ومن مجموع آيات
القرآن التي تناولت مادة الوحي ندرك
الآتي:
١- الوحي إلى الأنبياء والمرسلين، لتبليغ الخلق مراد الحق، وهو
المشهور عند الإطلاق، ويطلق الوحي في هذه الحالة على القول المُوحى به وعلى عملية
التبليغ من قبل الله وعلى الإلقاء في القلب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡیࣱ یُوحَىٰ﴾ [النجم:٤]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَاۤ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡیِۚ وَلَا یَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاۤءَ إِذَا مَا یُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن یُقۡضَىٰۤ إِلَیۡكَ وَحۡیُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾
[طه:١١٤].
٢- الوحي إلى الأولياء والصالحين من غير المرسلين، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [القصص:٧]، وقال
تعالى: ﴿إِذۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّكَ مَا یُوحَىٰۤ﴾
[طه:٣٨]، وحديث
الملائكة المستفيض مع مريم في سورة آل عمران، وسورة مريم، هو من هذا القبيل وبخاصة
أنه كان قبل أن يكون المسيح - عليه السلام - موجودًا.
ويلحق بهذا حواريو المسيح الذين ألهمهم الله الإيمان به وبالمسيح عليه
السلام فآمنوا وأعلنوا إسلامهم، ومنه تعليم الله للخضر عليه السلام العلم اللدني،
وهو نور معرفة يقذفه الله في قلب من شاء من خلقه قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا﴾
الكهف:٦٥].
٣- الوحي إلى الملائكة، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِذۡ یُوحِی رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ أَنِّی مَعَكُمۡ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ سَأُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُوا۟ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُوا۟ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانࣲ﴾ [الأنفال:١٢].
٤- الوحي إلى السماء والأرض، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتࣲ فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَٰبِیحَ وَحِفۡظࣰاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [فُصِّلَت:١٢].
وعن الأرض ورد قول الحق سبحانه: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا * وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا * وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا * یَوۡمَئِذࣲ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا * یَوۡمَئِذࣲ یَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتࣰا لِّیُرَوۡا۟ أَعۡمَٰلَهُمۡ * فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُۥ * وَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲ شَرࣰّا یَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ١-٨].
٥- الوحي إلى بعض الحشرات، وذلك في قول الحق سبحانه:
﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِی مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُیُوتࣰا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا یَعۡرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨]، ويمكن القول: إن الله ألهم الطير المرسلة على أصحاب الفيل بما هو
منوط بها وما أرسلت من أجله: قال تعالى:
﴿وَأَرۡسَلَ عَلَیۡهِمۡ طَیۡرًا أَبَابِیلَ * تَرۡمِیهِم بِحِجَارَةࣲ مِّن سِجِّیلࣲ * فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفࣲ مَّأۡكُولِۭ﴾ [الفِيل٣-٥].
صور أخرى من الوحي:
إذا كانت النصوص السابقة تعبر عن الدلالة اللغوية والشرعية للوحي الإلهي،
فإن الوحي بالمعنى اللغوي قد ورد في بعض آيات القرآن الكريم، مستندًا إلى الشياطين.
١- وحي شياطين الإنس والجن إلى بعضهم برفض النبوة والرسالة وعدم قبولها
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢].
٢- وحي الشيطان إلى الإنسان الفاسد، أو الفاسق بتحريم الحلال، أو
تحليل الحرام ومساندته حال الجدل بالباطل، وذلك واضح في قول الحق سبحانه:
﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقࣱۗ وَإِنَّ ٱلشَّیَٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئِهِمۡ لِیُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
٣- ادعاء الوحي وذلك إخبار غيبي وقع في زمن النبوة ولا يزال قائمًا
حتى الآن، بدءًا من مسيلمة الكذاب وتباعًا بسجاح، والأسود العنسي، وخالد
بن نهيرة، وتبعهم في زعمهم هذا: أحمد القادياني، ومحمد علي الشيرازي
اللذين شكَّلا القاديانية والبهائية بزعمهم الوحي إليهم، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِءَایَٰتِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] الوحي التشريعي مقصور على الرجال إذا كان الوحي بمعانيه المختلفة قد
ورد في القرآن بحق طوائف شتى من الخلق، فإن وحي النبوة والرسالة قد اقتصر على
الرجال دون النساء، ونصوص القرآن واضحة الدلالة في هذا، قال تعالى بحق المرسلين
السابقين على محمد ﷺ: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰۤۗ أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡءَاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف:١٠٩]، وقال
تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡءَلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]،
وقال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡءَلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وعلى هذا انعقد إجماع المسلمين على قصر النبوة والرسالة على الرجال
دون النساء، ولهم في ذلك وجوه من الحكمة قد ذكرت منفصلة في غير هذا البحث [دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٧ -٢٩].
وعندما ادعت سجاح النبوة، عجب من أمرها
أحد أتباعها وقال قولته المشهورة:
صارت نبيتنا
أنثى نطوف بها *** وأصبح أنبياء الله ذُكـرانا
ولم يخالف في وحي النبوة من المسلمين إلا بعض علماء الأندلس المسلمين،
وقد انتصر ابن حزم لهذا وعقد له فصلًا وبذل كل جهد لإقامة الدليل على ما
ذهب إليه [الفصل ج٥-١٢-١٤]، وردُّ ما ذهب إليه ميسور ومستطاع فضلًا عن مخالفته جمهور المسلمين، إلا أن
حرصه على التفرقة بين النبوة والرسالة، وقوله بنبوة النساء دون إرسالهن، غير مقبول.
وقد أغفل بعض النصوص التي تبطل نبوة هؤلاء، كما اعتمد على الانتقاء في
حديث: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع فأخذ من النساء مريم،
وآسية، وترك من الحديث فاطمة بنت محمد،
وخديجة بنت خويلد ولم يقل أحد بنبوتهن (راجع تفصيل ذلك في دعوة
الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم، ص٢٦-٢٩).
صور الوحي الإلهي
إلى الرسل
قام العلامة الزرقاني في مناهل
العرفان بجمع صور الوحي بعد تعريفه له قائلًا: أما الوحي فمعناه في لسان الشرع:
أن يُعْلِمَ الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية
والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية، غير معتادة للبشر ويكون على أنواع شتى: منه ما
يكون مكالمة بين العبد وربه، كما كلم الله موسى تكليمًا، ومنه ما يكون إلهامًا
يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعًا ولا يجد
فيه شكًا، ومنه ما يكون منامًا صادقًا يجيئ في تحقيقه ووقوعه كما يجيء فلق
الصبح في تبلجه، ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل - عليه السلام: وهو
ملك كريم وفيه قيل قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولࣲ كَرِیمࣲ * ذِی قُوَّةٍ عِندَ ذِی ٱلۡعَرۡشِ مَكِینࣲ﴾
[التكوير:٢٠].
وهذا النوع هو أشهر
الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجليّ، قال الله في سورة الشعراء: قال
تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتى، فتارة يظهر للرسول في
صورته الحقيقية الملكية، وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون
إليه دون أن يعرفوه، وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يُرى؛ ولكن يظهر أثر التغير
والانفعال على صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية، أو إغماء،
وما هي في شيء من الغشية والإغماء، إن هي إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني،
وانخلاع عن حالته البشرية العادية، فيؤثر ذلك على الجسم فيغط، ويثقل ثقلًا شديدًا،
قد يتصبب منه الجبين عرقًا في اليوم الشديد البرد.
وقد يكون وقع الوحي على الرسول ﷺ كوقع الجرس إذا
صلصل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتًا عند وجه الرسول
كأنه دوي النحل، لكنهم لا يدركون منه شيئًا.
أما هو- صلوات الله وسلامه عليه - فإنه يسمع ما يُوحى إليه، ويعلم علمًا
ضروريًا أن هذا هو وحي الله دون لبس لا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب، فإذا انجلى
عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرًا في ذاكرته، منتقشًا في حافظته، كأنما كتُب في
قلبه كتابة، والأدلة الشرعية على ما ذكرناه كثيرة [مناهل العرفان: ١/ ٦٣، ٦٤].
وهذا الذي ذهب إليه الزرقاني مستمد من الآية الكريمة التي في أواخر
سورة الشورى في قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ﴾ [الشورى:٥١].
وفي صحيح الإمام البخاري وغيره من كتب السنة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله
ﷺ «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ – وَهُوَ أَشَدُّهُ
عَلَيَّ – فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا
يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِيَ مَا يَقُولُ، قَالَتْ
عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ
الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيُفْصَمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»
[الحديث أخرجه
مسلم، ج٦ /١٥٨، والبخاري ١/ ٢، ٣].
يقول
ابن خلدون: وهو يقرر ويفسر حقيقة الوحي: "اعلم أن الله
سبحانه اصطفى من البشر أشخاصًا فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه
وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم... وكان فيما يلقيه إليهم من
المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي
لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بواسطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياها،
قال ﷺ «أَلَا وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِيَ
اللَّهُ» [البخاري ك بدء الوحي ١/ ٣] وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين
معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منها في شيء، وإنما هي في
الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإمكانهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر
بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيفهمه، أو يتمثل
له صورة شخص يخاطبه بما جاء من عند الله، ثم يتخلى عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقى
إليه، قال ﷺ وقد سئل عن الوحي، فقال: «أَحْيَانًا
يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ
عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ
رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِيَ مِمَّا يَقُولُ»، ويدركه أثناء ذلك من الشدة
والغط ما لا يعبر عنه ففي الحديث كان بما يعالج من التنزيل شدة، وقالت عائشة
- رضي الله عنها: «كَانَ ينْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ
البَرْدِ، فَيُفْصَمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» قال
تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِی عَلَیۡكَ قَوۡلࣰا ثَقِیلًا﴾ [المزَّمل: ٥]، ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون
يقولون: "له رُئي أو تابع من الجن"، وإنما لبَّس عليهم بما شاهدوه من
ظاهر تلك الأحوال [مقدمة ابن خلدون: ١/ ٤٠٥، ٤٠٦]، وعن كيفية التلقي من الملك ورد قول ابن
خلدون: "وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة، جسمانيتها وروحانيتها
إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكًا بالفعل، يحصل له
شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة،
وهؤلاء هم الأنبياء - عليهم السلام - جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك
اللمحة، وهي حالة الوحي، فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها، ونزههم عن موانع
البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية من فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بهذا
النوع من الانسلاخ متى شاء وبتلك القدرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة،
فلذلك توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه، ثم يكون الرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما ألقي عليه كله، كأنه في لحظة واحدة،
بل قرب من لمح البصر؛ لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعًا، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك
سُمّيت وحيًا؛ لأن الوحي في اللغة الإسراع" [مقدمة ابن
خلدون: ١ / ٤١٥- ٤١٦ بتصرف يسير].