Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

موقعة صِفِّين

الكاتب

أ.د/ سيد عبد الفتاح بلاط

موقعة صِفِّين

شهد التاريخ الإسلامي المبكر واحدة من أخطر الفتن السياسية والعسكرية في موقعة صفين [صفين: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، ياقوت الحموي: معجم البلدان٣/٩٨] بين علي ومعاوية؛ حيث تحوّل الخلاف حول القصاص لعثمان إلى صراع دموي قسَّم الأمة، وتبقى هذه المعركة مثالًا على أثر النزاعات الداخلية في تمزيق الصف الإسلامي.

تمهيد

بعد انتصار عليّ رضي الله عنه في موقعة الجمل (٣٦هـ / ٦٥٦م) انحصر النزاع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان [معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، مؤسس الدولة الأموية: أسلم عام الفتح، وكان من كُتَّاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، وولى الشام لعمر وعثمان رضي الله عنهما، بويع بالخلافة (٤١هـ / ٦٦١م) بعد تنازل الحسن بن عليّ له، وعهد بها إلى ابنه يزيد من بعده، وهو من رواة الأحاديث، ومن الفاتحين العظام، ابن عبد البر: الاستيعاب ١/٤٤٤- ٤٤٨] رضي الله عنه والي الشام الذي كان يدين له أهلها بالسمع والطاعة؛ لحسن سياسته؛ ولِمَا كان يفيضه عليهم من الأعطيات والأرزاق، ولهذا أعلنوا الخروج معه لمواجهة عليّ الذي اتهموه بأنه آوى بعض قتلة عثمان رضي الله عنه في جيشه، ولم يقم بأي عمل في سبيل القصاص منهم، وآلوا على أنفسهم ألا يمسوا الماء إلا للغسل، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان [الطبري: تاريخ الأمم ٥/ ٥٦٢].

ولما علم عليّ باستعداد معاوية وأهل الشام لمواجهته أخذ هو أيضًا في إعداد أهل الكوفة والتحرك نحو الشام، وبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرو بن العاص [عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، فاتح مصر، وأحد دهاة العرب، ولّاه الرسول صلى الله عليه وسلم إمرة جيش ذات السلاسل، وله فتوحات كبيرة في الشام ومصر، وولاه معاوية مصر (٣٨ هـ - ٦٥٨م) وتوفى بها (٤٣هـ / ٦٦٣م)، ابن عبد البر: الاستيعاب ٥/ ٢٥١- ٢٦٢] فيما يفعل، فأشار عليه بأن يخرج بنفسه للقاء عليّ، وقال له: "أما إذا بلغك أن يسير فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك"، وطلب منه معاوية أن يجهز الناس، فأخذ عمرو يحرض أهل الشام على الاستعداد والخروج للقاء عليّ ومن معه من أهل العراق، وقال لهم: "إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعليّ، قد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، ومنهم من قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيِّعوه وفي دمكم أن تُطِلّوه" [الطبري: تاريخ الأمم ٤/ ٥٦٣].

صفين: الموقع والمشهد العسكري الأولي

تجمع من أهل الشام نحو من خمسة وثمانين ألف مقاتل، اتجه بهم معاوية نحو العراق، وخرج عليّ من الكوفة إلى الشام في تسعين ألف مقاتل، ونزل الفريقان في سهل صفين في شهر ذي الحجة (٣٦هـ / ٦٥٧م) [المسعودي: مروج الذهب ٢/ ٣٨٤]، وبات عليّ وجيشه في البر عطاشًا؛ لأنه حيل بينهم وبين الماء، ولكنهم تمكنوا من الاستيلاء عليه بقيادة الأشتر النخعي [مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، أمير من الشجعان، شهد اليرموك، وذهبت عينه فيها، وكان ممن ‌أَلَّبَ على عثمان رضي الله عنه، وشهد الجمل وصفين مع عليّ، توفى (۳۷أو ۳۸هـ)، وهو ذاهب لولاية مصر من قبل علىّ، الذهبي: تاريخ الإسلام ٢/ ٢٣٤]، وأذنوا فيه لمعاوية وجيشه [ابن كثير: البداية ٧/ ٣٣٤]، ووجدت بعض المحاولات من الفريقين للصلح ولكنها باءت بالفشل.

وكان واضحًا أن الصدام بين الفريقين بات وشيكًا، فعليّ رضي الله عنه كان يطلب بيعة معاوية وأهل الشام ويُصر على هذا، ومعاوية يطلب أولًا تسليم قتلة عثمان رضي الله عنه ليقتص منهم، ثم يكون الأمر شورى بين المسلمين [الخضري: محاضرات في تاريخ الأمم ٢/ ٦٨] وعليه فعند نهاية المحرم أمر عليّ مرثد بن الحارث الجسمي أن ينادي في أهل الشام: ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله عز وجل فدعوتكم إليه، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين [الطبري: تاريخ الأمم ٥/١٠]، وبذلك أذن علي أهل الشام صراحة بالقتال.

فبدأ معاوية وعمرو بن العاص يكَتِّبَان الكتائب ويُعدَّان الناس، وأوقدوا النيران، وأخذا يذكران بآيات القتال، وكذلك فعل عليّ الذي بات ليلته كلها يعبئ الناس ويحرضهم على قتال أهل الشام، ويُكَتِّب الكتائب، ومرَّ كعب بن جميل التغلبي على الفريقين وهما يتجهزان للقتال فقال:

          أصبحت الأمة في أمر عجب          والأمر مجموع غدًا لمن غلب

          فقلت قولًا صادقًا غير كــذب          إنّ غــدًا تهلك أعــلام الــعرب 

[ابن كثير: البداية ٧/ ٣٤٢].

اندلاع القتال: سير المعركة وأيامها السبعة

وقع القتال بين الفريقين -يوم الأربعاء أول صفر (٣٧هـ / يوليو ٦٥٧م)- لمدة سبعة أيام متتالية دون أن يحرز أحدهما النصر على الآخر [الطبري: تاريخ الأمم ٥/ ١٠-١٣] وفي اليوم الثامن اشتدت ضراوة القتال، وانكشفت ميمنة عليّ انكشافًا كاد يبلغ الهزيمة لولا ثبات عليّ، وشجاعة الأشتر النخعي الذي حرض جند العراق قائلًا لهم: شدوا شدة قوم موتورين ثأرًا بآبائهم وإخوانهم خناقًا على عدوهم، فأقبلوا إليه طائفة بعد الأخرى، وكروا معه حتى بدت ملامح الظفر لعلىّ وجنده [الطبري تاريخ الأمم ٥/ ٢٠-٢٣]، الذين اشتدت حماستهم بعد مقتل الصحابي عمار بن ياسر [عمار بن ياسر بن عامر الكناني، صحابي، من الشجعان، ذوي الرأي وهو من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى المدينة، وشهد الكثير من الغزوات، ولاه عمر الكوفة، وشهد الجمل وصفين مع علىّ، قتل في صفين (٣٧هـ /٦٥٧م)، عُمِّر ثلاثًا وتسعين سنة، ابن عبد البر: الاستيعاب ٥/١١٠-١٢٥] الذي أخبره النبي صلي الله عليه وسلم بأنه ستقتله الفئة الباغية [أخرج مسلم عن أم مسلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» (الصحيح١٤/ ١٣٠)، وكان عمار يقاتل في هذا اليوم ويقول: اليوم ألقي الأحبة محمدًا وصحبه. ابن كثير: البداية ٧/ ٣٥٠]، وظهر الضعف واضحًا في جيش معاوية، حتى أنه هم أن يفرَّ من ميدان المعركة لولا تَذكُّرُهُ قول ابن الإطنابة:

               أبت لي همتي وأبـــي بلائـي            وأخذى الحمد بالثمن الربيح

               وإعطائي على المكروه مالي            وضربي هامة البطل المشيح

               وقولي كلما جشأت وجاشـت            مكانك تحمدي أو تستريحي 

[المصدر السابق ٧/ ٣٤٦].

فرده هذا القول إلى الثبات في ميدان المعركة، وصاح في الممتنعين عن القتال من جنده - بعد مقتل عمار بن ياسر - قائلًا لهم: أو نحن قتلنا عمارًا! إنما قتل عمارًا من جاء به [الطبري: تاريخ الأمم ٥/ ٤١]، وذكر ابن قتيبة: أن معاوية قال لأهل الشام إنما نحن الفئة الباغية، التي تبغي دم عثمان [الإمامة والسياسة: ١/ ١١٠].

رفع المصاحف والتحكيم: الخدعة السياسية الكبرى

لجأ معاوية إلى عمرو بن العاص لإعمال الحيلة لوقف القتال قائلًا له: هلم مخبآتك يا ابن العاص فقد هلكنا [المسعودي: مروج ٢/ ٤٠٠]، فقال له عمرو: والله لأدعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم، ويزداد جمعك إليك اجتماعًا [ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ١/ ١٠١]، وأشار عليه برفع المصاحف على أسنة الرماح، وأن ينادي في الناس بتحكيم كتاب الله قائلين: هذا حكم كتاب الله بيننا وبينكم، مَنْ لِثغور الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ورفعوا في ذلك خمسمائة مصحف [المسعودي: مروج ٢/ ٤٠٠].

وأدرك عليّ رضي الله عنه أن رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم كتاب الله تعالى ما هي إلا حيلة من معاوية وجيشه للإفلات من الهزيمة التي كادت تحل بهم، وعزم على مواصلة القتال قائلًا لجنده الذين استجابوا لفكرة التحكيم: ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنـًــا – نفاقًا - ومكيدة [الطبري تاريخ الأمم٥/ ٤٩]، ولكن كثيرًا من القراء وغيرهم من الجنود طالبوه بقبول التحكيم وقالوا له: ما يسعنا أن ندعي إلى كتاب الله عزّ وجلّ فنأبى أن نقبله، وتجرأوا حتى أنهم هددوه بتسليمه إلى معاوية أو قتله كما قتل عثمان من قبله، وقالوا له صراحة: وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان! [نفس المصدر السابق].

اختيار الحكمين: عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري

اضْطُرَّ عليّ إلى قبول التحكيم مخافة الفتنة، خاصة وقد رأى الانقسام قد وقع في جيشه، وأرسل الأشعث بن قيس [الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، أمير كندة في الجاهلية والإسلام، وفد على النبي صلي الله عليه وسلم في قومه وأسلم وشهد اليرموك، وامتنع عن دفع الزكاة في عهد أبي بكر رضي الله عنه ثم ثاب إلى رشده وشهد الوقائع وأبلى فيها البلاء الحسن، شهد مع عليّ صفين والنهروان، وتوفى بالكوفة (٤٠هـ)، الذهبي: تاريخ الإسلام ٢/ ٢٣٩] إلى معاوية يستطلع منه: ماذا يريد برفع المصاحف؟ فقال له معاوية: لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عز وجل في كتابه: تبعثون منكم رجلًا ترضون به ونبعث منا رجلًا، ثم نأخذ عليهما أن يحكما بما في كتاب الله ولا يَعْدُوَانه ثم نتبع ما اتفقا عليه، ورجع الأشعث، وأخبر عليًا برأي معاوية فرضي كثير من أصحاب عليّ بذلك وقالوا: قد رضينا وقبلنا، فنزل عليّ على رأيهم [الطبري تاريخ الأمم ٥/ ٤٩].

واختار أهل الشام عمرو بن العاص حكمًا لهم، واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري [عبد الله بن قيس بن سليم، من بني الأشعر، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين، استعمله الرسول صلي الله عليه وسلم على زبيد وعدن، ووّلاه عمر رضي الله عنه البصرة سنة ١٧هـ، وأقره عثمان رضي الله عنه عليها ثم عزله، ووّلاه الكوفة، وأقره عليّ رضي الله عنه عليها، وكان أحسن الصحابة صوتًا في تلاوة القرآن الكريم توفى (٤٤هـ) وهو ابن نيف وستين، ابن حجر: الإصابة ٤/٢٧٨-٢٨١] فبين لهم عليّ تخوفه من أبي موسى وقال لهم: قد عصيتموني أول الأمر فلا تعصوني الآن، فأبوا إلا إياه فوافق على كره منه، واجتمع الحكمان وكتبا عقد التحكيم وفيه: أن يحكما بما في كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم، وأنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، ويعينهم المسلمون على تنفيذ ما يتفقان عليه، وأنهما ينصحان للأمة ولا يردانها إلى حرب ولا فرقة، وأن يكون التحكيم في موعد غايته شهر رمضان (۳۷هـ/ ٦٥٨م) ويكون بدوُمة الجَنْدل – أذرعات -، ولهما الحق في اختيار من أرادا من الشهود، وشهد على هذا الكتاب جملة من الصحابة وكبار الناس [ابن قتيبة، الإمامة والسياسة ١/ ١١٥، الطبري: تاريخ الأمم ٥/٥٣-٥٤]، ولم يذكر في الكتاب موضوع النزاع الأصلي، أي الموقف بالنسبة لقتلة عثمان؟! وقدرت الخسائر في صفين بسبعين ألفًا: خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق [المسعودي: مروج ٢/ ٤٠٥، ابن كثير: البداية ٧/ ٣٥٨] منهم عدد كبير من القراء والصحابة رضي الله عنهم فكانت خسارة كبيرة للإسلام والمسلمين، يقول الشيخ الخضري: وهو عدد لم يذهب مثله ولا قريب منه في جميع الوقائع الإسلامية من لدن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى تاريخها، ومما يزيد الأسف أن هذه الحرب لم يكن المراد منها الوصول إلى تقرير مبدأ ديني أو رفع حَيْفٍ حل بالأمة، وإنما كانت لنصرة شخص على شخص، فشيعة عليّ لنصره؛ لأنه ابن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم وأحق الناس بولاية الأمر، وشيعة معاوية تنصره؛ لأنه ولىّ عثمان وأحق الناس بدمه المسفوك ظلمًا، ولا يرون أنه ينبغي لهم مبايعة من آوى قتلته [محاضرات في تاريخ الأمم ٢/ ٦٧].

نتيجة التحكيم وتبعاته السياسية

عاد معاوية وجيشه إلى الشام انتظارًا لموعد التحكيم وهم غاية في الوحدة والألفة، وأكثر التفافًا حول معاوية ويسمعون له ويطيعون، وعلى النقيض عاد عليّ وجيشه إلى الكوفة وهم مختلفون متخاصمون فريق يؤيد التحكيم والآخر يرفضه، ويصور المسعودي هذه الحال بقوله: ولما وقع التحكيم تباغض القوم - جيش عليّ - جميعًا، وأقبل بعضهم يتبرأ من بعض، ويتبرأ الأخ من أخيه، والابن من أبيه... وتقارع القوم بالمقارع ونعال السيوف، وتسابوا ولام كل فريق منهم الآخر في رأيه [مروج ٢/ ٤٠٥]. ويذكر الطبري عن عمارة بن ربيعة قال: "خرجوا - أهل العراق - مع عليّ إلى صفين وهم متوادون أحباء، فرجعوا متباغضين أعداء.... ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله وحكمتم، وقال الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا" [تاريخ الأمم ٥/ ٦٣].

وبهذا كان التحكيم في صالح معاوية، فقد أفلت من هزيمة كادت تحل به، وارتفع من مجرد والٍ ثائر على الخليفة إلى أن وضع معه في ميزان واحد؛ لأن التحكيم يعني شك كل من الفريقين المتحاربين في أيهما على الحق وأيهما على الباطل [المصدر نفسه] كما أنه زاد معاوية وجيشه تماسكًا وثقة، وأحدث انقسامًا خطيرًا في جيش عليّ، وفتح عليه جبهة جديدة تمثلت في خروج بعض أتباعه عليه.

[الخوارج: اسم مشتق من (خرج) وهي جمع (خارج) وهو المنشق، ثم تحولت إلى اصطلاح أطلق على الفئة التي خرجت على عليّ رضي الله عنه في صفين، وقالوا: لا حكم إلا لله، فسموا بالمحكمة، ثم سكنوا حروراء فسموا بالحرورية، وقاتلهم علىّ رضي الله عنه في النهروان (٣٧هـ / ٦٥٧م)، ويرون أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وليس شرطًا أن يكون الخليفة قرشيًا، ولهم تاريخ حافل مع الأمويين والعباسيين، وانقسموا إلى عدة طوائف كالأزارقة، والنجدات، والصفرية، وغيرها. د/ عارف عامر: معجم الفرق الإسلامية ص ۱۰- ۲۲].

نشأة الخوارج

عند عودة عليّ إلى الكوفة رفض اثنا عشر ألفًا من القراء والجند أن يدخلوا معه الكوفة ونزلوا بحروراء [حَرَوْراء: قرية بظاهر الكوفة، على بعد ميلين، ابن عبد الحق، مراصد الاطلاع ١/ ٣٩٤]، وتشاوروا فيما بينهم وأعلنوا خطأ القبول بفكرة التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله، وولوا عليهم شبث بن ربعي [شبث بن ربعي التميمي اليربوعي، شيخ مضر وأهل الكوفة في أيامه، أسلم ثم ارتد ولحق بسجاح المتنبئة، ثم عاد إلى الإسلام، وكان ممن ثار على عثمان، وقاتل الحسين بن عليّ، وخرج مع المختار الثقفي ثم انقلب عليه، توفى بالكوفة (٧٠هـ)، ابن حجر: الإصابة ٣/٥١٠-٥١١]. فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب وسألهم: ما الذي أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين، فذكرهم بطلبه منهم الاستمرار في القتال، وأنهم هم الذين اضطروه إلى قبول التحكيم، وأنه قبله وهو كاره له، ودعاهم إلى الدخول في طاعته، فدخلوا معه الكوفة [المسعودي: مروج ٢/ ٤٠٥، الطبري تاريخ الأمم ٥/ ٦٥-٦٦، وابن كثير: البداية ٧/ ٣٦٤].ولكنهم لم يخلصوا لعليّ رضي الله عنه، وكانوا يقاطعونه وهو يخطب في مسجد الكوفة ويقولون له: لا حكم إلا لله فلا يجوز تحكيم البشر في كتاب الله، وكان عليّ يصبر عليهم ويتألفهم، ويناقشهم مؤكدًا أن هذه المقولة كلمة حق يراد بها باطل، فلم يسمعوا له وجمعوا أتباعهم وخرجوا من الكوفة ونزلوا النهروان [النهروان: كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، ياقوت الحموي: معجم البلدان ٤/ ٢٦٠] ولحق بهم خوارج البصرة [الطبري: تاريخ الأمم ٥/٧٦-٧٧]. واتهموا عليًا رضي الله عنه بالكفر، لقبوله التحكيم؛ لأنه إمام وله بيعة فالحق في جانبه، واشترطوا للعودة إلى طاعته أن يقرَّ على نفسه بالكفر ويعلن أنه تاب من ذلك، ويقود الجيوش إلى الشام لمحاربة الفئة الباغية [ابن قتيبة، الإمامة والسياسة ١/ ١٢٧]، وبذلك انفتق جرح جديد في الدولة الإسلامية جرّ عليها الويلات وأزهقت فيه الأرواح، ومنهم الخليفة عليّ نفسه.

التحكيم: ولما حان موعد التحكيم - في رمضان (٣٧هـ / ٦٥٨م) - اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص ومع كل منهما أربعمائة رجل من أنصاره - بمثابة الشهود - في دومة الجندل [دُومة الجندل: حصن على سبعة مراحل من دمشق، ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع ٢/ ٥٤٢] وصارا يعقدان الجلسات، ويتذكران ما حل بالإسلام والخلاف الواقع بين أهله، وتعاهدا على الاتفاق على أمر يجمع الله به الأمة، ويلم الشعث ويصلح ذات البين [المسعودي: مروج ٢/ ٤٠٧]، واستقر رأيهما على خلع عليّ ومعاوية، وترك الأمر شورى للمسلمين يختارون من يرضون به وكتبا ذلك في صحيفة [ابن كثير: البداية ٧/٣٧٠].

أما رواية أنهما خطبا الناس وقدَّم عمرو أبا موسى الذي أعلن خلع عليّ ومعاوية، ثم قام عمرو وأعلن أنه خلع عليًا كما خلعه أبو موسى وثبَّت معاوية، وأن عَمْرًا خدع أبا موسى واختلفا وتضاربا وتشاتما [الطبري: تاريخ الأمم ٥/ ۷۰-۷۱، ابن الأثير: الكامل ۲۰۸/٣، ابن كثير: البداية ٣٧٠/٧] فهذه الرواية - على الرغم من ذكرها في معظم المصادر - لا تتفق وسيرة صحابيين لهما تاريخ حافل في عهد النبوة وعهد الخلفاء، وربما دُسَّتْ لأغراض سياسية أو مذهبية.

والراجح - والله أعلم - ما ذكره المسعودي: أنه لم يكن بين الحكمين غير ما كتب في الصحيفة، وما كان من إقرار أبي موسى بأن عثمان رضي الله عنه قتل مظلومًا وغير ذلك، وأنهما لم يخطبا [مروج ٢/ ٤١١] يقول الشيخ الخضري: وهذا القول أقرب في نظرنا إلى المعقول، وإن لهج كثير من المؤرخين بذكر الأول - ما ذكر من خلع أبي موسى لعليّ ومعاوية، وتثبيت عمرو لمعاوية وخلع عليّ -؛ لأن هذه الخطبة على فرض حصولها وأن الخديعة تمت على أبي موسى لم تكن لتفيد معاوية شيئًا؛ لأن الذي ثبته إنما حكمه، والذي يلزم الأمة بمقتضى الصحيفة إنما هو ما اجتمعا عليه لا ما رضي به أحد الحكمين، ولم ينقل أحد أن أبا موسى رضي في خطابه ببيعة معاوية [محاضرات في تاريخ الأمم ٢/ ٧٢].

وكان التحكيم في صالح معاوية فقد عزل عليًا عن الخلافة التي اعترف له بها أهل الحجاز، واليمن، والعراق، ومصر، وخراسان، ولم يعزل معاوية عن شيء [د/ أحمد صالح: محاضرات في عصر الراشدين ص ٢١٤]. وزاد من التفاف أهل الشام حول معاوية والعمل على نصرته، بل وسلموا عليه - بعد التحكيم - بالخلافة [الطبري: تاريخ الأمم ٥/٧١]. وازداد أصحاب عليّ انقسامًا على أنفسهم.

فبعد أن قضى عليّ على خطر الخوارج في معركة النهروان دعا أتباعه إلى المسير إلى الشام لمحاربة أهلها، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا وكلّت سيوفنا ونصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا - الكوفة - حتى نستعد بأحسن عدتنا، وبعد دخولهم الكوفة تثاقلوا عن الخروج للقتال [ابن كثير: البداية ٧/ ٤٠١] مما رجح كفة معاوية وأهل الشام تمامًا.

ملاحظات ونتائج

مما سبق يُلاحظ ما يلي:

  • بدأ النزاع بين الفريقين بمطالبة معاوية بدم عثمان رضي الله عنه والقصاص من قاتليه، أو على الأقل تسليمهم له، ثم مع تطور الأحداث نسى الجميع هذا المطلب -حتى أنه لم يكتب في صحيفة التحكيم - وتحول الأمر إلى صراع بين عليّ - ومعه أهل العراق -، ومعاوية - ومعه أهل الشام - على الخلافة.
  • أن أهل العراق لم يكونوا على مستوى أهل الشام؛ فقد كانوا يُكثرون من سؤال عليّ عن كل صغيرة وكبيرة، ويُفشون أسراره ويكشفون تحركاته، بل وأجبروه على وقف القتال وقبول التحكيم، وكانوا يعارضونه حتى خرجوا عليه، على العكس من أهل الشام الذين كانوا غاية في السمع والطاعة لأميرهم معاوية والالتفاف حوله، بل وكانوا على استعداد تام لتقديم أرواحهم في سبيل تحقيق أهدافه، وهذا ما رجح كفة معاوية على عليّ.
  • الصراع الداخلي بين المسلمين إذا لم يُقض عليه في المهد، ويحتكم الفريقان المتنازعان إلى الصلح الذي أمر به الله عز وجل في كتابه، قد يكلف المسلمين غاليًا! وهذا ما حدث في صِفيِّن، فقد باءت كل مفاوضات الصلح بين الفريقين بالفشل -سواء التي أرسلها عليّ أو معاوية - فكانت الخسارة كبيرة قدرت بسبعين ألف قتيل من الفريقين؛ ولأن خسائر المسلمين في هذه الموقعة بهذا الحجم، وكانت بين عليّ - صهر رسول الله صلي الله عليه وسلم وابن عمه.. - ومعاوية كاتب وحي السماء والمؤتمن عليه -، وحتى لا تذهب العقول بعيدًا ويخوض الخائضون، نختم الحديث عن صفين بما ذكره ابن كثير تعقيبًا على حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: «تَمْرُقُ مارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقْتُلُها أوْلى الطّائِفَتَيْنِ بالحَقِّ». [مسلم: الصحيح ٥/ ٣٠١]، فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة... من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب عليّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب، وأن معاوية كان مجتهدًا، وهو مأجور - إن شاء الله -، ولكن عليًا هو الإمام فله أجران. [ابن كثير: البداية ٧/ ٣٦٤- ٣٦٥].


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • الطبري: تاريخ الطبري.
  • ابن كثير: البداية والنهاية
  • المسعودي: مروج الذهب.
  • ابن قتيبة: الأمامة والسياسة.
  • الشيخ الخضري: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية.

الخلاصة

أظهرت موقعة صفين مدى خطورة الانقسام السياسي داخل الدولة الإسلامية الناشئة، حيث تحوّل النزاع على القصاص إلى صراع على الخلافة، ورغم محاولات الصلح أدّى التحكيم إلى زيادة الانقسام، وإضعاف جبهة عليّ رضي الله عنه، وتبقى صفين درسًا تاريخيًا في عواقب الفتنة بين المسلمين.

موضوعات ذات صلة

واحدة من أبرز هذه الأحداث في التاريخ الإسلامي.

هي أرض ذات حجارة سوداء تبدو كأنها محروقة بالنار.

هي المرحلة قبل الأخيرة في سقوط الدولة الأموية.

موضوعات مختارة