عند عودة عليّ إلى الكوفة رفض اثنا
عشر ألفًا من القراء والجند أن يدخلوا معه الكوفة ونزلوا بحروراء [حَرَوْراء: قرية بظاهر الكوفة، على بعد ميلين، ابن عبد
الحق، مراصد الاطلاع ١/ ٣٩٤]، وتشاوروا فيما بينهم وأعلنوا خطأ القبول
بفكرة التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله، وولوا عليهم شبث بن ربعي [شبث بن ربعي التميمي اليربوعي، شيخ مضر وأهل الكوفة في
أيامه، أسلم ثم ارتد ولحق بسجاح المتنبئة، ثم عاد إلى الإسلام، وكان ممن ثار على
عثمان، وقاتل الحسين بن عليّ، وخرج مع المختار الثقفي ثم انقلب عليه، توفى بالكوفة
(٧٠هـ)، ابن حجر: الإصابة ٣/٥١٠-٥١١]. فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب
وسألهم: ما الذي أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين، فذكرهم بطلبه منهم
الاستمرار في القتال، وأنهم هم الذين اضطروه إلى قبول التحكيم، وأنه قبله وهو كاره
له، ودعاهم إلى الدخول في طاعته، فدخلوا معه الكوفة [المسعودي:
مروج ٢/ ٤٠٥، الطبري تاريخ الأمم ٥/ ٦٥-٦٦، وابن كثير: البداية ٧/ ٣٦٤].ولكنهم
لم يخلصوا لعليّ رضي الله عنه، وكانوا
يقاطعونه وهو يخطب في مسجد الكوفة ويقولون له: لا حكم إلا لله فلا يجوز تحكيم
البشر في كتاب الله، وكان عليّ يصبر عليهم ويتألفهم، ويناقشهم مؤكدًا أن هذه
المقولة كلمة حق يراد بها باطل، فلم يسمعوا له وجمعوا أتباعهم وخرجوا من الكوفة
ونزلوا النهروان [النهروان: كورة واسعة بين بغداد
وواسط من الجانب الشرقي، ياقوت الحموي: معجم البلدان ٤/ ٢٦٠] ولحق بهم
خوارج البصرة [الطبري: تاريخ الأمم ٥/٧٦-٧٧]. واتهموا
عليًا رضي الله عنه بالكفر، لقبوله التحكيم؛ لأنه إمام وله بيعة فالحق في
جانبه، واشترطوا للعودة إلى طاعته أن يقرَّ على نفسه بالكفر ويعلن أنه تاب من ذلك،
ويقود الجيوش إلى الشام لمحاربة الفئة الباغية [ابن
قتيبة، الإمامة والسياسة ١/ ١٢٧]، وبذلك انفتق جرح جديد في الدولة
الإسلامية جرّ عليها الويلات وأزهقت فيه الأرواح، ومنهم الخليفة عليّ نفسه.
التحكيم: ولما حان موعد
التحكيم - في رمضان (٣٧هـ / ٦٥٨م) - اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري، وعمرو بن
العاص ومع كل منهما أربعمائة رجل من أنصاره - بمثابة الشهود - في دومة
الجندل [دُومة الجندل: حصن على سبعة مراحل من
دمشق، ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع ٢/ ٥٤٢] وصارا يعقدان الجلسات، ويتذكران
ما حل بالإسلام والخلاف الواقع بين أهله، وتعاهدا على الاتفاق على أمر يجمع الله
به الأمة، ويلم الشعث ويصلح ذات البين [المسعودي:
مروج ٢/ ٤٠٧]، واستقر رأيهما على خلع عليّ ومعاوية، وترك الأمر شورى
للمسلمين يختارون من يرضون به وكتبا ذلك في صحيفة [ابن
كثير: البداية ٧/٣٧٠].
أما رواية أنهما خطبا الناس وقدَّم عمرو
أبا موسى الذي أعلن خلع عليّ ومعاوية، ثم قام عمرو وأعلن أنه
خلع عليًا كما خلعه أبو موسى وثبَّت معاوية، وأن عَمْرًا
خدع أبا موسى واختلفا وتضاربا وتشاتما [الطبري:
تاريخ الأمم ٥/ ۷۰-۷۱، ابن الأثير: الكامل ۲۰۸/٣، ابن كثير: البداية ٣٧٠/٧] فهذه
الرواية - على الرغم من ذكرها في معظم المصادر - لا تتفق وسيرة صحابيين لهما تاريخ
حافل في عهد النبوة وعهد الخلفاء، وربما دُسَّتْ لأغراض سياسية أو مذهبية.
والراجح - والله أعلم - ما ذكره المسعودي:
أنه لم يكن بين الحكمين غير ما كتب في الصحيفة، وما كان من إقرار أبي موسى
بأن عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا وغير ذلك، وأنهما لم يخطبا [مروج ٢/ ٤١١] يقول الشيخ الخضري: وهذا القول
أقرب في نظرنا إلى المعقول، وإن لهج كثير من المؤرخين بذكر الأول - ما ذكر من خلع أبي
موسى لعليّ ومعاوية، وتثبيت عمرو لمعاوية وخلع عليّ
-؛ لأن هذه الخطبة على فرض حصولها وأن الخديعة تمت على أبي موسى لم تكن
لتفيد معاوية شيئًا؛ لأن الذي ثبته إنما حكمه، والذي يلزم الأمة بمقتضى
الصحيفة إنما هو ما اجتمعا عليه لا ما رضي به أحد الحكمين، ولم ينقل أحد أن أبا
موسى رضي في خطابه ببيعة معاوية [محاضرات
في تاريخ الأمم ٢/ ٧٢].
وكان التحكيم في صالح معاوية فقد
عزل عليًا عن الخلافة التي اعترف له بها أهل الحجاز، واليمن، والعراق، ومصر،
وخراسان، ولم يعزل معاوية عن شيء [د/ أحمد
صالح: محاضرات في عصر الراشدين ص ٢١٤]. وزاد من التفاف أهل الشام حول معاوية
والعمل على نصرته، بل وسلموا عليه - بعد التحكيم - بالخلافة [الطبري: تاريخ الأمم ٥/٧١]. وازداد أصحاب عليّ
انقسامًا على أنفسهم.
فبعد أن قضى عليّ على خطر الخوارج
في معركة النهروان دعا أتباعه إلى المسير إلى الشام لمحاربة أهلها، فقالوا له: يا
أمير المؤمنين، نفدت نبالنا وكلّت سيوفنا ونصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا -
الكوفة - حتى نستعد بأحسن عدتنا، وبعد دخولهم الكوفة تثاقلوا عن الخروج للقتال [ابن كثير: البداية ٧/ ٤٠١] مما رجح كفة معاوية
وأهل الشام تمامًا.