Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقيقة فتنة القبر وسؤال الملكين

الكاتب

هيئة التحرير

حقيقة فتنة القبر وسؤال الملكين

تنطلق المقاربة الكلامية للسمعيات من تلازم المنقول والمعقول؛ فكيف تتراءى فتنة القبر وسؤال الملكين كنموذج برهاني يتجلى فيه التمايز المنهجي للأشاعرة والماتريدية عن الأطروحات المادية التي خضعت للمركزية الحسية؟

معنى فتنة القبر، وكيف يعيش الميت في عالم البرزخ

  • معنى فتنة القبر 

تُطلق فتنة القبر في اصطلاح أهل النظر والأثر على: ذلك الاختبار الإلهي والامتحان البرزخي المفاجئ الذي يتعرض له المكلف فور مفارقة روحه لجسده، واستقراره في وعائه البرزخي، حيث يَمثُل بين يدي ملكين موكلين باستنطاقه حول أصول ثلاثة بنيوية: الربوبية (من ربك؟)، والتشريع (ما دينك؟)، والرسالة (من نبيك؟)، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي، ومبدأ التمايز بين اليقين الصادق والشك المنافق. 

وقد استقر إجماع الأمة وتواترت النقول على إثبات هذه الحقيقة؛ إذ يقرر الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله - في لُبابه العقدي: "وأنَّ لله تعالى ملكين، يقال لأحدهما: منكر، والآخر: نكير، يلجان إثر الميت في قبره، فإما يبشرانه وإما يحذرانه" [أحمد بن حنبل، العقيدة، رواية أبي بكر الخلال، ص١٢٢]، وهو ما أطبق عليه المحققون؛ إذ ينقل الإمام السيوطي: "أطبق العلماء على أن المراد بقوله: يفتنون بفتنة القبر سؤال الملكين منكر ونكير، والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمي ملكا السؤال الفتانين" [السيوطي، الحاوي للفتاوى: ٢/ ١٨٦]، وفي ذات السياق البرهاني الحاسم، يقطع الإمام ابن حزم بشمولية هذه الفتنة لكل نفس فارقت الحياة، قائلًا: "بل كل ميت، فلا بد من فتنة وسؤال، وبعد ذلك سرور أو نكد إلى يوم القيامة" [ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٤/ ٥٦].

  • فك الارتباط بين الفتنة والمكان

ومن الدقائق المنهجية التي تبرهن على تجريد الفكر الكلامي، أن إضافة الفتنة إلى القبر هي إضافة جرت مجرى الغالب، ولا مفهوم احترازي لها؛ فعدم قَبْر الميت كالمحروق أو الغريق لا يُسقط عنه مقتضى السمع والمثول للسؤال، بل كل ميت يُسأل، قُبِر أو لم يُقْبَر [النفراوي، الفواكه الدواني: ١/ ٩٩].

  • التكييف المعرفي للحياة البرزخية وعودة الروح

وفي مقام الرد على منكري هذه الحياة البرزخية بدعوى أنها تستلزم تعدد الإحياء والموت، بما يخالف حصر الآية: ﴿أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَیۡنِ وَأَحۡیَیۡتَنَا ٱثۡنَتَیۡنِ﴾ [غافر: ١١]، يأتي تحرير الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حاسمًا في بيان المغايرة بين العالمين بقوله: "«بأن يُراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا، التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة الامتحان، الذي وردت به الأحاديث الصحيحة فهي إعادة عارضة» [ابن حجر، فتح الباري: ٣/ ٢٤١].

صفة الملكين السائلين، سبب تسميتهما، واختلاف تعاملهما مع البشر

  • الخصائص البنيوية والهيبة الغيبية

تعددت السنن والآثار الكاشفة عن الهيئة البديعة والمفارقة للملكين الموكلين بفتنة القبر؛ إذ تتراءى الخصائص البنيوية لهما في أبعاد غيبية مهيبة، تنخلع لها القلوب، وتتبدد أمامها أوهام المركزية الحسية لوعي الإنسان، ومن عيون النقول الأثرية في هذا الباب، ما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا قُبِرَ الْمَيّتُ - أوْ قالَ أَحَدُكُمْ - أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لأحَدِهِما: الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ: النّكيرُ...» [الترمذي، السنن، ١٠٧١].

ويتحرك العقل الأشعري هنا لضبط دلالة التسمية بالمنكر والنكير؛ مؤصلًا لكون هذا الإطلاق لا يحمل أدنى غمطٍ أو غضٍّ من الرتبة الملكية المكرمة والمصونة بنص القرآن: ﴿بَلۡ عِبَادࣱ مُّكۡرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]،

وإنما يعود جذر التسمية - في التحقيق الكلامي - إلى أن هيئتهما غير معهودة في عالم البشر، مع أن المواجهة المذهلة والمفاجئة تُسقط معايير الوجود الحسي المألوف، ليدلف العبد بها إلى قوانين المآل البرزخي.

  • التباين السلوكي للملكين

ولا تقف المعالجة الكلامية لشهود الفتنة البرزخية عند حدود السؤال المجرد، بل تتمايز الهيئة الكلامية للملكين تَبَعًا لمآل العبد وعقيدته؛ إذ يتبدى رفقُهما التام، ولطفهما البادي بالمؤمن ؛ تثبيتًا لجَنانه، وتأنيسًا لوحشته، في حين يتمخض المشهد عن انتهارٍ شديد وزجرٍ، وتقريعٍ لغير المؤمن كينونةً وترهيبًا.

وتتجلى هذه الثنائية التمايزية بصورة حاسمة في الحديث النبوي، الذي أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ، وحدَّثنا هَنّاد بنُ السَّريِّ، حدَّثنا أبو معاويةَ -وهذا لفظُ هناد- عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء بن عازب، وفيه: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟" قَالَ: "فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿یُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟﴾ [إبراهيم: ٢٧] الْآيَةُ - ثُمَّ اتَّفَقَا - قَالَ: «فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ» قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا» قَالَ: «وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ» قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ» فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ: «وَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ» قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا» قَالَ: «وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ» زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا» قَالَ: «فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا» قَالَ: «ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» [أبو داود، السنن،٤٧٥٣].

وهذا التباين المنهجي في معالم الخطاب الملكي - بين الرفق السابغ والنهر الحاسم - يمثل مَظهرًا برزخيًّا أوليًّا لحقيقة العدل الإلهي؛ حيث يتنزل التثبيت الرباني برحمته على أهل اليقين، بينما يرتكس غير المؤمن في حمأة الحيرة والاضطراب لعجز أدواته عن مضاهاة الحقائق الغيبية المباينة للمعهود الحسي.

  • عموم الابتلاء البرزخي للثقلين

ويشمل هذا الابتلاء البرزخي مكلفي الثقلين (الإنس والجن) على حدٍّ سواء؛ لاندراجهم جميعًا تحت لواء الخطاب الشرعي والأهلية التكليفية والثواب والعقاب [الدردير: شرح الخريدة، ص ١٤٩].

الطوائف المستثناة من سؤال القبر وأسباب إعفائهم

تنزعُ المدرسةُ الأشعرية في تحقيقها لمسألة الفتنة البرزخية إلى القول بأنَّ هذا الابتلاء - وإن كان عامًا ومستغرقًا للمكلفين - إلا أنه قد ثبت بالاستقراء النصي والأثري استثناء طوائف مخصوصة من هذا السؤال؛ إما لشرف مقامهم وعلو رتبتهم المصونة، أو لعظم بلائهم وتضحيتهم في دار الدنيا وتفوقهم المعرفي والأخلاقي، وهم على النحو التالي:

  • الأنبياء والملائكة: وذلك لشرف الرتبة ومحورية المقام؛ إذ إنَّ مدار سؤال القبر ومناطه إنما يتحرك حول التصديق بالأنبياء والوحي، فكيف يُسأل النبيُّ العظيمُ عن نفسه؟! [الدردير، حاشية الخريدة البهية، دار المعارف، ص: ١٤٩].
  • الشهداء والصديقون: وذلك لعظم فدائهم، وبذلهم مهجهم إعلاءً لكلمة الحق؛ حيث يرتفع عنهم السؤال البرزخي لسبوق الاختبار وعمقه في الدنيا، وهو ما يبرهن عليه الحديث النبوي الشريف: "أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمنين يُفتنون في قبورِهم إلَّا الشَّهيدَ؟ قال: «كفَى ببارقةِ السُّيوفِ على رأسِه فتنةً» [النسائي، السنن، (٢٠٥٣) ]، وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصدِّيق أجل خطرًا، وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء قوله ﴿وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰۤئِكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّۦنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ﴾ [النساء: ٦٩] [القرطبي: التذكرة،١/٤٢٤]
  • المرابطون الحارسون لثغور الأمة وحياضها: وإذا كان هذا الاستثناء ثابتًا في حَقِّ الشهيد، فقد جاء النّقل الأثري ممتدًا ليعمَّ المُرابطَ أيضًا - والذي هو أصلٌ في منظومة الحماية والذود وإن نزل عن رتبة الشهيد الفدائية [القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى، ١/ ٤٢٤]، فلا يُفتن في قبره؛ مصداقًا للبيان النبوي الشريف: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ» [ابن ماجه، السنن، رقم (٢٧٦٧) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه ].
  • أهل المداومة والأعذار: كقاري سورة (الملك) كل ليلة، والمبطون، ومن مات في زمن الوباء صابرًا محتسبًا، ومن تلا الإخلاص في مرض موته؛ إكرامًا وتفضلًا من الحق جل وعلا وتنزلًا لرحماته وسعة فضله [الدردير، شرح الخريدة، ص: ١٤٩، الباجوري: حاشية الصاوي على شرح الخريدة، ١/ ٥٦٠].
  • فاقدو الأهلية (الأطفال والمجانين): لارتفاع مناط التكليف والخطاب الابتلائي (وهو العقل والبلوغ) عنهم في دار الدنيا؛ وبناءً عليه لا يترتب في حقهم تفتيشٌ أو استنطاق حِسابي في عالم البرزخ [راجع: الدردير، شرح الخريدة، ص: ١٤٩، د. عبد المعطي بيومي، دراسات في العقيدة الإسلامية، ص: ١٠٢].

نقاش علماء الكلام والمعتزلة حول حقيقة سؤال القبر

لقد شهد الفكر الكلامي معتركًا واسعًا بين النفي والإثبات في المسائل الغيبية، وانقسمت مواقف المتكلمين تجاه الفتنة البرزخية إلى مسلكين بارزين:

  • المسلك العقلي المادي (ضرار وبشر)

ذهب شذوذٌ من غلاة المتكلمين كضرار بن عمرو، وبشر المريسي إلى إنكار أصل مسألة منكر ونكير، وعذاب القبر وسؤاله، متشبثين بدليل المشاهدة الحِسِّية الظاهرة؛ إذ زعموا أننا لو فتحنا القبر فور دفن الميت لا نرى أثرًا لإقعاد أو ضرب بمطارق، وهذا خلل منهجي فاضح، نشأ عن قياس الغيب الخاضع للقدرة الإلهية المطلقة على قوانين المادة والمشاهدة القاصرة [شرح المواقف، ٨/ ٣٤٦].

  • المسلك التحقيقي الأصولي (القاضي عبد الجبار)

يقرر القاضي عبدالجبار الإيمان بفتنة القبر ويرى أن المعتزلة يقولون بها، ودليل ذلك السمع فقال: "فأما الكلام في أن ذلك كيف يكون, وأنه تعالى يبعث إليه ملكين... فإن ذلك مما لا يهتدى إليه من جهة العقل, وإنما الطريق إليه السمع" [القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص: ٧٣٢].

الخلاصة

فتنة البرزخ حقيقة غيبية يثبتها العقل الأشعري والماتريدي بالتلازم بين المنقول والمعقول، مؤكدًا وقوعها تمايزًا برفق أو زجر، مع استثناء طوائف مخصوصة تكريمًا أو عذرًا.

موضوعات ذات صلة

من المسائل العقدية التي أثبتها الكتاب والسنة وأجمع عليها جمهور العلماء.

كل ما يحجز بين شيئين أو مكانين.

لا يعلم حقيقتها إلا الله، وكل الأديان السماوية تُقر بوجودها.

الموت على أنواع بحسب أنواع الحياة.

يرى أهل السنة أن الأموات لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة.

موضوعات مختارة