Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة الزنج

الكاتب

أ.د/ أنس هارون نصر

ثورة الزنج

تُعَدُّ ثورة الزنج واحدة من أخطر الثورات الاجتماعية التي هزّت أركان الدولة العباسية، إذ مثلت نموذجًا فريدًا للتمرد ضد الظلم الاقتصادي والاجتماعي، وعكست حجم الصراع بين الطبقات المقهورة والحكم المركزي آنذاك.

المقدمات والدوافع للأحداث

أحدث الزنج -Ethiopians-وهم طائفة من عبيد أفريقيا - القلاقل والاضطرابات في حاضرة الخلافة العباسية، وكان مسرح هذه الثورات الجامحة العنيفة التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة تلك المستنقعات الممتدة بين البصرة وواسط، حيث انضمت إليهم جماعات من العبيد الهاربين من القرى والمدن المجاورة تخلصًا من حالتهم الاقتصادية التي كانوا عليها[الكردي: ابراهيم سليمان - طبقات مجتمع بغداد في العصر الأول، ص ۹۵، مسرحة ۱۹۸۹م]، إذ كانوا لا يتقاضون من الأجر شيئًا، بل يقتاتون بقليل من الدقيق والتمر والسويق [الطبري: محمد بن جرير. ت: ۳۱۰، تاريخ الأمم والملوك، ج ۷، ص ٥٤٥ وما بعدها – بيروت]؛ مما جعلهم إزاء هذه الحالة الاقتصادية والاجتماعية السيئة على أتم الاستعداد للخروج على ولاة الأمر فيهم.

ومن الملاحظ أن هؤلاء الزنوج كانوا يستخرجون السباخ، ويستغلونها في الزراعة فتعطيهم الثمرات في مقابل أجور ضئيلة يتقاضاها هؤلاء؛ ليأكلوا منها السويق والتمر وذلك بأسعار رخيصة، وكان من نتيجة هذا أن كثرعدد الزنوج فصاروا جماعات يقومون بهذه الأعمال تتراوح جماعتهم ما بين خمسمائة شخص إلى آلاف الأشخاص [الطبري: نفس المصدر والجزء، ص ٥٤٦]، يتشاورون فيما بينهم للنظر في حالهم وما وصل إليه أمرهم دون أن يسمع بهم أحد.

ومما يدل على قوة هؤلاء قيامهم بالعمل في الأراضي المستنقعة، والأجواء الموبوءة، واستطاعتهم تحمل قساوة العيش في هذا الظرف العصيب [الطبري: نفس المصدر والجزء، ص ٥٤٦ وما بعدها]، أما لماذا كان اجتماعهم؟ فمن المحتمل أنه كان للتمهيد فيما بينهم على الاتفاق والتفاهم فيما يخصهم من الأمر بشأن الحالة التي كانوا عليها، وعندما جهلوا الثقافة احتاجوا فيما بينهم إلى قائد يقودهم يأتمرون بأمره ويوجههم للعمل الثوري.

فالظروف والأحوال كانت مهيأة لهم لنشر دعوتهم الثورية، حيث طبيعة الأجواء التي كانوا يعملون فيها والتى تساعدهم على الاختفاء والظهور، إضافة إلى صعوبة الاستيلاء عليها حتى لو كان الجيش مدربًا؛ لذلك نجحت فكرة المقاومة لديهم سعيًا وتمهيدًا إلى طريق الحصول على المال الذي يعتبرونه حقًا لهم [الطبري: مصدر سابق، ج٧، ص٥٥٨]، يضاف إلى ذلك دور صاحب الزنج، الذي جعل من الأهداف التي بثها لنجاح حركته، وتحرير الزنوج، ورفع مستواهم، وتمكينهم من الحصول على الأموال والأرقاء والعبيد، إضافة إلى ذلك وصولهم إلى المجد والسلطان، ومن خلال هذه الأهداف يتبين أن صاحب الزنج اكتفى بالوعود لهذا الشعب المظلوم، خاصة العبيد، بتحسين أحوالهم وضمان الحرية والثروة لهم، بل تجده جاهر بعقيدة الخوارج التي ترفض كل تمييز قومي، والتي بدت من غير شك سائغة عند أتباعه على وجه الخصوص.

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس في دعوة صاحب الزنج أية فكرة تنتمي إلى الشيوعية أو الاشتراكية، فتحرير العبيد في حد ذاته ليس فكرة شيوعية محضة بمعناها الشمولي، بل هي فكرة عامة، فالأموال لم تكن توزع بين هؤلاء على طريقة الاشتراكية والمساواة، فلكلٍ ماله، ومع ذلك فإن الرق موجود في هذه الدعوة ومشروع، وما أكثر الأرقاء الذين وقعوا في قبضة الزنج، ومهما يكن من شيء فإن صاحب الزنج لم يلبث أن كشف عن ميوله الحقيقية، حتى أن أعداءه سموه "الدعي" كما سموه "الخبيث"، ومعهم كل الحق، إذ كيف يتأتى له امتلاكه للعلويات[السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ت / ۹۱۱ هـ، تاريخ الخلفاء، ص ٣٦٤، ط٤ ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩م]، وادعاؤه النسب إلى زيد بن عليّ رضي الله عنه، وقد ذهب فكره به إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أدعى النبوة ومعرفة الغيب، وأن لديه القدرة على ما ليس لغيره من الناس [الطبري: مصدر سابق ج ٧، ص ٥٤٤]

وسائل وتطورات هذه الثورة

وقد ذكر الطبري [الطبري: نفس المصدر والجزء ص ٥٤٦ ] أن صاحب الزنج بدأ أمره سنة )٢٥٤ه- ٨٦٨ م) بخطبة في بني جنسه ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنقذهم به من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الأمور؛ ونتيجة لهذا وصلت دعوته إلى العناصر المتذمرة فضمت إليه أجناسًا أخرى من الفلاحين وسكان القرى وبعض الأعراب، إضافة إلى جماعات الزنج الذين تراوحت أعدادهم من الخمسين إلى الخمسمائة شخص، حتى قيل إن أثر هذه الدعوة وصل بالفعل إلى السود من الجنود الذين يعملون في جيش الخلافة، الأمر الذى أوجد نوعًا من الانتماء للون والبشرة - أو ما نسميه بالنزعة العرقية إن صح التعبير- وأدى هذا إلى استحواذ صاحب الزنج على جيش كثير لم يُرَ مثله في جيش الخلافة.

ولقد كان من وسائل صاحب الزنج في تنفيذ مهامه وخططه الحربية أنه لا يستطيع أن يقاوم خصومه وجهًا لوجه، فأتباعه ليسوا أهلا للسلاح والفروسية على عكس جيش الخلافة، فبدأ بعنصر المفاجأة، والإغارة على القرى والدساكر[الطبري: مصدر سابق، ج ۷، ص ٥٥٠-٥٥٤]، وهذا ينتج عنه إلقاء الرعب بين الأهالي، ثم تقدم خطوة أخرى بغزو المدن الكبيرة لساعات محددة، ويتم فيها أخذ ما يشاءون من الأولاد والنساء، وسفك الدماء، مع عدم البقاء في تلك المدن إذا كانت قريبة من جيش الخلافة، وكان قصده من ذلك ألا يتم الالتحام بين جيش الخلافة وجيش الزنج في مكان معين غير محصن.

ومن وسائله أيضًا توزيع الجيش في الطرقات وفي الأماكن المأهولة وغير المأهولة وبين الأشجار والمستنقعات توزيعًا يستطيع به الجيش أن يتصدى لجيش الخليفة ويمنعه من الاتصال بالعاصمة، وقطع الإمدادات، إضافة إلى تعيين أكمنة لجيش الزنج تكون محصنة ومحاطة بالمستنقعات، والأشجار، والأدغال، بحيث يتعذر على جيش الخلافة الوصول إليها. [المصدر نفسه والجزء، ص ٥٦٦]، ومن أهم الحصون التي بناها لهذا الغرض حصن المختارة، حيث أقيم على الضفة الغربية لنهر أبي الخصيب وفيه قصر صاحب الزنج ومنه تكون قيادة الأمور.

وكان من نتيجة هذه المخططات التي أحدثها صاحب الزنج أنه استطاع من خلالها أن يقطع الطرقات، ويستولي على كثير من المدن، كما قام بما يشبه حرب العصابات في أيامنا هذه، وسرعان ما قدم صاحب الزنج البصرة، فأسرع إليه بعض غلمانها رغبة في التخلص من الرق، وتقول المصادر إن الأسياد بذلوا له على كل عبد خمسة دنانير؛ ليسلمه [ الطبري : مصدر سبق ج ۷، ص ٥٥٠]، كما أمر كل من عنده من العبيد، فضربوا مواليهم أو وكيلهم كل سيد خمسمائة سوط ثم أطلقهم، وما زال الزنج يلتفون حول صاحبهم حتى كان يوم الفطر (٢٥٥ هـ -٨٦٩ م) فخطبهم وصلى بهم، وأعاد على أذهانهم ما كانوا يلقونه من ظلم وعنت، ووعدهم الأماني الطيبة من إطلاق حرياتهم؛ واستمتاعهم بالأموال التي يغنمونها في حروبهم، واتخذ في مدينته التي بناها وسماها - كما ذكرنا آنفًا - المختارة منبرًا كان يصعد عليه ويسب عثمان وعليًّا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة، وذلك على الرغم من ادعائه النسب إلى عليّ رضى الله عنه، وكان من وسائله أيضًا استعمال النساء في الحروب، بالإضافة إلى استخدام فكر الخرافة والأسطورة التي وجدت آذانًا صاغية [الطبري: نفس المصدر والجزء، ص ٥٥١، ص ٥٦٥]، فكان يسبي النساء والأطفال ويحرق القرى مما أوجد الرهبة في قلب كل من يحاربه[الخضري، مرجع سابق ص ٣٤١]، وقد كان لقيامه بنصب رؤوس أعدائه الذين قتلوا دور في إرهاب الأعداء، ويضاف إلى ما سبق استعماله أراضي المستنقعات والأراضي السبخة، التي تعجز الجيوش النظامية عن القتال فيها، كما كان له اطلاع على العلوم، واستعمال الإسطرلاب في تحركاته [الطبري: نفس المصدر والجزء]، وعلى أية حال فقد بدأ صاحب الزنج بمحاربة عامل البصرة محمد بن رجاء الحضاري سنة (٢٥٥هـ / ٨٦٩م) والانتصار عليه، حيث استولى على ألف وتسعمائة سفينة كانت تحمل بعض الحجاج إلى مكة، وألقى الرعب والفزع في قلوب الأهلين حتى عجزوا عن مقاومته وشكوا إلى الخليفة المهتدى (٢٥٥- ٢٥٦هـ/٨٦٩ - ٨٧٠م) ما حلَّ بهم من البلاء فأنفذ إليهم أحد قواده الأتراك وهو جعلان، الذى فوجئ بالمستنقعات والأكمنة أمامه، لذلك لم يستطع الصمود أمام صاحب الزنج الذى اتجه بعد انتصاره إلى شرقي المختارة - الحصن الذى اتخذه مقرًا لأوامره - إلى الأهواز فاستولى عليها، وفيها طمأن أصحابه بأن إمدادات الخلافة لا تصل إليها إلا بعد جهد جهيد، وهكذا أصبح نفوذه في البصرة وواسط وطرقات بغداد، وبعد الانتصارات التي حققها صاحب الزنج، سواء في البصرة أو الأهواز أقام بالقرب من البصرة بسبخة أبي قرة ثم تحول منها إلى الجانب الغربي من نهر أبي الخصيب وفيه غنم مغانم كثيرة من المراكب الراسية في دجلة. [الطبري، مصدر سابق، ج ٧ ص ٥٤٤، الخضري، مرجع سبق ص ٣٤١، السيوطي، مصدر سابق ص ٣٦٤].

الدولة العباسية وموقفها من الثورة

ولما تولى المعتمد الخلافة (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ/٨٧٠- ٨٩٢ م) أرسل جعلان؛ لمحاربتهم للمرة الثانية لثلاث عشرة ليلة من رمضان سنة (٢٥٦هـ /٨٧٠م)، لكنه لم يفلح وهزم أمامهم حيث دخل الزنج البصرة، وقتل القائد التركي جعلان، واستولى صاحب الزنج على مدينة الأُبُلَّة سنة (٢٥٦هـ / ٨٧٠م) [الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة؛ لأن البصرة خططت في أيام عمر بن الخطاب، وقد مدحها خالد بن صفوان، ياقوت الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله، معجم البلدان، ص٨٩]، فأحرقها واستسلم له أهل عبادان فأخذ ما بها من العبيد وفرق فيهم السلاح وأسر إبراهيم بن المدبر عامل الخراج على الأهواز فزاد ذلك أهل البصرة رعبًا مما اضطرهم إلى مغادرة البلاد والانتقال إلى المدن البعيدة عن مطامع الزنج [الطبري. مصدر سابق ج٧، ص ٥٦٢].

ولقد أحدث الزنج الكثير من القلاقل والاضطرابات في البصرة بعد استيلائهم عليها لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة )٢٥٧ هـ -٨٧١ م)، فقد ذبحوا كثيرًا من أهلها، وضربوا مسجدها العظيم، وأشعلوا النار في المدينة، حتى قيل: إنهم قتلوا أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان في البصرة وحدها، كما أسروا أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال، فالرجل منهم كان يستحوذ على عشرة من النساء الرقيقات، وكان الاستيلاء على البصرة تمهيدًا؛ لوقوع حاضرة الخلافة في أيديهم.

أما موقف الخلافة من سقوط البصرة فلم تفعل شيئًا إلا عندما دخلت جموع صاحب الزنج واسط وما حولها [ابن الأثير: أبو الحسن على بن أبى الكرم الشيباني ت: ٠ ٦٣، الكامل في التاريخ، ط٦، ص ٢٣ بيروت]، حيث سير إليهم الخليفة المعتمد كثيرًا من قواده من أمثال موسى بن بغا الذي قتل عددًا كبيرًا منهم، غير أنه لم يفل شوكتهم، بل ظل خطرهم يتزايد وانتصاراتهم على الجيوش العراقية تتوالى.

الدولة وأساليب المقاومة

وأمام عجز الخلافة وسياستها في مواجهة صاحب الزنج وسقوط أقاليمها، الواحد بعد الآخر، لم يجد الخليفة المعتمد حلًا سوى الاستعانة بأخيه الموفق، فبعث في طلبه - حيث كان الخليفة المهتدي قد نفاه إلى الحجاز - وعهد إليه بقتال الزنج، وعلى الرغم من نجاحه في بعض المواقع ومعه موسى بن بغا إلا أنهما لم يوقفا زحف الزنج، ولما استفحل أمر هذا الدعي وعظُم شره، خيف على الدولة منه، عندئذٍ رأى الموفق أبو أحمد طلحة بعد أن اطمأن من ناحية أعدائه الآخرين أن يحشد إليه الجموع، ويتولى هو قيادتها بنفسه؛ ليكتسب الجيش العباسي من ذلك قوة وروحًا، فبدأ الموفق بإعداد العدة اللازمة؛ لتموين الجيش وذلك باتخاذ السفن وتزويدها بالمواد اللازمة لهذا الغرض، والحرب- كما يقولون - خدعة، ففعل كما فعل الزنج من إنشاء الحصون في واسط وبعض جهات البصرة، (الحصون الموفقة) وذلك على غرار ما فعله الزنج من المختارة حيث كان جيش الخلافة يعسكر في هذه المدينة وينطلق منها؛ لمحاربة الزنوج.

ويضاف إلى تخطيط الموفق أيضًا: أن يكون الانطلاق على فترات، وأن تسوى الأرض التي يستولى عليها وتمهد، ويقوم الجيش بالاستيلاء على مراكز في تلك الأرض، يجعل منها منطقة نفوذ حتى لا يباغت مرة أخرى، ولقد توج الموفق  كل هذه الأمور والخطط بأسلوب كان له أثره في إنهاء الحرب، ألا وهو أن يؤمن الأعداء على حياتهم، وأن يمنيهم الوعود الكثيرة، كما يؤمن العربان والسود من الخارجين عليه، وأن يؤمن الزنج أنفسهم، أما عن كيفية تأمينه للزنج فكان إذا وقع في يده أسير منهم أحسن معاملته، وأكرمه أمام أصحابه، فكان يعلن أمانه لكل من يغادر جيش الزنج ويكف عن القتال، كما أخذ يكاتب أصحاب صاحب الزنج فيدخلون في طاعته ويجمعهم حوله حتى كثروا، وأظهر لهؤلاء سيطرة الخليفة وهيبته فعلم هؤلاء أنهم لا قبل لهم بمحاربة الخليفة؛ لذلك أتوه أفواجًا يلتمسون أمانه.[ابن الأثير: نفس المصدر والجزء، ص٤١].

أحداث نهاية الزنج

استطاع الموفق أن يتغلب على صاحب الزنج، واستولى على أول حصن له، وتقدم منه حتى مدينة المختارة مقر قيادتهم، حيث ضربت بالمنجنيق والعرادات التي أحدثت فيها إصابات بالغة، وعلى الرغم من هذا الانتصار من جانب الموفق، إلا أن أن أحمد بن طولون قد أغرى الخليفة المعتمد بنقل الخلافة ومقر الحكم إلى مصر، فعاد الموفق أدراجه إلى بغداد خوفًا من عمل ابن طولون، وعندما اطمأن لموقف ابن طولون مع الخليفة عاد مرة أخرى إلى المختارة في الوقت الذى بدأ فيه صاحب الزنج بتحصين هذه المدينة، ومن ثم عادت الحرب أشد ضراوة مما كانت عليه، غير أن الظروف لم تكن في صالح صاحب الزنج وذلك أن لؤلؤًا ( وهو من أصحاب أحمد بن طولون ) خرج عليه وتقرب إلى الموفق كما التحق بجيشه فاستطاع الموفق أن يكون جيشًا كبيرًا يهاجم به المختارة.

أما كيف دخل الموفق المختارة فيذكر ابن الأثير أنه فعل ذلك بعد أخذه الأمان للخارجين على صاحب الزنج حيث دلوه على مواقع المدينة وكنوزها التي أصبحت من نصيبه، ومن ثم كانت سبيلًا؛ لتحقيق انتصارات أكبر حتى أجلى الزنج عن الأهواز بعد محاصرة مدينتهم المختارة والشروع في بناء مدينة أخرى سميت بـ "الموفقية" نسبة إليه، كما قطع ابن الموفق (العباس) الميرة عن صاحب الزنج وكان في ذلك فرصة كي يستولي الموفق على الجزء الباقي من مدينة المختارة.

النتائج والمآلات

وهكذا أسقطت قلعة صاحب الزنج، وعاد الناس بعد أن تخلصوا من الأسر والرق، وقتل الخبيث يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة (٢٧٠هـ - ٨٨٣ م)، وذلك بعد أن أقض مضجع الخلافة العباسية وكلفها كثيرًا من الجهود والأموال والأرواح، وكان أتباعه قد استمروا يعيثون في البلاد الإسلامية أربع عشرة سنة وستة أيام، وعلق رأسه على رمح، وزينت بغداد بأبهى معالم الزينة، وطيف برأسه بين مظاهر الفرح، كما استطاع الناس العودة إلى بلادهم التي استولى عليها الزنج، وأشاد الشعراء بهذا الانتصار. [ابن الأثير: المصدر السابق، ج٦، ص٥١، الخضري: مرجع سابق، ص٣٤٢].

وبعد أن تخلص الموفق من صاحب الزنج أمر كاتبه أن يكتب إلى أمصار الإسلام بالنداء في أهل البصرة والأُبُلَّة وكور دجلة وأهل الأهواز وكورها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزنج بقتل الدَّعِيّ، وأن يسرعوا بالعودة إلى أوطانهم، ففعل كاتبه ذلك، عندئذ سارع الناس إلى ما أمروا به وعمرت مدينة "الموفقية". [ابن الأثير: نفس المصدر والجزء، ص٥٣].


مصادر ومراجع للاستزادة
  • ابن الأثير: أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني، ت: ٦٣٠ هـ، الكامل في التاريخ بيروت.
  • أحمد شلبي: د. موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط ١، مصر، ۱۹۸۰ م.
  • الخضري بك: الشيخ محمد، تاريخ الأمم الإسلامية، العصر العباسي،۱۹۷۰م.
  • السيوطي: الإمام الحافظ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، ت: ۹۱۱ هـ تاريخ الخلفاء، ط ٤، ١٣٨٩ هـ،١٩٦٩م.
  • الطبري: محمد بن جرير. ت: ۳۱۰ هـ، تاريخ الأمم والملوك، بيروت.
  • ابن كثير: عماد الدين أبو الفدا إسماعيل: ت: ٧٧٤ هـ، البداية والنهاية، ط١، ١٣٥١ هـ، ۱۹۳۳ م، مصر.
  • المسعودي: أبو الحسن على بن الحسين، ت: ٣٤٦ هـ، مروج الذهب ومعادن الجوهر، مصر، دار التحرير.١٣٨٧ هـ، ١٩٦٧ م.
  • ابن الوردي زين الدين عمر بن مظفر: ت: ٧٤٩ هـ، تاريخ ابن الوردي، بيروت، ١٤١٧هـ، ١٩٩٦ م.
  • ياقوت الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله، معجم البلدان، بيروت.

الخلاصة

أثارت ثورة الزنج اضطرابات ضخمة في الدولة العباسية طيلة أكثر من أربع عشرة سنة، مدفوعة بظروف اقتصادية قاهرة وسوء أوضاع العبيد الأفارقة، واجهت الدولة العباسية صعوبات جمة حتى تمكنت أخيرًا بقيادة الموفق من القضاء على الثورة بعد معارك طويلة وصعبة، أظهرت هذه الأحداث أهمية العدالة الاجتماعية ودور القيادة في إنهاء الصراعات الداخلية.

موضوعات ذات صلة

أسرة فارسية لعبت دورًا مهمًا على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في العصر العباسي.

هم سكان المغرب الأصليون، الذين عُرفوا عبر التاريخ بـالبربر.

هم أبناءُ العبّاس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مختارة