Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ملحق (١) طرق الاستدلال على وجود الله

الكاتب

أ.د/ حسن الشافعي

ملحق (1) طرق الاستدلال على وجود الله

تنوّعت طرق المسلمين في الاستدلال على وجود الله – تعالى - بين العقل والنقل والذوق والفطرة، فجاء كل اتجاه ليخاطب جانبًا من جوانب الإنسان إدراكًا وشعورًا.

الاتجاه العقلي في الاستدلال على وجود الله تعالى

أولًا: فأمَّا الاتجاه العقلي، فيتمثل بوضوح لدى الفلاسفة الإسلاميين والمتكلمين الذين ارتضوا العقل سبيلًا إلى معرفته تعالى، وإن أضاف بعضهم إلى ذلك الدليل النقلي أيضًا.

فأمَّا المتكلمون فتقوم أدلتهم على فكرة الحدوث [حوار بين الفلاسفة والمتكلمين، ص ١٠٧ وما بعدها، وشرح الطوسي على الإشارات ٣/ ٤٨٢]، حدوث هذا العالم بكل ما فيه، واحتياجه إلى محدث هو الله – تعالى - وهي تظهر في صور عدة، أبرزها صورتان، عرفت إحداهما بطريقة الأكوان، والأخرى بطريقة الجوهر والعرض، وقد يلجأون – أحيانًا - إلى فكرة الإمكان، وقد نالت الصورتان المشار إليهما من المتكلمين - على اختلاف مدارسهم [انظر: المراجع السابقة، ومقدمة مناهج الأدلة، ص ١٢ وما بعدها] - اهتمامًا كبيرًا، ولكن بعض المتكلمين يعرض عنهما تمامًا فيما يتعلق بإثبات وجود الله وينتقدهما من وجوه عدة، ويختار دليلًا آخر يقوم على فكرة التناهي، وإن كان يعتمد على ظاهرة الحدوث كنقطة بداية في استدلاله، ويستعين - مع ذلك - بفكرة كلامية، وفلسفية أخرى هي فكرة الإمكان.

وأمَّا الفلاسفة المسلمون فمن أبرز ما نسب إليهم (دليل التناهي) الذي أثبت به الكندي - أول فلاسفة المسلمين - حدوث العالم؛ أي: تناهيه زمانًا وحركة، كما أنه متناه بالمكان والجرم، وأكمل ذلك بأنه لا يمكن أن يكون علة نفسه فلا بد له من علة خارجة عنه واجبة الوجود [انظر: كتاب الكندي إلى المعتصم بالله ص٩٢ وما بعدها، والكندي وفلسفته، ص ٧٠ - ٨٤، ومناهج الأدلة، ص٢١]، وقد أرجع بعض الباحثين فكرة التناهي هذه إلى المعتزلة وإلى يحيى النحوي من قبلهم [انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه، ص٣٦٧، ومعالم أصول الدين، للرازي، ص٢٦]، ومن أدلتهم – أيضًا - دليل الوجود الذي يفخر به ابن سينا، ويرى أنه قد أثبت به (الواجب) دون نظر إلى المحسوسات، بل عن طريق تأمل فكرة الوجود نفسها، وتحليلها إلى الوجود الممكن والوجود الواجب، والأول لا يوجد ولا يتحقق إلا لسبب خارج عن حقيقته؛ إذ حقيقته ما يقبل الوجود والعدم، وإذن فلا بد أن يستند إلى موجود واجب الوجود، وذلك بعد بطلان الدور والتسلسل [انظر: الإشارات والتنبيهات، المجلد الثالث، ٤٣٥ – ٤٨٣]، وقد قال به الفارابي قبله [انظر: عيون المسائل، للفارابي، ص٤]، بل إن بعض الباحثين يرجع به إلى أفلوطين وإلى بارمنيدس - أيضًا - [وهو المرحوم الزركان في بحثه عن: فخر الدين الرازي وآراؤه، ص ١٧٦، وانظر: أيضًا: ديكارت د. عثمان أمين ١٦٦ -١٩١]، ومنها – أيضًا - دليل الحركة الذي أخذه ابن رشد عن أرسطو، وعرضه في صورة لدى أرسطو [انظر: ابن رشد وفلسفته الدينية، ص١٠٠ - ١٠١]، ولعل خير ما قدمته المدرسة الفلسفية من أدلة العناية والاختراع اللذان استنبطهما ابن رشد من آيات القرآن الكريم، وعني بعرضهما في صورة واضحة قريبة إلى العقول والقلوب؛ إذ يقول: فأمَّا الطريقة الأولى فتنبني على أصلين:

أحدهما: أن جميع الموجودات التي ههنا موافقة لوجود الإنسان.

والأصل الثاني: أن هذه الموافقة هي ضرورة، من قبل فاعل قاصد لذلك مريد؛ إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.

فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان ... وكذلك – أيضًا - تظهر العناية في أعضاء الإنسان، وأعضاء الحيوان وكونها موافقة لحياته ووجوده.

وأمَّا دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود السماوات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:

أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات؛ كما قال تعالى: {ِإنَّ ‌ٱلَّذِينَ ‌تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ} [الحج:٧٣]؛ فإنَّا نرى أجسامًا جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا أن ههنا موجدًا للحياة ومنعمًا بها، وهو الله - تبارك وتعالى - وأمَّا السماوات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ههنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.

وأما الأصل الثاني، فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيصبح من هذين الأصلين أن للوجود فاعلًا مخترعًا له [انظر: مناهج الأدلة، ص١٥٠ - ١٥٤، ومقدمته، ص ٢٥ - ٢٨، والآية ٧٣ من سورة الحج].

الاتجاه النقلي في الاستدلال على وجود الله تعالى

ثانيًا: وأمَّا الاتجاه النقلي، فيشمل موقف (الحشوية) الذين يكتفون بمجرد إخبار القرآن الكريم والنبي - صلى الله عليه وسلم - بوجوده تعالى، ويؤمنون بذلك دون طلب لدليل أو برهان، كما يشمل موقف الذين ينظرون إلى آيات القرآن، لا من جهة إخبارها بالعقائد أو تقريرها لها فقط، وإنما من جهة ما تقيمه من أدلة عقلية لإثبات تلك العقائد – أيضًا - وأضيف أن الأخذ بهذه الأدلة القرآنية - على درجات متفاوتة - ينظم سائر المدارس الإسلامية، فكما نجد دليلي الاختراع والعناية عند ابن رشد نجدهما كذلك عند الكندي من قبل [انظر: الكندي وفلسفته ٧٨- ٨٤]، وربما عند ابن سينا - أيضًا - [انظر: حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص ٥٠]، وكما نجد عند المتكلمين طريقة حدوث الأعراض، أو الصفات نجدها - أيضًا - عند ابن تيمية الذي يثني عليها، ويعتبرها جزءًا من طريقة القرآن الكريم [انظر: الموافقة ٢ / ٢٥٤ - ٢٦٠]، وهي إحدى طرق ست عند المتكلمين، هي: حدوث الذوات، وإمكانها ومجموعهما، وحدوث الصفات وإمكانها ومجموعهما، وقد كان الظن أن حصرها على هذا النحو من صنيع الرازي [انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ١٨٥، ١٨٦]، ولكن ابن الوزير في كتابه "ترجيح أساليب القرآن ينسبها إلى أبي الحسين البصري وأصحابه من المعتزلة [انظر: ترجيح أساليب القرآن، ص٧٩، ٨٠]، وقد استدل بهذه الطريقة - طريقة تجدد الصفات وحدوثها - أبو الحسن الأشعري في اللمع، وإن كان قد حصرها في أحوال خلق الإنسان وأطوار نشأته [اللمح ١٧ – ١٩]، ودافع عنها الجويني في الشامل [انظر: الشامل ١/ ١٦٦، وما بعدها]، كما استدل الغزالي بطريقة الإحكام والإتقان في الكون [انظر: رسالته: الحكمة في مخلوقات الله، ص١٥، وما بعدها، والإحياء ١/٧٢)، كما نجدها - أيضًا - عند ابن تومرت مع دليل الاختراع والسببية [انظر: تاريخ فلسفة الإسلام د/هويدي، ١/ ٢٦٥- ٢٦٧)، وقد اعتمد أبو المعين النسفي الماتريدي في إثبات وجود الله – تعالى - على هاتين الطريقتين، الإتقان والاختراع واستنبطهما من الآية الكريمة: {وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ‌قِطَعٞ ‌مُّتَجَٰوِرَٰتٞ}[الرعد:٤] [انظر: بحر الكلام، ص١٤، ١٥]، وهو في هذا يتابع شيخه أبا منصور الماتريدي الذي مال - بعد أن جرّب أدلة الكلام التقليدية - إلى طريقتي العناية والاختراع [انظر: مقدمة مناهج الأدلة ص ٢١ – ٢٣]، كما ذكر ابن الوزير أن طريقة الإحكام والإتقان هي عمدة أئمة آل البيت منذ علي - كرم الله وجهه - في الاستدلال على وجوده – تعالى - ويذكر من نصوص علماء الزيدية ما يؤيد هذا [ترجيح أساليب القرآن ص١٩-٢٢، ٨٥، وما بعدها]، كما يذكر أن القاضي عبد الجبار المعتزلي نوَّه بها في كتابه (المحيط) عند حديثه عن إعجاز القرآن الكريم [ترجيح أساليب القرآن، ص ٢١].

وهكذا نجد أن المتكلمين من أشاعرة، ومعتزلة، وماتريدية، يشاركون غيرهم من العلماء المسلمين في الاعتماد على هذه الأدلة القرآنية، وإن كانوا - والحق يقال - لم يتوفروا على دراستها وتفصيلها، إلى دليلي الجوهر والعرض، والممكن الواجب وهما دون مستوى هذه الأدلة القرآنية.

والآمدي الأشعري يعرض عن هذين الدليلين، ويختار دليلًا مركبًا من فكرتي الحدوث والإمكان وفكرة التناهي، ولا يحاول اللجوء نهائيًّا إلى أدلة القرآن الكريم؛ لما غلب عليه من فكرة (الدور) الاعتزالية، وإن كان ينوه بما يسود العالم من إحكام، وإتقان يدل على وجود فاعله بالضرورة [الأبكار: ٢٦٢/٢ب]؛ بل يشارك الإمام الرازي في تفضيله لأدلة القرآن على سائر الأدلة الكلامية التقليدية؛ إذ يقول في المآخذ: وهذه الدلائل أوقع في القلوب وأدفع للشبهات، ولمشاهدة الإنسان في كل حال شيئًا منها، وكثرة الممارسة تفيد الملكة ورسوخ الاعتقاد المانع من الأنكار، ولما فيها مع الدلالة من المنفعة الحاملة للإنسان على الانقياد، وأكثر هذا النوع في الكتب الإلهية خصوصًا القرآن المجيد [المآخذ: ل ١٦ ب].

الاتجاه الصوفي في الاستدلال على وجود الله تعالى

ثالثًا: وأمَّا الاتجاه الصوفي، فإن أصحابه قد يستندون - أحيانًا - إلى الشواهد العقلية، وربما استعاروا في ذلك بعض الأفكار الكلامية أو الفلسفية [انظر: الرسالة القشيرية، ص٣، ٤، والدرة الفاخرة، للجامي، ص ٢٧٦، ٢٧٧، وفصوص الحكم، ١/ ٨١]، إلا أن عمدتهم في هذه المسألة هو القلب المؤمن لا العقل المفكر، هو الكشف الذي يخترق حجب الغيب لا البرهنة العقلية القاصرة، يقول الكلاباذي: وأجمعوا على أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل؛ لأنه محدث [التعرف، للكلاباذي، ص ٩٣ وما بعدها]، وقد أكد ابن عربي - في هذا الصدد - عجز العقل ومناهجه عن الوصول إلى أية معرفة حقيقية؛ لأنه لا يزيد على أن يقلد نفسه، ومن ثم أعلن عدم ثقته بأدلة المتكلمين ومناهجهم [عن بحث: موقف ابن عربي من العقل والمعرفة الصوفية] ألقاه أستاذنا الدكتور قاسم بجامعة أم درمان الإسلامية، سنة ١٩٦٩، ص ٦ - ١١، ١٣ - ١٥)، ولا تزال المدرسة الصوفية المعاصرة تتبنى هذا الرأي وتدافع عنه [انظر: المنقذ من الضلال تحقيق د/ عبد الحليم محمود، ص ٨-٢٤ وكتابه أبو الحسن الشاذلي، ص ٩٣ - ١٠٢، وكتابه الإسلام والعقل].

الاتجاه الفطري في الاستدلال على وجود الله تعالى

رابعًا: وأمَّا الاتجاه الفطري، فيراد به أن الإحساس بوجود الخالق أمر مغروز في فطرة البشر وأعماق ضمائرهم، يشعر به كل عاقل ولو لم يستخدم طرق البرهنة المختلفة، وإن كان يحتاج إلى أن يلتفت إلى نفسه ويجردها من الغفلة ليحس به قويًّا واضحًا، ويعتمد أنصار هذه الفكرة على قول الله سبحانه: {‌وَإِذۡ ‌أَخَذَ ‌رَبُّكَ ‌مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢]، وعلى جملة من الأحاديث النبوية في معناها، وينتصر لهذه الفكرة طوائف من المحدثين والمفسرين [انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠ – ١٨٧، وتفسير النسفي ٢/ ٨٥، وابن كثير ٢/ ١٥٠]، وبعض المتكلمين – أيضًا - كالماتريدي أبي منصور [انظر: شرح الطحاوية ص١٨٦]، والنسفي أبي المعين [انظر: بحر الكلام، ص ١٠ ، ١٢]، والشهرستاني الذي يفضل شاهد الفطرة الذي يتمثل في إحساس كل عبد بالافتقار إلى خالقه على سائر أدلة المتكلمين [انظر: نيابة الإقدام، ص ١٨٠، ١٨٧]، والإمام الغزالي في بعض كتبه [انظر: الإحياء ط / الحلبي ٤/ ٢١٢]، والكرامية [انظر: نشأة الفكر ١/ ٦٣٣، ٦٤٤]، وابن تيمية [انظر: موافقة صحيح المنقول، ١/ ٥١]، وكثير من الصوفية، بينما يعارضه آخرون منهم: البَاقِلَّانِي، والبغدادي وغيرهما من أهل النظر الذين يرون أن معرفة الله لا تقع اضطرارًا ولا تتم إلا عن طريق النظر العقلي [انظر: أصول الدين، للبغدادي ص١١، والتمهيد، للباقلاني ص١٨].

ونعود الآن إلى الاتجاه العقلي لنقدم نموذجًا لاستدلال المتكلمين على وجود الله – تعالى - وهو دليل يجمع بين فكرتى الإمكان والحدوث معًا، ويقدمه أحد متأخري المتكلمين من رجال المدرسة الأشعرية هو سيف الدين الآمدي.

يعتمد الآمدي على دليل عقلي يقوم على الأفكار التالية: الحدوث، والإمكان، والتناهي.

ويُعْرض الرجل تمامًا عن الأدلة الكلامية التقليدية: الجوهر، والعرض، والممكن، والواجب، ويقدم دليله المشار إليه في كل من كتابيه الأبكار [انظر: الأبكار ل ١/٤١ وما بعدهما]، وغاية المرام [انظر: غاية المرام ٣أ - ص، وما بعدهما].

وقد عد الآمدي في (المآخذ) [انظر: المآخذ ٤ وما بعدهما]، الأدلة الأربعة التي اعتمد عليها الفلاسفة، والمتكلمون في إثبات (العلم بالصانع): وأولهما: دليل الوجود الذي استند إليه ابن سينا، وثانيها: دليل الممكن والواجب المنسوب إلى الجويني، وثالثها: دليل الجواهر والأعراض المشهور لدى سائر المتكلمين، ثم دليل الإحكام أو العناية المعروف لدى ابن رشد، وبعد أن أفاض في شرحها متابعًا الإمام الرازي في (مطالبه العالية) عقب بما يفيد أن أقوى هذه الأدلة في نظره من الوجهة العقلية، هو الأول [انظر: المآخذ ل ١٢ ب]، أما الدليل الثاني فيصفه بالضعف لقيامه على فكرة تماثل الأجسام، وهي في نظره مشكوك فيها [انظر: المآخذ ل ١٢ أ، ب، والموافقة، لابن تيمية ٢ / ٢٥٦ - ٢٦٠، وما سيأتي في مبحث حدوث العالم].

وأمَّا الثالث فإنه يثير مشكلات عدة يصعب حلها، فضلًا عن أنه كسابقه لا يغني عن الدليل الأول [انظر: المآخذ ل ١٢، ١٣أ، ١٥أ].

ثم يقرر أن أفضل هذه الأدلة جميعًا إنما هو الرابع؛ وذلك لسبب نفسي ألمح إليه وهو تأثر الإنسان بما يتكرر تحت نظره وتتعلق به فائدته، ولسبب شرعي وهو أن هذا الدليل قد تكرر في القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعًا [راجع ما سبق عن موقفة من الاتجاه النقلي، انظر: المأخذ ل ١٥ ب]؛ وليت الآمدي قنع بهذا الدليل الأخير، ولكنه فيما يبدو كان عندئذ يدور في فلك الإمام الرازي الذي اتجه في أخريات أيامه إلى الاعتماد على القرآن الكريم في العقائد وأدلتها، والمطالب العالية هو آخر مؤلفاته جميعًا [انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ص ٦٢١]، أمَّا الآمدي في كتبه الخاصة "كالأبكار، وغاية المرام" فإنه لا يعتمد إلا على الدليل الذي يمر بالخطوات الثلاث الآتية:

(١) البدء بملاحظة الحوادث المشاهدة الموجودة فعلًا بعد العدم، وتلك بداهة حسية لا تحتاج إلى دليل. (٢) استخلاص فكرة (الإمكان) من تجدد هذه الحوادث بعد أن كانت معدومة، وهي خطوة عقلية تحتاج إلى بيان.

(٣) إبطال فكرتي الدور والتسلسل حتى تنتهي هذه الحوادث الممكنة إلى موجود أول وواجب بذاته لا بغيره.

أولًا: يبدأ الآمدي استدلاله بداية مُوفّقة، أي بملاحظة ما نشاهده في الواقع من الأمور التي توجد بعد أن لم تكن موجودة، يقول في الأبكار: ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية، ونحققه من الأمور الحسية [الأبكار ٤١/١أ، ب]، وهو نفس كلامه في غاية المرام [انظر: غاية المرام، ل ٣،  أ ب].

وهكذا يبني الآمدي استدلاله على قاعدة راسخة من المشاهدات الواقعية والبداهات الحسية، وإلا فهل ينكر أحد منّا أنه وجد أو بعبارة أخرى ولد بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا؟ وهو بذلك يُجنب نفسه - منذ البداية - خطر الاعتماد على مقدمات يصعب إثباتها كحدود العالم كله أو إمكانه كل أو تركبه من الجواهر والأعراض التي يبدأ أكثر المتكلمين والفلاسفة أدلتهم بها؛ ومما يؤكد ذلك أنه يلجأ إليها في كتابه أبكار الأفكار مع أنه كان لا يزال مقتنعًا بإمكان الاستدلال على حدوث العالم بفكرة الجواهر والأعراض، ولا شك أن حدوث العالم بكل ما فيه دعوى عريضة يصعب إثباتها ويسهل الشك فيها، فضلًا عن أن إثبات وجود الله ممكن، ولو صرفنا النظر عنها تمامًا ، كما فعل الآمدي وكما نجده عند ابن رشد من قبل (انظر: مناهج الأدلة، ص٢٥ - ٢٨).

أما فكرة ابن سينا الخاصة بتأمل معنى الوجود نفسه وتحليله إلى الوجود الممكن والوجود الواجب، والأول منهما لا يتحقق إلا بالاستناد إلى الثاني، تلك التي يراها أشرف من البدء بالمحسوسات أو المخلوقات وأجدر بالصديقين من العلماء [انظر: الإرشادات والتنبيهات مجلد ٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣]، فإنها في نظر بعض العلماء ليست إلا بداية بالمخلوقات والأفعال كالطريقة الأخرى، وإلا فكيف استطاع ابن سينا تصور الوجود الممكن؟ [انظر: ملخص المطالب العالية للخانجي، ل ٣أ - الرازى وآراؤه ص١٨٨].

والآمدي رغم عنايته بفلسفة ابن سينا، وشرحه لكتاب الإشارات، يعرض عن هذه البداية – أيضًا - ولعله قد اطلع على نقد الرازي، والغزالي [انظر: الرازي وآراؤه ص١٨٨، وموافقة صحيح المنقول، لابن تيمية، النسخة المصورة، ل ٢٣٧أ] لا ذلك النقد الذي نجد قريبًا منه عند ابن رشد [انظر: مناهج الأدلة ٢١٠]، وابن تيمية [انظر: ابن تيمية السلفي ص٧٤، ٧٨، وتجريد النصيحة، للسيوطي ص٣٢٠]، وغيرهما [انظر: الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي ٢/ ٢٢١، ٢٢٥، وديكارت لعثمان أمين، ص ١٨١ – ١٩١].

ولعلنا نجد في هذا دليلًا على روح الواقعية الحسية، كما يدلنا على تأثره بطريقة القرآن الكريم التي تبدأ عادة مثل هذه البداية [انظر: مناهج الأدلة ص ١٥٠، والجانب الإلهي ٢/ ٢١٣]، خاصة والآمدي نفسه يصورها على النحو التالي: إنا نشاهد أفعالًا وصفات لا لبس عليها كطلوع الكواكب وغروبها، وحصول الليل والنهار والفصول الأربعة، والأصوات والظلال وما فيها من المصالح العظيمة ... ثم الإنسان وما في تركيب جسمه وتعقلاته من قوة نفسه، وكل ذلك دليل وجود الإله القادر [المأخذ ل ١٥أ]، وبعد أن يمتدح هذه الدلائل ويشير إلى ورودها في القرآن أكثر من ثمانين مرة، يقول: إن حدوث التأليفات العجيبة في بدن الإنسان المعلومة بالتشريح من غير فاعل حكيم قادر عليم مستحيل بالضرورة [المآخذ، ١٦ ب]، مما يذكرنا بقول الغزالي (في المنقذ): "ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ولا سيما بنية الإنسان" [انظر: المنقذ من الضلال، ص ١٤٥].

ومن الواضح أن بداية النظر ومنشأ التفكر الذي يوصي به القرآن هو دائمًا بداهات حسية ووقائع مشاهدة. ثانيًا: ينتقل الآمدي إلى ملاحظة عقلية هذه المرة، فينجلي على هذه (الحوادث) صفة الإمكان، وذلك بأن يستخلص من (واقعة) حدوثها (فكرة) إمكانها؟ إذ أن المستحيل ليدخل في الوجود قط، والواجب الذي يستمد وجوده من ذاته لا ينعدم أبدًا، فلم يبق إلا أن تكون هذه الحوادث ممكنة؛ أي قابلة - كما هو مشاهد - للعدم أحيانًا وللوجود أحيانًا أخرى، وهذا هو الإمكان الحقيقي كما يرى ابن رشد. [انظر: مناهج الأدلة، ص ٢١٠]؛ وإذن فالعقل يقضي بأن هذه الحادثات الممكنة تستند إلى سبب آخر تستمد منه وجودها؛ إذ الممكن لا يترجح جانب وجوده من عدمه إلا بمرجح، فإن وجودها إما أن يكون لذاتها أو لغيرها: لا جائز أن يكون لذاتها، وإلا لما كانت معدومة، وإن كان لغيرها فالكلام في ذلك الغير كالكلام فيها [غاية المرام ل ٣ أ- ص٥ قسم ثان وانظر: الأبكار ١/ ٤١].

ثالثًا: أما الخطوة الأخيرة في استدلال الآمدي، فهي إبطال الدور والتسلسل؛ إذ قد يقول البعض بأن هذه الممكنات الحادثة لها سبب مماثل لها، وللسبب سبب إلى مالا نهاية له في الماضي.

ونلاحظ أن الآمدي لا يهتم كثيرًا بإبطال الدور لظهوره وعدم اختلاف العلماء في بطلانه؛ إذ أنه يفضي إلى كون الشيء الممكن مستندًا لنفسه وهو باطل [الأبكار ٤١/١ب وانظر: المأخذ ٩ أ].

أمَّا التسلسل فهو يرى بطلانه – أيضًا - ويقول بتناهي الموجودات الممكنة في جانب الماضي، ويقدم على ذلك دليلين:

(١) عَرَض أولهما (في غاية المرام)، وهو يقوم على أن تسلسل العلل والمعلومات إلى غير نهاية يفضي إلى عدم وجود شيء أصلًا، مع أن الوجود - كما سبق بيانه - بداهة حسية.

(٢) والثاني في (الأبكار)، وبناه على أن التسلسل يفضي إلى كون الحادث أزليًّا والأزلي حادثًا، وهو تناقض صريح؛ أي أنَّا لو افترضنا سلسلة من العلل والمعلومات المتعاقبة مع كون كل منها حادثًا فإمِّا نتصور أنه قد وجد شيء منها في الأزل أو لا: والأول محال؛ لأن الشيء الأزلي هو: غير المسبوق بالعدم، والحادث هو المسبوق به فاجتماع هذين الوصفين في شيء واحد تناقض صريح.

أما الاحتمال الثاني: وهو دم حصول شي من تلك الحادثات المتعاقبة في الأزل، فمعناه أن جملتها أيضًا مسبوقة بالعدم كأفرادها، وأن لها مبدأ وبداية وهو المطلوب (الأبكار ١ /٤٤ أو قد نقله ابن تيمية في الموافقة ٢/ ٢٤٥، ٢٤٦) على أنه لا بأس بالآمدي لو استعان بأفكار سابقيه، وقد أشرت إلى أنه في الخطوتين الأخيرتين يستعين بأفكار كلامية وفلسفية [انظر: حوار بين الفلاسفة والمتكلمين، ص٢٢ ، ٢٥]، ولكن استدلاله هذا قد حظي بالقبول حتى عند بعض العلماء المحافظين المتأثرين بابن تيمية، يقول ابن أبي العز الحنفي في مواجهة خصم معطل: "فإن قال: أنا لا أثبت شيئًا، بل أنكر وجود واجب، قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه وإما ممكن، إما قديم أزلي وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، إما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق .. وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجبًا بنفسه ولا قديمًا ولا أزليًّا ولا خالقًا لما سواه؛ فثبت بالضرورة وجود موجودين أحدهما غني، والآخر فقير أحدهما خالق، والآخر مخلوق" [شرح الطحاوية، ص ٤٢]، وفي هذا نجد ملامح استدلال الآمدي كلها، وإن كانت الخطوة الأخيرة هنا مجملة غير أن ابن العز يوافق على بطلان تسلسل العلل والمعلومات في نفس كتابه هذا، وهي الخطوة الأخيرة عند الآمدي [السابق: ص ٦٧ وما بعدها]، ويصرح بذلك في موضع آخر: قال تعالى: {هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ} [الحديد: ٣]، والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطرة، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعًا للتسلسل، فأنت تشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة بنفسها؛ فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت .. وما كان قابل الوجود والعدم لم يكن بنفسه موجودًا: {‌أَمۡ ‌خُلِقُواْ ‌مِنۡ ‌غَيۡرِ ‌شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ} [الطور: ٣٥]، وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكر المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها ما يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن [السابق: ص ٥١].

هذه هي طريقة الآمدي في إثبات وجود الله، يحاول هذا العالم أن يريها بالقرآن الكريم، وهو يعترف بأنها توجد لدى المتكلمين والفلاسفة كما يظهر من كلامه، بل يدافع عن طريقة هؤلاء في الاستدلال قائلًا: فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها .. ولا شك أن العلم بالصانع ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية" [السابق: ص٥٢].

على أن ابن تيمية يرى صحة الاستدلال على وجود الله المبني على فكرتي الإمكان وبطلان التسلسل ويقرر أنها صحيحة ومقتضية لوجود واجب، غير أنهم لإثبات تعينه يحتاجون إلى دليل آخر [انظر: ابن تيمية السفلى، ص٧٦].

والآمدي لا يبغي من دليله أكثر من إثبات موجود واجب الوجود، أما كمالاته وصفاته المختلفة فتثبت بأدلة أخرى؛ ولذا يحق له أن يختم كلامه في إثبات واجب الوجود بقوله: فقد تقرر - كما أشرنا إليه - أنه لا بد من القول بوجوب وجوب موجود، وجوده لذاته لا لغيره، وهو حسبي ونعم الوكيل [غاية المرام ل ١٩].


مراجع للاستزادة:

  • المنقذ من الضلال تحقيق د/ عبد الحليم محمود وكتابه (أبو الحسن الشاذلي)
  • اللمع لأبي الحسن الأشعري
  • تفسير ابن كثير
  • تفسير النسفي
  • شرح العقيدة الطحاوية
  • أصول الدين للبغدادي
  • التمهيد للباقلاني
  • عيون المسائل للفارابي

الخلاصة

اجتمعت الأدلة العقلية والنقلية والصوفية والفطرية على تأكيد وجود الله – تعالى - مع اختلاف مناهجها وتنوّع أساليبها، وقد قدّم القرآن الكريم أرقى صور البرهان، جامعًا بين الإحكام العقلي والتأثير الوجداني، ويبقى الإيمان ثمرة تلاقي البرهان مع صفاء الفطرة.

موضوعات ذات صلة

علم إسلامي يهدف إلى بيان العقائد ودحض شبهات المخالفين.

تمثل القاعدة التي يبنى عليها فهم الإنسان لربه وعلاقته بالعالم من حوله.

من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي.

موضوعات مختارة