Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السبب

الكاتب

أ. د/ طه الدسوقي حبيشي

السبب

تطور الفكر البشري من مفاهيم السببية الأرسطية والعلل الأربع إلى أسس المعرفة الحديثة التي وضعها فلاسفة مثل ديكارت وكانط وهيوم، متبعًا المسار من العقلانية إلى التجريبية؛ كما يسلط الضوء على تداخل المنهج العلمي مع النظريات الفيزيائية المعاصرة (النسبية وميكانيكا الكم)، وكيف أن مفاهيم المنطق والاحتمال والضرورة، إلى جانب التحليل الاجتماعي والثقافي، تشكل فهمنا الحالي للواقع والاصطلاح العلمي.

مفهوم السبب

السبب كلمة يستعملها الكثيرون، كل في مجال اختصاصه، وهي في كل استعمال تستعمل فيه يُلقى عليها المجال بظلاله الذي لا يخفى على القارئ أو المتلقي، فالمشتغلون بالفلسفة تدور على ألسنتهم هذه الكلمة، ولها مستويات عدة في التعامل فيما بينهم، وعلماء العقائد يستعملونها وينسبون إليها، وعلماء الأخلاق تدور بينهم هذه الكلمة ولها ظلال مخالفة عما كان لها حين استعملها الفلاسفة أو علماء العقائد أو غيرهم، وعلماء القانون يستعملون هذه الكلمة بطريقتهم الخاصة.

وإذا كان الأمر على هذا النحو فإنه يستحسن أن نتتبع هذه الكلمة في كل مجال من هذه المجالات، لنشير إلى حقيقة استعمالها فيه، وما يصاحب هذه الحقيقة من الظلال.

السبب في اللغة:

لما كانت الألفاظ اللغوية عبارة عن أسماء يقوم الواضع بتخصيص كل منها بمعنى من المعاني يقترن به، وينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور قرينه من المعاني، كان من الضروري أن نؤكد على أن الواضع اللغوي الذي يضع اللفظ بإزاء المعنى غالبًا ما يكون عمله هذا في مجال الحسيات، وهو أمر يظهر هنا بغاية الوضوح، ويلحظه الكثيرون من أولئك النفر الذين يشتغلون بتحديد معاني الألفاظ، ودلالتها، ونموها في مجاله هذه الدلالة من عصر إلى عصر.

يقول الجرجاني: السبب في اللغة: اسم لما يتوصل به إلى المقصود [التعريفات ص١٠٣].

ويقول بدر الدين محمد الزركشي: السبب لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، أي: لأنه ليس بمؤثر في الوجود، بل وسيلة إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس المؤثر في الإخراج، وإنما المؤثر حركة المستقي للماء [البحر المحيط- طبع دار الصفوة - الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.١٩٩٢م / ٣٠٦].

ولقد تابع القدماء -على ما ذكروه من هذا المعنى الوضعي للسبب -المحدثون على اختلاف تخصصاتهم وفي الموسوعة الفقهية السبب لغة: الحبل، ثم استعمل لكل شيء يتوصل به إلى غيره، والجمع أسباب. [الموسوعة الفقهية - وزارة الأوقاف بالكويت - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠م ٢٤ / ١٤٥]، وهو اقتباس بتصرف من المصباح المنير، ولسان العرب مادة (سبب).

ومن المحدثين صاحب المعجم الفلسفي وعبارته تنقصها الدقة، حيث تفتقر إلى ترسيم الحدود بين التعريف الوضعي والتعريفات الأخرى، قال: (السبب: الحبل، وما يتوصل به إلى المقصود، والجمع أسباب، وأسباب السماء مراقيها، أو نواحيها، أو أبوابها).

والفرق بين السبب والشرط، أن السبب هو: ما يكون الشيء محتاجًا إليه، إما في ماهيته أو في وجوده، على حين أن الشرط هو: ما يتوقف عليه وجود الشيء، كالوضوء للصلاة.

وقيل أيضًا: إن السبب ما يلزم من عدمه العدم، ومن وجوده الوجود، على حين أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم [جميل صليب، المعجم الفلسفي١/ ٦٤٨].

وبصرف النظر عما اعترى عبارة المعجم الفلسفي من الشوائب والتداخل، فإننا نعود فنؤكد أن الواضع اللغوي حين وضع هذه اللفظة، أو خصص تلك المادة قد وضعها وخصصها لتدل على شيء حسيّ، كل ما هنالك أن يكون واصلًا بين شيئين، ولو كان أحد طرفيه إلى أعلى لكان ذلك أفضل وأكثر دلالة على الارتباط بين اللفظ وما يدل عليه اللفظ.

ولا مانع بعد هذا العموم أن تُطلق هذه المادة (سبب) سواء بالإدغام (سب)،أو بفك الإدغام (سبب) على هذه الوسيلة بين الشيئين جملة، وهي ممتدة من أعلى إلى أسفل، أو على بعض مراحلها التي هي سُلّمها من أسفل إلى أعلى، ولا بأس كذلك أن تطلق هذه المادة على منتهي هذه الوسيلة من أعلى، كأن يطلق (السب) أو (السبب)على أبواب السماء.

وهذه الإطلاقات جميعًا وما يشبهها، تعد طورًا، أو مرحلة من مراحل الاستعمال اللغوي تسلم في نهايتها إلى مرحلة أخرى حين بدأ يطلق (السب) أو(السبب) على تلك الوسيلة المعنوية بين شيئين من نحو: المودة، والقربى، ومن نحو: الصداقة، والأخوة.

ونحن لا يعنينا في هذه المرحلة أن نطلق على هذا الاستعمال الأخير طورًا، انتقل الاستعمال اللغوي إليه خضوعًا إلى قانون تطور الأشياء، أو نقول: إن هذا الاستعمال لون من ألوان الاستعارة التي تخضع لبعض وظائف العقل والوجدان معًا.

إنه لا يعنينا هذا ولا ذاك، إن كنا من القائلين بأن اللغة باعتبار أنها كائن اجتماعي يجب أن تخضع خضوعًا تامًا إلى قانون التطور والترقي، كما يخضع لهذا القانون واضعوها ومستخدموها على السواء.

ولقد استفاد ابن منظور فيما ذهب إليه من استعمال (السب) - وهو قريب مما ذكرناه - من استعمال القرآن الكريم لهذه المادة، ومن ورودها في ألسنة وكلام العرب، مقترنة بمدلولات، واضحة الدلالة على المراد.

وسوف نحاول أن ننقل طرفًا من كلام ابن منظور نُرسّي به ما ذكرناه على قواعده، لكي نخلص إلى نتيجة ما ذكرناه من أقرب طريق، بعيدًا عن حرج الخلط الذي تورطت فيه عبارة المعجم الفلسفي، حيث لم تسلم من الأمشاج والأخلاط.

يقول ابن منظور: "والسبب: كل شيء يتوصل أو يتوسل به إلى غيره، وقد تسبب إليه، والجمع أسباب، وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب، وجعلتُ فلانًا لي سببًا إلى فلان في حاجتي وودجًا، أو وصلة وذريعة".

وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ} [البقرة:١٦٦]، قال ابن عباس: المودة، وقال مجاهد: تواصلهم في الدنيا، وقال أبو زيد: الأسباب المنازل، وقيل: المودة.

 والله - عز وجل - مسبب الأسباب، ومنه التسبب، والسبب اعتلاق قرابة، وأسباب السماء: مراقيها.

قال زهير:

ومن هاب أسباب المنية يلقها *** ولو رام أسباب السماء بسُلَّم

 وقوله عز وجل: {لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ * أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [غافر:٣٦ -٣٧]، قال: هي أبوابها.

وارتقى في الأسباب إذا كان فاضل الدين، والسبُّ: الحبل، في لغة هذيل، وجمعه: أسباب، ويجوز فتح السين في (السب) فتصير (سبًا) وجمعها (أسباب) كذلك.

وقوله عز وجل: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [الحج:١٥] معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله سبحانه، محمدًا -صلى الله عليه وسلـم- حتى يظهره على الدين كله، فليمت غيظًا، وهو معنى قوله تعالى: {فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [الحج:١٥]، والسبب: الحبل. والسماء: السقف، أي فليمدد حبلًا في سقفه، ثم ليقطع، أي ليمد الحبل حتى ينقطع، فيموت مختنقًا، وقال أبو عبيدة: السبب: كل حبل حوزته من فوق، وقال خالد بن جنبة: السبب من الحبال: القوي الطويل، قال: ولا يدعى الحبلُ سببًا حتى يصعد به وينحدر به.

وفي الحديث: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلا نَسَبِي وَسَبَبِي»، النسب بالولادة، والسبب بالزواج، وهو من السبب، وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء، كقوله تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة:١٦٦]، أي الوصل والمودات... إلى آخر ما قال، وخلاصة القول في علاقة السبب بما يدل عليه، والمراحل التي مرت بها هذه العلاقة:

أن السبب أطلق من قبل الواضع اللغوي أول عهده بالإطلاق ليدل على هذا النوع من الارتباط الحسي، كالحبل يُلقى به في البئر في آخر الدلو وفي أوله من أعلى قبضة الساقي، أو الذي يريد استخراج الماء من البئر.

ثم نَمَت هذه العلاقة إلى أن ارتقت إلى هذا النوع من الروابط المعنوية المعبرة عن تلك العلاقات الإنسانية السامية، ويبدو أن ابن منظور قد أهمل مرحلة ثالثة من الارتباط، أشرنا إليها من قبل وأفردها بالإشارة صاحب كتاب البحر المحيط. [ابن منظور، لسان العرب، مادة "سبب"].

قال الزركشي: وهو، أي: السبب لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به؛ لأنه ليس بمؤثر في الوجود بل وسيلة إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس المؤثر في الإخراج وإنما المؤثر حركة المستقي للماء.

السبب في اصطلاح الفقهاء:

وبعد أن أدركنا معنى السبب في اللغة نحاول هنا أن نفهم معنى السبب في استعمالات الفقهاء وعلماء أصول الفقه.

وكثيرًا ما نُعبر عن استعمال هذه الطائفة للألفاظ بأنه استعمال (شرعي لا لشيء)، إلا لأن مجال عملهم هو البحث في أمور الشريعة، وسواء عبَّرنا عن استعمال الفقهاء للألفاظ بأنه استعمال اصطلاحي، أو استعمال شرعي، فإننا لا نعلق على هذا الاختلاف في التعبير عن هذا الاستعمال كثير أهمية ولننصرف عنه إلى الحديث عن معنى السبب في استعمال هذه الطائفة من العلماء، أو في استعمال الشرع له.

والأمر لن يخلص لنا إلا إذا مهدنا له بتمهيد يحسم بعض القضايا.

وأولها: أن المشرع الملزم لعباده باتباع الشرع، إنما هو الله وعلى العباد أن يفقهوا عن الله - عز وجل - أحكامه الشرعية في كل تكليف أراد أن يلزمهم به أن يفعلوه أو يجتنبوه.

وكثير من الناس لا يدركون عن الله عز وجل أحكامه التكليفية المرتبطة بالفعل والترك، على نحو ما يدركون الارتباط بين العلة والمعلول، الأمر الذي تناولته حكمة الله ورأفته بعباده فنصب لهم عند كل حكم علامة تدل عليه، بوجودها يوجد الحكم وبانتفائها ينتفي الحكم على طريقة العلة والمعلول كما بينا، مع فارق واحد، وهو أن هذه العلامة التي ينصبها الشارع لتدل على الحكم هي لا تؤدي إلى هذا الحكم، وإنما فقط الحكم يقع عندها لا بها بخلاف العلة، إذ المعلول يقع بها وهي المؤثرة فيه، وهذا الحكم الذي يقع مصاحبًا للعلامة يقال له مسببًا، والعلامة التي وقع الحكم عندها يقال: لها السبب.

وهذا أمر نظري سقناه بين يديك يتضح فيه المقال بالمثال.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك، الموضحة له قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:٧٨] ، ومن يتأمل في هذا النص يتبين له في أرجح  الأقوال أن دلوك الشمس، المراد به ميلها إلى جهة الغرب، ورحيلها عن مقرها  الذي توسطت به كبد السماء، وإنما حملنا الدلوك على هذا الوقت من النهار، لتحقق المعنى اللغوي للدلوك من ناحية، ولنتمكن من فهم المواقيت الخمسة للصلاة في اليوم والليلة من ناحية أخرى، والدلوك ظاهرة كونية معروفة يراها الرائي لا يخطئه ولا يخفى عليه، وهذا الدلوك علامة على دخول وقت الظهر، ووجوب أداء هذه الفريضة.

وأنت خبير ولا شك أن وجوب صلاة الظهر قد حصل عند الدلوك ولم تجب به.

وقريب من هذا المثال قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة :١٨٥] فشهود شهر رمضان سبب لوجوب الصيام على من توجه إليه التكليف بوجوب الصوم، ومن الأمثلة الموضحة لما ذكرناه قوله: -صلى الله عليه وسلـم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه» [أخرجه البخاري (١٩٠٩)]، فرؤية الهلال علامة ظاهرة على وجوب مباشرة التكليف، ومن يتأمل فيما ذكرناه من الأمثلة ونظائرها يجد العلامة التي نصبها الشارع والتي يجب التكليف عندها ظاهرة لا سترة بها، وهذه العلامة هي التي نسميها سببًا.

ومن الأشياء التي ينبغي أن نلفت النظر إليها قبل أن نخلص إلى تعريف السبب هي: أن هذه العلامة (السبب) تأتي على ضربين:

أحدهما: أنها كلما تكررت في الزمان تكرر الحكم معها، كدلوك الشمس، وشهود شهر رمضان، ورؤية الهلال في أوله من كل عام، وهذه العلامات أو الأسباب كلما تكررت في الزمان تكرر الحكم معها، وهو أمر ظاهر.

وهناك قسم آخر من العلامات لا يرتبط الحكم به بالنسبة للفرد الواحد إلا مرة واحدة، وذلك مثل الإسلام والحج، فالإسلام يجب بالبلوغ، والحج يجب بالاستطاعة، والوجوب لا يتكرر بتكرار العلامة أو استمرارها، فإعلان الإسلام والالتزام به يجب مرة واحدة، والحج والعمرة وجوبهما بالاستطاعة أو عندها في العمر مرة واحدة وهكذا في الأشباه والنظائر.

وهنا ربما يحدث إشكال يعوق استيعاب القسم الثاني من هذين القسمين.

خلاصته: أن الشأن في السبب وارتباطه بالمسبب أنه كلما تكرر السبب الذي هو العلامة تكرر الحكم معها على نحو ما هو ظاهر في القسم الأول، وبعدم الاضطراد في القسم الثاني من باب المعضلات إذ تتكرر العلامة أو السبب ولا يتكرر معها الحكم.

ولقد حاول الإمام الغزالي أن يخرج من هذا الإعضال بعدم ميله لإدراج هذا القسم في باب الأسباب، وهذه عبارته : "اعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال -لاسيما بعد انقطاع الوحي -أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابًا لأحكامه، وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها ، ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي  التي أضاف الأحكام إليها كقوله تعالى : {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}[الإسراء: ٧٨]، وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥]، وقوله - صلى الله عليه وسلـم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة، فإن ما يتكرر الوجوب بتكرره فجدير بأن يُسمى سببًا، أمَّا ما لا يتكرر كالإسلام والحج فيمكن من أن يقال ذلك معلوم بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]، وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب.

ويمكن أن يقال: سبب وجوب الإيمان والمعرفة الأدلة المنصوبة، وسبب وجوب الحج دون الاستطاعة، ولما كان البيت واحدًا، لم يجب الحج إلا مرة واحدة، والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت، والأمر فيه قريب. [الغزالي- المستصفى ١/٩٣].

وربما لا يخفاك أن هذا الخلاف المترتب على التقسيم للعلامات التي هي الأسباب أمر ظاهر في باب العبادات.

أمَّا ما عدا ذلك من الأبواب التي تحتاج فيها إلى ارتباط الحكم بالعلامة التي هي السبب من نحو مسائل الأحوال الشخصية، ومن نحو المعاملات، ومن نحو الغرامات والعقوبات.. إلخ فالأمر فيها جميعًا ظاهر لظهور السبب وارتباط الحكم به.

ومن الأمور التي يجب التنبيه عليها قبل أن نخلص إلى التعريف، هي هذه القضية التي أثيرت بين المعتزلة، وغيرهم من علماء الكلام الذين لهم اهتمام بأصول الفقه من نحو الأشاعرة والمعتزلة.

وهذه المسألة المثارة هنا هي مسألة نوع الارتباط بين العلامة التي هي السبب، والأثر المرتبط بها وهو الحكم، فبينما يصر المعتزلة إصرارًا كاملًا على أن الحكم قد حصل بهذا السبب، أو بهذه العلامة نجد الأشاعرة يأبون ذلك، ويؤكدون أن الحكم حاصل عنده لا به، ولكل من الفريقين أنصار وأتباع.

وبعد هذه المقدمات يمكن أن نخلص إلى التعريف الذي نحدد به معنى السبب.

ونفضل هنا أن ترك المجال لأحد علماء هذا الفن يعبر عن وجهات النظر المختلفة في تعريف السبب. ونسوق عبارة البحر المحيط كاملة، وهي شاملة للمعنى اللغوي كما يفهمه علماء أصول الفقه معتذرين عما يبدو منا من التكرار أو الإعادة.

قال الزركشي: وهو لغة: عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، أي لأنه ليس بمؤثر في الوجود بل وسيلة إليه، فالحبل مثلًا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس المؤثر في الإخراج، وإنما المؤثر حركة المستسقي للماء.

وفي الشرع، قال الأكثرون: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل السمع على كونه معرفًا للحكم الشرعي، كجعل دلوك الشمس معرفًا لوجوب الصلاة.

وقيل: هو الموجب لا لذاته، ولكن بجعل الشارع إياه موجبًا، وهو اختيار الغزالي وحاول الإمام الرازي تزييفه.

وقيل: "هو الموجب لذاته، وهو قول المعتزلة، وإنما نصب السبب للحكم ليستدل [الزركشي، البحر المحيط ١/٣٠٦]

به على الحكم عند تعذر الوقوف على خطاب الله لا سيما عند انقطاع الوحي؛ كالعلامة".

أنواع السبب

وللسبب عند الفقهاء أنواع وأقسام، وهي أنواع وأقسام يتدخل فيها الاعتبار الذي يجعلها تتنوع وتختلف بالنسبة إليه، يقول صاحب البحر المحيط معبرًا عن هذه الأقسام، واختلافها على أساس من تغير النسبة، ثم السبب ينقسم إلى ما يتكرر الحكم بتكرره كالدلوك للصلاة، ورؤية الهلال في رمضان لوجوب الصوم، وكالنصاب للزكاة، وإلى ما لا يتكرر بتكرره كوجوب معرفة الله عند تكرر الأدلة الدالة على وجوده، ووجوب الحج عند تكرر الاستطاعة عند من يجعلها سببًا".

وقسَّم ابن الحاجب السبب إلى: وقتي كالزوال، فإنه معرف لوقت الظهر، وإلى معنوي كالإسكار فإنه معرف لتحريم الخمر، والملك فإنه جعل سببًا لإباحة الانتفاع [السابق ١/٣٠٦].

السبب عند علماء الشريعة

إن علماء الشريعة يطلقون كلمة (السبب) بالاشتراك على أكثر من معنى، بعضها يكون قريبًا قربًا شديدًا من المعنى اللغوي في أصل الوضع، وهو هذه العلامة التي يحصل الحكم عندها لا بها، وبعضها يكون قريبًا قربًا شديدًا من العلة المؤثرة على قانون العلة والمعلول على نحو ما يفهمه المشتغلون بالعلوم العقلية، كما يطلق السبب على معان تقرب من هذا الظرف أو ذاك.

وعلماء الشريعة لا يجدون غضاضة في إطلاق السبب هذه الإطلاقات المختلفة، حتى لو اقتربوا في اطلاقاتهم من معنى العلة والمعلول؛ لأنهم في النهاية يعلمون أن الارتباط بين السبب والمسبب لا يمكن أن يفيد التأثير الذاتي في إنشاء الحكم، إذ المؤثر في النهاية هو الله، وهذا النوع من الاعتقاد أو الفهم يجعل علماء الشريعة لا يجدون غضاضة في تجويز هذه الإطلاقات المختلفة لكلمة السبب مرتبطة بمدلولها.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي يعالج هذه الإطلاقات، ما هذا نصه: "واعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء، وأصل اشتقاقه من الطريق، ومن الحبل الذي به ينزح الماء من البئر، وحده ما يحصل الشيء عنده لا به، فإن الوصول بالسير لا بالطريق، ولكن لا بد من الطريق ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل، ولكن لا بد من الحبل فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع وأطلقوه على أربعة أوجه:

(١) الوجه الأول: - وهو أقربها إلى المستعار منه ما يطلق في مقابلة المباشرة، إذ يقال إن حافر البئر مع المردي الساقط فيه صاحب سبب، والمردي صاحب علة، فإن الهلاك بالتردية لكن عند وجود البئر، فما يحصل الهلاك عنده لا به يُسمى سببًا.

(٢) الثاني: تسميتهم الرمي سببًا للقتل من حيث إنه سبب للعلة وهو على التحقيق علة العلة، ولكن لما حصل الموت لا بالرمي بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم إلا به.

(٣) الثالث: تسميتهم ذات العلة مع تخلف وصفها "سببًا" كقولهم: الكفارة تجب باليمين دون الحنث، فاليمين: هو السبب، وملك النصاب هو سبب الزكاة دون الحول مع أنه لا بد منه في الوجوب، ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه، ويقابلون هذا بالمحل والشرط فيقولون: ملك النصاب سبب والحول شرط.

(٤) الرابع: تسميتهم الموجب سببًا، فيكون السبب بمعنى العلة، وهذا أبعد الوجوه عن وضع اللسان، فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية، لأنها لا توجب الحكم لذاتها بل بإيجاب الله تعالى، ولنصبه هذه الأسباب علامات لإظهار الحكم، فالعلل الشرعية في معنى العلامات المظهرة فشابهت ما يحصل الحكم عنده" [الغزالي، المستصفى ١/٩٤].

وهذا الذي ذكره الغزالي من تنوع اطلاقات السبب على معان عدة يكون هو قد دل عليها بالاشتراك، ذكره صاحب البحر المحيط ولكن بغير إشارة للانحصار في هذه الأربعة مع اقتصاره في إيرادها، وقد تكون عبارة صاحب البحر المحيط أكثر وضوحًا مع أنها لا جديد فيها تضيفه إلى ما ذكره أبو حامد.

قال الزركشي في بحره: "ويطلق السبب في لسان حملة الشرع على أمور:

أحدها: ما يقابل المباشرة، ومنه قول الفقهاء: إذا اجتمع السبب والمباشرة غلب المباشرة كحفر البئر مع التردية.

الثاني: علة العلة كالرمي يُسمى: سببًا للقتل وهو (أعني الرمي) علة للإصابة، والإصابة علة لزهوق الروح الذي هو القتل، فالرمي هو علة العلة، وقد سموه سببًا.

الثالث: العلة بدون شرطها كالنصاب بدون الحول يُسمى سببًا لوجوب الزكاة.

الرابع: العلة الشرعية وهي المجموع المركب من المقتضي والشرط، وانتفاء المانع ووجود الأهل، والمحل يُسمى سببًا، ولا شك أن العلل العقلية موجبة لوجود معلولها كما عرف من الكسر للانكسار، وسائر الأفعال مع الانفعالات بخلاف الأسباب فإنه لا يلزم من وجودها وجود مسبباتها".

قال الهندي: وإذا حكمنا على الوصف أو الحكمة بكونه سببًا، فليس المراد منه أنه كذلك في مورد النص، بل المراد منه أنه سبب في غيره، ومن هذا يعرف أن سببية السبب وإن كانت حكمًا شرعيًّا فليست مستفادة من سبب آخر؛ لأنه حينئذ يلزم إما الدور، أو التسلسل، بل هي مستفادة من النص أو من المناسبة مع الاقتران [الزركشي، البحر المحيط ا/٣٧].

السبب عند الفلاسفة

ولننتقل إلى الحديث هنا عن السبب كما يفهمه الفلاسفة:

إن الكثيرين من الفلاسفة الاسلاميين يسيرون على ما سار عليه فلاسفة اليونان منذ فجر التاريخ.

وخلاصة ما قالوه: هو أن كل شيئين مقترنين يظهر منهما أن أحدهما مؤثر في صاحبه، إنما يحكمهما قانون العلة والمعلول، بحيث إذا وجد أحدهما وجد الآخر ضرورة، ثم لا بأس بعد ذلك أن نقول: إن أحدهما سبب والآخر مسبب، أو نقول: أن أحدهما علة والآخر معلول، وفي جميع الأحوال فإن من أهم الخواص التي تربط بين هذين الشيئين المقتربين أنه ليس من الضروري أن تتوفر للعلة أو للسبب خاصية الفعل الإرادي، إذ أن قانون العلة والمعلول لا يشترط وجود الفعل بالإرادة، بل هو لا يعتبره. إن هذا هو المأثور عن الفلاسفة اليونانيين، وهو نفسه الذي انحدر في التاريخ إلى أن تأثر به الفلاسفة المسلمون، وهذا التصور يحدث شيئًا من القلق لدى الفلاسفة الإسلاميين على الأخص في عقائدهم وفي استقبال الناس لأقوالهم، فهم لا يستطيعون مثلًا أن يقدموا للناس فكرة مقبولة عن علاقة الله بالعالم في إنشائه من العدم، أو حتى في استمرار وجوده، الأمر الذي يُلقي بالفلاسفة الإسلاميين وبأفكارهم في إحدى زوايا المجتمع المسلم دون غيره.

السبب عند علماء العقيدة المسلمين

أما علماء الإسلام فهم يرون، بل يعتقدون أن الاقتران بين الشيئين لا يعني بحال من الأحوال أن الرابط بينهما هو الرابط بين كل علة ومعلولها، وكل ما هنالك أن الاقتران الموهم للارتباط على أساس العلة والمعلول ما هو في الحقيقة إلا ارتباط عادي لا عقلي، والارتباط العادي يعني أن وقوع الشيء الثاني مصاحبًا للشيء الأول، إنما هو وقوع عنده لا به من باب المصاحبة فقط.

وعبارة علمائهم تأتي في غاية من الدقة لتسبق كثيرين من علماء الطبيعة في الغرب، وهم يتحدثون عن نوع الارتباط في كل شيئين يَظْهَران مقترنين، ونحن نحاول نقل عبارة بعضهم يعبر بها عن مفهومه لهذه العلاقة في شيء من الدقة والرشاقة، يقول علَّامة عصره والعصور التالية الإمام الغزالي -رحمه الله -ما هذا نصه: الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما، وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما، عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرّا، إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف.

فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، بخلقها على التساوق لا لكونه ضروريًّا في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة، مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه، وادعوا استحالته". [الغزالي، تهافت الفلاسفة ص٢٣٩].

 وإنكار الفلاسفة لذلك أمر ظاهر يلحظه المفكرون في القديم والحديث، يقول الدكتور رءوف عبيد حاكيًا عن الفلاسفة الإسلاميين من خلال بعض نماذج منتخبه: "لا ريب أن السببية هي ناموس الطبيعة الأول؛ لأن الطبيعة العامة لا يفلت من تقديرها شيء، ولا تعرف تميزًا بين سبب مباشر وآخر غير مباشر، بل يحكم ظواهرها ناموس من الترابط بين الأسباب والنتائج على أوسع نطاق وإلى آخر مدى، وهو ناموس يقع في الصميم من هذا السؤال الخطير وهو تسيير أم تخيير؟

وهذا الترابط الطبيعي بين الأسباب والنتائج أمر مسلم به منذ القدم، وتحدَّث الفلاسفة كثيرًا، وفيه يقول الفارابي: إن الله هو علة وجود الأشياء، فهو الذي يعطيها الوجود الأبدي، ويدفع عنها العدم الأبدي...أما الأشياء ذاتها فإنما يؤثر بعضها في بعض وفقًا لقوانين نعرفها من التجربة [من أهداف الفلسفة الإسلامية، د. عبد الدايم أبو العطا ١٩٤٨ م، ص٥٣].

ويقول ابن رشد أيضًا: إن الجاحد للأسباب الفاعلة، إما منقاد بشبهة سفسطائية أو جاحد بلسانه لما في جنانه، ومن ينفي ذلك فليس له أن يعترف بأن كل فعل لا بد له من فاعل..... وهذا محال لا شك.

أما أن هناك أسبابًا تأثيرها بسبب من خارج لا بنفسها، فهذا ليس معروفًا بنفسه لنا ومتأكدًا لدينا، وهو يحتاج إلى فحص كثير.

أما أن هناك بعض مسببات تنتج بدون معرفة الأسباب فليس بلازم أن تكون تلك الأسباب خارجية، إذ قد تكون داخلية ولكنها مجهولة لنا فقط.

كما يقول ابن رشد: إن الواقع يؤكد وجود المسبب عند وجود السبب، وقد يكون السبب مضافًا إلى سبب آخر إضافة لا تتناهى، وقد توجد أشياء أخرى تعوق السبب عن التأثير وإيجاد المسبب.

وهو يرى أن هذه الأسباب ليست مكتفية بنفسها في هذا الفعل، والله سبحانه هو الذي خلق الأسباب وقدرها، وهو يقوم عليها كما يقوم على كل مخلوق من مخلوقاته.

إن الموجودات بفعل بعضها في بعض ومن بعض، وأنها ليست مكتفية بنفسها في هذا الفعل بل بفاعل من خارج فعله، بل في وجودها فضلًا عن فعلها [من تهافت التهافت لابن رشد ص١١٢ وما بعدها، وانظر: في التسيير والتخيير بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون. طبعة ثانية ١٩٧٦م – دار الفكر العربي، د. رؤوف عبيد، ص ١٠٥ وما بعدها].

ديفيد هيوم ومشكلة السببية

ومهما ظهر لنا من حماسة بادية في فكر فلاسفة الإسلام ومن وافقهم، ومهما كان كم المساندة التي رأيناها فيما ظهر لنا من نصوص تؤكد حتمية الارتباط بين السبب والمسبب، فإننا نرى أن ديفيد هيوم قد تناول بمعوله هذه الحتمية وضربها ضربة ما زالت تترنح منها إلى الآن، فلو أننا قد لاحظنا هذا النوع من التساند بين فكرتي الغزالي وهيوم، فإن هذه الملاحظة تحملنا على أن نأخذ أنفسنا بشيء من الروية للتأمل والنظر.

والإمام الغزالي قد شرح لنا طرفًا من فكرته، وظهر من شرحه أن وراء هذه الفكرة كمًّا هائلًا من الاعتقاد من ناحية، والخبرة العلمية من ناحية أخرى.

أما هيوم فهو ينحى هذا المنحى نفسه، ولكنه يركز على أمرين يفرق بينهما ليحكم على كل واحد منهما على حدة، حتى يأتي حكمه صائبًا وتصوره ممكنًا.

إنه يفرق على كل حال بين القضايا التي هي من معطيات العقل، وبين القضايا التي هي من واقع خبرتنا في الطبيعة.

والقضايا العقلية عنده بعد التصديق بها أمر لا يحتاج إلى جدل، إذ  الارتباط بين المقدمات والنتائج، و بين التصور والتصديق هي من الأمور اليقينية على كل حال، أما الطبيعة وخبرتنا بها فهي عنده على خلاف ذلك، إذ قصارى ما يمكن فهمه من كل شيئين يظهر منهما الاقتران الارتباط، أن مسار هذا الارتباط وهذا الاقتران إنما هو هذه الخبرة المعتمدة على الحواس والمستقاة من الطبيعة، وهي خبرة لا تجعلنا نرتقي في تصور الارتباط بين الشيئين المقترنين، إنه على وجه محتوم، إذ إن كل قضية أو  واقعة من الوقائع  التي يبدو أنها مرتبطة لها خواصها، ولها وجودها المستقل  الذي لا يرتبط بالواقعة المجاورة، مهما كان للواقعة المجاورة من خاصية السبق أو اللحوق، ففي لعبة البلياردو نجد الكرة الأولى ليس لا ارتباط حتمي بالكرة  التي تليها، كما أن الكرة  التي تلي الكرة الأولى لا ارتباط بينها وبين الكرة  التي بعدها أو قبلها إلا في الظاهر الذي ندركه بالخبرة ويعين على إدراكه الحواس.

وهيوم ليس مستعدًا للتنازل عن مسلماته تلك، وليس هو بالشخص الذي يريد أن يتنازل عما توصل إليه أو بعضه في تصوره لفكرة السببية في الطبيعة) [راجع هيوم: نوابغ الفكر العربي زكي نجيب محمود- دار المعارف سنة ١٩٥٨م].

وينتهي هيوم إلى أن فكرة السببية يمكن أن يكون لها وجود ذو قيمة في مجال العقليات، أما مجال الطبيعة فإنه يصعب التسليم لها بهذا النوع من الارتباط الذي يماثل الارتباط في العقليات، وقصارى ما يمكن قوله: إن الشيئين المقترنين في الطبيعة لا يستلزم اقترانهما وجود علاقة عقلية بينهما.

وهذا الذي ذكره هيوم يجعله لا يعترف بفكرة السببية كمبدأ في الطبيعة، وإن كان لا يمانع في الاعتراف بمبدأ السببية باعتباره مبدءًا عقليًّا في مجال العقليات.

وما ذكرناه من مجالات فكرية يكون للسبب فيها اعتبار هو أهم المجالات المعتبرة عند العلماء، وهناك مجالات أخرى يطلق (السبب) فيها ويدور على ألسنة الرجال المشتغلين بها ولكنها أقل أهمية؛ فرجال القانون يطلقون اسم (السبب) على الحيثية أو المبرر الذي يؤدي إلى الحكم القضائي، وعلماء الأخلاق يطلقون اسم(السبب) ليدل عندهم على الحق أو الواجب الذي يعد فعله فضيلة ومخالفته رذيلة... إلخ.. وهذه كلها استعمالات يعترف بها بعض الفلاسفة بعد أن يفرعوها على بعض الأصول المعتبرة عندهم. [راجع جميل صليب - المعجم الفلسفي ١/٦٤٩ – ٦٥٠].

الخلاصة

السبب هو ما يؤدي إلى حدوث شيء آخر ويُفسّر العلاقة بين الظواهر، تناوله الفلاسفة كوسيلة لفهم الوجود، ومنهم أرسطو الذي قدّم العلل الأربع، بينما اعتبره العلماء الطبيعيون علاقة قابلة للتجربة والملاحظة، وأنكر هيوم وجود السببية الحقيقية، وكانط يراها مفهومًا عقليًا ينظّم التجربة.

موضوعات ذات صلة

العلية عند الأصوليين عرفها الغزالي بقوله: هي ما أضاف الشارع الحكم إليه وناطه به

الغائية من أدلة إثبات الألوهية بوجه خاص، والدين بوجه عام، وهي واحدة من العلل الأربع المعروفة في الفكر الفلسفي

القدم والحدوث مصطلحان كلاميان يعبران عن صفتين للوجود

موضوعات مختارة