Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فقه الجمال: تاريخ الفانوس وضوابط الزينة في رمضان

الكاتب

هيئة التحرير

فقه الجمال: تاريخ الفانوس وضوابط الزينة في رمضان

يعد فانوس رمضان أيقونة تراثية تختزل قرونًا من الهوية البصرية والاحتفالية في العالم الإسلامي، حيث تتقاطع في نشأته الروايات التاريخية الممتدة من العصر الفاطمي مع الطقوس الدينية والاجتماعية، يستعرض هذا المقال جذور الفانوس، وارتباطه بإنارة المساجد والسحور، وصولًا إلى الضوابط الشرعية والأخلاقية لتجديد مظاهر الفرح بهذا الشهر الفضيل.

ماهية الفانوس ودلالته اللغوية

كثرت الروايات حول كيفية وصول الفانوس باعتباره رمزًا ثقافيًا مهمًا في مصر، حتى إنه يحاط بالعناية وصار حرفة يحترفها حرفيون ويتداولونها جيلًا بعد جيل.

معنى كلمة - فانوس- وهي آلة كريّة ذات أضلاع من حديد، مغشّاة بخرقة من رقيق الكتّان الصافي البياض، يتخذ للاستضاءة بغرز الشمعة في أسفل باطنه فيشفّ عن ضوئها، ومن شأنها أن يحمل منها اثنان أمام السلطان أو الأمير في السفر في الليل [القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ٢/١٤٥].

الروايات التاريخية لنشأة الفانوس الرمضاني

يعد فانوس رمضان من الفنون التشكيلية ويعادل عروسة المولد، وهو جهاز يقيس مصدر الضـوء مـن الريـاح أو المطـر، قيـل إنـه اسـتخدم في صـدر الإسـلام، وكانـت الفـوانيس تسـتعمل للإضـاءة لـيلًا للـذهاب إلى المسـجد، ولم يتشـكل الفـانوس في صـورته الـتي نراهـا عليـه اليـوم إلا في نهايـة القـرن الماضـي، وقـد عـرف المصـريون فـانوس رمضـان في يـوم دخـول المعـز لـدين الله الفـاطمي القـاهرة، وكان ذلك في الخامس من رمضان عام ٣٥٨ هجريًا، حيث استقبله أهل القاهرة ليلًا في موكب كبير، اشترك فيه رجالها ونسائها وأطفالهــا، حــاملين المشــاعل والفــوانيس مــرددين الهتافــات والأناشــيد، وبعــد أن كــانوا يســتعملون الفــوانيس للإضــاءة وزيــارة الأهــل والأقـارب أو الـتردد علـى المسـاجد، حملهـا الأطفـال بعـد الإفطـار يطلبـون بـها الهـدايا الـتي بـدأ الفـاطميون في الإسـراف عليهـا ببـذخ،  لنشر دعوتهم الجديدة [مصطفى عبد الرحمن، فنون رمضان، القاهرة، وزارة الثقافة ومركز الفنون الشعبية، ١٩٦٩م، ص٩١].

أما الرواية الثانية: تقول إن الخليفة الفاطمي، كان يخرج ليلًا مع العلماء والفقهاء لاستطلاع هلال رمضان، ومن ورائهم النساء والأطفال، واعتاد الأطفال أن يخرجوا في الموكب حاملين الفوانيس وهم يرددون بعض الأغاني الاحتفالية بقدوم رمضان، ومن ثم أصبح طقسًا رمضانيًا.

وأما الرواية الثالثة: تقول إن أصل ارتباط الفانوس بشهر رمضان المبارك، يرجع إلى أن الحاكم بأمر الله أمر أن تضاء المساجد بالفوانيس طوال شهر رمضان، مع وضع شمعة داخل كل فانوس، وكذلك أمام البيوت وفي الأزقة، وتغريم كل من يعصي الأمر، وأنه استعان في سبيل تحقيق هذا الأمر بعدد كبير من الحرفيين المهرة للقيام بهذه المهمة لتوفير الفوانيس اللازمة [د/ أمينة عبدالله سالم ،(التراث الشعبي بين الثبات والتغير) دراسة أنثروبولوجية لفانوس رمضان، كلية الآداب جامعة حلوان].

والرواية الرابعة: يقول المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار: "وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسمًا جليلًا، يباع فيه من الشّموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتّماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من النّاس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، وكانوا يسمّونها الفوانيس (واحدها فانوس)، ويعلّقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة.

هذه إشارة مهمة لأصل استخدام الفانوس في مصر وأنه كان يستخدم في الأعياد القبطية وعلى الأخص عيد الميلاد، ولكن لا ندري متى أصبح استخدام الفانوس من عادات شهر رمضان في مصر عند المسلمين" [المقريزي المواعظ والاعتبار، في ذكر الخطط والاثار، ١/٧١٧].

الفانوس كأداة لتنظيم الشعائر (المساجد والسحور)

وفي الماضـي كـان يسـبق هـذا الشـهر مقـدمات تبشـر بقدومـه، والاحتفـال بحلولـه، أهمهـا الاسـتكثار مـن سـبل الإضـاءة مـن المشـاعيل والقناديـل والفـوانيس والشـمعدانات، والثريـات النحاسـية، الـتي تنتشـر في بيـوت الله (المسـاجد) مـن وحشـة الظلمـة، وكـان النشاط يدب في سوق الشماعين للنحاسين في القرن الثامن والتاسـع الهجـري، وتعلـق علـى وجهـات الحوانيـت وعلـى جوانبهـا أنـواع الفـوانيس المتخـذة مـن الشـمع وأشـكال الشـموع مـا بـين الصـغيرة والكبـيرة، كمـا كـان حكـام مصـر يولـون إضـاءة المسـاجد أعظـم اهتمام، ومما يذكر أن الحاكم بأمر الله كان يعد للجامع الأزهر نور مـن الفضـة، و سـبعة وعشـرين قنـديلًا ، واشـترط إضـاءتها في شـهر رمضان على أن تعاد بعده إلى مكان أعد لحفظها فيه، تتدلى من سقفها قناديل مسرجة، وتنتشر في نواحيها ألواح من الخشب برز منهـا صـفوف مـن مسـامير مدببـة الأطـراف لغـرس الشـمع فيهـا، وتعلـق علـى مـداخلها، وحـول شـرفات مآذنهـا مصـابيح تطفـئ عنـد موعد السحور حتى الإمساك، أما الأزقة والحارات فكانت تزدحم بالناس الذين يخرجون جماعات للتزاور وقضـاء السـهرات حـاملين شمـوعهم ومشـاعلهم وقنـاديلهم وفوانيسـهم لتنـير لهـم طـريقهم، هكـذا كانـت ليـالي رمضـان تـتلألأ نـورًا وتسـطع ضـياء فيها فـلا تقـع العـين ً إلا على نور الفوانيس الرمضانية.[ عثمان خيرت، مجلة الفنون الشعبية، (القاهرة، وزارة الثقافة الهيئة العامة للتأليف والنشر، ،١٩٦٩ ص ٣٦].

ويقول د. حسين مجيب المصري: "ظهور فانوس رمضان ارتبط بالمسحراتى، ولم يكن يقاد في المنازل، بل كان يعلق في منارة الجامع إعلانا لحلول وقت السحور، ويقول ابن بطوطة في وصف - الاحتفال برمضان في الحرم المكي: ‌كانوا ‌يعلقون ‌قنديلين ‌للسحور، ‌ليراهما من لم يسمع الأذان ليتسحر" [جريدة الأخبار ١٨/ ٤/ ١٩٨٨].

من القلعة إلى المائدة "تاريخ مدفع الإفطار"

قد إعتاد المصريون بدء إفطارهم بعد غروب الشمس وإمساكهم قبل طلوع الفجر طوال شهر رمضان دون أن يعرفوا مصدر هذا التقليد أو حتى متى كانت بدايتهِ!، ويختلف العلماء المصريون حول تاريخ بدء استخدام مدفع رمضان الذي يصل عمرهُ إلى ما يقرب حوالى ٥٦٠ عامًا تقريبًا، فمنهم من يُرجعُهُ إلى عام ٨٥٩هـ/١٤٥٤م وذلك أثناء حكم والى مصر العثماني "خشقدم" عندما أهداه صديق ألماني مدفعًا اختبره جنوده وقت غروب الشمس في رمضان فذهب العلماء والأعيان بعد ذلك إلي الوالي يطلبون منه استمرار هذه العادة خلال شهر الصيام ولكنه كان بالخارج فقابلوا زوجتهِ الحاجة فاطمة التي نقلت طلبهم إلي زوجها فوافق ومنذ ذلك عُرف مدفع رمضان باسم "الحاجه فاطمة"، ومن يومها أصبح إطلاق المدفع في رمضان تقليدًا شعبيًا وكان يعمل بالذخيرة الحيه حتي عام ١٨٥٩م [ جريدة مايو عدد بتاريخ ٢٦ / ٥ / ١٩٨٦، وانظر أيضًا الفانوس والمدفع والمسحراتي عادات مصرية تطورت في عصر الفاطميين، اليوم السابع، ٦يوليو ٢٠١٥م].

التأصيل الشرعي للاحتفال والزينة

ما زال المسلمون يحتفلون بقدوم الشهر المبارك قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل بإشعال أنوار الشموع والقناديل فرحًا باستقباله؛ يقول الرحالة ابن جبير في "رحلته": "ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك، وحَقُّ ذلك من تجديد الحُصُر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورًا وسطع ضياءً" [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص١٠٨].

وممَّا درج عليه المصريون منذ زمن بعيد استقبالهم شهر رمضان الكريم بتعليق الزينة والفوانيس كلونٍ من ألوان إظهار الفرح والسرور؛ استبشارًا بفضل الله فيه؛ من نزول الرحمات، وإفاضة النفحات، وتوسيع الأرزاق، وفتح أبواب الجنان، وغلِّ أبواب النيران، وتصفيد المردة من الجان، فهو أعمُّ الشهور خيرًا وأكثرها فضلًا وأوسعها أجرًا.

وقد تقرَّر أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة وأنَّه لا يحرم إلَّا ما دلَّ الشرع الشريف على تحريمه؛ قال الإمام السيوطي في [الأشباه والنظائر، ص٦٠]: "الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم".

ويدل لهذا الأصل: ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا: «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا»، ثم تلا هذه الآية ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾[مريم: ٦٤] [أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، رقم (١٩٧٢٤)].

فقه الاحتفال (الضوابط الأخلاقية والبيئية)

هذه الإباحة ليست مطلقة، بل مقيدة بجملة من الضوابط شأنها في ذلك شأن أغلب المباحات، ومن تلك الضوابط:

الأول: ألَّا يصاحب تعليق تلك الزينة إسراف أو مباهاة أو تفاخر؛ لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٧]. 

فعن عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ» [ أخرجه ابن ماجه في "سننه"(٣٦٠٥)]؛ قال الإمام المناوي في ["فيض القدير" ٥/ ٤٦]: [هذا الخبر جامع لفضائل تدبير المرء نفسه، والإسرافُ يضر بالجسد والمعيشة، والخيلاءُ تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس، وبالآخرة حيث تكسب الإثم] اهـ.

الثاني: ألَّا يترتَّب على تعليقها ضرر بالغير؛ من نحو إشغال الطريق العام والتضييق على المارة، فمن المقرَّر شرعًا أنَّه: "لا ضرر ولا ضرار"، وهي قاعدة فقهية من القواعد الخمس التي يدور عليها غالب أحكام الفقه، وأصل هذه القاعدة ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه ابن ماجه في "سننه".

الثالث: ألَّا يترتَّب على تعليقها اعتداء على حق الغير، كأن يقوم بتعليق الزينة على منزل جاره من غير إذن سابق أو رضًا مقارن.

الرابع: ألَّا تتم إنارتها من خطوط الكهرباء العامة إلا باستخراج التصاريح اللازمة من الهيئات المعنية بذلك؛ لأنَّ فيه تَعَدِّيًا على المال العام بغير وجه حق؛ وقد حرَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاعتداء عليه، وجعل حمايته من النهب والإهدار والاستغلال مسئولية الجميع؛ فعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُم النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أخرجه البخاري (٣١١٨)].

وتجدر الإشارة إلى أنَّه يستحسن استخدام مواد صديقة للبيئة في مادة صنع الفوانيس والزينة بما يتحقَّق معه المحافظة على البيئة من التلوث والمساهمة الإيجابية في إعادة التدوير [حكم تعليق الزينة والفوانيس في شهر رمضان، دار الإفتاء المصرية رقم (٧٥٣٠)،٣٠مارس ٢٠٢٣].

الخلاصة

إن الفانوس يتجاوز كونه أداة للإضاءة ليصبح رمزًا للابتهاج والاستبشار بفضل الله في شهر رمضان، وقد تضافرت العادات الشعبية مع الشواهد التاريخية لتأصيل وجوده في الوجدان الجمعي، وتظل مشروعية تعليق الزينة والفوانيس مرتبطة بآداب إسلامية تعليقًا على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، مع مراعاة الاعتدال والحفاظ على المصلحة العامة، ليظل الاحتفال نقيًا من الإسراف أو التعدي.

موضوعات ذات صلة

الصيام والجوع في الإسلام رحلة ارتقاء تبدأ بكسر شهوات الجسد، وتنتهي بإشراق أنوار البصيرة في قلب تَخَلَّص مِن ثقل المادة وكدرها.

هي عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب.

من عظمة التشريع الإسلامي أنه راعى أحوال النفس البشرية وقدراتها، فجعل التيسير أصلًا في العبادات.

موضوعات مختارة