الاعتكاف سنة مؤكدة بإجماع الأمة، يقصد بها المسلم الانقطاع للعبادة في المسجد؛ تهذيبًا للنفس، وطلبًا للقرب من الله، وتحريًا لليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
الاعتكاف سنة مؤكدة بإجماع الأمة، يقصد بها المسلم الانقطاع للعبادة في المسجد؛ تهذيبًا للنفس، وطلبًا للقرب من الله، وتحريًا لليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.
الاعتكاف: هو اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية. [البجيرمي على المنهج ٢ / ٥٩١ ط المكتبة الإسلامية]
إن الاعتكاف سنة وقربة [المجموع ٦/ ٥٠١]، وهو مستحب في سائر الأوقات، ويتأكد فضله في العشر الأواخر من رمضان طلبًا لليلة القدر؛ تفرغًا للصلاة والذكر والدعاء، فهي خير ليالي السنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ﴾ [القدر: ٣]، أي: أن العمل فيها يربو على العمل في ألف شهر ليس فيها تلك الليلة، وقد ذهب الجمهور إلى انحصارها في العشر الأواخر من رمضان [مغني المحتاج ٢/ ١٨٩]، وقد ينتقل حكم الاعتكاف من السنية إلى الوجوب حال النذر، كأن يقول المسلم: "لله عليَّ أن أعتكف" أو ما شابه ذلك من صيغ النذر.
وقد اختلف الفقهاء في مرتبة هذه السنية.
فقال الحنفية: إنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، ومستحب فيما عدا ذلك.
وفي المشهور عند المالكية، أنه مندوب مؤكد وليس بسنة.
وقال ابن عبد البر: إنه سنة في رمضان ومندوب في غيره.
وذهب الشافعية إلى أنه سنة مؤكدة، في جميع الأوقات، وفي العشر الأواخر من رمضان آكد اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبا لليلة القدر.
وقال الحنابلة: إنه سنة في كل وقت، وآكده في رمضان، وآكده في العشر الأخير منه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضا، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا، فيجب عليه.
ومما يدل على أنه سنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقربا إلى الله تعالى، وطلبا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده.
أما أن الاعتكاف غير واجب فلأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزموا الاعتكاف كلهم، وإن صح عن كثير من الصحابة فعله.
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه بالاعتكاف إلا من أراده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر (١) - أي من شهر رمضان - ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة. [الموسوعة الفقهية الكويتية (٥/ ٢٠٨)]
تتجلى حكمة الاعتكاف في انقطاع العبد بكليته إلى عبادة الله تعالى رغبةً في القربى، وتجريد النفس من شواغل الدنيا التي تحول بين العبد وبين ربه، وبذلك يستغرق المعتكف وقته في الصلاة حقيقةً أو حكمًا؛ إذ الغاية الأسمى من شرعيته هي انتظار الصلاة في الجماعة، وفي هذا المسلك تشبهٌ بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون.
اتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة على أن المسجد شرط لصحة اعتكاف الرجل؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة هنا أن النهي عن المباشرة وإن كان عامًّا للمعتكف، إلا أن تقييده بـ "المساجد" أفاد شرطية المكان لصحة العبادة؛ إذ لو صح الاعتكاف في غيرها لما كان لهذا التخصيص فائدة [مغني المحتاج ٢/ ١٨٩]، وقد نقل القرطبي الإجماع على ذلك فقال: "أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد" [تفسير القرطبي ٢/ ٣٣٣].
اختلف الفقهاء في صفة المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف على قولين:
فذهب المالكية والشافعية إلى صحته في أيِّ مسجدٍ؛ أخذًا بعموم اللفظ في الآية الكريمة دون تخصيص.
يقول العلامة العدوي المالكي: "يصح الاعتكاف في أي مسجدٍ كان، ولو كان غيرَ المساجد الثلاثة في أي بلدٍ كان". [حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٤٦٥)، ط. دار الفكر]
ويفصل الإمام الخطيب الشربيني الشافعي المسألة مبينًا الأولوية: "(وإنما يصح الاعتكاف في المسجد)؛ للاتِّباع رواه الشيخان؛ وللإجماع؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]، (و) المسجد (الجامع) وهو ما تقام فيه الجمعة (أولى) بالاعتكاف فيه من غيره؛ للخروج من خلاف من أوجبه؛ ولكثرة الجماعة فيه؛ وللاستغناء عن الخروج للجمعة، ويجب الجامع للاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة فيها يوم الجمعة وكان ممن تلزمه الجمعة ولم يشترط الخروج لها؛ لأن الخروج لها يقطع التتابع لتقصيره بعد اعتكافه في الجامع، ويستثنى من كون الجامع أولى ما إذا كان قد عيَّن غير الجامع فالمُعيَّن أولى إذا لم يحتج إلى الخروج إلى الجمعة". [مغني المحتاج (٢/ ١٨٩)، ط. دار الكتب العلمية]
وذهب الحنفية والحنابلة إلى اشتراط كونه مسجدًا جامعًا تقام فيه الصلوات الخمس والجماعة.
يقول العلامة ابن عابدين الحنفي في تعريفه للاعتكاف: "(هو) لغة: اللبث وشرعًا: (لبث)... (ذكر) ولو مميزًا في (مسجد جماعة) هو ما له إمام ومؤذن أديت فيه الخمس أَوْ لا... وأما الجامع فيصح فيه مطلقًا اتفاقًا" [رد المحتار (٢/ ٤٤٠)، ط. دار الفكر]
ويقول العلامة البهوتي الحنبلي رحمه الله: "ولا يصح الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاةُ جماعةً إلا في مسجد تقام فيه الجماعة... وإن لم يكن المعتكف رجلًا تلزمه الصلاة جماعة بأن كان امرأةً أو عبدًا... صح اعتكافًا في كل مسجد". [كشاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ٣٥٢)، ط. دار الكتب العلمية]
والأولى أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع "الذي تقام فيه الجمعة" وإن لم يكن شرطًا عند البعض؛ وذلك خروجًا من الخلاف، وتكثيرًا لسواد الجماعة، واستغناءً عن الخروج لصلاة الجمعة إذا تخللت أيام الاعتكاف [مغني المحتاج ٢/ ١٩٠].
السنة اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وأما عن حدود المدة:
أقل مدة للاعتكاف: ذهب متأخرو الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن أقل مدة للاعتكاف هي ما يصدق عليه اسم "اللبث" عُرْفًا ولو لحظة؛ لأن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يحده الشرع بحدٍّ يخصه فبقي على أصله [المجموع ٦/ ٥١٥]، ولكن العلماء استحبوا إتمام الاعتكاف يومًا؛ خروجًا مِن خلاف مَنِ اشترط ذلك [المجموع ٦/ ٥١٣]، كما نص الفقهاء على أنه يُستَحَبُّ لكل داخلٍ إلى المسجد أن ينوي الاعتكاف ولو كان مُكْثُه يسيرًا؛ تحصيلًا لثواب هذه العبادة [نهاية المحتاج ٣/ ٢١٩].
أكثر مدة الاعتكاف: لا حد لأكثر الاعتكاف باتفاق الفقهاء، يقول الإمام النووي رحمه الله: "وكُلَّما كثُر كان أفضل، ولا حَدَّ لأَكْثَرِه، بل يصحُّ اعتكافُ عُمْرِ الإنسان جميعه، ويصحُّ نذرُ اعتكاف العمر". [المجموع شرح المهذب (٦/ ٥١٤)]
ويقول العلامة ابن الملقن: "وأَجْمَع العلماءُ على أن لا حدَّ لأكثره". [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٤٣٠)، ط. دار العاصمة]
وبداية الاعتكاف ونهايته يحددها الْمُعْتَكِف بنفسه، فإن نوى اعتكاف مدة معلومة استُحب له الوفاء بها بكمالها، فإن خرج قبل إكمالها جاز؛ لأن التطوع لا يلزم بالشروع، وإن أطلق النِّيَّة ولم يُقَدِّر شيئًا دام اعتكافُه ما دام في المسجد". [المجموع شرح المهذب (٦/ ٥١٤)]
أما عن وقت الدخول والخروج في اعتكاف العشر الأواخر، فيُسْتَحَبُّ لمن عزم على ذلك أن يدخل معتكفه قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين من رمضان؛ استيعابًا للزمن الفاضل، كما يُنْدَبُ له أن يصل اعتكافه بصلاة العيد، فيبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يخرج منه إلى المصلى مباشرة، فإن قطع اعتكافه وخرج قبل ذلك جاز له ذلك.
الاعتكاف سنة في كل وقت وتتأكد في رمضان، ولا يصح إلا في المسجد، وأقله لحظة عند الجمهور ولا حد لأكثره، ويجب الوفاء به لمن نذره، والأفضل أن يكون في مسجد جامع خروجًا من الخلاف.
دعوة إلى الإبحار في ملكوت الصيام، ليس باعتباره مجرد إمساك عن الطعام.
شهر رمضان المبارك الميقات الأغلى لاجتماع أعظم عبادتين يرفعان شأن المؤمن.
رمضان هو أعظم أبواب الرحمة الإلهية، فلو تُصورنا أننا خُلقنا دون أن يكون باب التوبة مفتوح دائمًا لهلكنا جميعًا إلا من عصم الله.