العصمة في كلام العرب لها معان المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، وللكلمة معان أخرى تبلغ حدًّا في الكثرة.
العصمة في كلام العرب لها معان المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، وللكلمة معان أخرى تبلغ حدًّا في الكثرة.
العصمة في اللغة: العصمة في كلام العرب لها معان المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، وفي التنزيل: {لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ} [هود: ٤٣]. أي: لا معصوم إلا المرحوم، قال الأزهري: والحذاق من النحويين اتفقوا على أن قوله: {لَا عَاصِمَ} بمعنى لا مانع وأنه فاعل لا مفعول، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به، ومنها الحفظ، يقال: عصمته فانعصم واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية، واعتصم به واستعصم، امتنع وأبى، قال الله - عز وجل - حكاية عن امرأة العزيز في أمر يوسف حين راودته عن نفسه {فَٱسۡتَعۡصَمَۖ} [يوسف: ٢٣]؛ أي: تأبى عليها ولم يجبها إلى ما طلبت، وفي الحديث: «أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ فإذا قالوها عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهم» [الحديث في البخاري١/١٣، مسلم ك الإيمان ٣٤، ٥/١٤].
وللكلمة معان أخرى تبلغ حدًّا في الكثرة ولكنها ليست من المراد في هذا الموضع [لسان العرب "مادة عصم"].
وقد تناول الراغب الأصفهاني العصمة في ضوء آيات القرآن، ومما ذكره: وعصمة الأنبياء حفظه إياهم - أولًا - بما خصهم الله به من صفاء الجوهر ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم والتوفيق، قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ} [المائدة: ٦٧].
والعصمة شبه السوار، والمعصم موضعها من اليد، وقيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيهًا بالسوار، وذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلًا وعلى هذا قيل: "غراب أعصم". [المفردات في غريب القرآن - مادة عصم ص ٣٤٩، ٣٥٠].
وفي معجم ألفاظ القرآن الكريم ورد ... العصمة: المنع والحفظ ماديًّا ومعنويًّا، وعصمه كضربه: منعه ووقاه. وأعصم هو لجأ إلى ما يمنعه ... وعصمة الله الرسول: حفظه، إياه ومنعه.
وعصمة النكاح: عقدته، وجمعها عِصَم قال الله تعالى: {وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] والمراد عقود النكاح، ثم جاءت المادة في (النساء: ١٤٦، ويوسف: ٣٢، والمائدة: ٦٧، والأحزاب: ٦٧، وهود: ٤٣، وآل عمران: ١٠٠، والحج: ٧٨، ويونس:٢٧، وغافر: ٣٣) [معجم ألفاظ القرآن الكريم، مادة عصم].
ويمكن القول: إن العصمة بحق الأنبياء تنقسم إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الحفظ في الأقوال المبلغة عن الله.
المرتبة الثانية: الحفظ في الأفعال التي تصدر عن النبي أو الرسول.
المرتبة الثالثة: الحفظ من قتل المشركين وهذا خاص بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا الإجمال يحتاج إلى بيان: المرتبة الأولى: الحفظ في الأقوال المبلغة عن الله، وهذا أوضح ما يكون في تصريح الأنبياء بحق ما بلغوا عن ربهم، وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: {قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [يونس: ١٦].
وقوله - عليه السلام - حين طلب منه أن يأتي بغير هذا القرآن أن يبدله أو تبدله: {قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} [يونس: ١٥].
وفي القرآن ورد قول الحق: {وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ *ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ} [الحاقة: ٤٤-٤٧].
بل إن السنة النبوية المرفوعة إلي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحي إلهي، وفي الحديث: «ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثْلَه معه» [الحديث في مسند أحمد ٤/١٣١ وأبو داوود، السنة ب٦].
وأما الآيات الكريمة التي وردت في سورة الحج في قول الحق سبحانه: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ * لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ} [الحج: ٥٢ -٥٣],
والآيات التي وردت في سورة النجم في قول الحق سبحانه: {أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ * أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ * تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ * إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ} [النجم: ١٩-٢٣] فهي من الآيات المحكمات التي لم يتطرق إليها زيادة أو نقصان، ودعوى أن آيات الحج تشير إلى نزغ الشيطان في قلوب المشركين بمكة بأن الرسول امتدح آلهتهم عارية عن الصحة، وما ذهب إليه بعض المفسرين عار من الصحة تمامًا، وخير من عالج هذا الأمر بحكمة ما كتبه القرطبي، والرازي.
وأما ابن جرير الطبري، والبزار، وابن إسحاق، والبغوي، والقاضي عياض، وغيرهم فقد ذهبوا إلى أن ذلك قد وقع، وهو ما يعني نفي العصمة في القول، وهو أمر لا يقبله عقل ولا نقل.
ومع أن الزمخشري من أصحاب المدرسة العقلية إلا أنه ذكر في تفسيره وقوع هذه العبارة "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى".
وقد ذكر أن السبب في نزول هذه الآية - آية الحج - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفوه ولم يشايعوه على ما جاء به لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم ألا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادٍ في قومه؛ وذلك التمني في نفسه فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله: {وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ} [النجم: ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها؛ أي: وسوس إليه بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى - وروي الغرانقة - ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، وقيل: نبهه جبريل - عليه السلام - أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلما سجد في آخرها؛ أي: آخر سورة النجم سجد معه جميع من في النادي؛ وطابت نفوسهم، وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء زاد المنافقون به شكًا وظلمة؛ والمؤمنون نورًا وإيقانًا، والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك، إذا تمنوا مثل ما تمنيت مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك؛ إرادة امتحان من حولهم، والله – سبحانه - له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن.
وقيل: تمنى قرأ ... وأمنيته قراءته، وتلك الغرانيق إشارة إلى الملائكة؛ أي: هم الشفعاء لا الأصنام [الكشاف ٣٢/٣٧].
وهذا عجيب من الزمخشري، وأما فخر الدين الرازي فقد مثل مدرسة الاعتدال، فذكر القصة قريبًا مما سبق عند الزمخشري، ولكنه حرص على إثبات عصمة الأقوال للرسل كما هي في الأفعال.
ومن كلام الرازي ننقل بتصرف: أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول.
أما الاحتجاج بالقرآن فمن وجوه:
أحدها: قوله تعالى: {وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ} [الحاقة: ٤٤-٤٧].
ثانيها: قوله تعالى: {قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} [يونس: ١٥].
ثالثها: قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ * إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: ٣-٤] فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية: تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب الله – تعالى - وذلك لا يقول به مسلم.
رابعها: قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} [الإسراء: ٧٣].
وكلمة (كاد) عند بعضهم معناها (قرب) أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل.
خامسها: قوله تعالى: {وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًاْ} [الإسراء: ٧٤].
وكلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل.
سادسها: قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} [الفرقان: ٣٢].
سابعها: قوله تعالى: {سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ} [الأعلى: ٦].
ويبطل الرازي هذه القصة من السنة النبوية فيقول: وإثبات العصمة القولية كما يرى الفخر الرازي: وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: "هذا وضع من الزنادقة"، وصنف فيه كتابًا.
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: "هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل" ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.
كما أن البخاري قد روي هذه القصة في صحيحه وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق.
الرد العقلي: وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أن من جوز على الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان.
ثانيها: أنه - عليه السلام - ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنًا أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلًا أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم.
ثالثها: أن معاداتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه أعظم آلهتهم حتى خروا سجدًا مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.
رابعها: قوله: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: ٥٢]؛ وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تُبقِي لشبهة معها، فإذا أراد الله إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنًا، فإن الشيطان يمنع من ذلك أصلًا.
خامسها: وهو أقوى الوجوه: أننا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [المائدة: ٦٧] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه.
فبهذه الوجوه عرفنا - على سبيل الإجمال - أن هذه القصة موضوعة، وأن أكثر ما في الباب أن جمعًا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة. [مفاتيح الغيب ٢٣-٤٩-٥٢]
كما حرص فخر الدين الرازي على إبطال كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم بهذه العبارات [تلك الغرانيق العلى] ...: هذا يحتمل ثلاثة أوجه، فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوًا أو قسرًا أو اختيارًا.
أما الوجه الأول: وهو التكلم بهذا سهوًا ونسبه ذلك إلى قائله، فقد رده الرازي قائلًا: وهذا ضعيف – أيضًا - لوجوه:
أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع.
ثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدًا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها.
ثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهوًا فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل -عليه السلام-، وذلك ظاهر.
وأما الوجه الثاني: وهو التكلم بهذا على سبيل القسر من قبل الشيطان فباطل لوجوه:
أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشيطان.
ثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال.
ثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيًا عن الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ} [إبراهيم: ٢٢].
وقال تعالى: {إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ} [النحل: ٩٩-١٠٠].
وقال الشيطان متوعدًا بني آدم مستثنيًا منهم: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ} [ص: ٨٣].
ولا شك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان سيد المخلصين.
الوجه الثالث: وهو أنه تكلم - صلى الله عليه وسلم - بهذا الكلام اختيارًا، فباطل من طريقين:
الطريق الأول: أن هذه الكلمة باطلة، وما كان لرسول أن يدعو إلى باطل، ولا يمكن قبول ذلك لأي علة من العلل أو سبب من الأسباب، ولا يمكن أن يلقي الشيطان ذلك على لسانه، وهذا الكلام لا يقول به مسلم.
الطريق الثاني: أن هذا الكلام غير باطل أو أنه قبل مجاراة لهم، وهو مصادم جملة وتفصيلًا لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز على الأنبياء والرسل شيء من ذلك؛ لأن الله – تعالى - قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه الله – تعالى - على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر، فهذه الوجوه المذكورة في قوله: "تلك الغرانيق العلا" قد ظهر على القطع كذبها. [مفاتيح الغيب ٢٣/٥٣، ٥٤]
وهكذا أكد الرازي القول بأن عصمة الأنبياء ثابتة في أقوالهم، ومما يؤكد هذا بحق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يلي:
١- رفضه - صلى الله عليه وسلم - كل العروض التي عرضت عليه من أجل مهادنة قومه في دعوته، فكيف يرفض عرضهم ويأتلف بالباطل قلوبهم.
٢- أسلوب القرآن في سورة النجم يبطل ورود مثل هذا الكلام على لسانه؛ لأنه بعد ذكر أسماء الأصنام التي اتخذها المكيون من دون الله قال لهم القرآن: إلى آية للبحث {إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ} [النجم: ٢٣].
٣- عندما أنكر أهل مكة على الصحابة كتابة كل ما يصدر عن الرسول بشأن القرآن، وعندما شكك بعض أهل الكتاب فيما يصدر عنه قائلين: "إن محمدًا بشر يخطئ ويصيب كما يفعل سائر البشر فكيف تكتبون عنه كل ما يقول في الغضب والرضا، قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق [مسند أحمد رقم ٦٨٠٢،٦٥١٠ وقال محققوه: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الوليد بن عبد الله، روى له أبوه داود وابن ماجه وهو ثقة].
٤- كان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا حقًا في مزاحه.
المرتبة الثانية: عصمة الأفعال التي تصدر عن النبي أو الرسول.
لما كان الأنبياء قدوة للمدعوين، فإن الحق خصهم بالسلامة في السلوك قبل النبوة وبعدها؛ لأن خصوم الأنبياء إنما يبحثون في تواريخهم ما يطلبون به رد دعواهم النبوة اعتمادًا على مخالفة الأفعال للأقوال، واتباع الأنبياء إن وجدوا في سلوك النبي ما يعاب فإن شيئًا في أنفسهم سيقع بشأن دعوتهم.
ولهذا رأينا إشارات القرآن تتحدث عن كثيرين منهم قبل النبوة والرسالة بما يدل على رعاية وعناية خاصة بهم، قال تعالى: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ} [الأنبياء: ٥١].
وقال بحق إسماعيل: {فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ} [الصافات: ١٠١].
وقال بحق إسحاق: {وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [الصافات: ١١٢].
وقال بحق موسى: {وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} [طه: ٣٩].
وقال: {وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي} [طه: ٤١].
وقال بحق يحيى: {وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ} [آل عمران: ٣٩].
وقال بحق عيسى - عليه السلام: قال تعالى: {فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا * قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا} [مريم: ٣١].
وقال بحق محمد - صلى الله عليه وسلم: {أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ} [الضحى: ٦-٨].
وعندما ذكر الله الأنبياء السابقين قال للرسول - صلى الله عليه وسلم: {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ} [الأنعام: ٩٠]. قال لنا نحن المسلمين: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب: ٢١].
فهل يأمر الله خلقه بالاقتداء بمن يرتكبون كبيرة أو يصرون على صغيرة.
إن أفعال الرسل قبل النبوة وبعدها محل اعتبار، ولعل الحكمة في كون الرسول من بين المرسل إليهم تتجلى في العلم به تاريخًا ونشأة؛ ولهذا رأينا بعض الأمم تشهد لأنبيائها بالصلاح وحسن السيرة، ويرون في دعوته مخالفة لما هم عليه لا لما كان عليه من التزام.
هؤلاء قوم صالح يقولون له: {قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} [هود: ٦٢]. والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لقومه: {فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [يونس: ١٦] {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ} [التوبة: ١٢٨].
وأما المعارضون للنبوة والرسالة فقد بحثوا عما يردون به نبوة المرسلين، وعلى رأس هؤلاء فرعون الذي قال لموسى -عليه السلام-: {وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الشعراء: ١٩]، فكان رد موسى -عليه السلام: {قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [الشعراء: ١٩].
وبهذا اعتقد جمهور المسلمين بعصمة الأنبياء في سلوكهم قبل النبوة وبعدها.
يقول شارح الجوهرة عنها: "وكفى حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه، ولو نهى كراهة أو خلاف الأولى فهم محفوظون ظاهرًا من الزنا وشرب الخمر والكذب وغير ذلك من منهيات الظاهر، ومحفوظون باطنًا من الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن، والمراد المنهي عنه ولو صورة فيشمل ما قبل النبوة ولو في حال الصغر، لا يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى بل ولا مباح على وجه كونه مكروهًا أو خلاف الأولى أو مباحًا، وإذا وقع صورة ذلك؛ أي: بعد النبوة فهو للتشريع فيصير واجبًا أو مندوبًا في حقهم، فأفعالهم - عليهم السلام - دائرة بين الواجب والمندوب، وأما المحرم فلم يقع منهم إجماعًا، وما أوهم المعصية فمؤول بأنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. [توضيح الجوهرة، ١٤٢ بتصرف]
وقد ذكر ابن حزم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام ذهبت غير هذا المذهب وخرجت على جمهور المسلمين في اعتقاد العصمة، ومن كلامه اختلف الناس في: هل تعصي الأنبياء - عليهم السلام - أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أن رسل الله - عليهم السلام - يعصمهم الله في جميع الكبائر والصغائر عمدًا حاشى الكذب في التبليغ فقط. وهذا قول الكرامية من المرجئة وجوزوا أن يكون في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من هو أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ بعث إلى أن مات (قال ابن حزم)، وهذا كله كفر مجرد وشرك محض وردة عن الإسلام قاطعة للولاية مبيحة دم من دان بها وماله، موجبة للبراءة منه في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
وذهبت طائفة إلى أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلًا، وجوزوا عليهم الصغائر بالعمد، وهو قول ابن فورك الأشعري.
وذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك والبلاقاني المذكورين.
قال ابن حزم: وهذا القول الذي ندين لله – تعالى - به ولا يحل لأحد أن يدين بسواه.
ونقول: إنه قد يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، وقد يقع منهم - أيضًا - قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى، والتقرب منه، فيوافق خلاف مراد الله – تعالى - إلا أنه – تعالى - لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا، بل ينبهم على ذلك ويظهر – عزوجل - ذلك لعباده، ويبين لهم كما فعل نبيه - صلى الله عليه وسلم - لو في سلامه من اثنتين وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام، كما فعل نبيه لجو في أمر زينب أم المؤمنين وطلاق زيد لها – رضي الله عنهم - وفي قصة ابن أم مكتوم. [الفصل ج٢/٣ بتصرف]
أما السهو الذي ذكره ابن حزم فهو مراد المشرع، وليس سهوًا في التبليغ بل سهو في الأداء، وفيه حكمة تشريعية، فعندما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ركعتين في الصلاة الرباعية، قال له الصحابة: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال - عليه الصلاة والسلام: «لَمْ أنْسَ ولَمْ تُقْصَرْ» [أخرجه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣)]، فلما تحقق الخبر قام فصلى بهم ركعتين ثم سجد للسهو، وبهذا تبين الحكم الشرعي في مثل هذه الأحوال التي لو لم تقع لكلنا في حيرة من أمرنا بشأنها وقد نظم أحد الشعراء هذين البيتين بشأن هذه الواقعة قائلًا:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لاه
قد غاب عن كل شيء ظنه فسها *** فيما عدا الله فالتعظيم لله.
وقد ذكر ابن حزم الشبهات التي أثيرت بحق الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن ورد على هذه الشبهات بتفصيل وإتقان [راجع الفصل من ص ٣ إلى ص ٢٢ من الجزء الثاني] ثم عاد ثانية إلى تأكيد عصمة الأنبياء في عقيدة المسلمين ومن أقواله:
١ - من البرهان على أنه لم يكن البتة أن يعصي نبي لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ» [سنن أبي داوود (٤٣٥٩)] لما قال له الأنصاري هلا إلي في قصة عبد الله بن أبي سرح، فنفى - صلى الله عليه وسلم - عن جميع الأنبياء - عليهم السلام - أن تكون لهم خائنة الأعين، وهو أخف ما يكون من الذنوب، ومن خلاف الباطن للظاهر، فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها وكبيرها، سرها وجهرها.
٢ - أننا مندوبون إلى الاقتداء بالأنبياء وإلى التأسي بهم في أفعالهم كلها قال الله تعالى: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الأحزاب: ٢١].
وصح يقينًا أنه لو جاز أن يقع من أحد من الأنبياء - عليهم السلام - ذنب تعمدًا صغيرًا وكبيرًا كان الله -عز وجل - قد حضنا على المعاصي وندبنا إلى الذنوب، وهذا كفر مجرد ممن أجازه، فقد صح يقينًا أن جميع أفعال الأنبياء التي يقصدونها خير وحق.
٣ - نفى أن يكون الاقتداء بهم في السهو، وإنما أصل السهو النسيان وعدم العمد فإن صنع الشيء عمدًا ولو من باب الاقتداء فكيف يسمى سهوًا، وإنما نحن مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سها.
٤ - لو جاز شيء من المعاصي - ونحن مأمورون بالتأسي بهم – لكنا قد أُبيحت لنا المعاصي، وكنا لا ندري لعل جميع ديننا ضلال وكفر، ولعل كل ما عمله - صلى الله عليه وسلم – معاص.
ولقد قلت يومًا لبعضهم ممن كان يجيز عليهم الصغائر بالعمد: "أليس من الصغائر تقبيل المرأة الأجنبية وقرصها؟ فقال: نعم. قلت: تجوز أنه يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل امرأة غيره متعمدًا؟ فقال: معاذ الله من هذا، ورجع إلى الحق من حينه" [الفصل ٣/٢٤-٢٥بتصرف].
وإذا كانت الشبهات التي أثيرت بحق عصمة الأنبياء فيها تكلف، ولم تحتج إلى كثير من الجهد لردها في تراثنا الإسلامي، فإن المسلمين قد ردوا كل المعاصي التي نسبت إلى الأنبياء فيما يسمى بالكتاب المقدس، وأخص ذلك بالذكر، زعم الكتاب المقدس أن آدم عصى ولم يتب، وأن نوحًا قد شرب الخمر، وأن إبراهيم قد تاجر بعرض زوجته، وأن إسحاق صنع مثل ذلك، وأن يوسف قد عصى صراحة، وأن داوود قتل مئات الفلسطينيين وقطع مذاكرهم؛ ليقدمها مهرًا لصهره، وأن أيوب قد ارتد في أخريات حياته، وأن لوطًا قد سُقي الخمر وزنا بابنتيه، وأن يعقوب قد خدع أباه مستغلًا عماه، وأنه صارع ملاك الرب فغلبه وعلم بزنا ابنتيه فسكت وخدع خاله لابان عند الزواج من ابنتيه، وأن موسى قتل المصري عمدًا، وحث أتباعه على سرقة مال المصريين ليلة الخروج من مصر، وأن هارون صنع لهم العجل من ذهب ليعبده بنو إسرائيل من دون الله، وأن شاول قد ارتفعت عنه النبوة وقاتل داوود النبي، وأن داوود زنا بامرأة أحد جنوده وأمر بقتله ثم ضمها إلى نسائه، وأن سليمان أشرك في أخريات حياته، وأن الشيطان تسلط على أيوب من قبل الرب، وأن يونس قد غضب لأن الله عفا عن أهل قريته، كما أن أول معجزة للمسيح هي تحويل الماء إلى خمر، كما أنه شرب وتلاميذه الخمر وأنه وصى تلاميذه بشربها في العشاء الرباني، فضلًا عن رميه بالسفه وقبوله السجود له ورفضه دعوة غير الإسرائليين. [يمكن قراءة ذلك مفصلًا في بحث، عصمة الأنبياء كما يصورها الكتاب المقدس بحث منشور بحولية كلية أصول الدين - العدد العاشر ١٩٩٣م / ١٤١٣هـ]
وعن الشبهات التي أثيرت بحق الأنبياء والمرسلين وبخاصة: آدم - عليه السلام - نوح، إبراهيم، لوط، إسحاق، يعقوب، يوسف، موسى، هارون، داوود، سليمان، أيوب، يونس، عيسى - عليهم جميعًا السلام - فيمكن الرجوع إلى البحث المذكور سابقًا للوقوف على الشبهة والرد عليها [عصمة الأنبياء، ص ٢٠٧-٢٢٢].
المرتبة الثالثة: عصمة الدم، (الحفظ من قتل المشركين)، وهذا خاص بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم.
الرسل صداعون بالحق، منكرون للباطل، مقاومون للشرك، رافضون للنفاق داعون إلى الوحدانية والعدل والحرية والمساواة، حريصون على تحرير الناس من موروثات الآباء والتقاليد الباطلة، كل هذا أدى إلى مواجهتهم من قبل أهل الباطل ودعاة الضلالة وأرباب الشرك وفاقدي القيم فشكلوا تيارًا مضادًا لدعوة هؤلاء الرسل بل شكلوا فريقًا للمقاومة والإيذاء بصورتيه الحسية والمعنوية، وقد أشار القرآن إلى ذلك وهو يسلي ويسري عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ} [الأنعام: ٣٤] {وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ} [الرعد: ٣٢] {فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} [الأحقاف: ٣٥] {حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ} [يوسف: ١١٠] {أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: ٢١٤].
وقد بلغ الإيذاء بشقيه مداه فالإيذاء المعنوي اتضح في السب والشتم والرمي بالسفه والجنون واتباع الفقراء والأراذل له، فضلًا عن الوصف بالسحر والكهانة وأساطير الأولين ومس آلهتهم للداعي بالسوء ... إلخ.
وأما الإيذاء الحسي فقد تجلى في الضرب والحرص على القتل وأحيانًا إرادة القتل مع عدم التحقق، وهذا اللون من الأذى لا يضر بالدعوة ولا يؤثر على مضمونها ولا يتطرق إلى محتواها بل هو لون من الابتلاء لرفع الدرجات.
وقد رأينا الحرص على القتل مع عدم تحققه واضحًا في قصة صالح - عليه السلام - وقصة إبراهيم - عليه السلام - وعيسى - عليه السلام - ومحمد - صلى الله عليه وسلم.
وكان التهديد بالقتل واضحًا في قصة نوح: {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ} [الشعراء: ١١٦]، وغيره.
ومن الذين قتلوا أنبياء لم نعرف أسماءهم وأنبياء ذكرهم القرآن كزكريا ويحيى، وقد نص القرآن على سيئات بني إسرائيل، ومنها: {وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ} [آل عمران: ٢١].
وأما رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد بذلت جهود شتى لقتله من قبل المشركين وأهل الكتاب، ولكن وعد الله في الأزل أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لن يموت مقتولًا، وقد حدث هذا في مكة قال تعالى: {وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} [الأنفال: ٣٠] وحدث في أحد حين أوشك المشركون أن يتمكنوا منه ولكن الله جنَّد دونه من أصحابه من يذود عنه ويبطل فرية أن محمدًا قد قتل، وحين أرادت امرأة يهودية أن تقتله، قدمت له شاة مشوية وقد ملأت ذراعها بالسم، فلما قدمت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت له الشاة: «لا تَأْكُلْ مِنّي فَإني مَسْمُومَةٌ»، وكانَ معه بشَرُ بْنُ البَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الذي أَكَلَ منها فَماتَ لَحِينِهِ [الحديث مسند البيهقي ٨/٤٦] وحين جاءه أعرابي فوجده نائمًا في ظل شجرة قد علق سيفه، فأيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأغلظ إليه القول، وقال له: يا محمد ما يمنعك مني الآن؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الله، فسقط السيف من يده، فأخذه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له: وأنت يا أعرابي: ما يمنعك مني الآن؟ قال عفوك وحلمك فعفا عنه. [الحديث: مسند أحمد ٣/٣٦٥، الحاكم في المستدرك ٣/٣٩]
وفي هذا الموطن نزل قول الحق سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [المائدة: ٦٧].
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: سهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة قالت: نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال - صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نام". [البخاري ٤/٤١ مسلم ك الفضائل ب٥ رقم ٠ ٤ مسند أحمد ٦/١٤١]
وظلت الحراسة مستمرة في المدينة حتى كانت غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد كما روى ذلك جابر بن عبد الله قائلًا: فأدركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في واد كثير العضاة فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أعضائها، قال وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رَجُلًا أَتانِي وَأَنا نائِمٌ، فأخَذَ السَّيْفَ فاسْتَيْقَظْتُ وَهو قائِمٌ على رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلّا والسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقالَ لِي: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ قُلتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قالَ في الثّانِيَةِ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ قُلتُ: اللَّهُ، قالَ: فَشامَ السَّيْفَ فَها هو ذا جالِسٌ، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ له رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم» [صحيح مسلم، ك الفضائل، رقم ١٣].
وفي رواية أنه رجع إلى قومه فقال لهم جئتكم من عند خير الناس، وعندها قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن كان يحرسه وقال لأصحابه: «انصرفوا فَقَدْ عَصَمَنِي رَبِّي» [القرطبي ٤/٢٢٤٠بتصرف]
وأما الجراح والمرض وقليل الأذى في البدن فليس مما يخضع لأمر العصمة أو يجري عليه حكمها، بل ما نزل به قدوة لكل مسلم مجاهد يؤذي في نفسه أو مسلم يبتلى في ولده أو يضار في بدنه هذا، وبالله التوفيق.
عصمة الله عبده تعني أن يعصمه مما يوبقه، والعصمة بالنسبة للأنبياء لها مراتب: المرتبة الأولى: الحفظ في الأقوال المبلغة عن الله، والمرتبة الثانية: الحفظ في الأفعال التي تصدر عن النبي أو الرسول، والمرتبة الثالثة: الحفظ من قتل المشركين وهذا خاص بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم.