Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فلسفة الجوع في الإسلام من الحرمان المادي إلى السمو الروحي

الكاتب

هيئة التحرير

فلسفة الجوع في الإسلام من الحرمان المادي إلى السمو الروحي

الصيام والجوع في الإسلام رحلة ارتقاء تبدأ بكسر شهوات الجسد، وتنتهي بإشراق أنوار البصيرة في قلب تَخَلَّص مِن ثقل المادة وكدرها، هو ترويضٌ حكيم للنفس الأمارة وسعيٌ نحو السيادة على الذات، حيث يغدو الحرمان البدني مفتاحًا لفيوضات الروح ومعارج السمو الإنساني.

حال القدوة.. حياة الزهد والإيثار

يا أيها الصائم، طالعْ سيرَ العظماءِ الذينَ شيَّدوا صروحَ المجدِ بأمعاءٍ خاوية، وجادوا بالدنيا وهيَ في أيديهم زهدًا فيما عندَ الله سبحانه؛ فلقد كانَ التقلّلُ عندهم مدرسةً، والخصاصةُ في أعينهم غنى، كأنَّ أرواحهم تعالتْ عن مساقطِ الطينِ فاشتهتْ مائدةَ القدسِ، فصبروا قليلًا ليربحوا طويلًا، وما كان جوعهم عجزًا، بل كان ترفّعًا وصعودًا.

قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَیۡءࣲ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] ثُمَّ قَالَ فِي آخر الآية: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [البقرة: ١٥٥] فبشرهم بجميل الثواب عَلَى الصبر عَلَى مقاساة الجوع.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩].

فالتعبد لله تعالى لا يكون بالجوع المفرط، ولا بالشبع المهلك؛ لذا أُمرنا بالصيام أيامًا معدوداتٍ، ونُهينها عن الوصال، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ». [أبو داود: ١٥٤٧، وابن ماجه: ٣٣٥٤].

وقد يظهر تعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث تُثني على الجوع أو تذكر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يجوعون، مثل:

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. [مسلم: ٢٩٧٠].

وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يَخْطُبُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ دَقَلًا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ. [مسلم: ٢٩٧٨].

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِكَسْرَةِ خُبْزٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: قُرْصًا خَبَزْتُهُ وَلَمْ تَطْلُبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمُ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» [الجوع لابن أبي الدنيا: ١٥، والطبراني في الأوسط: ٧٥٠، والبيهقي في الشعب: ٩٩٤٥].

ففي الحديث يستعيذ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجوع الذي يضعف النفس عن الطاعة أو يسبب ذلًا أو خيانة، أما الجوع الذي كان يمر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه هو جوع ناتج عن قلة الرزق مع الصبر والرضا، وليس جوعاً يُفسد النفس، فالاستعاذة تكون من الجوع الذي لا يكون للإنسان خيار فيه ويؤدي للمرض، بينما يُحمل الثناء على الجوع على الزهد المباح أو الجوع الذي يُصبر عليه دون أن يضر، والنبي ﷺ نهى عن الوصال (الصيام أياماً متتالية بلا أكل) خوفاً على أصحابه من الضعف والوقوع في "بئس الضجيع"، مما يؤكد أن الاستعاذة هي من الجوع المهلك.

فالإسلام يحث على سد جوع الآخرين كما في الحديث: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ» [الحاكم: ٢١٦٦، والبيهقي: ٧٣٢٣]، مما يدل على أن الجوع في أصله مصيبة وبلاء يُدفع بالتعاون والإحسان، لا مقصدًا لذاته.

جوامع الكلم في ذم الشبع

لهي جعلتَ البطنَ مجمع الشهوات، فمن هذّبه أشرقت في روحه الأنوار، ومن أطلقه غرق في لُجج الأكدار؛ فما الجوعُ إلا صقل لمرآة القلب، وإخماصُ البطن هو استنهاضٌ للفكر، فإن في الجوع سرًا من أسرار القوة، تضعف به آلات المادة فتقوى به آلة الروح"، وإن أول عرى المجاهدة لجمُ هذا الوعاء الذي ما امتلأ إلا ثقلت معه الجوارح عن الطاعة.

فيا أيها المريد لتنوير البصيرة إن أردتَ أن يشرق قلبك، فاحبس عنه فضول الطعام؛ فما امتلأ وعاء الجسد إلا وأظلم برج طبعك، وما جاع العبدُ إلا وصَفَت له لطائفُ الحقيقة، فالجوعُ خلوةٌ باطنية، وسرٌّ تنجلي به غياهبُ الغفلة، فإن الجوع في شرعة الروح ليس فقدانًا للمادة، بل هو انتصارٌ للإرادة؛ كأنما الجسم يذوب ليصير الوجودُ كله فكرًا. هو مدرسةٌ إلهية تكسر كبرياء الطين، وتعيد صياغة الإنسان ليكون ملائكيًا في نزعاته، نبويًا في أشواقه، حيث يصير الطعامُ وسيلةً للبقاء لا غايةً للفناء.

فاسمع لنداء النبوة وهو يضع قانون الاعتدال:

فَعَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». [الترمذي: ٢٣٨٠، وابن ماجه: ٣٣٤٩، ومسند الإمام أحمد: ١٧١٨٦].

وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ رضي الله عنه، وَأُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ، فَقَالَ: حَسْبِي، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا، أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [ابن ماجه: ٣٣٥١].

وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَيٍّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الدُّنْيَا لِمَطْعَمِ ابْنِ آدَمَ مِثْلًا، وَضَرَبَ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ لِلدُّنْيَا مِثْلًا، وَإِنَّ قَزَحَهُ وَمَلَّحَهُ» قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ رَأَيْتُمُوهُمْ يُطَيِّبُونَهُ بِالْأَفَاوِيهِ وَالطِّيبِ، ثُمَّ يَرْمُونَ بِهِ حَيْثُ رَأَيْتُمْ. [الجوع لابن أبي الدنيا: ١٦٥].

التوازن بين الصبر والاضطرار

إنَّ بينَ طيّاتِ الجوعِ سرًا من أسرارِ الفتح، فإذا جاعتِ النفسُ خضعتْ، وإذا خضعتْ صفتْ، وإذا صفتْ رأتْ بِنورِ اللهِ ما غابَ عن بصائرِ المتخمين؛ الجوعُ هو صقلٌ للقلوب، به يذوبُ كدَرُ الطبع، وينبثقُ فجرُ الحكمةِ من ليلِ المجاهدة، فاستنزلِ الحكمةَ بإخماصِ البطن، ولا تملأ وعاءكَ فتملأ طريقكَ بالشهوات.

ويقول الإمام القشيري رحمه الله: ولهذا كَانَ الجوع من صفات الْقَوْم وَهُوَ أحد أركان المجاهدة فَإِن أرباب السلوك تدرجوا إِلَى اعتياد الجوع والإمساك عَنِ الأكل ووجدوا ينابيع الحكمة فِي الجوع وكثرة الحكايات عَنْهُم فِي ذَلِكَ.

سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي يَقُول: سمعت ابْن سالم يَقُول: أدب الجوع أَن لا ينقص من عادته إلا مثل أذن الهِرِّ، وقيل: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لا يأكل الطعام إلا فِي كُل خمسة عشر يوما، فَإِذَا دَخَلَ شَهْر رمضان كَانَ لا يأكل حَتَّى يرى الهلال وَكَانَ يفطر كُل ليلة عَلَى الماء القراح.

وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لو أَن الجوع يباع فِي السوق لما كَانَ ينبغي لطلاب الآخرة إِذَا دخلوا السوق أَن يشتروا غيره.

قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لما خلق اللَّه تَعَالَى الدنيا جعل فِي الشبع المعصية والجهل، وجعل فِي الجوع العلم والحكمة.

قَالَ: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: الجوع نور والشبع نار والشهوة تل الحطب يتولد منه الاحتراق ولا تطفأ ناره حَتَّى يحرق صاحبه. [الرسالة القشيرية: ١/٢٧٠-٢٧٢].

وَعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا مَا نُصِيبُ مِنْ أَورَاقِ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا مِنْ أَكْلِ الشَّجَرِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي الْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ. [الجوع لابن أبي الدنيا: ١٦٢].

أثر الجوع في تنوير القلب وكسر الشهوات

إنَّ لِلجوعِ في تهذيبِ النفسِ فِعلًا كَفِعْلِ النارِ في تنقيةِ الذهب، فهو يكسرُ سَورةَ الشهواتِ، ويُضيقُ مجاريَ الشيطانِ، ويُوقظُ الفطنةَ من رقدةِ الغفلة؛ ففي التقلّلِ صحةٌ لِلبدنِ، وصفاءٌ لِلذهنِ، وخفّةٌ لِلروحِ تطيرُ بها في آفاقِ التعبدِ بغيرِ جَناح، وتذكرُ بها غُصصَ الجائعينَ فترقُّ وتجود، فكُن لِنفسكَ ملكًا بالجوع، ولا تكُن لها عبدًا بالشبع.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته، ورقته مفتاح المكاشفة، كما أن قساوته سبب الحجاب ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو، فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات، وقال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم لعل قلوبكم ترى ربكم. وقال سهل بن عبد الله التستري: ما صار الأبدال أبدالًا إلا بأربع خصال: بإخماص البطون، والسهر، والصمت، والاعتزال عن الناس. ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر تشهد له التجربة، وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين، وأما السهر فإنه يجلو القلب ويصفيه وينوره فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع، فيصير القلب كالكوكب الدري والمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق، ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة، وحقارة الدنيا وآفاتها، فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وإقباله على الآخرة، والسهر أيضًا نتيجة الجوع فإن السهر مع الشبع غير ممكن، والنوم يقسي القلب ويميته، إلا إذا كان بقدر الضرورة فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب، فقد قيل في صفة الأبدال إن أكلهم فاقة، ونومهم غلبة، وكلامهم ضرورة. وقال إبراهيم الخواص رحمه الله: أجمع رأى سبعين صديقًا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء. [إحياء علوم الدين: ٣/ ٧٦].

وذكر أيضا رحمه الله أن في الجوع عشر فوائد:

ومن هذه الفوائد: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب

ومنها: ألا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع، والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا ويتذكر بلاء الآخرة، فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة.

ومنها: وهي من أكبر الفوائد: كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى، ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه.

ومنها: دفع النوم ودوام السهر، فإن من شبع شرب كثيرًا، ومن كثر شربه كثر نومه، ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتخسروا كثيرًا، وأجمع رأي سبعين صديقًا على أن كثرة النوم من كثرة الشرب، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوات التهجد، وبلادة الطبع وقساوة القلب والعمر.

ومنها: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه، ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال، ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه، والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه.

ومنها: يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق، ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينغص العيش ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب، وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات، وفي الجوع ما يمنع ذلك كله.

ومنها: خفة المؤونة، فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير، والذي تعود الشبع صار بطنه غريمًا ملازما له آخذا بمخنقه في كل يوم.

ومنها: أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته كما ورد به الخبر. [بتصرف من إحياء علوم الدين – باب كسر الشهوتين].

وَعن عُقْبَةً بْنٍ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ». [مسند الإمام أحمد: ١٧٣٣٣].

فتأمل يا أيها المسلم في خواص النفس، تجد أن الشبع يُغلظ الحواس ويُغشي البصر، وما جاعت البطن إلا ورقّت الأسرار، إن الشيطان يجري في العروق، والجوع يُضيق عليه المسالك، فإذا ضاقت المسالك خمدت نيران الشهوة، وأشرقت أنوار الطاعة، وصار العبدُ مَلِكًا على نفسه لا مملوكًا لهواها.

الخلاصة

يتجلى الصوم والجوع في الإسلام كمعراجٍ روحي، يحرر النفس من ثقل المادة، ويمنح القلب ضياء البصيرة، إذ إن فطام الجوارح عن فضول الطعام هو المفتاح الأول لكسر الشهوات واستنزال الحكمة، إن السيادة على البطن ليست حرمانًا ماديًا، بل هي تمكينٌ للإرادة وصيانةٌ للفطرة، تثمر في المؤمن صفاءً ذهنيًا وقوةً تعبدية ترتقي به من ضيق الطبع إلى سعة السمو الإنساني.

موضوعات ذات صلة

يتجلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه.

الدعاء عبادة عظيمة تدخل في سائر العبادات؛ لأنه روح العبادة.

الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو هندسة روحية تٌعيد بناء الإنسان من الداخل.

موضوعات مختارة