عليه نتائج حاسمة في تاريخ المشرق الإسلامي؛ فقد استدعوا إخوانهم وتكاثرت أعدادهم ولجأوا إلى الإفساد والسلب. ومات السلطان محمود سنة ٤٢١ هـ / ١٠٣٠م، وهو كاره لأمرهم، نادم على إنزالهم بلاده [الحسيني صدر الدين أبو الحسن علي: أخبار الدولة السلجوقية لاهور، ۱۹۳۳م، ص ].
وقد وقع السلطان مسعود بن محمود في نفس الخطأ الذي فعله أبوه واستعان بهم في حروبه مع المتمردين عليه، ثم غدر بهم وقتل أكثر من خمسين من زعمائهم، فاستدعوا جماعات أخرى من بلاد ما وراء النهر على رأسهم طغر لبك محمد، وجغري بك داود، في عشرة آلاف فارس، وطالبوا السلطان مسعودًا أن يمنحهم مقاطعة داخل دولته، فأبي وطاردهم طويلًا، وكانوا على درجة عالية من المراوغة والخداع، والقدرة على التراجع والتجمع مرة أخرى، فألحقوا بجيش السلطان مسعود هزيمة نكراء عند حصن "داندا نقان" القريب من نيسابور، وكانت هذه المعركة هي الفاصلة في تاريخ خراسان فقد خلصت بعدها للسلاجقة، وانحسر عنها الوجود الغَزْنَوِيّ سنة ٤٣١هـ / ١٠٣٩م [البيهقي (أبو الفضل): ص ٦٥٤].
وتجرأ حكام الأطراف على الغَزْنَوِيّين بعد هذه الهزيمة، في الهند والري وأصبهان وكرمان وغيرها حتى تمكن السلاجقة في سنوات قلائل من اجتياح كل هذه المناطق وإخضاعها، وإسقاط البويهيين في بغداد، والسيطرة على دار الخلافة العباسية.
وتحولت الدولة الغَزْنَوِيّة من سلطنة مترامية الأطراف إلى دولة محدودة السلطان لا تسيطر إلا على غزنة وبعض بلاد السند، وما لبثت غزنة هي الأخرى أن سقطت في أيدي الغوريين الذين ظهروا في بلاد الغور القريبة منهم، ودخل سوري ابن الحسين الغوري (غزنة) سنة ٥٤٣هـ / ١١٤٨ م لكن ملكها بهرام شاه تمكن من جمع أنصاره والعودة إلى غزنة، وقتل سوري ونكل به ومثل بجثته، فغضب له أخوه علاء الدين الحسين بن الحسين ودخل غزنة، وأمر بإحراقها، ولذلك لقب (بجها نسوز) أي محرق العالم [حمد الله المستوفي تاريخ كزيدة، ص ٥٤]، ذكر لين بول أن حرقها كان سنة ٥٥٣هـ، وذكر زامباور أنه كان سنة ٥٤٥هـ، وذكر ابن الأثير أنه كان في سنة ٥٠٥هـ.
وطارد الغوريون الغَزْنَوِيّين في معقلهم الجديد "لاهور" بالهند، فدخلها شهاب الدين الغوري ٥٨٢هـ / ١١٨٦م وأرسل آخر ملوك الغَزْنَوِيّين ملكشاه إلى أخيه غياث الدين فأمر بإعدامه، سنة ٥٩٨هـ / ١٢٠١م، كما قتل ابنه بهرام شاه الذي كان محبوسًا في إحدى القلاع، [سراج منهاج الجوزجاني: طبقات ناصري، ج ١، ص ٢٤٤]، وكان هذا آخر العهد بآل سُبُكْتِكِين الذين حكموا غزنة أكثر من قرنين.
مراجع للاستزادة:
الدولة الغَزْنَوِيّة: دولة إسلامية قامت في خراسان والهند في القرن الرابع الهجري، أسسها سُبُكْتِكِين ووسعها محمود الغَزْنَوِيّ، وعرفت بفتوحاتها في الهند ونشر الإسلام فيها، استمرت الدولة حتى سقطت في أيدي الغوريين في القرن السادس الهجري.
هي حركة فكريّة قوميّة تُنسب إلى هضبة "طوران" حيث تعود أصول الشعوب التركية.
اسم تركيّ الأصل يطلق في الأصل على الوصيّ أو المؤدب لأمراء الأتراك.
حركة إصلاحية دينية وسياسية نشأت في القرن التاسع عشر على يد محمد بن علي السنوسي.