Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عبادة الصيام: السر المكنون بين العبد وربه

الكاتب

هيئة التحرير

عبادة الصيام: السر المكنون بين العبد وربه

الصيام عبادة فريدة تمتاز بالسرية الكاملة بين العبد وربه، فهي مدرسة روحية تعلمنا كيف نخفي أعمالنا الصالحة، وكيف نبني مع الله علاقة خفية تصبح سببًا في معرفته لنا ورحمته بنا وقبوله والعفو عنه.

خصوصية الصيام وعلاقته بالسر

في زحام الحياة حيث تتزاحم الأصوات وتتصادم المصالح، يبقى للإنسان مع ربه أسرار لا يعلمها أحد، ولعل أعظم هذه الأسرار تلك التي نتعلمها في العبادات الخفية، ومن بين كل العبادات، تتفرد عبادة الصيام بخصوصية عجيبة، فهي العبادة الوحيدة التي قال الله فيها في الحديث القدسي «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» [صحيح البخاري، ٥٩٢٧]، تأمل أيها المكرم هذه الإضافة الإلهية المشبعة بالأسرار: «فَإِنَّهُ لِي»! إنها إضافة تشريف وتكريم، إضافة اختصاص واقتراب، إضافة ترفع هذه العبادة إلى مقام لم تبلغه عبادة سواها [لطائف المعارف، ص ١٦٨].

 وما هذا الاختصاص الإلهي إلا لأن الصيام عبادة السر الخفي، والعمل الخفي الذي لا يراه إلا مَنْ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

الصيام عبادة السر الخالص

الصيام هو العبادة الوحيدة التي لا يمكن للبشر أن يطلعوا عليها حقيقة، فالصلاة يراها الناس، والزكاة يشهدونها، والحج يعلن عنه، وأما الصيام فحقيقته إمساك خفي لا يعلمه إلا الله جل وعلا، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه، وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له، لمعنيين: أحدهما: أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد" [إحياء علوم الدين، ١/ ٤٥٠].

وهذا المعنى يتجلى بوضوح في قدرة الإنسان على إخفاء صومه، فقد يكون مفطرًا والناس يرونه صائمًا، لو تناول طعامه في الخفاء، وقد يكون مفطرًا والناس يرونه صائمًا، لو أمسك عن الطعام أمامهم، فالمرجع في حقيقة الصيام إلى الله وحده، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إنها العبادة التي لا رقيب عليها إلا الله عز وجل، ولا شاهد عليها إلا الله سبحانه وتعالى، ولا مُطَّلع على حقيقتها إلا الله جل وعلا، ففي سائر العبادات، يمكن للمرائي أن يُري الناس صلاته وصدقته وحجه، أما الصيام فحائط منيع دون الرياء، وقلعة حصينة في وجه حب الظهور.

لماذا جعل الله الصيام سرًا؟

في جعل الصيام عبادة سرية حكمة بالغة النفع، عظيمة الأثر، عميقة المدلول، لعل من أعظمها أن الله يريد أن يربي فينا الإخلاص الخالص، ويحرر نياتنا من شوائب الرياء وحب الظهور.

فالرياء يتسلل إلى العبادات الظاهرة كما يتسلل الماء الزلال إلى أرق المسام، وأما العبادة الخفية فهي بركان الإخلاص الثائر في جوف القلب يقول الإمام القرطبي رحمه الله: "وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّوْمَ بِأَنَّهُ لَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا لَهُ، لِأَمْرَيْنِ بَايَنَ الصَّوْمُ بِهِمَا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّوْمَ يَمْنَعُ مِنْ مَلَاذِّ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا مَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ، الثَّانِي: أَنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَا يَظْهَرُ إِلَّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ ظَاهِرٌ، رُبَّمَا فَعَلَهُ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَلِهَذَا صَارَ أَخَصَّ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا" [الجامع لأحكام القرآن، ٢/ ٢٧٤].

كما أن في سرية الصيام تدريبًا للإنسان على مراقبة الله في الخفاء، وتعويدًا له على استشعار عظمة الله حيث لا يراه أحد، وهذه هي الدرجة العليا من الإيمان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإذا تمرن العبد على ترك الطعام والشراب في خلوته حيث لا يراه بشر، خوفًا من الله ومراقبة له، ارتقى في سُلَّم الإيمان درجة عالية، وصار من الذين يستحيون من الله حق الحياء.

من أسرار الصيام بناء العلاقة الخاصة مع الله

عندما يخلو الصائم بربه، ويجوع ويظمأ من أجله، وينقطع عن شهواته ولذائذه ابتغاء مرضاته، فإنه يبني مع الله علاقة خاصة لا تشبه أية علاقة أخرى، إنها علاقة السر بالسر، والروح بالروح، والقلب بالقلب، يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: "وإنما يشاهد الأفعال من الله تعالى، فإذا صلى أو صام أو فعل شيئًا من الطاعات شغله الثناء على الله الذي أوجد ذلك فيه ووفقه له عن أن يكون لنفسه شاكرًا لعدم رؤيته لنفسه، كما تشغله حقوق الله -أي مراعاتها- بأن يعبده لذاته عن أن يكون لحظوظه من طمع في جنة أو خوف من نار" [الحكم العطائية،١٨١].

وفي هذه الخلوة الروحية، يتذوق العبد حلاوة المناجاة، ويجد لذة القرب التي لا تعدلها لذة، فالصوم باب من أبواب المناجاة، ومفتاح من مفاتيح الخلوة بالله، فإذا خلا العبد بربه في جوف الليل أو نهار الصيام، وجد من حلاوة المناجاة ما ينسيه كل لذة دنيوية، ويذهبه عن كل شهوة حاضرة، ويخرجه عن كل علاقة دنيئة.

وهذه العلاقة السرية هي التي جعلت الله يختص الصيام لنفسه، فهو سبحانه وتعالى يحب أن يرى عبده خالصًا له، منقطعًا إليه، متجردًا من حظوظ نفسه وشهواتها يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: "قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله، لإيمانه باطلاع الله وثوابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة إيثارا لرضا ربه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب، ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه لكراهة الله لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكره فتصير لذته فيما يرضى مولاه و إن كان مخالفا لهواه، ويكون ألمه فيما يكره مولاه و إن كان موافقا لهواه" [لطائف المعارف، ص ١٦٨]، إنه يريد عبدًا يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجله، لا من أجل الناس، ولا خوفًا من سلطان، ولا رهبة من رقيب، وهذا هو عين العبودية، وخلاصة الإخلاص، وثمرة المحبة الصادقة.

كيف نتعلم السرية من صيامنا؟

إذا كان الصيام مدرسة للسرية، فعلينا أن نتعلم دروسها ونجني ثمارها في حياتنا كلها، لا في رمضان فقط.

وهذه بعض الدروس العملية التي نستقيها من عبادة الصيام:

أولًا: إخفاء الأعمال الصالحة: كما نخفي صيامنا عن الناس، فلنخفِ صدقاتنا وقيامنا ودموعنا، يقول الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي رحمه الله: "قال عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحقن، قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده الزَور -أي الزوار- وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه فى السر فيكون علانية أبدًا" [التفسير الوسيط: ص١٦٢٢]. لقد كان همهم ألا يطلع أحد على صالح أعمالهم، وكانوا يفرون من الثناء كما يفر الناس من الأسد.

ثانيًا: مراقبة الله في الخفاء: كنا نمتنع عن الطعام والشراب في السر والعلن خوفًا من الله، فلنعمل على أن نراقبه في كل أعمالنا، ونستشعر حضرة الدائم معنا، قال تعالى: ﴿یَعۡلَمُ خَاۤئِنَةَ ٱلۡأَعۡیُنِ وَمَا تُخۡفِی ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، يقول الإمام الطبري رحمه الله: "وقوله: ﴿یَعۡلَمُ خَاۤئِنَةَ ٱلۡأَعۡیُنِ وَمَا تُخۡفِی ٱلصُّدُورُ﴾ يقول جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم، يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه، إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه"  [تفسير الطبري، ٢١/٣٦٩]، إنها آية تهز الكيان، وتزلزل الجنان، وتذكر العبد بأن الله مطلع على خائنة الأعين، وهي النظرة الخفية التي يكاد صاحبها يخفيها، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأعظم؟!

ثالثًا: بناء أسرار مع الله: لنجعل لكل منا سرًا مع الله، دعاء في جوف الليل لا يعلمه أحد، دمعة في السجود لا يراها بشر، صدقة خفية لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هذه الأسرار هي التي تزكي القلوب وتقرب إلى علام الغيوب، قال الحبيب النبي ﷺ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» [صحيح البخاري، ١٤٢٣]، هذا هو العمل الخفي الذي يورث صاحبه الظل يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله.

ثمار العبادة السرية في الدنيا والآخرة

للطاعات السرية ثمار عظيمة في الدنيا قبل الآخرة، في الدنيا، يورث العمل الخفي صاحبه حلاوة في القلب، ونورًا في الوجه، ومحبة في قلوب الناس، وإن لم يعلموا سببها، كما أنه يقي العبد من آفات الرياء التي تفسد الأعمال وتذهب بركتها، إن العمل الخفي يحرر القلب من أسر المخلوقين، ويطلقه في فضاء التوحيد الواسع، ويجعل العبد حرًا لا يستعبده أحد.

أما في الآخرة، فأهل الأسرار مع الله هم أهل الظل يوم لا ظل إلا ظله، وهم الذين يفرحون بلقاء الله، ويجدون ثمرة أسرارهم معه يوم القيامة، وإذا كان الله قد اختص الصيام لنفسه وجعل جزاءه بلا تقدير، فاعلم أن كل عمل خفي خالص لله يكون جزاؤه أعظم وأجل، لأنه لا يدخله نيابة ولا رياء ولا سمعة.

الخلاصة

إن عبادة الصيام ليست مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هي مدرسة روحية متكاملة تعلمنا كيف نبني مع الله علاقة سرية خالصة، فكما نخفي جوعنا وعطشنا عن الناس، لنجتهد في إخفاء أعمالنا الصالحة كلها، وكما نراقب الله في خلواتنا فلا نأكل ولا نشرب، فلنراقبه في كل حركاتنا وسكناتنا، وكما نختلي به في نهار الصيام، فلنجعل له خلوات في الليل والنهار نناجيه فيها ونسأله من فضله، بهذه الأسرار نتعرف إلى الله فنرحم به ونقبل عنده ونرضى عنه، فاللهم اجعل لنا معك سرًا تعرفنا به وترحمنا به وترضى به عنا وتقبلنا به وتعود علينا به، اللهم اجعل صيامنا صيام الخائفين، وقيامنا قيام الراجين، وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم، إنك سميع مجيب الدعاء.

موضوعات ذات صلة

يُؤصِّل الإسلام لنهج وسطي في الإنفاق، يجمع بين تلبية الحاجات الفطرية وحفظ الموارد الاقتصادية.

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية، وانضباطه الحياتي

حين نتحدث عن العمل في نهار رمضان، فإننا لا نتحدث عن عبءٍ يثقل كاهل الصائم، بل نتحدث عن محرابٍ ممتد.

موضوعات مختارة