طبرستان أرضٌ شامخة بجبالها وتاريخها العريق، شهدت صراعات ومقاومة أسطورية ضد الغزاة، وهي رمزٌ للصمود والثقافة المتجذرة في عمق الطبيعة والتاريخ.
طبرستان أرضٌ شامخة بجبالها وتاريخها العريق، شهدت صراعات ومقاومة أسطورية ضد الغزاة، وهي رمزٌ للصمود والثقافة المتجذرة في عمق الطبيعة والتاريخ.
طَبرسْتان بلاد جبلية تمتاز بالحصانة والمنعة على ما هو مشهور من أمرها، والعجم يقولون: مازندران، وهي بين الري وتومس وبحر الخزر [القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، سنة ١٩٨٤م ، ص ٣٠٣]، وقد أثرت البيئة الطبيعية القاسية في هذه المنطقة على سلوك شعوبها، فعاشت في ظل أمراء محليين ينتمون إلى سلالات متباينة، وكان التناحُر على السلطة من أبرز صفاتهم [كلود كاهن: تاريخ العرب والشعوب الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى بداية الإمبراطورية العثمانية، ص٢٠٢. نقله إلى العربية بدر الدين القاسم، دار الحقيقة، ط٣، بيروت سنة ١٩٨٣م]، وينتمي سكان هذه المنطقة إلى الجيل الذين كانوا منتشرين على ساحل بحر الخزر [المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص٢٨٣، ١٨٤، تحقيق: د/ محمد مخزوم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٩٨٧م]؛ والديلم الذين كانوا يسكنون الجبال، وقد ظلوا يتوارثون المناطق الجبلية في طبرستان منذ أيام الأكاسرة، وتقع بلاد الديلم في المنطقة الواقعة بين طبرستان والجبال وجيلان وبحر الخزر، وهم قبائل فارسية تتكلم اللغة الفارسية بلهجة محلية، وقد اشتهروا بالشجاعة والكرم، ووصفوا بالطيش، والعجلة، وقلة المبالاة، كما غلب عليهم الجهل والحماقة وكثرة التنازع فيما بينهم، ثم اتصفوا أيضًا بالقسوة وغلظة الطبع ولتأبى على الانقياد، كما اشتهروا بالجمال حتى قال عنهم المقدسي: والديلم حسان اللحى والوجوه ولهم طلل [المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص٢٨٣]، وهم شعوب متميزة انخرطوا في السلك العسكري بسبب قلة مواردهم الزراعية، أو موارد صيد البحر التي يتمتع بها سكان السهول الساحلية [كلود كاهن: تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، ص ٢٠٢].
وقد وصف الجغرافيون طبرستان بأنها بلد كثير المياه والثمار والأشجار الجبلية والسهلية، والغالب عليها الغياض، وأكثر أبنيتها من الخشب والقصب، وهي كثيرة الأمطار شتاءً وصيفًا.
وأهم مدن هذا الإقليم: آمل: وهي القصبة السهلية لطبرستان، وتقع على، بحر الخزر؛ وسارية، وهي قصبة طبرستان القديمة؛ والرويان، هي القصبة الجبلية لطبرستان.
ولما كانت طبرستان تشتهر بالمنعة والحصانة نظرًا لطبيعتها الجبلية فقد ظلت منعزلة مما جعل ملوك الفرس يولونها رجلًا يحكمها يسمونه الإصبهبذ (ومعناه ملك الملوك)، وكان منصبه وراثيًا، فإن لم يكن له وارث وجهوا شخصًا آخر ليعتلي منصب الإصبهبذ، ولم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام وفتحت المدن المتصلة بطبرستان [ابن الفقيه الهمذاني: البلدان، ص٥٧٠]، وكان الدين السائد فيها هو الدين الزرادشتي.
ولم ينتشر الإسلام فيها سريعًا لبعدها عن عاصمة الخلافة فبقي الدين المجوسي القديم منتشرًا بين أهلها، حتى ولَّي الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه سعيد بن العاص الكوفة سنة ٢٩هـ/٦٤٩م فغزا طبرستان، وكان مصطحبًا معه في هذه الغزوة (فيما يقال) الحسن والحسين رضي الله عنهما [البلاذري: فتوح البلدان، ص٣٣٠، عُنِي بمراجعته والتعليق عليه. رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت عام ١٩٨٣م]، وكان صاحب طبرستان (الإِصْبَهْبَدَ) عندما تشتد عليه وطأة المسلمين يصالح على الشيء اليسير، فيقبل منه لصعوبة المسلك.
ولما تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة أوْلى طبرستان عناية خاصة، فولى عليها مِصْقَلة بن هبيرة فسار إليها في عشرين ألف رجل، فأوغل في البلد يسبي ويقتل ولكن الديلم أحاطوا بجيشه عندما اجتاز بين الجبال وألقوا عليهم الحجارة والصخور، فهلك مصقلة وأكثر جيشه، فكان المسلمون بعد ذلك إذا غَزَوْا هذه البلاد يحتاطون لأنفسهم ولا يغامرون بالتوغل فيها) [البلاذري: فتوح البلدان، ص٣٣٠ - ٣٣١].
وقد أوكل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (٩٦- ٩٩- هـ/٧١٥- ٧١٧م) إلى يزيد بن المهلب أمير خراسان وبلاد المشرق، فسار إلى طبرستان لإخضاعها، فاستنجد الإصبهبذ بالديلم فأنجدوه بقوات عظيمة، ولما رأى يزيد شدة بأسهم صالحهم على أربعة آلاف ألف درهم، وسبعمائة ألف مثقال في كل عام، وأربعمائة وقر زعفران [البلاذري: فتوح البلدان، ص٣٣٣، ٣٣٤].
وعندما تولى عرش الخلافة المأمون العباسي (١٩٨- ٢١٨هـ/٨١٣- ٨٣٣م) أهمه أمر طبّرستان وما هي عليه من الفوضى، فعمل على إعادة فتحها وولي (مازيار بن قارن) أعمالها وسماه محمدًا، لأنه أسلم وجعل له رتبة الإصبهبذ، وظل واليًا عليها حتى وفاة المأمون [ابن الفقيه الهمذاني: البلدان، ص٥٧٠]، ولما تولى المعتصم الخلافة العباسية أقر الإصبهبذ على عمله، إلا أنه تمرد عليه وخلع طاعته، فأمر الخليفة عامله على خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين أن يتوجه لمحاربة الإصبهبذ، فلما التقى به حاول أن يعطيه الأمان، إلا أنه أظهر العصيان فحاربوه، وأسروه ثم أرسلوا به إلى الخليفة فأمر بضربه بالسياط حتى الموت، وهكذا عادت طبرستان مرة أخرى للسيادة العباسية، وأصبح عبد الله بن طاهر واليًا عليها من قبل العباسيين حيث ظلت في أيديهم حوالي مائة وست وستين سنة، والواقع أن العباسيين لم يستطيعوا السيطرة الكاملة على طبرستان فاستمرت فيها الديانات القديمة حتى منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي.
ولما عجزوا عن مقاومة الضغط الإسلامي، آثروا أن يستقبلوا دعاة الشيعة المناوئين للعباسيين، بعد أن ارتضت الغالبية العظمى من السكان أن تبني مستقبلها السياسي في إطار تلك الدولة الجديدة، وقد أدرك هؤلاء الدعاة من جهتهم الفائدة التي تعود عليهم في تلك البيئة التي لا تزال بكرًا، وبالفعل تغلغلت دعوتهم بين أهالي الديلم، سكان الجبال، فاستقبلت الحسن بن زيد العلوي الذي لم يتردد في الاستيلاء عليها سنة (٢٥٠هـ/٨٦٤م) بمعاونة الديلم الموتورين الذين أدركوا خطورة مكانتهم السياسية والعسكرية، بعد أن أضحوا عماد كثير من جيوش تلك المنطقة [ابن مسكويه: تجارب الأمم، ج٤، ص١٥٢، ٥٣ ١]، فقد كان ظلم ولاة بني العباس في طبرستان وقساوة عمالهم وتعسفهم مع الأهالي دافعًا قويًا لنقمة الديالمة الطبرية على الحكم العباسي هناك، وكان طبيعيًا أن يبحث هؤلاء الطبريون عن منقذ لهم يكون معاديًا للعباسيين، وقد تطلع الطبريون لأحد العلويين الفارين من وجه العباسيين، إذ كانوا يدركون العداء الشديد بينهما، وكان الحسن بن زيد العلوي قد خرج على الخليفة المستعين بالله العباسي، وأعلن الثورة عليه في الكوفة، ولما ضيق عليه العباسيون، فر متوجهًا إلى الري من بلاد المشرق الإسلامي لاجئًا إليها، وظل هناك فترة حتى شاءت الظروف أن ينتقل إلى طبرستان، ويؤسس الدولة الزيدية فيها، مستغلًا بعدها عن مركز الخلافة، وعدم استقرار الأوضاع السياسية فيها، فكان الحسن بن زيد خير سند لهم يستندون عليه في مواجهة العباسيين. [إبراهيم الكردي: البويهيون والخلافة العباسية، دار العروبة للنشر والتوزيع، ط ١، بيروت، ١٩٨٢م، ص٦٣].
لما علم المستعين بالله بأنباء تلك الهزائم المتكررة، أرسل الجيوش العباسية لإلحاق الهزيمة بالحسن، وإعادة
طبرستان إلى الدولة العباسية ولكن محاولاته باءت بالفشل [ابن مسكويه: تجارب الأمم، ج٤، ص١٥٥]، ولم تيأس الدولة العباسية من محاولة استرداد طبرستان فحشدت جيوشها مرة أخرى للقضاء على الزيديين نهائيا، بعد أن أصبحوا يهددون أمن المشرق الإسلامي كله، فتوجه "موسى بن بغا" إلى طبرستان، والتحم الجيشان بالقرب من قزوين، وأسفر ذلك عن هزيمة الزيديين وانتصار الجيوش العباسية، وفرّ الحسن منهزمًا إلى بلاد الديلم [إبراهيم الكردي: البويهيون والخلافة، ص٧١].
ولكن الظروف ما لبثت أن ساعدت الحسن بن زيد على العودة إلى طبرستان مرة أخرى، إذ ثار الأتراك ببغداد على الخليفة المعتز (٢٥٢- ٢٥٥هـ/٨٦٦- ٨٦٩م)، فاستدعت أم المعتز القوات العباسية المرابطة في المشرق للقضاء على تلك الثورة، فاستغل الحسن الفرصة واستعاد الري وطبرستان من العباسيين.
كان العلويون - أتباع المذهب الزيدي - في إقليم طبرستان والمناطق المجاورة لها يعيشون متخفِّين من القوات العباسية، وكانوا يظهرون عندما تتقدم الجيوش الزيدية، ويهددون الجبهة الداخلية، وبذلك يمهدون السبيل أمام قوات الحسن لاستعادة الإقليم [إبراهيم الكردي: البويهيون، ص٧٠، ٧١].
ينسب الصفاريون إلى "يعقوب بن الليث الصفار" الذي كان يعمل في صناعة الصفر (النحاس)، وقد ظهرت هذه الإمارة في إقليم سجستان، وكانت في بداية أمرها تتكون من المتطوعة الذين أرادوا معاونة الخلافة العباسية ضد أعدائها من الخوارج واللصوص وقطاع الطرق، ثم سيطر على حركة المتطوعة "يعقوب بن الليث الصفار" الذي قويت شوكته، واستطاع أن يستولي على إقليم سجستان، ثم أخذ يتحرش بالإمارة الطاهرية، حتى تمكن من إسقاطها سنة (٢٥٩هـ /٨٧٢م) [خليل السامرائي: تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر العباسي (١٣٢- ٦٥٦هـ/٧٤٩- ١٢٥٨ م)، طبع جامعة الموصل ١٩٨٨م، ص١١٩].
وبعد أن تغلب "يعقوب بن الليث الصفار" أمير السفاريين على الطاهريين في خراسان، توجس خيفة من زيادة نفوذ الزيديين في إقليم طبرستان ومنطقة الجبل (بلاد الديلم)، وكانوا قد بدأوا يهددون نفوذ الصفاريين في منطقة خراسان، فأراد أن يوسع رقعة بلاده على حسابهم، فاستغل فرصة فرار أحد قواده لاجئًا إلى الحسن بن زيد، فطالبه بتسليمه إليه وهدده إن لم يفعل، ولما امتنع الحسن عن تسليمه إياه واتته الفرصة للهجوم على أملاكه في طبرستان، ولم يستطع الحسن الوقوف في وجه قوات يعقوب الفتية، وحلت به الهزيمة، وفر هاربًا إلى بلاد الديلم [خواندمير: روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفا، ترجمة د/أحمد عبد القادر الشاذلي، الدار المصرية للكتاب، القاهرة، ١٩٨٨م، ص٥٧- ٦٠].
وَجَدَّ يعقوب في طلب الحسن حتى وصل إلى جبال الديلم، وهناك داهمته الأمطار الغزيرة، وكاد يتعرض هو وجنوده للهلاك، فقفل راجعًا بعد أن فقد معظم قواته من جراء هذه الحملة، وهلك أكثر ما كان معه من الخيل والدواب، ثم راسل الخليفة ليبشره بالنصر؛ لكن الحسن عاد ثانية إلى طبرستان واستعادها من الصفاريين، وظلت تحت سيطرته حتى توفي سنة (٢٧٠هـ/٨٨٣م) فكانت ولايته عشرين سنة [خواندمير: روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفا، ترجمة د/أحمد عبد القادر الشاذلي، الدار المصرية للكتاب، القاهرة، ١٩٨٨م ص ٦١].
وقام بالأمر من بعده أخوه محمد بن زيد الذي كان أقل دهاءً من أخيه في عالم الحرب والسياسة، إذ توالت الهزائم عليه من العباسيين، حتى إنه اضطر للجوء إلى بلاد الديلم للاحتماء بها أكثر من مرة، وعندما هُزِم عمرو بن الليث الصفار على يد إسماعيل بن أحمد الساماني ووقع في الأسر تجاوز محمد بن زيد صاحب طبرستان والديلم حدود خراسان، يريد أن يضم جرجان لدولته ظنا منه أن إسماعيل الساماني لن ينازعه عليها، فكتب إليه إسماعيل يهدده بقوله: الزم عملك ولا تقصد خراسان، ولكن محمدًا لم يكترث بكلامه وطغت عليه مطامعه الشخصية، وتوجه لحرب إسماعيل، فالتقى الجمعان سنة (٢٨٧هـ/٩٠٠م) في معركة شديدة الوطيس بالقرب من جرجان، انتهت بمقتل محمد في المعركة بعد أن أصيب بإصابات خطيرة وتفرق معظم جيشه، ومُزِّق كل مُمَزَّق ودفن على باب مدينة جرجان بعد أن حكم طبرستان ما يزيد عن سبع عشرة سنة قضى معظمها في معارك وحروب [ابن اسفنديار: تاريخ طبرستان، ص٢٦٠، ٢٦١].
ومنذ ذلك التاريخ دخلت طبرستان في حوزة الدولة السامانية وأصبحت ضمن أملاكها، ولا ريب أن فترة السامانيين تمثل العصر الذهبي في تاريخ آسيا الوسطى الإسلامية، بل وفي جميع تاريخها عبر العصور، فهو العهد الذي تألقت فيه الآداب الفارسية حتى بلغت ذروتها مع الفردوسي (هوميروس) العجم، (وابن سينا) الذي طبقت شهرته الآفاق و(البيروني)، ولا يتسع المجال هنا بتفصيل ذلك [كلود كاهن: مرجع سابق، ص١٩٧].
وبعد موت إسماعيل بن نصر الساماني تولى مقاليد الأمور ابنه أحمد سنة (٢٩٥هـ/٩٠٧م)، وقد أولى طبرستان عناية خاصة فاستعمل عليها (محمد بن نوح) فأحسن السيرة في أهلها وعدل بينهم، وأكرم من بها من العلويين، وبالغ في الإحسان إليهم، وحتى يضمن حياد الديالمة عمل على استمالتهم وقام بمراسلة زعمائهم وصالحهم وقربهم إليه، وبذلك حرم علوييِّ الإقليم من الوقود الذي كان يمدهم بالقوة، فلم يستطيعوا القيام بأي عمل عدائي ضد السامانيين طوال فترة حكمه [ابن الأثير: الكامل، ج٦، ص٤٣٦، ٤٣٧].
ولما كان دوام الحال من المحال فقد عزل محمد بن نوح من ولاية طبرستان، وجاء بدلًا منه محمد بن إبراهيم الساماني الذي كان على العكس من سلفه، فلم يحسن لرؤساء الديلم، بل عمل على استفزازهم، مما أثار زعماءهم عليه، الأمر الذي استغله داع آخر يُدْعَى "الحسن بن علي الأطروش"، ودعا رؤساء الديلم إلى الثورة على السامانيين فأطاعوه، ولما علم أحمد بما حدث في طبرستان أرسل قائده (محمد بن صعلوك) ليداهمهم، ولكن الديلم بقيادة الأطروش أوقعوا بهم الهزيمة عند شالوس، فأعمل فيهم قائده وزوج ابنته "الحسن بن القاسم" القتل لأنه لم يكن أمنهم ولا عاهدهم [ابن اسفنديار: تاريخ طبرستان، ص٢٣٢- ٢٣٩].
واستطاع الأطروش أن يوطد سلطانه من شالوس، إلى سارية دون أن يحرك السامانيون ساكنًا، لأنهم كانوا
مشغولين بالصراع فيما بينهم على السلطة، الأمر الذي مَكَّن الأطروش من أن يعقد تحالفًا مع ألد أعداء العلويين بطبرستان آنذاك وهو الإصبهبذ (رستم بن دباوند) مستغلًا انشغال السامانيين بمشاكلهم الداخلية [تاريخ طبرستان: ص ٢٤٠- ٢٤٦]، وكان ضمن من دخل في خدمته (بويه) وابنه الأكبر (علي) اللذين لعبا دورًا مهمًا في سير الأحداث السياسية في تلك المنطقة. كان بويه بن فناخسرو – والد الإخوة الثلاثة، علي والحسن وأحمد – الملقب بأبي شجاع يعمل في بداية أمره في خدمة الدولة العلوية في طبرستان، إذ كان من أبرز الرجال الذين اعتمد عليهم "الأطروش" في مواجهة السامانيين، لما امتاز به من شجاعة نادرة، وكياسة في مكائد الحرب والسياسة. [ابن مسكويه: التجارب، ج٥، ص١٥٧- ١٦٠].
وظهر في أيامه - الحسن بن القاسم - خارج من الديلم يدعى "أسفار بن شيرويه"، فامتلك طبرستان بمساعدة مواطن ديلمي آخر هو "مرداويج ابن زياد" الذي استطاع قتل "الحسن بن القاسم" المعروف بالداعي الصغير الذي تولى الإمارة بعد وفاة الأطروش سنة ٣١٦هـ/٩٢٨م بالقرب من سارية [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص٤٧]، ولكن سرعان ما قتل أسفار في نفس السنة فآلت سلطاته إلى مرداويج بن زيار الذي استطاع أن يخضع رؤساء الديلم لسلطانه، وأن يؤسس دولة عرفت في تاريخ المشرق الإسلامي "إيران" باسم "الدولة الزيارية".
قامت الإمارة الزيارية في أعقاب سقوط الإمارة العلوية في جرجان وطبرستان، وتنسب إلى مؤسسها مرداويج بن زيار الديلمي، وكان مرداويج من بين قادة الجيش العلوي الذين استمالهم السامانيون للقضاء على الإمارة العلوية، فتعاون مع أسفار بن شيرويه، وتمكن من هزيمة العلويين وقتل آخر أمرائهم "الحسن بن القاسم"، ودخل أسفار مدينة آمل تحت شعار بني العباس، ثم استولى على طبرستان وجرجان، خطب للأمير الساماني، إلا أنه لم يلبث أن خلع طاعته، وأخذ يمكن لنفسه، بل إنه صنع تاجًا من ذهب، وأخذ يناوئ الخليفة العباسي [رشيد عبد الله الجميلي: الزياريون في جرجان وطبرستان، ص١٤٩، ١٥٠- مجلة كلية الآداب، الجامعة المستنصرية، العدد التاسع، بغداد ١٩٨٤م].
واستطاع مرداويج أن يبعد عن أرضه أحد رؤساء الديلم الأقوياء وهو "ما كان ابن كالي" الذي ضعف أمره، ولجأ إلى السامانيين، فلما ضعف أمر "ما كان" تفرق عنه كثير من جنده ولجأوا إلى مرداويج، وكان من هؤلاء جماعة يرأسهم "علي بن بوية" مؤسس الدولة البويهية [ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج١، ص٥٢].
ولما خرج فرسان الديلم – الزياريون والبويهيون- وبعض قوادهم لامتلاك البلاد لم يخرجوا ناحية بحر قزوين موطنهم الأصلي، بل تغلغلوا في إيران - فارس - وكان في مقدمة من خرجوا على بن بويه وأخويه الحسن وأحمد، وعملوا أولا مع القائد الديلمي "ما كان بن كالي" حتى إذا هزمه "مرداويج بن زيار" حاكم طبرستان و "جرجان" – مدينة كبيرة تقع في جنوب شرق بحر الخزر ويحدها جنوبا إقليم خراسان وشرقًا إقليم خوارزم، وغربًا بحر الخزر وإقليم طبرستان، وهي بلاد كثيرة الأنهار – [المقدسي: أحسن التقاسيم، ص٢٨٠- ٢٨٥]، تركوه إلى خصمه قائلين له: الأصلح لك مفارقتنا إياك لتخفّ مؤننا، ويقع كلنا (عبئنا) على غيرك، فإذا تمكنت عاودناك [ابن مسكويه: تجارب الأمم، ج٥، ص١٥٨].
ووقع (علي بن بويه) من (مرداويج) موقعًا حسنًا فولاه (الكرج) إلى الجنوب الشرقي من همذان سنة (٣٢٠هـ/٩٣٢م) [ابن مسكويه: تجارب الأمم، ج٥، ص١٥٨- ١٥٩]، ولم يلبث أن استولى في السنة التالية على أرجاء من بلاد فارس [ابن الأثير: الكامل، ج٧، ص.٩، ٩١]، ولما قتل مرداويج سنة (٣٢٣هـ/٩٣٤م) انتهز علي وأخوه الفرصة، وتمكنا من الاستيلاء على أصفهان والري اللتين كانتا بيده، واستولى أخوهما أحمد على كرمان، وظل يتقدم تدريجيًا حتى استولى على الأهواز ذات الموقع الاستراتيجي المتميز سنة (٣٢٦هـ/٩٣٧م) وظل يتقدم حتى استولى على واسط [المسعودي: مروج الذهب، ج٤، ص٣٦٤]، وفي هذه الأثناء كانت المجاعة تهدد بغداد، وكان الجند الترك ثائرين على الخليفة وقواده لعجزه عن دفع رواتبهم، فوجد أحمد بن بوية الأبواب جميعها مفتحة أمامه إلى بغداد فدخلها سنة (٣٣٤هـ/٩٤٥م) دون مقاومة تذكر، ورحب به الخليفة المستكفي منقذًا ومخلصًا [ابن مسكويه: تجارب الأمم، ج٥، ص١٩]، وخلع المستكفي عليه ولقبه "معز الدولة" ولقب أخاه عليًا صاحب فارس "عماد الدولة" ولقب أخاهما الحسن صاحب همذان وبلدان الجبل والري "ركن الدولة" [أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ج٥، ص٢٨٦]، بلغ الإخوة الثلاثة من السلطان مبلغًا عظيمًا حتى كانت السكة "النقود" تضرب بأسمائهم، وكانت أسماؤهم تذكر مع الخليفة في خطبة الجمعة.
وقد واجهت الإمارة الزيارية بعد مصرع "مرداويج" خطر البويهيين الذين حاولوا أكثر من مرة الاستيلاء على أملاكهم في جرجان وطبرستان، وتقدمت جيوشهم بالفعل لتحقيق هذا الغرض، واستمرت الحروب بينهما تدور بين النصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك، وكانت غالبًا تنتهي بعقد معاهدات الصلح والهدنة، حتى بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة البويهية فانشغلت بمشاكلها الداخلية، ولا سيما بعد ظهور قوة فتية جديدة، هي دولة الغزنويين [ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص.١٧، ١٧١]، وما لبث الزياريون أن واجهوا ضغطًا من قبل الغزنويين الطامعين في أملاكهم، ولا سيما بعد أن استولى السلطان "محمود الغزنوي" على بلاد "الري وقزوين" وأصبحت أملاكهم تتاخم أملاك الزياريين، وأصبح الصدام بينهما حتميًا، وهكذا تعرض منوجهر بن قابوس بن، وشمكير بن زيار لهجوم السلطان الغزنوي، فتحصن منوجهر بجبال طبرستان المنيعة؛ إلا أن السلطان الغزنوي تمكن من الوصول إليه، فلم يجد الأمير الزياري بدًا من طلب الصلح، فصالحه على أن يدفع له مبلغ خمسمائة ألف دينار [إبراهيم الكردي: البويهيون، ص ٧٩]، ولم يعمر منوجهر طويلًا بعد هذه الحادثة، إذ توفي سنة (٤٢٠هـ/١٠٢٩م) فخلفه ابنه أنوشروان فأقره السلطان محمود على ولايته على أن يحمل له خمسمائة ألف دينار أخرى، ولم تمض غير فترة قصيرة حتى كان السلطان محمود الغزنوي قد توفي فخلفه ولده مسعود في الحكم فأقر أنوشروان على حكم طبرستان، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات الطيبة بين الزياريين والغزنويين، خاصة بعد أن تزوج السلطان مسعود من ابنة قائد الجيش الزياري [رشيد الجميلي: الزياريون، ص١٦٤، ١٦٥].
وفي مطلع القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي شهدت المنطقة الإسلامية ظهور قوة فتية على مسرح الأحداث السياسية ألا وهي قوة الأتراك السلاجقة، الذين ما لبثوا أن أصبحوا القوة المسيطرة على المشرق الإسلامي "بلاد فارس"، وامتد نفوذهم أيضًا ليشمل العراق، وآسيا الصغرى وبلاد الشام، وكانت معركة")دندانقان" من المعارك الحاسمة في التاريخ السلجوقي، حيث أتاح لم انتصارهم على الغزنويين في تلك المعركة فرصة مدِّ نفوذهم على معظم بلاد فارس، وبلاد ما وراء النهر، ثم حصل السلاجقة على اعتراف الخلافة العباسية لهم بشرعية نفوذهم ليصبح طغرل بك أول سلطان على السلاجقة.
ولما كان من أهداف السلاجقة - عند قيام دولتهم - بناء دولة قوية شرع طغرل بك في إخضاع بلاد فارس، فتطلع نحو "جرجان"، و"طبرستان"(للقضاء على حكم "أنوشروان الزياري" آخر حكام الأسرة الزيارية، وسار نحوهما سنة ٤٣٣ هـ/١٠٤١م، ولما علم الأخير بأنه لا طاقة له بمواجهة السلاجقة الأقوياء، أعلن خضوعه للسلطان "طغرل بك" مقابل ضريبة سنوية، إلا أن السلطان السلجوقي لم يرتض بذلك وعين على جرجان وطبرستان حاكما من قبله، ليعلن بذلك عن سقوط الدولة الزيارية [ابن الأثير: الكامل، ج٨، ص. ٢٥- ٢٥٨].
*من المسلم به أن هناك عددًا كبيرًا من المؤلفات التاريخية الفارسية قد فقد، بالتالي صعب علينا أن نطلع اطلاعًا حسنًا على تاريخ "الطاهريين" و"الصفاريين" و"السامانيين" ولا سيما أنه كان مكتوبًا باللغة الفارسية، وحتى مؤرخونا العرب لم يحدثونا عن تاريخ هذه الدول ما لم يكن له صلة بعاصمة الخلافة، ولكننا نستخلص من أحاديثهم بعض النتف التاريخية التي تعيننا على تتبع تاريخهم.
مراجع للاستزادة
تُعد طبرستان نموذجًا واضحًا لقوة البيئة وتأثيرها في تشكيل المجتمعات والتاريخ السياسي، حيث فرضت طبيعتها الجبلية منعةً على سكانها وأبقت على هويتهم المستقلة لفترات طويلة، كما تجلى تاريخها في صراع مستمر بين قوى محلية وإمبراطوريات متعاقبة، مما أبرز دورها كمهد للدعوات الجديدة والدول المستقلة في المشرق الإسلامي، ومن هنا تظل طبرستان شاهدة على قوة الإرادة والتاريخ المتشابك في مواجهة التحديات السياسية والثقافية.
ظهرت الدولة الصفارية في القرن الثالث الهجري بقيادة يعقوب بن الليث الصفَّار.
هم سكانُ المنطقةِ الجبليّة المطلّة على بحرِ قزوين شمال إيران.
شكّلت الدولة الصفوية نقطة تحول كبرى في تاريخ العالم الإسلامي.