Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أثر الصيام في غرس قيم الصبر والمثابرة

الكاتب

هيئة التحرير

أثر الصيام في غرس قيم الصبر والمثابرة

ليس الصيام في شرعنا الحنيف مجرد انقطاع مادي عن ضروريات الجسد، بل هو "رياضة روحية" ومدرسة عظمى تُصاغ فيها الإرادة الإنسانية على سندان الحرمان الاختياري، وفي هذا المعراج الروحي يقف الإنسان وجهًا لوجه أمام نوازعه وشهواته.

الصبر والصيام في ميزان القرآن والسنة

عند الوقوف عند قول الله تعالى: ﴿وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾ [البقرة: ٤٥]، نجد أن أئمة التفسير قد نصوا صراحة على أن "الصبر" هنا يشمل الصيام، بل هو من أعظم صوره؛ فيقول الإمام الطبري: " إِنَّ مَعْنَى الصَّبْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الصَّوْمُ، وَالصَّوْمُ بَعْضُ مَعَانِي الصَّبْرِ عِنْدَنَا. بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّبِرِ عَلَى مَا كَرِهَتْهُ نُفُوسُهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَرْكِ مَعَاصِيهِ وَأَصْلُ الصَّبْرِ: مَنْعُ النَّفْسِ مَحَابَّهَا وَكَفُّهَا عَنْ هَوَاهَا وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصَّابِرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ: صَابِرٌ، لِكَفِّهِ نَفْسَهُ عَنِ الْجَزَعِ؛ وَقِيلَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، لِصَبْرِ صَائِمِهِ عَنِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ نَهَارًا، وَصَبْرُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ: حَبْسُهُ لَهُمْ ". [جامع البيان للطبري: (١/٦١٧) ط دار هجر].

وأورد الإمام القرطبي في المسألة الثالثة من تفسير الآية كلاما نحوه فقال: " قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الصَّوْمُ وَمِنْهُ قِيلَ لِرَمَضَانَ شَهْرُ الصَّبْرِ فَجَاءَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ مُتَنَاسِبًا فِي أَنَّ الصِّيَامَ يَمْنَعُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا ". [الجامع لأحكام القرآن: ١/٣٧٢].

اقتران الصيام بالصبر في السنة

تضافرت الأحاديث المسندة في بيان هذه الملازمة التامة بين العبادة (الصوم) والخلق (الصبر)، ومنها:

حديث الجزاء الذي لا يحيط به تقدير؛ فأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال في الحديث القدسي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [البخاري: ١٩٠٤، ومسلم: ١١٥١]، وقد ربط السلف هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَیۡرِ حِسَابࣲ﴾ [الزمر: ١٠]، فبما أن الصيام هو محض الصبر، كان أجره بغير حساب كأجر الصابرين، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [الترمذي: ٣٥١٩].

وجاء أيضا أنه شهر الصبر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ» [مسند الإمام أحمد: ٧٥٧٧، والنسائي: ٢٤٠٨].

آثار الصحابة والسلف في الصبر وثمرته في النفس

إن تجليات الصيام في غرس المثابرة والتحمل تتوافق تمامًا مع ما رسمه السلف الصالح من قواعد، فقد أورد الإمام البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (في كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله)، ووصله الإمام أحمد في كتاب "الزهد" بسند صحيح، أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ"، والصائم يعيش هذا المعنى واقعًا، حين يجد حلاوة الانتصار على الذات، والمثابرة على الإمساك.

وعن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: "الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ" [ابن أبي شيبة: ٣٠٤٣٩، والبيهقي في الشعب: ٤٠]. وقال القرطبي: "فَالصَّبْرُ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّرَائِعِ نَظِيرُ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي لَا تَمَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ" [الجامع لأحكام القرآن: ١/٣٧٢].

اجتماع أنواع الصبر الثلاثة في الصوم

السر في كون الصيام أعظم مدرسة للمثابرة هو أنه العبادة التي تجتمع فيها أقسام الصبر كلها، وقد قرر هذا المعنى الحافظ ابن رجب الحنبلي تقريرًا بديعًا، حيث قال رحمه الله: "والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإن فيه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه". [لطائف المعارف: ص١٥٠].

وهذا الإمساك اليومي المستمر هو التطبيق العملي لمعنى المثابرة، وقوة الإرادة، وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر: وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنَ النار في الْآخِرَةِ [فتح الباري: ٤/١٠٤].

الخلاصة

يتبين لنا من خلال هذه النصوص القرآنية وتفاسيرها، والأحاديث النبوية، والآثار الصحيحة عن الصحابة والسلف، أن الصيام لم يُشرع ليكون عادة وحسب، بل هو مصنعٌ للإرادة، فإن من يصبر على ترك الحلال المباح طاعةً لله في نهار رمضان، تتولد لديه الملكة والمثابرة لترك الحرام الممنوع في بقية عمره، فينال بذلك خير العيش في الدنيا كما قال الفاروق، وأجرًا بغير حساب في الآخرة.

موضوعات ذات صلة

مصر التي أطعمت العالم على مرِّ الزمان، فموائد الرحمن على أرضها رمز العطاء والجود.

إن بلوغ شهر رمضان هو اصطفاء رباني ومنحة إلهية تمنح العبد فرصة "الاستدراك" لما فاته من تقصير

الصيام في الإسلام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة تربوية عميقة تهدف إلى تهذيب النفس وبناء شخصية المسلم.

موضوعات مختارة