Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوحي

الكاتب

أ.د/ بكر زكى عوض

الوحي

الوحي أصلٌ عظيم من أصول الدين، به تميزت النبوة، وبه اهتدى الخلق إلى مراد الحق، وقد تنوّعت دلالاته في القرآن الكريم بين الإلهام، والإشارة، والتسخير، والتبليغ، فكان جامعًا لمعاني الهداية، ومعرفة حقيقته وصوره سبيل لبناء الإنسان على بصيرة، وصيانة العقيدة من الانحراف.

مفهوم الوحي وسبب تسميته بذلك

أطلق العرب كلمة (وحي) على تصرفات شتى منها: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك.

ويطلق الوحي على المكتوب وعلى الكتاب أيضًا، وفي مقدمة مسلم بسنده حدثني الحارث الأعور، وعن إبراهيم قال: قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث: القرآن هين، الوحي أشد منه [مقدمة صحيح مسلم، ص١٩] أراد بالقرآن القراءة وبالوحي الكتابة والخط.

وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها، فمعنى هذا أمرها، وأوحى، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوۡحَىٰۤ إِلَیۡهِمۡ أَن سَبِّحُوا۟ بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا﴾ [مريم: ١١].

والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه، وسمي الوحي إلى الأنبياء وحيًا؛ لأن الملك أسره على الخلق وخص به النبي ﷺ المبعوث إليه وكل إسرار يسمى وحيًا، وقال تعالى: ﴿یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ﴾ [الأنعام:١١٢].

أي يُسِرُّ بعضهم على بعض، ويكون الوحي للأمر والإشارة والإلهام والإلقاء في القلب [لسان العرب مادة: وحي ج٦ / ص٤٧٨٧، ٤٧٨٨ مختصر].

وفي المفردات في غريب القرآن ورد أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰۤ إِلَیۡهِمۡ أَن سَبِّحُوا۟ بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا﴾ [مريم:١١].

فقد قيل رَمَزَ، وقيل، أشار وقيل كتب، وعلى هذه الوجوه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ﴾ [الأنعام:١١٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقࣱۗ وَإِنَّ ٱلشَّیَٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئِهِمۡ لِیُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].

ويقال للكلمة الإلهية التي تُلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أَضْرُبُ، حسبما دل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ﴾ [الشورى:٥١]، وذلك إما برسول يشاهد ترى ذاته، ويسمع كلامه كتبليغ جبريل - عليه السلام - للنبي في صورة معينة، وإما بسماع من غير معاينة كسمع موسى كلام الله، وإما بإلقاء في الرُّوع كما ذكر عليه السلام: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي» وإما بإلهام نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [القصص:٧].

وإما بتسخير نحو قوله: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وإما برؤية مناسبة كما قال - عليه الصلاة والسلام - انقطع الوحي وبقيت المبشرات وعندما سئل عليه السلام: عن المبشرات قال: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَىٰ لَهُ» [الحديث: سند الشهاب، ص١١٥١، التمهيد، لابن عبد البر ١/ ٢٤٨]، وسمع الكلام معاينة دل عليه قوله:  ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وتبليغ جبريل في صورة معينة دل عليه قوله: ﴿أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ﴾ [الشورى:٥١]، وما أرسل الله رسولًا إلا وأوحى إليه، قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِیۤ إِلَیۡهِ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وأما الوحي إلى الحواريين فهو بواسطة عيسى - عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَیۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِیِّۦنَ أَنۡ ءَامِنُوا۟ بِی وَبِرَسُولِی قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وأما الوحي إلى الملائكة فبواسطة اللوح والقلم كما قيل: ﴿وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ﴾ [فصلت: ١٢]، فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط فالمُوحى إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة لأن أهل السماء هم الملائكة.. وإن كان الموحى إليه هي السماوات فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حي، ونطق عند من جعله حيًّا [المفردات في غريب القرآن بتصرف مادة (وحي)، ص٥٣٨، ٥٣٩].

معاني الوحي في القرآن الكريم

ومن مجموع آيات القرآن التي تناولت مادة الوحي ندرك الآتي:

١- الوحي إلى الأنبياء والمرسلين، لتبليغ الخلق مراد الحق، وهو المشهور عند الإطلاق، ويطلق الوحي في هذه الحالة على القول المُوحى به وعلى عملية التبليغ من قبل الله وعلى الإلقاء في القلب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡیࣱ یُوحَىٰ﴾ [النجم:٤]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَاۤ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡیِۚ وَلَا یَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاۤءَ إِذَا مَا یُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن یُقۡضَىٰۤ إِلَیۡكَ وَحۡیُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾  [طه:١١٤].

٢- الوحي إلى الأولياء والصالحين من غير المرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [القصص:٧]، وقال تعالى: ﴿إِذۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّكَ مَا یُوحَىٰۤ﴾ [طه:٣٨]، وحديث الملائكة المستفيض مع مريم في سورة آل عمران، وسورة مريم، هو من هذا القبيل وبخاصة أنه كان قبل أن يكون المسيح - عليه السلام - موجودًا.

ويلحق بهذا حواريو المسيح الذين ألهمهم الله الإيمان به وبالمسيح عليه السلام فآمنوا وأعلنوا إسلامهم، ومنه تعليم الله للخضر عليه السلام العلم اللدني، وهو نور معرفة يقذفه الله في قلب من شاء من خلقه قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا﴾  الكهف:٦٥].

٣- الوحي إلى الملائكة، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِذۡ یُوحِی رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ أَنِّی مَعَكُمۡ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ سَأُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُوا۟ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُوا۟ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانࣲ﴾ [الأنفال:١٢].

٤- الوحي إلى السماء والأرض، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتࣲ فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَٰبِیحَ وَحِفۡظࣰاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [فُصِّلَت:١٢].

وعن الأرض ورد قول الحق سبحانه: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا * وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا * وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا * یَوۡمَئِذࣲ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا * یَوۡمَئِذࣲ یَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتࣰا لِّیُرَوۡا۟ أَعۡمَٰلَهُمۡ * فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُۥ * وَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲ شَرࣰّا یَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ١-٨].

٥- الوحي إلى بعض الحشرات، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِی مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُیُوتࣰا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا یَعۡرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨]، ويمكن القول: إن الله ألهم الطير المرسلة على أصحاب الفيل بما هو منوط بها وما أرسلت من أجله: قال تعالى: ﴿وَأَرۡسَلَ عَلَیۡهِمۡ طَیۡرًا أَبَابِیلَ * تَرۡمِیهِم بِحِجَارَةࣲ مِّن سِجِّیلࣲ * فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفࣲ مَّأۡكُولِۭ﴾ [الفِيل٣-٥].

صور أخرى من الوحي:

إذا كانت النصوص السابقة تعبر عن الدلالة اللغوية والشرعية للوحي الإلهي، فإن الوحي بالمعنى اللغوي قد ورد في بعض آيات القرآن الكريم، مستندًا إلى الشياطين.

١- وحي شياطين الإنس والجن إلى بعضهم برفض النبوة والرسالة وعدم قبولها قال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢].

٢- وحي الشيطان إلى الإنسان الفاسد، أو الفاسق بتحريم الحلال، أو تحليل الحرام ومساندته حال الجدل بالباطل، وذلك واضح في قول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقࣱۗ وَإِنَّ ٱلشَّیَٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئِهِمۡ لِیُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].

٣- ادعاء الوحي وذلك إخبار غيبي وقع في زمن النبوة ولا يزال قائمًا حتى الآن، بدءًا من مسيلمة الكذاب وتباعًا بسجاح، والأسود العنسي، وخالد بن نهيرة، وتبعهم في زعمهم هذا: أحمد القادياني، ومحمد علي الشيرازي اللذين شكَّلا القاديانية والبهائية بزعمهم الوحي إليهم، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِءَایَٰتِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] الوحي التشريعي مقصور على الرجال إذا كان الوحي بمعانيه المختلفة قد ورد في القرآن بحق طوائف شتى من الخلق، فإن وحي النبوة والرسالة قد اقتصر على الرجال دون النساء، ونصوص القرآن واضحة الدلالة في هذا، قال تعالى بحق المرسلين السابقين على محمد ﷺ: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰۤۗ أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡءَاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡءَلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡءَلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وعلى هذا انعقد إجماع المسلمين على قصر النبوة والرسالة على الرجال دون النساء، ولهم في ذلك وجوه من الحكمة قد ذكرت منفصلة في غير هذا البحث [دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم ٢٧ -٢٩].

وعندما ادعت سجاح النبوة، عجب من أمرها أحد أتباعها وقال قولته المشهورة:

صارت نبيتنا أنثى نطوف بها *** وأصبح أنبياء الله ذُكـرانا

ولم يخالف في وحي النبوة من المسلمين إلا بعض علماء الأندلس المسلمين، وقد انتصر ابن حزم لهذا وعقد له فصلًا وبذل كل جهد لإقامة الدليل على ما ذهب إليه [الفصل ج٥-١٢-١٤]، وردُّ ما ذهب إليه ميسور ومستطاع فضلًا عن مخالفته جمهور المسلمين، إلا أن حرصه على التفرقة بين النبوة والرسالة، وقوله بنبوة النساء دون إرسالهن، غير مقبول.

وقد أغفل بعض النصوص التي تبطل نبوة هؤلاء، كما اعتمد على الانتقاء في حديث: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع فأخذ من النساء مريم، وآسية، وترك من الحديث فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد ولم يقل أحد بنبوتهن (راجع تفصيل ذلك في دعوة الرسل بين الكتاب المقدس والقرآن الكريم، ص٢٦-٢٩).

صور الوحي الإلهي إلى الرسل

قام العلامة الزرقاني في مناهل العرفان بجمع صور الوحي بعد تعريفه له قائلًا: أما الوحي فمعناه في لسان الشرع: أن يُعْلِمَ الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية، غير معتادة للبشر ويكون على أنواع شتى: منه ما يكون مكالمة بين العبد وربه، كما كلم الله موسى تكليمًا، ومنه ما يكون إلهامًا يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعًا ولا يجد فيه شكًا، ومنه ما يكون منامًا صادقًا يجيئ في تحقيقه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلجه، ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل - عليه السلام: وهو ملك كريم وفيه قيل قال تعالى:  ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولࣲ كَرِیمࣲ * ذِی قُوَّةٍ عِندَ ذِی ٱلۡعَرۡشِ مَكِینࣲ﴾  [التكوير:٢٠].

وهذا النوع هو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجليّ، قال الله في سورة الشعراء: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، ثم إن ملك الوحي يهبط هو الآخر على أساليب شتى، فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية، وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه دون أن يعرفوه، وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يُرى؛ ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة فيغط غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية، أو إغماء، وما هي في شيء من الغشية والإغماء، إن هي إلا استغراق في لقاء الملك الروحاني، وانخلاع عن حالته البشرية العادية، فيؤثر ذلك على الجسم فيغط، ويثقل ثقلًا شديدًا، قد يتصبب منه الجبين عرقًا في اليوم الشديد البرد.

وقد يكون وقع الوحي على الرسول ﷺ كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتًا عند وجه الرسول كأنه دوي النحل، لكنهم لا يدركون منه شيئًا.

أما هو- صلوات الله وسلامه عليه - فإنه يسمع ما يُوحى إليه، ويعلم علمًا ضروريًا أن هذا هو وحي الله دون لبس لا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب، فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرًا في ذاكرته، منتقشًا في حافظته، كأنما كتُب في قلبه كتابة، والأدلة الشرعية على ما ذكرناه كثيرة [مناهل العرفان: ١/ ٦٣، ٦٤].

 وهذا الذي ذهب إليه الزرقاني مستمد من الآية الكريمة التي في أواخر سورة الشورى في قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ مِن وَرَاۤئِ حِجَابٍ أَوۡ یُرۡسِلَ رَسُولࣰا فَیُوحِیَ بِإِذۡنِهِۦ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ عَلِیٌّ حَكِیمࣱ﴾ [الشورى:٥١].

وفي صحيح الإمام البخاري وغيره من كتب السنة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ – وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ – فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِيَ مَا يَقُولُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيُفْصَمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» [الحديث أخرجه مسلم، ج٦ /١٥٨، والبخاري ١/ ٢، ٣].

 يقول ابن خلدون: وهو يقرر ويفسر حقيقة الوحي: "اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصًا فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم... وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بواسطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياها، قال ﷺ «أَلَا وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِيَ اللَّهُ» [البخاري ك بدء الوحي ١/ ٣] وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منها في شيء، وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإمكانهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء من عند الله، ثم يتخلى عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقى إليه، قال ﷺ وقد سئل عن الوحي، فقال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِيَ مِمَّا يَقُولُ»، ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه ففي الحديث كان بما يعالج من التنزيل شدة، وقالت عائشة - رضي الله عنها: «كَانَ ينْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيُفْصَمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِی عَلَیۡكَ قَوۡلࣰا ثَقِیلًا﴾ [المزَّمل: ٥]، ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون يقولون: "له رُئي أو تابع من الجن"، وإنما لبَّس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال [مقدمة ابن خلدون: ١/ ٤٠٥، ٤٠٦]، وعن كيفية التلقي من الملك ورد قول ابن خلدون: "وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة، جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكًا بالفعل، يحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة، وهؤلاء هم الأنبياء - عليهم السلام - جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة، وهي حالة الوحي، فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها، ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية من فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بهذا النوع من الانسلاخ متى شاء وبتلك القدرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة، فلذلك توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه، ثم يكون الرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما ألقي عليه كله، كأنه في لحظة واحدة، بل قرب من لمح البصر؛ لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعًا، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سُمّيت وحيًا؛ لأن الوحي في اللغة الإسراع" [مقدمة ابن خلدون: ١ / ٤١٥- ٤١٦ بتصرف يسير].

الفرق بين وحي النبوة ووحي الرسالة

الفرق بين وحي النبوة ووحي الرسالة عند ابن خلدون:

اعلم أن حالة الدوي هي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه.

والثانية: وهي حالة تمثل الملك رجلًا يخاطب، هي رتبة الأنبياء المرسلين، ولذلك كانت أكمل من الأولى [المرجع السابق، ص٤١٦]، وهذا مبني على القول بالتفرقة بين النبي والرسول.

الوحي كيفيته وصوره في حياة الرسول ﷺ:

مراتب الوحي الثمانية:

إحداها: الرؤيا الصادقة وكانت مبدأ وحيه -عليه السلام -، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ولم يُبْنَ حكم شرعي على شيء من الرؤيا المنامية في الإسلام.

الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ كُلَّ رِزْقِهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا عِندَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ». [الحديث مسند الشهاب، ص١١٥١، التوحيد ١/ ٢٨٤].

الثالثة: أنه ﷺ كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.

الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وكان أشده عليه فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت تَرُضَّها [أخرجه البخاري (٤٥٩٢)]

الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيُوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.

السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.

السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا هو في حديث الإسراء.

وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف. [الرحيق المختوم، ص ٦٥،٦٤].

مظاهر الوحي وآثاره في كلام الرسول ﷺ

الرسول ﷺ تكلم بأساليب أربعة:

الأسلوب الأول: أوحي إليه به يقظة وحيًا جليًا، وتلقاه، ووعاه، وأعاد قراءته على وجه السرعة، وأُمِر ألا يتعجل القراءة؛ لأن الضامن له حفظًا وجمعًا وبيانًا هو الله، قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦۤ ﴾ [القيامة:١٦]، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن یُقۡضَىٰۤ إِلَیۡكَ وَحۡیُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه:١١٤].

وهذا الذي أوحي إليه به يقظة وتم التحدي به والتعبد بتلاوته هو القرآن، وهو المعجزة الدائمة الباقية إلى قيام الساعة بحق الرسول محمد ﷺ، وما بقيت آيات التحدي تُقرأ فإن التحدي لا يزال قائمًا.

الأسلوب الثاني: ما أوحي به إلى الرسول ﷺ يقظةً أو منامًا، وما أُلقي في قلبه متيقنًا أنه كلام من ربه، فنطق به - عليه السلام - على سبيل الإخبار عن ربه، في غيرِ تحدٍ ولا تكليفٍ شرعي، بل أخلاق وقيم وآداب يجب التحلي بها أو مواعظ يترقق القلب بها، وكثيرًا ما ترد مفتتحة بقول الرسول - عليه السلام – "أوحي إلي"، "إن روح القدس"، "يا عبادي.." وليست هذه الأحاديث مما يُتعبد به في الصلاة ولا يُتحدى بمثله في الكلام ولا تُحرم روايته بالمعنى...

الأسلوب الثالث: ما كان وحيًا في معناه، ولفظًا نبويًا في مبناه وهو ما يعرف بالحديث النبوي الشريف، ذكره عليه السلام للبيان، أو التخصيص، أو الإضافة، أو الإجابة على سؤال سائل - ومرادنا بهذا القسم: السنة القولية، وأما السنة الفعلية، والخصائص، والشمائل فليست مما أوحي به، بل هو مما فُطر عليه والتزم به باعتباره القدوة والأسوة الحسنة.

الأسلوب الرابع: ما تكلم به - عليه السلام - بحكم بشريته مما يتعلق بالطعام، والشراب، والنوم، واليقظة، والأمور العادية والحياة الزوجية في غير ما يتعلق به تشريع ولا تبنى عليه أحكام شرعية.

وقد أدرك الصحابة الفرق بين النص المُتعبد به، وبين النص الذي يليه في المنزلة والالتزام وبين النص الصادر من رسول الله والمنسوب إليه، وبين الكلام الدنيوي الذي لا تبنى عليه أحكام ولا يتعلق به حلال ولا حرام وجمهور المسلمين على أن السنة وحي إلهي، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّۦنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ [الجمعة: ٢]، فالكتاب هو القرآن الكريم، والحكمة هي السنة النبوية المطهرة.

وفي الحديث: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلُقَطَةُ الْمُعَاهِدِ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ، فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» [مسند أحمد رقم ١٧١٧٤، وأبو داود في السنن ٤٦٠٤، والبيهقي في السنن ٩/ ٣٣٢، وانظر الدراسة المتصلة حول هذا الحديث في الموسوعة الحديثية - مسند الإمام أحمد ج ٢٨، ٤١-٤١٣].

وفي التعليق على هذا الحديث قيل: وهو حديث نبوي جامع يفيدنا ما يلي:

١- أن السنة وحي أوتيه النبي ﷺ مع القرآن.

٢- التشنيع على من يقتصر على القرآن ويرفض السنة.

٣- أن هناك أمورًا تنفرد السنة ببيان أحكامها ومن ذلك:

أ- تحريم لحم الحمار الأهلي، وكل ذي ناب من السباع.

ب - تحريم لقطة المعاهد، فيجب الاحتفاظ بها لصاحبها.

ج - وجوب إكرام الضيف، وإباحة مطالبته من نزل عندهم بحقه في الكرم وكل هذه أمور لم ترد في القرآن الكريم نصًّا، بل جاءت إحالة بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، ومن هنا كانت واجبة الاتباع كالقرآن، لأنها وحي مثله [شذرات من علوم السنة ٢، ٢٤].

وقد ذهب جمهور المسلمين إلى أن كل صور الوحي إلى الرسول ﷺ عدا الوحي الجلي في اليقظة هي من السنة أو الحديث القدسي [البخاري ك بدء الوحي ١/ ٣].

الإيمان بالوحي الإلهي من فروض العين:

النبوة والرسالة لا تثبت إلا بوحي إلهي، والنبوة والرسالة يثبت أمرهما بالدلائل المصدقة لهما الدالة على ثبوتهما، وآثار الوحي إلى المرسلين منها ما توفر العلم به، ومنها ما لم يتوفر العلم به.

وما لم يتوفر العلم به تفصيلًا وهو علم أمره إجمالًا، فقد أشار إليه القرآن، كما في حديث القرآن عن صحف إبراهيم، وصحف موسى والإشارة إلى قليل مما ورد فيها، كما ذكر القرآن أن يوسف - عليه السلام - قد جاء بالبينات، وإشارات القرآن إلى قليل من معالم دعوة يوسف واضحة في السورة المسماة باسمه، وأما هذه البينات جملةً وتفصيلًا فلم تجمع في كتاب واحد، سمى باسمه.

وأما ما علم أمره تفصيلًا مسمَّاه، فما نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِیهَا هُدࣰى وَنُورࣱۚ یَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِیُّونَ ٱلَّذِینَ أَسۡلَمُوا۟ لِلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِیُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَیۡهِ شُهَدَاۤءَۚ فَلَا تَخۡشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُوا۟ بِءَایَٰتِی ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال بحق داود - عليه السلام -: ﴿وَءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورࣰا﴾ [النساء:١٦٣]، وقال بحق المسيح - عليه السلام -: ﴿وَقَفَّیۡنَا عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِم بِعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَیۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِیلَ فِیهِ هُدࣰى وَنُورࣱ وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣰ لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة:٤٦]،  وقال بحق سيدنا محمد ﷺ: ﴿وَأُوحِیَ إِلَیَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ﴾ [الأنعام:١٩]، والمسلم مطالب بالإيمان بأسماء الكتب الثلاثة الأول، غير مطالب بمضمونها، وبخاصة أن نصوص القرآن واضحة الدلالة في النص على وقوع التصرف في المضمون، نتيجة جهل المتلقين، وخيانة الناقلين قال تعالى: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّیُّونَ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّاۤ أَمَانِیَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ ۝٧٨ فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].

وكل ما بقي من هذا السابق تنزل على المرسلين قبل سيدنا محمد ﷺ إن كان موافقًا للقرآن فهو بقية من حق أغنانا عنها القرآن، وإن كان مخالفًا للقرآن، فما كان لنا أن ندع القرآن إلى غيره من الكتب.

ولم يبق من كلمة لله محفوظة بحفظ منزلها إلا القرآن الكريم، الذي تعهد الله بحفظه بعهود تتعلق به تبلغ حدًا في الكثرة وبصيغ لم ترد بحق غيره.

ومن هذه العهود (الجمع - التمكين من قراءته - بيانه للناس - حفظه - عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله - عجز الآلهة المزعومة عن إنزال مثله - الدعوة إلى التدبر كسبيل للدلالة على ألوهية مصدره). وآيات القرآن في هذا تبلغ حدًا في الكثرة.

وأما صيغ العهد بحفظه، فقد وردت بضمائر العظمة، وذلك في قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحِجر:٩] فإسمية الجملة، ونا الجمع، والتوكيد بنحن، وتكرار ضمير المعظم نفسه، والجمع في قوله (لحافظون)، مع التوكيد باللام، كل هذا يبين مدى رعاية الله وعنايته بحفظ هذا القرآن الكريم.

مراجع الاستزادة

  • أبو هاجر محمد السعيد زغلول آل بسيوني: موسوعة أطراف الحديث النبوي ط دار الفكر بيروت - لبنان ط ١، ١٤١٠هـ/ ١٩٨٩م.
  • أحمد بن حنبل (الإمام): مسند أحمد بن حنبل، الموسوعة الحديثة - مؤسسة الرسالة ط ١٤٢١هـ/٢٠٠١م.
  • ابن العربي: أبو بكر محمد بن عبد الله أحكام القران، ط دار الفكر العربي ج١٣٩٢،٣هـ/١٩٧٢م. 
  • أحكام القرآن - ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ١٤١٦ هـ /١٩٩٦م..
  • ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ط مكتبة الأسرة سنة ٢٠٠٦م، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر.
  • ابن كثير: أبو الفداء عماد الدين بن كثير تفسير القرآن العظيم، ط مكتبة الإيمان- المنصورة، ط١.
  • ابن منظور: لسان العرب ط دار المعارف.

الخلاصة

الوحي لغةً يشمل الإشارة والكتابة والإلهام والكلام الخفي، ويُطلق شرعًا على ما يُنزل من الله إلى أنبيائه بطرق متعددة، وورد في القرآن على معانٍ كثيرة: وحي إلى الأنبياء، وحي إلى غيرهم كأم موسى والنحل، وحي إلى الملائكة، وحي إلى السماء والأرض، وحتى وحي من الشياطين، أما الوحي التشريعي الخاص بالنبوة والرسالة، فهو مقصور على الرجال بإجماع الأمة.

موضوعات ذات صلة

من الأمور الغيبية التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية

أن جميع الأنبياء دعوا إلى الإسلام بمعنى الاستسلام لله وتوحيده.

من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية.

موضوعات مختارة