العرض والحساب من الأمور الغيبية التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية؛ حيث يُعرَض العبادُ على الله للحساب، وتختلف أنواع الحساب بين اليسير والعسير، ومن الناس مَن يدخلون الجنة بلا حساب.
العرض والحساب من الأمور الغيبية التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية؛ حيث يُعرَض العبادُ على الله للحساب، وتختلف أنواع الحساب بين اليسير والعسير، ومن الناس مَن يدخلون الجنة بلا حساب.
الحساب مأخوذ من حَسَبَ الشيء يحسُبُه، بالضم، حَسْبًا وحِسَابًا وحِسَابَة: عدَّه، وفي التهذيب: حَسِبْتُ الشيء أحسبه حسابًا، وحسبت الشيء أحسُبُه حِسْبانًا وحُسبانا، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} [البقرة: ٢٠٢]، أي: حِسابه واقع لا محالة، وكل واقع فهو سريع، وسرعة حساب الله أنه لا يشغله حساب واحدٍ عن محاسبة الآخر؛ لأنه سبحانه لا يَشغله سمعٌ عن سمعٍ، ولا شأنٌ عن شأنٍ، والحسبان: الحساب. [لسان العرب، مادة: حسب].
أما العرض فقد قال الإمام الرازي في قوله تعالى: {يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٌ}[الحاقة: ١٨]، العرض عبارة عن المحاسبة والمُسَاءلة [الرازي: التفسير الكبير ٣/١٩]، وهو إطْلَاع الله العباد على أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، قولًا كانت أو فعلًا أو اعتقادًا.
والحساب منه اليسير ومنه العسير، ومنه ما هو بالعدل، ومنه ما هو بالفضل، قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا} [الانشقاق: ٧-٨]، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اللهمَّ حاسِبنِي حِسابًا يَسِيرًا، قُلْتُ: وما الحِسابُ اليَسِيرُ؟ قال: ينظرُ في كتابِه ويَتجاوزُ عن سَيئَاتِه، فأما من نُوقِشَ الحِسابَ فقد هلك»، وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب فقد هلك، فقلت يا رسول الله: إن الله يقول: {فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا} [الانشقاق:٧-٨] قال: ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عُذِّب». [نفسه ١٣/٦١، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب)، والبخاري في [كتاب العلم، باب، كتاب التفسير، سورة الانشقاق]، والترمذي في سننه، أبواب القيامة، باب ٥]، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ومعنى نوقش: استقصى عليه.
قال القاضي: "وقوله عُذِّب له معنيان؛ أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب؛ لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مُفْضٍ إلى العذاب بالنار.
ويؤيد قوله في الرواية الأخرى (هلك) مكان (عُذِّب)".
هذا كلام القاضي، وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه أن التقصير غالب في العباد، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. [تعليق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي [مختصرًا من شرح النووي] ج٤/ ٢٢٠٤]، وقال تعالى: {ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} [غافر: ١٧].
قال الإمام الرازي: "واعلم أنه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم {ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ} [غافر: ١٧]، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولًا: إثبات الكسب للإنسان.
والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء.
والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يُسْتَوفَى في ذلك اليوم. فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين. [التفسير الكبير ج٢٧/٤٧].
وقال: "ومن صفات ذلك اليوم قوله: {لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ} [غافر: ١٧]، والمقصود أنه لما قال: {ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ} [غافر: ١٧] أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} [غافر: ١٧]. وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جدًّا؛ لأنه تعالى لما بيَّن أنه لا ظلم، بيَّن أنه سريع الحساب، وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال والله أعلم". [نفسه ٤٨/٢٧].
وقال الحليمي: وقد وصف الله – تعالى - نفسه في كتابه بأنه أسرع الحاسبين، وأنه سريع الحساب، وقال: و{وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ} [الأنبياء: ٤٧]. فقيل: إن معناه محاسبة الخلائق لا يعتاص عليهم لكثرتهم وكثرة أعمالهم. [الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان ١/٣٨١ دار الفكر ١٩٧٩م].
وقال الرازي في قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ} [الأنبياء: ٤٧] الغرض منه التحذير؛ فإن المُحَاسِب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه.
ويُروى عن الشبلي - رحمه الله تعالى - أنه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا. [التفسير الكبير ٢٢/١٧٨]. والناس تجاه الحساب ثلاثة أقسام: قسم يدخل الجنة بغير حساب، وقسم يدخل النار بغير حساب؛ لشدة غضب الجبار عليهم وعِظَمِ ذنوبهم، وقسم يوقف للحساب.
قال الحليمي: "والحساب وإن كان الله تعالى ذكره جملة، وكذلك جاء ذكره في كثير من الأخبار فإن في بعضها دلالة على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب وهم المتوكلون، فصار الناس إذًا ثلاث فرق: فرقة لا تحاسب أصلًا، وفرقة تحاسب حسابًا يسيرًا، وهاتان الفرقتان من المؤمنين، من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله بغير حساب، وليس يبعد أن يكون من الكفار من يكون أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب فتكون الفرق أربعًا". [الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان١/٣٨٤].
وعن كيفية المحاسبة وصفتها: قال الحليمي: ولا يمكن أن يقطع في صفة المحاسبة بشيء؛ لأنها لا تدرك إلا بتوقيف. [نفسه ١/٣٨٠]
وقد أخبر - جل ثناؤه - أن المحاسبة تكون بمشهد النبيين والشهداء، فقال - عز وجل: {وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [الزمر: ٦٩]
وأما إخبار الله عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: {يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [النور: ٢٤]
وقوله تعالى: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ * وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ} [فصلت: ٢١-٢٢]، وقوله - عز وجل: {ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [يس: ٦٥].
يقول الحليمي: وذلك - والله أعلم - يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون زيادة على ما ينطق به كتابُ بعض العصاة، يريد الله – تعالى - به فضيحته يوم القيامة؛ لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش، والآخر: أن لا يعترف من يقرأ كتابه بما ينطق به، وعلى هذا يقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا. [نفسه ١/٣٨٣].
ولقد أشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من أمته من يدخل الجنة بغير حساب، فقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عُرِضت علي الأمم، فرأيت النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان؛ والنبيَّ وليس معه أحد، ورفع إِليَّ سوادٌ عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي، هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: لعلهم الذين وُلِدُوا في الإسلام فلم يُشركوا بالله شيئًا، فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هم الذين لا يَرقُون ولا يَسترقُون ولا يَتَطَيَّرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكَّاشَةُ بن محصن فقال: ادع الله يجعلني منهم فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله يجعلني منهم. فقال: «سَبَقَكَ بها عُكّاشَةُ».
قال ابن القيم: وليس عند البخاري لا يَرقُون قال شيخنا [ابن تيمية]: "وهو الصواب". [الحديث أخرجه: الحكيم الترمذي في النوادر، والطبراني ٢٥/١٨١ في الكبير، وانظر: الجرح والتعديل ٤/٨٣، والميزان ٢/١٢٠].
وقال ابن القيم: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده، فلا يسألون غيرهم أن يَرقُوهم ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، والطِيَرة نوع من الشرك وتركهم الاسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على الله. [ابن القيم الجوزية: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ١٠٧-١٠٨، باب ٣٢ فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم، ط. مكتبة نهضة مصر ١٩٧١م].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عمر - رضي الله عنه - يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: استزدته فأعطاني مع كل من السبعين ألفًا سبعين ألفًا فقال عمر: يا رسول الله، فهلَّا استزدته؟ قال: لقد استزدته فأعطاني هكذا» وفتح أبو وهب يديه.
قال أبو وهب قال هشام: هذا من الله لا يُدرَى عدَدُه. [الحديث أخرجه أحمد في مسنده ١/١٩٧، والبزار، والطبراني كما في المجمع ١٠/٤١١، والحكيم الترمذي في النوادر].
وعنه صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا ليس عليهم حساب، فقيل له: هلّا استزدت ربك؟ فقال: استزدته فزادني مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا. فقيل: هلّا استزدت ربك؟ فقال: استزدته فزادني ثلاث حثيات بيده الكريمة».
وأخرج الطبراني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاث مائة ألف الجنة، فقال عمير: يا رسول الله زدنا، فقال هكذا بيده، فقال عمير: يا رسول الله زدنا، فقال عمر: حسبك يا عمير، فقال: ما لنا ولك يا ابن الخطاب، وما عليك أن يدخلنا الله الجنة، فقال عمر: إن الله – عز وجل - إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: صدق عمر». [الحديث أورده ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ١١٠-١١١].
العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة، وهو إِطْلاع الله العباد على أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، قولًا كانت أو فعلًا أو اعتقادًا، والحساب منه اليسير ومنه العسير، ولا يمكن أن يقطع في صفة المحاسبة بشيء؛ لأنها لا تُدْرَكُ إلا بتوقيف كما قال الحليمي.