Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإسراف والتبذير نقض لحكمة الصيام

الكاتب

هيئة التحرير

الإسراف والتبذير نقض لحكمة الصيام

رمضان ميقات تهذيبِ النفسِ لا مباهاة الموائد، فاحذر فخَّ الإسراف الذي ينسفُ روح العبادةِ ويُبدد الأجر، إنَّ الوقوف عند حدودِ الوحيين وأقوال الفقهاءِ يكشف زيفَ التفاخرِ، وخطرَ التبذيرِ الذي يحيل الطاعةَ إلى معصيةٍ مُغلفةٍ بالشهوات.

ماهية الإسراف والتبذير

الإسرافُ لُغةً: الإسرافُ: مجاوَزةُ القَصدِ، مَصدَرٌ مِن: أسرَفَ إسرافًا، والسَّرَفُ اسمٌ منه. [لسان العرب: ٩/١٤٨].

معنى الإسرافِ اصطِلاحًا: قال الرَّاغِب: (السَّرَف: تجاوُز الحَد في كُل فِعل يفعَلُه الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاقِ أشهَرَ). [الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن: ص٤٠٧].

وقال الجُرْجانيُّ: (الإسرافُ: هو إنفاقُ المالِ الكثيرِ في الغَرَضِ الخسيسِ، وقيل: تجاوُز الحَد في النَّفَقةِ). [التعريفات للجرجاني: ص٢٤].

التَّبذيرُ لُغةً: التَّبذير: التَّفريق، مَصدَر بَذَّر تبذيرًا، وأصلُه: إلقاء البَذرِ وطَرحه؛ فاستُعيرَ لكُل مُضَيِّع لمالِه. [مقاييس اللغة لابن فارس: ١/٢١٦، وابن منظور، لسان العرب، ٩/١٤٨].

معنى التَّبذيرِ اصطِلاحًا: قال الشَّافِعي: التَّبذير: إنفاق المالِ في غَيرِ حَقِّه. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٠/٢٤٧].

وقيل: التَّبذير صَرف الشَّيءِ فيما لا ينبغي. [التعريفات للجرجاني: ص٢٤]

فنجد هنا أن العلماء يوضحون الفرق بين الإسراف (صرف الشيء زيادة عما ينبغي)، والتبذير (صرف الشيء في غير حقه).

الإسراف والتبذير مجاوزة للحد، ومؤاخاة للشياطين

وقد أورد القرآن الكريم الكثير من الآيات المحذرة من الإسراف والتبذير، يقول الله تعالى ﴿وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ﴾ [النساء: ٦]، قال الإمام ابنُ كثير (رحمه الله) في تفسيره: "ينهى تعالى عن أكلِ أموالِ اليتامى من غيرِ حاجةٍ ضَروريَّةٍ إسرافًا". [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٢/٢١٦]، وقال الإمام الماوَرْديُّ (رحمه الله) يعني: لا تأخُذوها إسرافًا على غيرِ ما أباح اللهُ لكم. [الماوردي، النكت والعيون، ١/٤٥٣].

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال الإمام الطَّبَريُّ (رحمه الله): "السرفُ الذي نهى اللهُ عنه في هذه الآيةِ: مجاوزة القدرِ في العَطيةِ إلى ما يُجحف برب المالِ". [الطبري، جامع البيان، ٩/٦١٤]، وقال الإمام السُّدِّيُّ (رحمه الله): وَلَا تُسْرِفُوا، أي: لا تُعطوا أموالَكم فتَقعُدوا فُقَراءَ". [معالم التنزيل للبغوي: ٢/١٦٤].

ويقول جل شأنه: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال الإمام الماوَرْديُّ (رحمه الله) {وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ}، فيه ثلاث تأويلاتٍ:

  • أحَدُها: لا تُسرِفوا في التَّحريمِ، قاله السُّدِّيُّ.
  • والثَّاني: معناه: لا تأكُلوا حرامًا؛ فإنَّه إسرافٌ، قاله ابنُ زَيدٍ.
  • والثالث: لا تُسرِفوا في أكلِ ما زاد على الشِّبَعِ؛ فإنَّه مُضِرٌّ. [النكت والعيون للماوردي: ٢/٢١٨].

وجاء في ذم التبذير قوله سبحانه ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورࣰا﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]، قال الإمام القُرطبيُّ: (رحمه الله): وهو حَرامٌ؛ أي: التَّبذيرُ؛ لقَولِه تعالى {إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّیَٰطِینِۖ}، وقَولُه: {إِخْوَانَ} يعني أنَّهم في حُكمِهم؛ إذ المبَذِّرُ ساعٍ في إفسادٍ كالشَّياطينِ. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١٠/٢٤٨].

وقال الإمام ابنُ كثيرٍ (رحمه الله) في قولِه تعالى: {كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِين}؛ أي: "في التَّبذيرِ والسَّفَهِ، وتَركِ طاعةِ اللهِ وارتكابِ مَعصيتِه". [تفسير القرآن العظيم: ٥/٦٩].

ثم بين الله سبحانه وتعالى أن الإنفاق يكون بحكمة ووسطًا، فلا يقتر على أولاده ويبخل عليهم، ولا يسرف في الإنفاق، فيقول جل شأنه ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامࣰا﴾ [الفرقان: ٦٧]، قال الإمام ابنُ كثيرٍ (رحمه الله)؛ أي: ليسوا بمُبَذِّرين في إنفاقِهم، فيَصرِفون فوقَ الحاجةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهم، فيُقَصِّرون في حَقِّهم فلا يَكفونَهم، بل عدلًا خِيارًا، وخيرُ الأمورِ أوسَطُها، لا هذا ولا هذا. [تفسير القران العظيم: ٦/١٢٤].

نقض حكمة الصوم وغايته التعبدية

شُرع الصوم لتهذيب النفس وتحقيق التقوى، كما قال تعالى ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

ولقد نهى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف، وأمر بالاقتصاد في المأكل والمشرب والملبس، فعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم«‌كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» [النسائي: (٢٣٥١)].

قال الإمام ابنُ حَجر: "ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة: أن الممنوع من تناوله أكلا ولبسا وغيرهما: إما لمعنى فيه؛ وهو مجاوزة الحد، وهو الإسراف، وإما للتعبد كالحرير إن لم تثبت علة النهي عنه، وهو الراجح، ومجاوزة الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع، فيدخل الحرام، وقد يستلزم الإسراف الكبر؛ وهو المخيلة، قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة" [فتح الباري: ١٠/٢٥٣].

وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ يَرضَى لكم ثَلاثًا، ويَكرهُ لكم ثَلاثًا: فيَرضَى لكم أن تَعبُدوهُ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تَعتَصِموا بحَبلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفَرَّقوا، ويَكرَهُ لكم قيلَ وقال، وكَثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ» [مسلم: (١٧١٥)].

قال الإمام العينيُّ (رحمه الله): "قَولُه وإضاعةَ المالِ؛ هو صَرفُه في غيرِ ما ينبغي" [عمدة القاري: ٣٤/٢٥].

وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رَجُلًا أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنِّي فقيرٌ ليس لي شَيءٌ، ولي يتيمٌ، قال: «كُلْ من مالِ يتيمِك غيرَ مُسرِفٍ ولا مُبادِرٍ ولا مُتأثِّلٍ» [أبو داود: (٢٨٧٢)، النسائي: (٣٦٦٨)]، فقولُه: "ولي يتيمٌ": أراد أنَّه قَيِّمٌ له؛ ولذا أضاف اليتيمَ إلى نفسِه؛ ولذلك رخَّص له أن يأكُلَ من مالِه بالمعروفِ، "غيرَ مُسرِفٍ"؛ أي: غيرَ مُفْرِطٍ ومتصَرِّفٍ فوقَ الحاجةِ، "ولا مُبادِرٍ": بالدَّالِ المُهمَلةِ؛ أي: مُستعجِلٍ في الأخذِ من مالِه قبلَ حُضورِ الحاجةِ". [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري: ٦/٢١٩٨].

تحذير العلماء من الإسراف والتبذير

لقد أدرك سلفنا الصالح أنَّ حفظَ النعمة أمانة ومسؤولية، فتركوا لنا إرثًا من الحكم التي تضبطُ ميزانَ الاستهلاكِ وتحذر من غوائل الترف المؤدي للغفلة؛ وفيما يلي بعض تلك البصائر:

- قال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: «كفى بالمرءِ سَرَفًا أن يأكُلَ كُلَّ ما اشتهى» [ابن المبارك في الزهد: (٧٦٩)].

- وقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: قال: «كُلْ ما شِئتَ والبَسْ ما شِئتَ، ما أخطَأَتْك خَلَّتانِ: سَرَفٌ أو مَخِيلةٌ» [ابن أبي شيبة: (٢٥٣٧٥)].

- وقال وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: "للمُسرِفِ ثلاثُ علاماتٍ: يشتري بما ليس له، ويأكُل بما ليس له، ويَلبَس ما ليس له" [حلية الأولياء لأبي نعيم: ٤٧/٤].

- وعن مُجاهِدٍ قال: "لو أنَّ رَجُلًا أنفَقَ مِثلَ أحُدٍ في طاعةِ اللهِ تعالى، لم يكُن مِن المُسرِفين" [حلية الأولياء لأبي نعيم: ٢٩٢/٣].

- وعن عُثمانَ بنِ الأسوَدِ قال: "كنتُ أطوف مع مجاهِد بالبيت، فقال: لو أنفَقَ عَشَرةَ آلافِ دِرهَمٍ في طاعةِ اللهِ ما كان مُسرِفًا، ولو أنفَقَ دِرهمًا واحدًا في معصيةِ اللهِ كان من المُسرِفين" [تفسير القرآن للسمعاني: ٢٣٥/٣].

- وقال مالِكٌ: "التَّبذيرُ هو أخذُ المالِ من حَقِّه، ووَضعُه في غيرِ حَقِّه، وهو الإسراف"، وقال الشَّافِعيُّ: "التَّبذيرُ إنفاقُ المالِ في غيرِ حَقِّه، ولا تبذيرَ في عَمَلِ الخيرِ" [الجامع لأحكام القران للقرطبي: ١٠/١٤٧].

- وقال الحارِثُ بنُ أسَدٍ المحاسِبيُّ: "خذ بحَظِّك من العُزلة، ولا تأخُذَنَّ إلَّا حلالًا، وجانِب الإسرافَ، واقنَعْ من الدُّنيا بالكَفافِ" [الحارث المحاسبي، رسالة المسترشدين: ص١٥٣].

- قال أبو منصورٍ الثَّعالبيُّ: "عليك بالقَصد بَيْنَ الطَّريقتَينِ؛ لا مَنعَ ولا إسراف، ولا بُخل ولا إتلاف، لا تكُنْ رَطبًا فتُعصر، ولا يابِسًا فتُكسر، ولا تكُنْ حُلوًا فتُستَرَطَ" [الثعالبي في التمثيل والمحاضرة: ص٤٢٩].

إن هذه البصائر التي سطرها سلفنا الصالح ترشدنا إلى مكمن الداء في عصرنا؛ حيث تحول الاستهلاك من "حاجة" إلى "هوية"، وأصبح التفاخر بالموائد عرفا رقميا ينافس جوهر العبادة، إن ميزان النجاة الذي رسموه لنا يؤكد أن رقي العبد ليس بما يملكه أو يستهلكه، بل بقدر تحكمه في رغباته، لتظل الروح خفيفة في معراجها نحو الله، بعيدة عن أثقال الترف الذي يورث القسوة والغفلة.

غياب التكافل والمسؤولية الاجتماعية

شهر رمضان هو شهر المواساة والتراحم والإنفاق في وجوه الخير، وإن التبذير فيه يعكس قسوة في القلب، وغيابا للشعور بالفقراء والمحتاجين، لأن المسرف ربما ضاقت به المعيشة نتيجة لإسرافه، فيلجأ إلى الكسب الحرام؛ قال ابن عاشور (رحمه الله): "فوجه عدم محبة الله إياهم أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات والإكثار من بذل المال في تحصيلها يفضي غالبا إلى استنزاف الأموال، والشره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تَطَلَّبَ تحصيلَ المال من وجوه فاسدة؛ ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات، فيكون ذلك دأبه، فربما ضاق عليه ماله، فشق عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق". [التحرير والتنوير، القسم الأول: ١٢٤/٨].

إن إنفاق الأموال الطائلة على أصناف الطعام التي لا تُؤكل هو تفويت لفرصة "الصدقة" وسد حاجة الجائع، وهو ما يتناقض مع روح التكافل التي هي ركن من أركان مقاصد الشريعة، فالتعاون والتكافل الرمضاني يسهم في تعزيز وحدة المجتمع المسلم، وتقوية أواصر تكافله والروابط بين أبنائه، ويرجع اهتمام المسلمين بإشاعة هذه المظاهر امتثالًا لأمر الله عز وجل في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].

ومن صور الإسراف وعدم الحرص على موارد المجتمع الإسراف في المياه سواء كانت للاستعمال الشخصي أو في دور العبادات، أو دورات المياه العمومية، ولقد بيَّنَ لنا رسولنا وقدوتنا أن في الماء واستعماله إسراف إذا كان بغير وجه حق، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ " قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ، قَالَ: نَعَمْ، ‌وَإِنْ ‌كُنْتَ ‌عَلَى ‌نَهْرٍ ‌جَارٍ» [أحمد (٧٠٦٥)].

وعن أبي إسحاقَ قال: حدَّثنا أبو جَعفَرٍ أنَّه كان عِندَ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ هو وأبوه، وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسلِ، فقال: يكفيك صاعٌ، فقال رجُلٌ: ما يكفيني، فقال جابِرٌ: كان يكفي من هو أوفى منك شَعرًا، وخيرٌ منك...، يعني النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. [البخاري: (٢٥٢)].

والإسرافُ في المرافِقِ العامَّةِ مذمومٌ أيضًا، كالإسرافِ في الماءِ والكَهرباءِ، ويُعدُّ من إضاعةِ المالِ؛ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ اللهَ كَرِهَ لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعةَ المالِ، وكَثرةَ السُّؤالِ» [البخاري: (١٤٧٧)].

قال الإمام المناوي: "إضاعة المال: هو صرفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه للتلف، وسبب النهي أنه إفساد، والله لا يحب المفسدين، ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس" [المناوي، فيض القدير: ٣/٧].

لذلك حرص الإسلام على إبراز صور التعاون والتكافل بين المسلمين في رمضان من غير تبذير أو إسراف؛ لضمان توصيله بصورة صحيحة، مع الشعور بالمسئولية المجتمعية في ذلك الشهر الفضيل؛ كتقديم الإفطار للصائمين، حيث يعتبر إحدى أسمى صور التعاون والتكافل في المجتمع المسلم في رمضان، فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم«مَنْ ‌فَطَّرَ ‌صَائِمًا ‌كَانَ ‌لَهُ ‌مِثْلُ ‌أَجْرِهِ، ‌غَيْرَ ‌أَنَّهُ ‌لَا ‌يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [الترمذي: (٨٠٧)]، كذلك هناك صور أخرى من التكافل، مثل إطعام الطعام، والإحسان إلى المحتاجين من خلال الصدقات على الفقراء والمساكين، وعمل كل ما هو خير ونافع للمجتمع في هذا الشهر المبارك، فشهر رمضان فرصة ذهبية لتعزيز التكافل الاجتماعي، وتجسيد تعاليم الإسلام على أرض الواقع؛ ليصبح كل فرد لبنة في بناء مجتمعٍ قوي ومترابط.

الخلاصة

لجم شهوة البطن هو معراج الروح للقبول، فلا تجعل تفاخرك طاردًا للبركة، وموجبًا للحرمان والندامة، صن نعمة الله بالقصد والاعتدال، واجعل مائدتك جسرًا للتقوى، لا فخًا للإسراف يهوي بك في مهالك الغفلة.

موضوعات ذات صلة

الإسلام لم يترك مجالاً للإسراف أن ينتشر بين الناس، بل جاء بتوجيهات واضحة تحث على الاعتدال والاقتصاد والإنفاق الحكيم

الإسراف والتبذير لا يؤثران فقط على المال، بل يهددان سلامة الأسرة واستقرارها النفسي والاجتماعي.

الإسرافُ في المياه لم يعد مجرّد سلوك فرديّ سلبيّ، بل أصبح تهديدًا حقيقيًّا للأمن القومي والبيئيّ. 

موضوعات مختارة