السبب كلمة يستعملها الكثيرون، كل في مجال اختصاصه، وهي في كل استعمال
تستعمل فيه يُلقى عليها المجال بظلاله الذي لا يخفى على القارئ أو المتلقي، فالمشتغلون
بالفلسفة تدور على ألسنتهم هذه الكلمة، ولها مستويات عدة في التعامل فيما بينهم، وعلماء
العقائد يستعملونها وينسبون إليها، وعلماء الأخلاق تدور بينهم هذه الكلمة ولها
ظلال مخالفة عما كان لها حين استعملها الفلاسفة أو علماء العقائد أو غيرهم، وعلماء
القانون يستعملون هذه الكلمة بطريقتهم الخاصة.
وإذا كان الأمر على هذا النحو فإنه يستحسن أن نتتبع هذه الكلمة في كل
مجال من هذه المجالات، لنشير إلى حقيقة استعمالها فيه، وما يصاحب هذه الحقيقة من
الظلال.
السبب في اللغة:
لما كانت الألفاظ اللغوية عبارة عن أسماء يقوم الواضع بتخصيص كل منها
بمعنى من المعاني يقترن به، وينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور قرينه من المعاني،
كان من الضروري أن نؤكد على أن الواضع اللغوي الذي يضع اللفظ بإزاء المعنى غالبًا
ما يكون عمله هذا في مجال الحسيات، وهو أمر يظهر هنا بغاية الوضوح، ويلحظه
الكثيرون من أولئك النفر الذين يشتغلون بتحديد معاني الألفاظ، ودلالتها، ونموها في
مجاله هذه الدلالة من عصر إلى عصر.
يقول الجرجاني: السبب في اللغة: اسم لما
يتوصل به إلى المقصود [التعريفات ص١٠٣].
ويقول بدر الدين محمد الزركشي: السبب
لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، أي: لأنه ليس بمؤثر في الوجود، بل وسيلة
إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس المؤثر في الإخراج، وإنما
المؤثر حركة المستقي للماء [البحر المحيط- طبع دار الصفوة - الطبعة الثانية ١٤١٣
هـ.١٩٩٢م / ٣٠٦].
ولقد تابع القدماء -على ما ذكروه من
هذا المعنى الوضعي للسبب -المحدثون على اختلاف تخصصاتهم وفي الموسوعة الفقهية السبب لغة: الحبل، ثم استعمل لكل شيء يتوصل به
إلى غيره، والجمع أسباب. [الموسوعة الفقهية - وزارة
الأوقاف بالكويت - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠م ٢٤ / ١٤٥]، وهو اقتباس بتصرف من المصباح المنير، ولسان العرب مادة (سبب).
ومن المحدثين صاحب المعجم الفلسفي وعبارته تنقصها الدقة، حيث تفتقر
إلى ترسيم الحدود بين التعريف الوضعي والتعريفات الأخرى، قال:
(السبب: الحبل، وما يتوصل به إلى المقصود، والجمع أسباب، وأسباب السماء
مراقيها، أو نواحيها، أو أبوابها).
والفرق بين السبب والشرط، أن السبب هو: ما يكون الشيء محتاجًا إليه،
إما في ماهيته أو في وجوده، على حين أن الشرط هو: ما يتوقف عليه وجود الشيء،
كالوضوء للصلاة.
وقيل أيضًا: إن السبب ما يلزم من عدمه العدم، ومن وجوده الوجود، على حين
أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم [جميل صليب، المعجم
الفلسفي١/ ٦٤٨].
وبصرف النظر عما اعترى عبارة المعجم الفلسفي من الشوائب والتداخل،
فإننا نعود فنؤكد أن الواضع اللغوي حين وضع هذه اللفظة، أو خصص تلك المادة قد
وضعها وخصصها لتدل على شيء حسيّ، كل ما هنالك أن يكون واصلًا بين شيئين، ولو كان
أحد طرفيه إلى أعلى لكان ذلك أفضل وأكثر دلالة على الارتباط بين اللفظ وما يدل
عليه اللفظ.
ولا مانع بعد هذا العموم أن تُطلق هذه المادة (سبب) سواء بالإدغام
(سب)،أو بفك الإدغام (سبب) على هذه الوسيلة بين الشيئين جملة، وهي ممتدة من أعلى
إلى أسفل، أو على بعض مراحلها التي هي سُلّمها من أسفل إلى أعلى، ولا بأس كذلك أن
تطلق هذه المادة على منتهي هذه الوسيلة من أعلى، كأن يطلق (السب) أو (السبب)على
أبواب السماء.
وهذه الإطلاقات جميعًا وما يشبهها، تعد طورًا، أو مرحلة من مراحل الاستعمال
اللغوي تسلم في نهايتها إلى مرحلة أخرى حين بدأ يطلق (السب) أو(السبب) على تلك
الوسيلة المعنوية بين شيئين من نحو: المودة، والقربى، ومن نحو: الصداقة، والأخوة.
ونحن لا يعنينا في هذه المرحلة أن نطلق على هذا الاستعمال الأخير طورًا،
انتقل الاستعمال اللغوي إليه خضوعًا إلى قانون تطور الأشياء، أو نقول: إن هذا
الاستعمال لون من ألوان الاستعارة التي تخضع لبعض وظائف العقل والوجدان معًا.
إنه لا يعنينا هذا ولا ذاك، إن كنا من القائلين بأن اللغة باعتبار
أنها كائن اجتماعي يجب أن تخضع خضوعًا تامًا إلى قانون التطور والترقي، كما يخضع لهذا
القانون واضعوها ومستخدموها على السواء.
ولقد استفاد ابن منظور
فيما ذهب إليه من استعمال (السب) - وهو قريب مما ذكرناه - من استعمال القرآن الكريم
لهذه المادة، ومن ورودها في ألسنة وكلام العرب، مقترنة بمدلولات، واضحة الدلالة
على المراد.
وسوف نحاول أن ننقل
طرفًا من كلام ابن منظور نُرسّي به ما ذكرناه على
قواعده، لكي نخلص إلى نتيجة ما ذكرناه من أقرب طريق، بعيدًا عن حرج الخلط الذي
تورطت فيه عبارة المعجم الفلسفي، حيث لم تسلم من الأمشاج والأخلاط.
يقول ابن منظور: "والسبب:
كل شيء يتوصل أو يتوسل به إلى غيره، وقد تسبب إليه، والجمع أسباب، وكل شيء يتوصل
به إلى الشيء فهو سبب، وجعلتُ فلانًا لي سببًا إلى فلان في حاجتي وودجًا، أو وصلة
وذريعة".
وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتۡ
بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ} [البقرة:١٦٦]، قال ابن عباس: المودة،
وقال مجاهد: تواصلهم في الدنيا، وقال أبو زيد: الأسباب المنازل، وقيل: المودة.
والله - عز وجل - مسبب الأسباب،
ومنه التسبب، والسبب اعتلاق قرابة، وأسباب السماء:
مراقيها.
قال
زهير:
ومن
هاب أسباب المنية يلقها *** ولو رام أسباب السماء بسُلَّم
وقوله عز وجل: {لَّعَلِّيٓ
أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ * أَسۡبَٰبَ
ٱلسَّمَٰوَٰتِ}
[غافر:٣٦ -٣٧]، قال: هي أبوابها.
وارتقى في الأسباب إذا كان فاضل الدين، والسبُّ: الحبل، في لغة هذيل، وجمعه:
أسباب، ويجوز فتح السين في (السب) فتصير (سبًا) وجمعها (أسباب) كذلك.
وقوله عز وجل: {مَن كَانَ يَظُنُّ
أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ
إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [الحج:١٥] معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله سبحانه، محمدًا -صلى
الله عليه وسلـم- حتى يظهره على الدين كله، فليمت غيظًا، وهو معنى قوله تعالى: {فَلۡيَمۡدُدۡ
بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [الحج:١٥]، والسبب: الحبل. والسماء:
السقف، أي فليمدد حبلًا في سقفه، ثم ليقطع، أي ليمد الحبل حتى ينقطع، فيموت مختنقًا،
وقال أبو عبيدة: السبب: كل حبل حوزته من فوق، وقال خالد بن جنبة: السبب من الحبال:
القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبلُ سببًا حتى يصعد به وينحدر به.
وفي الحديث: «كُلُّ
سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلا نَسَبِي وَسَبَبِي»، النسب بالولادة، والسبب بالزواج، وهو من السبب، وهو الحبل الذي
يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء، كقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ
بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة:١٦٦]، أي الوصل والمودات...
إلى آخر ما قال،
وخلاصة القول في علاقة السبب بما يدل عليه، والمراحل
التي مرت بها هذه العلاقة:
أن السبب أطلق من قبل الواضع اللغوي أول عهده بالإطلاق ليدل على هذا
النوع من الارتباط الحسي، كالحبل يُلقى به في البئر في آخر الدلو وفي أوله من أعلى
قبضة الساقي، أو الذي يريد استخراج الماء من البئر.
ثم نَمَت هذه العلاقة إلى أن ارتقت إلى
هذا النوع من الروابط المعنوية المعبرة عن تلك العلاقات الإنسانية السامية، ويبدو
أن ابن منظور قد أهمل مرحلة ثالثة من الارتباط، أشرنا إليها من قبل وأفردها
بالإشارة صاحب كتاب البحر المحيط. [ابن منظور، لسان العرب، مادة "سبب"].
قال الزركشي: وهو، أي: السبب لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به؛
لأنه ليس بمؤثر في الوجود بل وسيلة إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء
من البئر، وليس المؤثر في الإخراج وإنما المؤثر حركة المستقي للماء.
السبب في اصطلاح الفقهاء:
وبعد أن أدركنا معنى السبب في اللغة نحاول هنا أن نفهم معنى السبب في
استعمالات الفقهاء وعلماء أصول الفقه.
وكثيرًا ما نُعبر عن استعمال هذه الطائفة للألفاظ بأنه استعمال (شرعي لا
لشيء)، إلا لأن مجال عملهم هو البحث في أمور الشريعة، وسواء عبَّرنا عن استعمال
الفقهاء للألفاظ بأنه استعمال اصطلاحي، أو استعمال شرعي، فإننا لا نعلق على هذا الاختلاف
في التعبير عن هذا الاستعمال كثير أهمية ولننصرف عنه إلى الحديث عن معنى السبب في استعمال
هذه الطائفة من العلماء، أو في استعمال الشرع له.
والأمر لن يخلص لنا إلا إذا مهدنا له بتمهيد يحسم بعض القضايا.
وأولها: أن المشرع الملزم لعباده باتباع الشرع، إنما هو الله وعلى
العباد أن يفقهوا عن الله - عز وجل - أحكامه الشرعية في كل تكليف أراد أن يلزمهم
به أن يفعلوه أو يجتنبوه.
وكثير من الناس لا يدركون عن الله عز وجل أحكامه التكليفية المرتبطة
بالفعل والترك، على نحو ما يدركون الارتباط بين العلة والمعلول، الأمر الذي
تناولته حكمة الله ورأفته بعباده فنصب لهم عند كل حكم علامة تدل عليه، بوجودها
يوجد الحكم وبانتفائها ينتفي الحكم على طريقة العلة والمعلول كما بينا، مع فارق
واحد، وهو أن هذه العلامة التي ينصبها الشارع لتدل على الحكم هي لا تؤدي إلى هذا
الحكم، وإنما فقط الحكم يقع عندها لا بها بخلاف العلة، إذ المعلول يقع بها وهي
المؤثرة فيه، وهذا الحكم الذي يقع مصاحبًا للعلامة يقال له مسببًا، والعلامة التي وقع
الحكم عندها يقال: لها السبب.
وهذا أمر نظري سقناه بين يديك يتضح فيه المقال بالمثال.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك، الموضحة له قوله تعالى: {أَقِمِ
الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ
الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ
الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:٧٨] ، ومن يتأمل في
هذا النص يتبين له في أرجح الأقوال أن
دلوك الشمس، المراد به ميلها إلى جهة الغرب، ورحيلها عن مقرها الذي توسطت به كبد السماء، وإنما حملنا الدلوك
على هذا الوقت من النهار، لتحقق المعنى اللغوي للدلوك من ناحية، ولنتمكن من فهم
المواقيت الخمسة للصلاة في اليوم والليلة من ناحية أخرى، والدلوك ظاهرة كونية معروفة
يراها الرائي لا يخطئه ولا يخفى عليه، وهذا الدلوك علامة على دخول وقت الظهر،
ووجوب أداء هذه الفريضة.
وأنت خبير ولا شك أن وجوب صلاة الظهر قد حصل عند الدلوك ولم تجب به.
وقريب من هذا المثال قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة :١٨٥] فشهود شهر رمضان
سبب لوجوب الصيام على من توجه إليه التكليف بوجوب الصوم، ومن الأمثلة الموضحة لما
ذكرناه قوله: -صلى الله عليه وسلـم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ،
وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه» [أخرجه البخاري (١٩٠٩)]، فرؤية الهلال علامة ظاهرة على وجوب
مباشرة التكليف، ومن يتأمل فيما ذكرناه من الأمثلة ونظائرها يجد العلامة التي نصبها
الشارع والتي يجب التكليف عندها ظاهرة لا سترة بها، وهذه العلامة هي التي نسميها
سببًا.
ومن الأشياء التي ينبغي أن نلفت النظر إليها قبل أن نخلص إلى تعريف السبب
هي: أن هذه العلامة (السبب) تأتي على ضربين:
أحدهما: أنها كلما تكررت
في الزمان تكرر الحكم معها، كدلوك الشمس، وشهود شهر رمضان، ورؤية الهلال في أوله
من كل عام، وهذه العلامات أو الأسباب كلما تكررت في الزمان تكرر الحكم معها، وهو أمر
ظاهر.
وهناك قسم آخر من العلامات لا يرتبط الحكم به بالنسبة للفرد الواحد إلا
مرة واحدة، وذلك مثل الإسلام والحج، فالإسلام يجب بالبلوغ، والحج يجب بالاستطاعة،
والوجوب لا يتكرر بتكرار العلامة أو استمرارها، فإعلان الإسلام والالتزام به يجب
مرة واحدة، والحج والعمرة وجوبهما بالاستطاعة أو عندها في العمر مرة واحدة وهكذا في
الأشباه والنظائر.
وهنا ربما يحدث إشكال يعوق استيعاب القسم الثاني من هذين القسمين.
خلاصته: أن الشأن في
السبب وارتباطه بالمسبب أنه كلما تكرر السبب الذي هو العلامة تكرر الحكم معها على
نحو ما هو ظاهر في القسم الأول، وبعدم الاضطراد في القسم الثاني من باب المعضلات
إذ تتكرر العلامة أو السبب ولا يتكرر معها الحكم.
ولقد حاول الإمام الغزالي أن يخرج من هذا الإعضال بعدم ميله
لإدراج هذا القسم في باب الأسباب، وهذه عبارته : "اعلم أنه لما عسر على الخلق
معرفة خطاب الله تعالى في كل حال -لاسيما بعد انقطاع الوحي -أظهر الله سبحانه
خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابًا لأحكامه، وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام
على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها ، ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الأحكام إليها كقوله تعالى : {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}[الإسراء: ٧٨]، وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:
١٨٥]، وقوله - صلى الله عليه وسلـم: «صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات كالصلاة
والصوم والزكاة، فإن ما يتكرر الوجوب بتكرره فجدير بأن يُسمى سببًا، أمَّا ما لا
يتكرر كالإسلام والحج فيمكن من أن يقال ذلك معلوم بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]، وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها
إلى سبب.
ويمكن أن يقال: سبب وجوب الإيمان
والمعرفة الأدلة المنصوبة، وسبب وجوب الحج دون الاستطاعة، ولما كان البيت واحدًا،
لم يجب الحج إلا مرة واحدة، والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت، والأمر فيه قريب. [الغزالي- المستصفى ١/٩٣].
وربما لا يخفاك أن هذا الخلاف المترتب على التقسيم للعلامات التي هي الأسباب
أمر ظاهر في باب العبادات.
أمَّا ما عدا ذلك من الأبواب التي تحتاج فيها إلى ارتباط الحكم بالعلامة
التي هي السبب من نحو مسائل الأحوال الشخصية، ومن نحو المعاملات، ومن نحو الغرامات
والعقوبات.. إلخ فالأمر فيها جميعًا ظاهر لظهور السبب وارتباط الحكم به.
ومن الأمور التي يجب التنبيه عليها قبل أن نخلص إلى التعريف، هي هذه القضية
التي أثيرت بين المعتزلة، وغيرهم من علماء الكلام الذين لهم اهتمام بأصول الفقه من
نحو الأشاعرة والمعتزلة.
وهذه المسألة المثارة هنا هي مسألة نوع الارتباط بين العلامة التي هي
السبب، والأثر المرتبط بها وهو الحكم، فبينما يصر المعتزلة إصرارًا كاملًا على أن
الحكم قد حصل بهذا السبب، أو بهذه العلامة نجد الأشاعرة يأبون ذلك، ويؤكدون أن
الحكم حاصل عنده لا به، ولكل من الفريقين
أنصار وأتباع.
وبعد هذه المقدمات يمكن أن نخلص إلى التعريف الذي نحدد به معنى السبب.
ونفضل هنا أن ترك المجال لأحد علماء هذا الفن يعبر عن وجهات النظر المختلفة
في تعريف السبب. ونسوق عبارة البحر المحيط كاملة، وهي شاملة للمعنى اللغوي كما
يفهمه علماء أصول الفقه معتذرين عما يبدو منا من التكرار أو الإعادة.
قال الزركشي: وهو لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، أي لأنه ليس بمؤثر في
الوجود بل وسيلة إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس
المؤثر في الإخراج، وإنما المؤثر حركة المستسقي للماء.
وفي الشرع، قال الأكثرون: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل السمع على
كونه معرفًا للحكم الشرعي، كجعل دلوك الشمس معرفًا لوجوب الصلاة.
وقيل: هو الموجب لا لذاته، ولكن بجعل الشارع إياه موجبًا، وهو اختيار الغزالي
وحاول الإمام الرازي تزييفه.
وقيل: "هو الموجب لذاته، وهو قول
المعتزلة، وإنما نصب السبب للحكم ليستدل [الزركشي، البحر المحيط ١/٣٠٦]
به على الحكم عند تعذر الوقوف على خطاب الله لا سيما عند انقطاع الوحي؛
كالعلامة".