Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأحـــوال

الكاتب

أ.د. محمد عبد الستار نصار

الأحـــوال

الأحوال هي تعبير عن حالات الذات وصفاتها المتغيرة التي تميز الوجود، وتُعد من المفاهيم الفلسفية المهمة التي تساعد على فهم طبيعة الأشياء وتغيرها.

مفهوم الأحوال

التعريف اللغوي: يقول (صاحب القاموس المحيط) عن الأحوال: مفرده حال، والحال: كنية الإنسان، وما هو عليه، كالحالة والوقت الذي أنت فيه، وحالات الدهر وأحواله: صروفه [الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٤٢٤ ط، القاهرة سنة ا٢٠٠] ويقول الجرجاني في (التعريفات): الحال نهاية الماضي بداية المستقبل، [التعريفات: ص٩٥ ج١، ييروت١٩٩١].

ويُنقل عن ابن سينا في تعريف الحال قوله: كيفية غير محسوسة بذاتها، سريعة الزوال مثل غضب الحليم [المعجم الفلسفي: مراد وهبه يوسف كرم يوسف شلالة ص ٧٦ط القاهرة١٩٧١]، وأما ديكارت فقد يكون تعريفه للحال أقرب إلى الموضوع الذي نحن بصدده، حيث قال: حين أتحدث عن الوجوه أو الأحوال، لا أعني شيئًا سوى ما سميته في موضوع آخر بالصفات أو الكيفيات، ولكن حين أجعل في الاعتبار أن الجوهر متأثر ومتغير بها، أستعمل لفظ الحال أو الوجه، وحين يكون هذا التأثير أو التغير داعية إلى تسمية الجوهر جوهرًا أطلق اسم الكيفية علي الوجوه المختلفة التي تجعله حقًا خليقًا بهذا الاسم، وحين أنظر إلى أن هذه الأحوال أو الكيفيات قائمة في الجوهر دون أن أنظر إليها إلا باعتبارها متعلقات لذلك الجوهر، حينئذ نسميها صفات، ومن حيث إنه لا ينبغي أن أتصور في الله أي اختلاف أو تغير، فإني لا أقول بأن فيه أحوالًا أو كيفيات، بل فيه صفات [نفس المصدر: ص ٧٦، ٧٧].

التعريف الاصطلاحي: الحال مفرد الأحوال، ومعناها أنها شأن للذات الإلهية بين الوجود والعدم، وحتى يتضح الأمر نورد تعريف اسبينوزا للحال، ثم نورد رأي صاحب النظرية، وأعني به أبا هاشم الجبائي، وطبيعتها، وما موقف الآخرين منها.

وإذا كان من المعروف أن الكلام في الأحوال فرع عن الكلام في الذات الإلهية وعلاقتها بالصفات، وإذا كان من المعلوم - أيضًا - أن جمهور المعتزلة قد رَدَّ جميع التصرفات الإلهية إلى كونه قادرًا عالمًا، ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان، وأنهما اعتباران للذات، كما قال أبو علي الجبائي: فإن الأقوال جميعها لم ترق لابنه أبي هاشم وقرر أنهما حالتان للذات، ومن ثم تكون نظرية الأحوال هي الحل الأمثل - في نظره - لعلاقة الذات بصفاتها.

 وقد ردها أبو الحسين البصري إلى صفة واحدة هي العالمية وهذا هو عين مذهب الفلاسفة.

 وأما السابقون من كبار المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، فقد قال في هذه المسألة بما يوحد بين مفهوم الذات ومفهوم الصفة، حيث ذهب إلى أن الله عالم بعلمه، وعلمه ليس صفة غير الذات، بل هو عينها، وهكذا في جميع الصفات، وهو قول يقترب كثيرًا من قول النصارى في الأقانيم الثلاثة، ومن جهة أخرى يقترب من قول أرسطو، حيث ذهب إلى أن الله علم كله، قدرة كله، حياة كله، الأمر الذي سوغ للأشعري أن يقول عن أبي الهذيل: إنه قرأ أرسطو وأخذ عنه هذا الرأي.

 ويغلب على الظن أن خير من تناول نظرية الأحوال بالبيان والإيضاح من القدامى، كما قال فيها رأيَه هو: الشهرستاني في كتابه نهاية الأقدام، كما أن أحسن من تناولها من المحدثين، وقال فيها رأيَه، هو: الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين) الجزء الثاني، وقد تابعه في ذلك الدكتور أحمد صبحي.

فأمَّا الشهرستاني فيقدم للموضوع بتمهيد تاريخي لظهور هذه الفكرة، ومن أخذ بها ومن ردها فيقول: اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفيًا وإثباتًا بعد أن أحدث أبو هاشم الجبائي رأيَه فيها، ونفاها أبوه - أبو علي الجبائي - وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني علي قاعدة غير ما ذهب إليه أبو هاشم، ونفاها الأشعري صاحب المذهب، وكان إمام الحرمين الجويني من المُثبِتين أولًا ثم نفاها ثانيًا [حنا الفاخوري. وخليل الجر تاريخ الفلسفة العربية. ج١، ص١٤٨، ط بيروت ١٩٨٢م]، ثم يقول بعد ذلك: والأحرى بنا أن نُبَيِّنَ أولًا: ما الحال التي توارد عليها النفي والإثبات، وما مذهب المثبتين فيها، وما مذهب النافين، ثم نتكلم في أدلة الفريقين ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطأهما من وجه آخر [نهاية الأقدام ص ١٣١، نشر الفرد جيوم].

يرى الشهرستاني أن الحال ليس لها حد حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال، لأن ذلك يؤدي إلى محال، وهو إثبات الحال للحال، وإنما الممكن في هذا المقام هو بيان ضابطها وحصرها بالقسمة، وهي من هذا الوجه تنقسم إلى ما يعلل، وما لا يعلل: فأما ما يعلل فالأحوال تكون حينئذ - أحكامًا لمعانٍ قائمة بذوات، وأمَّا مَا لا يُعَلَّل فإنما هي صفات وليست أحكامًا للمعاني.

والأحوال عند أبي هاشم من النوع الأول – ما له علة - وهو هنا يستخدم قياس الغائب علي الشاهد فيقول، كما صوره الشهرستاني إن كل حكم لعلة قامت بذات يشترط فيها ثبوت الحياة، مثل كون الحي حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا، وإذا كان هذا أمرًا معروفًا في الشاهد فإنه يكون كذلك في حق الغائب؛ لأن الحكم العقلي لا يختلف شاهدًا وغائبًا، وتُسمى الأحكام المعللة - حينئذ - أحوالًا، وهي صفات زائدة على المعاني التي أو جبتها، وهذا رأي أبي هاشم [نفس المصدر ونفس الصفحة].

 وأما معناها عند القاضي الباقلاني فهي كل صفة بالوجود، سواء أكان المعنى الموجب مما يشترط في ثبوته الحياة، أو لم يشترط ككون الحي حيًّا وعالمًا وقادرًا، وكون المتحرك متحركًا والساكن ساكنًا إلخ [نفسه] ومن وجوه الاختلاف بين النظرتين - نظرة أبي هاشم ونظرة الباقلاني- أن الأول يرى أن البنية عنده شرط في المعاني التي تشترط في ثبوتها الحياة، وكانت هذه البنية في أجزائها في حكم محل واحد، فتوصف بالحال، وأما الباقلاني فإنه يذهب إلى أنه لا يوصف بالحال إلا الجزء الذي قام به المعنى فقط [نفسه].

وأما القسم الثاني من قسمي الحال، وهي التي لا تُعَلَّل فهو: كل صفة إثبات لذات من غير علة، زائدة على الذات، كتحيز الجوهر وكونه موجودًا، وكون العرض عرضًا ولونًا وسوادًا، والضابط هنا أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره، فإنما يتميز بخاصية هي حال وما تتماثل المتماثلات به وما تختلف المختلفات فيه فهو حال كذلك، وهي التي تسمى صفات الأجناس والأنواع.

 والأحوال عند المثبتين لها ليست موجودة ولا معدومة، وهي أشياء معلومة ولا توصف بصفة ما، ولا تعلم إلا مع الذات.

وأما نفاة الأحوال فعندهم أن الأشياء تتماثل وتختلف لذواتها المعينة، وأما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع إلى الألفاظ الدالة عليها فقط، وكذلك خصوصها، والشيء الواحد قد يُعلم من وجه ويُجهل من وجه آخر، والوجود اعتبارات ذهنية لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات.

أدلة المثبتين للأحوال

قال المثبتون: العقل يقضي ضرورة أن السواد والبياض يشتركان في اللونية والعرضية ويختلفان في قضية هي السوادية والبياضية، فما به الاشتراك هل هو ما به الافتراق والاختلاف، أو غيره، فإن كان الأول – اللونية والعرضية فهو السفسطة - وإن كان الثاني كان تسليمًا بالمطلوب [نفسه، ص١٢٢].

 وأما نفاة الأحوال فقد قالوا في الرد على هذا الدليل:

 السواد والبياض المَعْنِيَّان لا يشتركان في شيء هو كالصفة لها، بل يشتركان في اللفظ الدال على الجنسية والنوعية والعموم، والاشتراكُ فيه ليس راجعًا إلى صفة هي حال للسواد والبياض، فإن حالة العرضين هي الاشتراك في الحالية، ولا يقتضي ذلك الاشتراك بثبوت حال للحال، الذي يؤدي إلى التسلسل فالعموم كالعموم، والخصوص كالخصوص [نفسه، ص ١٢٤].

غير أن هذا الاعتراض على دليل المثبتين من قِبَل نُفاة الأحوال وَجَد له تخريجًا جديدًا في رد هذا الرد وهو: أن الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ، وإنما كانت صياغة اللفظ هكذا وفق مطابقته والتمسك بالقضايا العقلية دون النظر إلى الألفاظ هو الأصح، وأن الذي اعتقد بأن العموم والخصوص إنما يرجعان إلى اللفظ المجرد يكون قـد أنكر الحدود العقلية للأشياء، والأدلة القطعية على مدلولاتها ولو كانت الأشياء تتمايز بذواتها ووجودها لبطل القول بالقضايا العقلية، وحُسم باب الاستدلال بشيء أولى على شيء مكتسب متحصل، وما لم يدرج في الأدلة العقلية عمومًا عقليًّا، لم يصل إلى العلم بالمدلول قط، وما لم يتحقق في الحد شمول بجميع المحدودات، لم يصل إلى العلم بالمحدود [نفس المصدر والصفحة]

وقد قرر نُفَاة الأحوال أن القول بثبوتها ليس خاضعًا للعقل؛ لأن هذا القول مبني علي قضية تخالف بداهة العقول، حيث ذهبوا إلى أنها أي: الحال شأن للذات، أو اعتبار لها ليس موجودًا وليس معدومًا، ومن المعلوم أن الشيء ونقيضه يقتسمان طرفي البُعد بحيث يَجزم العقل بأنه ليس بينهما حد ثالث هو وسط بينهما، ولمَّا كان من المعلوم عقلًا أن الوجود والعدم لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا لأنهما نقيضان أو في حكم النقيضين، وهو مبدأ الثالث المرفوع من مبادئ الفكر الأساسية ، فقد دل هذا كله على أن نظرية الأحوال ليست معقولة، ولو ذهبنا نستقصي الوجوه  التي  ساقها المثبتون للأحوال وردود النفاة عليها لطال بنا المقام الذي لا يحتمله هذا المبحث فليُرجع إليه في المطولات لمن يريد المزيد، وبخاصة الكتاب الذي بين أيدينا وهو نهاية الأقدام للشهرستاني، ومن المؤكد أن هذه التولدات اللفظية والمعاني التالية لها، وعدم توحيد وتحرير محل النزاع هو الذي أدى إلى تلك المشاحنات الكلامية، فضلًا عن البعد عن أصول العقيدة الواضحة  التي  جاء بها القرآن الكريم في موضوع علاقة الذات الإلهية بصفاتها، تلك  التي  تبين أن الصفات الإلهية ليست شيئا وراء الذات مستقلة عنها في الحقيقة والواقع (المصدق) وهي من لوازم الذات وطبيعتها، ولم تجب لها من خارج عنها، كما أنها في نفس الوقت هي عين الذات من حيث المفهوم؛ لأن ذلك يقتضي الوحدة بين الموصوف والصفة من حيث المعنى، ومِن ثَمَّ قال جمهور المتكلمين: إن ماهية الحق -سبحانه- هي عين وجوده، وأن النظر إلى الذات كموضوع قابل لأن يحمل عليه الوصف إنما يكون من قبيل الحمل الصوري، لأن حقيقة الذات بسيط لا تركيب فيها، إذن يستحيل أن يشترك مع غيره في الجنس ويتميز عنه بالفصل، فهذا كله من خصائص المهايا المركبة من الأجناس والفصول .

 وقد تنبه الأشعرية إلى هذه القضية بهذا العمق فقرروا أن الصفات لا  هي  عين الذات - يقصدون من حيث المفهوم، ولا  هي  غيرها - يقصدون من حيث المصدق والواقع خارج الذهن، وهذا هو ما حمل الشهرستاني إلى أن يقول رأيَه في المسألة على وجه يرى أنه الحق، قال فالحق في هذه المسألة أن الإنسان يجد من نفسه تصور أشياء كلية عامة مطلقة دون ملاحظة الألفاظ ولا جانب الأعيان، ويجد من نفسه اعتبارات عقلية لشيء واحد، وهي إما ترجع إلى اللفظ وقد أبطلناه، أو إلى الأعيان الموجودة المشار إليها، وقد زيفناه، فلم يبق إلا أن يقال: هي  معان موجودة محققة في الذهن والعقل الإنساني هو المدرِك لها، ومن حيث  هي  كلية عامة لا وجود لها في الأعيان، حيث لا موجود مطلقًا في الأعيان كما أنه لا لون مطلقًا [نفس المصدر والصفحة].

 ثم يُعَقِّبُ على ذلك ببيان أن المُثبتين والنُّفاة كلاهما أخطأ من وجه وأصاب من وجه آخر، فالأولون - المُثْبِتون أخطأوا حين ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا حين قالوا: هي معانٍ معقولة وراء العبارات، ثم يذكر تعديلًا فاتهم إدراكُه فيقرر أنه كان من حقهم أن يقولوا هي موجودة متصوَّرَة في الأذهان بدلًا من قولهم: لا موجودة ولا معدومة، وأما النفاة فقد أخطأوا من حيث ردها إلى العبارات المحددة وأصابوا حيث قالوا: ما ثبت وجوده معينًا لا عموم فيه ولا اعتبار [نفس المصدر]، ثم يختم الحديث عن المسألة بقوله: فالحقائق والمعاني إذن ذات اعتبارات ثلاثة:

أولًا: اعتبارها في ذاتها.

والثاني: اعتبارها بالنسبة إلى الأعيان.

والثالث اعتبارها بالنسبة إلى الأذهان.

فهي من حيث وجودها في الأعيان يعرض لها أن تتشخص وتتعين، ومن حيث هي متصورة في الأذهان يعرض لها أن تعم وتشمل، وأما باعتبار ذواتها فهي حقائق خالصة لا عموم فيها ولا خصوص ومن عرف الاعتبارات الثلاثة زال عنه إشكاله في مسألة الأحوال، وتبين له الحق في مسألة المعدوم هل هو شيء أم لا [نفس المصدر]

الدكتور عبد الرحمن بدوي ونظرية الأحوال

يرى أن مشكلة الأحوال في الفكر الإسلامي هي نفسها مشكلة الكليات المعروفة والتي احتدم حولها الجدل في العصور الوسطى الأوروبية من "الدوبلان" حتى "أوكام" وقد كانت استجابة عابرة لما جاء في "إيساغوجي" فرفريوس الصوري حول وجود الكليات، وهي كالآتي:

 ١- هل للكليات من الأجناس والأنواع والفصول وجود في الخارج أم أن وجودها ذهني فقط؟

  ٢- إذا كان لها وجود خارج الذهن فهل هو وجود مادي أم معنوي (غير مادي)؟

 ٣- وإذا كانت موجودة في الخارج، فهل توجد مستقلة عن الأشياء أم توجد متصلة بها؟

  وإذا كانت هذه الاستفهامات الثلاثة متصلة اتصالًا مباشرًا بالمنطق، الذي تدور مباحثه حول مهايا الأشياء وحقائقها الثابتة، وما يعرض لذلك من دراسة المسائل العرضية وخصوصها وعمومها بالقياس إلى الماهية - وهو ما تصوره فوفريوس إلا أن لها نتائج ميتافيزيقية ولاهوتية، ومن ثم لعبت هذه المسألة دورًا خطيرًا في فلسفة العصور الوسطى المسيحية [عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين. ج٢، ص ٣٦].

ويرى الدكتور بدوي أن مثبتي الأحوال أفلاطونيو النزعة؛ لأنهم يقولون: إن المعاني الكلية خارج الذهن تمثل حقائق كلية مجردة توازي أفرادها ويناظرهم الواقعيون في أوروبا في العصور الوسطى وعلى رأسهم روسلان.

وأما نُفاة الأحوال فهم آرسطيو النزعة، ويناظرهم الاسميون في أوروبا في نفس الفترة الزمنية.

وهؤلاء لا يرون للمعاني الكلية وجودًا خارج الذهن، وعلى هذا فالواقع لا يوجد فيه إلا الأفراد، وإذا طَبَّقْنَا ما ذهب إليه الأفلاطونيون والأرسطيون، فإن النتيجة تُطْلِعُنَا على أن المعتزلة، غير أبي هاشم الجبائي من الاسميين - وأما هو - أبو هاشم - فمن أصحاب النزعة الأفلاطونية؛ لأن النتائج الناجمة عن المذهب الواقعي ستقرر - حينئذ الصفات الإلهية وعلاقتها بالذات بنفس ما انتهى  إليه القول بالأقانيم الثلاثة، وهو ما أخذه المعتزلة على القائلين بذلك من النصارى، وقد أدرك هذا التلازم بين القول بالأحوال الذي ذهب إليه أبو هاشم وبين القول بأقانيم أو جواهر ثلاثة صاحبُ كتاب الفَرق بين الفِرق – البغدادي - وذلك في قوله: ومن فضائحه (أبو هاشم الجُبَّائي)، قوله بالأحوال التي كفَّرَه فيها مشركوه من المعتزلة فضلًا عن سائر الفرق، ثم ينتهي  إلى القول بأن الذي ألجأه إلى ذلك هو السؤال الذي طلب قدماء الأشاعرة من المعتزلة الإجابة عنه وهم بِصَدَد بحث علاقة الذات الإلهية بالصفات عن العالم منا: هل فارق الجاهل بما علمه لنفسه أو بعلة؟ وأبطلوا مفارقته إياه لنفسه مع أنهما من جنس واحد، ويبطل كذلك أن تكون المفارقة لا لنفسه ولا لعلة، لأنه لا يكون - حينئذ - بمفارقته له أولى من آخر سواه، فثبت أنه إنما فارقه في كونه عالِمًا لمعنىً ما، ووجب أيضًا أن يكون لله  - تعالى - في مفارقة الجاهل معنى أو صفة بها فارقه، فزعم - أبو هاشم - أنه فارقه لحال كان عليها، فأثبت الحال في ثلاثة مواضع:

أحدها: الموصوف الذي يكون موصوفًا لنفسه، فاستحق ذلك الوصف لحال كان عليها.

ثانيها: الموصوف بالشيء لمعنىً صار مختصًا به ذلك المعنى لحال.

ثالثها: ما يستحقه لا لنفسه ولا لمعنىً، فيختص بذلك دون غيره عند الحال [البغدادي: الفرق بين الفرق، ص ١١٧، ط القاهرة سنة ١٩٤٨].

ومن المعروف أن أحوال أبي هاشم إنما جاءت ردًا على نظرية المعاني التي قال بها معمر بن عباد السلمي، وهي نظرية يطول شرحها، وكل ما يقال هنا هو أن هذه النظرية تقرر نظرية أرسطو في قِدَمِ الحركة، وأن هذه الحركة إنما تتم للجسم لمعنى قائم في ذاته دون مؤثر خارجي واذت هي وانتهى أبو هاشم إلى القول بأن المفارقة إنما كانت لحال اختص به، ومِن ثم تكون مفارقة الذات لصفاتها هي من هذا القبيل، وقد ترتب على قوله هذا بعض النتائج الغريبة المتصلة بأمور العقيدة منها:

١ - زعمه أن أحوال الباري - عزوجل - في معلوماته لا نهاية لها.

٢ - أن أحواله في مقدوراته لا نهاية لها كذلك.

٣ - يلزمه الاعتراف بصحة ما ذهب إليه الأشاعرة حين قالوا: إن الصفات مع الذات الإلهية لا هي عين الذات ولا غيرها، وأن إنكاره لمقولتهم هذه لا معنى له؛ لأنه عندما سُئِل: هل أحوال الباري من عمل غيره؟ أم هي هو؟  فأجاب: لا هي هو ولا هي غيره، ومن هذه الناحية يرى الشهرستاني أن قول الصفاتية ليس بينه وبين القائلين بالأحوال فرقٌ حقيقي، لأن أبا هاشم يقول: العالمية حال والقادرية حال، إلا أن التوجيه لقول كل منهما مناقضٌ للآخر.

ويشير الدكتور بدوي هنا إلى مسألة هامة هي أن ما انتهى إليه الشهرستاني مع القائلين بنظرية الأحوال هو نفس ما انتهى إليه من عارضوا "روسلان" وهاجموه في تفسيره للأقانيم، حيث إن النتيجة اللازمة لقوله هذا هي: أن الأقانيم الثلاثة جواهر متميزة، وهذا يعني القول بثلاثة ألهة.

 وهذا الكلام نفسه هو ما يوجه إلى القول بالأحوال؛ لأن الأخذ بها يؤدي إلى القول بتعدد الآلهة، كما انتهى  إلى ذلك الشهرستاني ومن فهم هذه القضية مثله [هاري أولفسون: فلسفة المتكلمين، ج ١ ص ٢٥٣ ترجمة د / مصطفى لبيب ط. القاهرة سنة ٢٠٠٥، نشر المجلس الأعلى للثقافة] وإذا كنا قد ذكرنا سلفًا تخريج الباقلاني للقول بالأحوال، وأنها جاءت لديه على صورة مخالفة لما انتهى  إليه أبو هاشم فيها، وإذا كان إمام الحرمين قد أخذ بها أول أمره، فلما تبين له خطؤها رجع عن رأيه فيها وإذا كنا نعرف - أيضًا - أن الأشعري رفضها وكذا بقية الأشاعرة، فإن كبار متكلمي الشيعة قد ردوها بشدة، نذكر منهم "الشيخ المفيد" الذي ذكر في كتابه "أوائل المقالات" أن أبا هاشم قد فارق بهذه النظرية أهل التوحيد، كما قرر ابن المُطَّهر الحِلِّي أن نظرية الأحوال ظاهرة البطلان؛ لأن الشيء إما موجود وإما معدوم ولا واسطة بينهما  [د/ بدوي: مذاهب الاسلاميين. ج٢، ص ٢٦٤].

رأي الدكتور أحمد صبحي

يذكر الدكتور أحمد صبحي رأيًا رَكَّبَه من أقوال السابقين عليه، حيث قرر أن مشكلة علاقة الذات بصفاتها تلك التي  تعددت فيها الرؤى والمذاهب، إنما يمكن أن تُحَلَّ في ضوء منظور لُغوي هو: أن المعتزلة الأوائل قد خلطوا بين الصفة والموصوف، بين الاسم والتسمية حين قالوا : قدرة الله  هي  الله، وكذا بقية الصفات، ومن المعلوم أن القدرة من الناحية اللغوية ليست هي القادر، لأنها مصدر يشتق منه الفاعل، أي أن المصدر في كل أحواله هو الأصل الذي تشتق منه جميع الصيغ الأخرى: اسم الفاعل - اسم المفعول - صيغة المبالغة إلخ، ضرورة أنه لا يُتصور المشتق دون تصور أصله الذي اشتُقَّ منه، وإذا كان من الثابت أن المصدر معنى مفهوم موجود في الذهن فقط وليس موجودًا في الخارج وأنه يحمل في ذاته معنى العموم والاشتراك، فإن الموجود بالخارج (الأعيان) معنىً مختصٌ لا اشتراك فيه، بأنه يعرض للذهن ذاتًا وصفةً، وإذن فليست الصفة في الذهن  هي  نفس الذات ضرورة اختلافهما مفهومًا ومع ذلك فإن هذه الصفة لا تنفك عن موضوعها في الخارج [الباب الحادي عشر: فصل الصفات] وهذا بالضبط ما انتهى إليه الصفاتية - وبخاصة الأشعرية - حين قالوا عن العلاقة بين الصفات والذات: لا هي عين الذات (أي مفهومًا)، ولا هي غيرها في خارج الذهن، وأنه لا تناقض في ذلك ألبتة لانفكاك الجهة بين ما في الأذهان وما في الأعيان.

ويظهر أن القول بالأحوال على الصورة  التي  رأيناها، و التي  يفهم منها أنهم كانوا يضربون صفحًا عما يقول به الصفاتية - فضلًا عن سلف الأمة - إنما يعلوه الغرور العقلي الجامح، ولو أن هؤلاء - ومنهم أبو هاشم - جعلوا من بين مكوناتهم الثقافية بعض الأصول الظاهرة في تراثنا العقدي لكان لذلك شأنٌ آخر، إننا قرأنا العلاقة بين الذات وصفاتها لَدَى سَلَفِيٍّ عظيم هو أبو جعفر الطحاوي، حيث قال إنك إذا قلت: أعوذ بالله فقد عُذتَ بالذات المُقَدَّسَة الموصوفة بصفات الكمال، الثابتة له - عز وجل - والتي لا تنفك عنه بوجه من الوحدة ( يعني في الخارج)، وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عُذْت بصفة من صفات، ومع ذلك لم تَعُذ بغير الله وهذا المعنى يُفهم من لفظ الذات، فإن لفظ ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود - ذات قدرة ... إلخ، "فذات كذا" بمعنى صاحبته، تأنيث "ذو"، فعُلم أن الذات لا يتصور انفصال صفاتها عنها بوجه من الوجوه، وإن عرض للذهن افتراض أنها مجردة عن الصفات، فإنه تمامًا كما يعرض المحال  [د/أحمد صبحي: في علم الكلام ج١ ص٢٣٠]، وهذا الذي ذهب إليه الطحاوي هو نفس ما رَدَّدَه ابن تيمية في كثير من كتبه، بل إنه ذهب إلى أن القول بوجود ذات مجردة عن صفاتها اللازمة هو التعطيل بعينه، والعقل لا يتصور إلا الذات  التي  تضاف إليها صفاتها، وإلا تصبح تلك الذات وجودًا مجردًا لا فاعلية لها في الكون، وذلك قريب من العدم، ويَرُدُّ قولَهم هذا أيضًا الواقع الذي يُقَرِّر أن المتعلِّقات للذات تنفي وجود صفاتها لمقدورات القدرة والعلم والإرادة... إلخ، وهي لا توجب تكثيرًا أو تعدُّدًا إلا في الذهن، مِن ثَمَّ كانت ماهية الحق - تبارك وتعالى - هي  عين وجوده [شرح العقيدة الطحاوية، ص٦٤]

نظرية الأحوال في رأي الباحثين الغربيين

 ١ - المستشرق الألماني هورتن له بحث متميز، نشر في مجلة جماعة المستشرقين الألمان، مجلد (٦٣ صـ ٣٢٤) يقرر فيه أن رأي أبي هاشم في الصفات أنها مفهومات نُدْرِكُ بها الذات كما نُدْرِكُ  المعاني  الكلية، دون أن تكون هذه الصفات زائدة علي الذات - كما يقول الصفاتية - أو تكون هي عين الذات كما يذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة والفلاسفة، وكان معتزلة بغداد من أصحاب المعاني - الاسميين - الذين يَرَوْنَ أنَّ  المعاني  الكلية ليست أكثر من موجودات ذهنية لا وجود لها في الخارج، باستثناء أهم المحمولات، وهي  الوجود والحدوث  [تردد هذا المعنى في كثير من كتب ابن تيمية، وبخاصة في رسائله الكبرى ومجموع الرسائل والمسائل] وأما أبو هاشم - وهو من معتزلة البصرة - فكان موقفه أدنى إلى مذهب القائلين بأن للكليات وجودًا خارجيًا، مِن ثَمَّ كان يعتبر أن صفات الله - تعالى - والأعراض والمعاني الكلية وسط بين الموجود والمعدوم، وأطلق عليها اسم الأحوال. [ديبور: تاريخ الفلسفة في الإسلام ص ١١٥، وتعليق الدكتور أبي ريدة]

ولم نرَ لَدَى ديبور رأيًا خاصًا به يرجح أحد الرأيين- رأي أصحاب المعاني ورأي القائلين بالأحوال، ويظهر أنه كان مؤرخًا دقيقًا، ولم يك ناقدًا.

 ٢ - شمولدرز: يرى هذا الباحث – وهو من القائلين ببساطة الذات الإلهية - أن كلمة الحال لَدَى أبي هاشم تستند إلى رأي أرسطو في المعاني الكلية (أي المذهب الأسمى) وهذا خطأ كما ذكرنا سلفًا أنه أفلاطوني النزعة.

 ٣ - هورفتس: يعتبرها مستندة إلى رأي أفلاطون في المثل المذهب الواقعي وهذان الرأيان - كما نرى متعارضان كما أنهما في حاجة إلى تحقيق، لأن منتهى نظرية الأحوال عند أبي هاشم ومن شايعه أنها شأن بين الوجود والعدم إذا نظر إلى أنها خاصة بعلاقة الذات الإلهية بصفاتها، أما المعاني الكلية في غير هذه القضية فقد كان رأيه فيها أفلاطونيًا واقعيًّا كما قررنا سلفًا.

 ٤ - سيمون فال دن برج: وقد قرر هذا الباحث أن لفظ الحال إنما يعكس المناقشات التي كانت تدور في الأوساط الرواقية في دراستهم لقضية حمل الصفة على الموصوف.

٥ - وقد ذهب إلى أن القول بالأحوال كما صوره الشهرستاني في كتابه نهاية الأقدام عندما كان يحقق هذه المسألة إنما يستحضر إلى الأذهان الأحكام التأليفية التي قال بها كانت الفيلسوف الألماني الأشهر، حيث يقترب القول بها من حديثه عن الأحكام التحليلية [نفس المصدر].

الحكم الشرعي على قائل هذه النظرية

لقد كانت المعركة في علم الكلام حول هذه النظرية من الناحية العقلية حامية الوطيس كما لاحظنا فيما سبق، دارت الأحكام العقلية فيها بين التصويب مع التعديل - كما رأينا لَدَى الباقلاني - والتخطئة كما رأينا ذلك عند باقي الفِرَق والأشخاص  التي  تناولت هذه القضية، وهذا يعني أن الحكم الباقي عليها هو الحكم الشرعي من وجهة نظر غير القائلين بها، إذ يذهب أكثر المعتزلة حتى الجبائي الأب إلى القول بتكفير أبي هاشم في هذه القضية، شاركهم في ذلك جمهور الأشاعرة، وبخاصة البغدادي صاحب (الفَرق بين الفٍرق)، وحجتهم في ذلك أنها تؤدي إلى القول بتعدد القدماء، وأما من شايعه فقد ذهبوا إلى أنها كانت تخريجًا متميزًا لعلاقة الذات الإلهية بصفاتها.  

 وأما الرأي الذي يملكه كاتب هذه السطور فلا يعدو مبدأه الذي يؤمن به إيمانًا جازمًا، وهو عدم تكفير أحد من أهل القبلة؛ لأن الإيمان والكفر محلهما القلب، وهو محل لا يدرك نكون قد نازعناه في علمه المطلق الذي يعلم السر وأخفى، ما ظهر من الأمور وما بطن منها، إلا أن يكون القائل بالرأي المختلف فيه قد صدر من أفعاله الخارجية ما يؤكد الحكم حقيقته إلا الحق - سبحانه وتعالى - وإلا على ما وقر في صدره.

الخلاصة

نظرية "الأحوال" هي مفهوم كلامي أسسه أبو هاشم الجبائي (المعتزلة) كمحاولة لحل الإشكال العقدي حول علاقة صفات الله تعالى بذاته، وتقوم على أن "الحال" هو معنى قائم بالذات ليس بموجود ولا معدوم، لتفسير كيفية اتصاف الذات الإلهية بالصفات دون أن تكون عينَها أو غيرَها، وقد أنكرها أكثر المتكلمين (المعتزلة غير أبي هاشم والأشاعرة)؛ لسقوطها في إشكالات عقلية كالتسلسل، والتشبُّه بالنصارى في الأقانيم، وقد انتهى الأمر إلى رفضها واعتبارها من المسائل العقلية المجردة التي لا توافق أصول العقيدة الإسلامية البسيطة.

موضوعات ذات صلة

العلة من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي

إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر؛ لذلك تكمن أهمية دراسة التأثير والتأثر بين المذاهب والفرق المختلفة،

يُعدُّ الدور والتسلسل من أهم المفاهيم المنطقية والفلسفية التي استُخدمت في بناء الاستدلالات العقلية، سواء في الفكر أو العقيدة،

موضوعات مختارة