Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١٨)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (18)

إنَّ رمضان ليس مجرد زمنٍ للإمساك، بل هو فضاءٌ رحبٌ لاتصال الروح بأصلها، حيث يلتقي فقهُ الجوارح بأدبِ القلوب، وتتجلى حقيقة العبودية في ذروة الافتقار إلى الله والبرِّ بخلقه، فلنجعل من صيامنا معراجًا يترقى بنا من ضيق النفس إلى سعة الأنس، ومن شكل العبادة إلى جوهر الحضور

حقيقة الوصول في السفر إلى الله: من رخصة الفطر أنموذجًا صوفيًّا

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، أصل الأصول، وسر القبول، الذي قال فيه الحق سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وعلى آله وصحبه أهل الذكر والوصول.

يقول الله جلَّ جلاله في كتابه العزيز: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. 

ظاهر الآية رخصةٌ شرعيةٌ، وباطنها نداءٌ ربانيٌّ، وسرُّها طريقٌ سلوكيٌّ، وكنهها إشارةٌ إلى حقيقةٍ عرفانيةٍ عظيمة: أن السفر في مقام الوصول إلى الله ليس انقطاعًا عن العبادة، بل هو انتقالٌ من ظاهر الطاعة إلى باطن المراقبة، ومن شكل الركن إلى جوهر الحضور

فالعارفون بالله لا ينظرون إلى: "السفر" على أنه مجرد قطع المسافات بين البلدان، بل يرونه هجرةَ النفس من دار الغفلة إلى دار اليقظة، وخروجًا من سجن العادة إلى فضاء المعرفة، وتحقيق كمال العبادة؛ ولذلك كان السالك الحقيقي دائم السفر، وإن جلس في بيته، لأنه يسير بقلبه إلى مولاه، ويطوي منازل القرب بخطوات الإخلاص والمحبة. 

ومن هنا، فإن رخصة الفطر للمسافر ليست تخفيفًا من العبادة، بل رفعًا لها إلى درجةٍ أعلى، فالمريض والمسافر قد خرجا من دائرة التكليف الظاهري، ليدخلا في دائرة التجلِّي الباطني، فصيام الجسد قد تعطَّل، لكن صيام القلب لم يزل قائمًا؛ بل ربما ازداد، إذ لا يُلهيه طعامٌ ولا شرابٌ عن ذكر محبوبه. 

يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: "السالك لا يُنظر إليه بفعله، بل بحاله مع الله". فالفعل قد ينقطع، لكن الحال لا ينقطع، والعبادة قد تُؤخَّر، لكن المراقبة لا تتأخر، فالمسافر في الحقيقة هو من سار بعيدا عن نفسه، وسافر عن هواه، ووصل إلى ربه، أما من جلس في مكانه، وسكن إلى شهواته، فهو وإن لم يبرح بيته، فهو في أبعد أبعاد الغربة عن الله. 

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين وصف أولياءه بقوله: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. فهم "مسافرون" في كل حال، لأن قلوبهم لا تسكن إلا عند مولاها. 

ومن عجائب الحكمة الإلهية أن جعلت رخصة الفطر مرآةً للنية، فمن أفطر وهو مسافرٌ جسديًّا فقط، فقد أخذ برخصةٍ، ومن أفطر وهو مسافرٌ قلبيًّا -أي: وهو سائرٌ إلى الله- فقد أخذ بسرِّ الرخصة، وارتبط بمقصدها الأعمق والأسمى، فليس الصيام عند العارفين مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل هو امتناعٌ عن غير الله، ومن كان قلبه مشغوفًا بالوصول، فلا وقت عنده لغير محبوبه، ولا شهوة له سوى لقائه. 

فما أخرجك من رخصةٍ إلى عزيمةٍ، إلا وأدخلك من عزيمةٍ إلى رخصةٍ، فربما يكون الأخذ بالرخصة لمن سار إلى الله أقربَ إلى الإخلاص من التمسك بالعزيمة رياءً أو عادةً. 

فليُعلم أن الوصول إلى الله لا يُقاس بعدد الأيام التي صمتها، بل بصدقك حين أفطرت، فهل أفطرت وأنت ناسٍ؟ أم أفطرت وأنت ذاكر؟ هل أفطرت هروبًا من التكليف؟ أم أفطرت طاعةً لأمر المحبوب؟ 

إن السفر الحقيقي هو: أن ترحل عن نفسك، لا أن تركب الدابة، فمن سافر عن نفسه، فقد وصل، ومن وصل فقد صام قلبه عن كل ما سواه. 

وخِتامًا، فإن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ليس وعدًا بالقضاء فحسب، بل هو إشارةٌ إلى أن أيام القرب لا تنتهي، وأن السالك لا يزال في سفره حتى يلقى ربه، فعدَّته ليست أيامًا تحصى، بل حالاتٍ تتجدد، ومقاماتٍ تترقى. 

وصل اللهم على سيد السائرين إلى الله، محمدٍ خير البرية، وعلى آله وصحبه سادة الواردين على باب رحمة الله، وسلم تسليمًا كثيرًا.

درس التراويح: ترويحة إيمانية، اتباع مشكاة الوحي والنهي عن مخالطة أهل الضلال.

نعيش ونحيا في هذه الليلة المباركة مع آية كريمة من الجزء الثامن عشر، وهي قول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) [المؤمنون:١- ٥].

في الآية الكريمة توجيهات وإشارات ففيها (فلاح أهل الإيمان، من صفات المؤمنين: الخشوع في الصلاة، والإعراض عن اللغو، والإنفاق في سبيل الله، العفة والبعد عن الفواحش، حفظ الأمانة والوفاء بالعهد، والخشية لله تعالى).

فأما فلاح أهل الإيمان فاعلم أن معرفة الله (عز وجل) هي أول طريق الإيمان، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:١٩]، والإيمان بالله تعالى هو أسمى علاقة جاء بها الرسل (عليهم السلام)، ومعناه: استقرار العقيدة في القلب بالإيمان بالله وبملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وعلى المؤمنين أن يؤدوا مطلوب الإيمان، وهو تنفيذ التكاليف التي يأتي بها المنهج الإلهي، والمبلِّغ عنه سيدنا رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الأوامر والنواهي.

 إن أهل الإيمان هم أهل الفلاح في الدنيا والآخرة، لما قدموه من امتثال للأمر واجتناب للنهي، فالإيمان بالله (عز وجل) مرتبط بالعمل الصالح، لا ينفك أحدهما عن الآخر، كما جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة، ومنها قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة:٨٢]، وقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[يونس: ٩]، ولقد ذكر الحق سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم صفات كثيرة لعباده المؤمنين، منها:   

١- الخشوع في الصلاة: وهو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرًا لقربه، فتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، فتنتفي بذلك الوساوس، والخشوع هو روح الصلاة، والمقصود منها، قال تعالى: "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ"(المؤمنون:٢)، والخشوع وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها، ولقد ضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أروع الأمثلة في كمال الخشية من الله تعالى، فعَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) (صحيح ابن خزيمة).

٢- الإعراض عن اللغو في القول والفعل: قال تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْو" وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، {مُعْرِضُونَ} رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، فهم لا يحضرون الزور من القول والفعل (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) أي: فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ) وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم (مَرُّوا كِرَامًا) أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا أن الخوض فيه وإن كان لا إثم فيه فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة؛ فربأوا بأنفسهم عنه، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه -إلا في الخير- كان مالكًا لأمره، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ بن جبل حين أوصاه بوصايا، قال: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: "كف عليك هذا".

  ٣ - ومن صفات المؤمنين كذلك: الإنفاق في سبيل الله تعالى بمفهومه الشامل المتضمن الزكاة المفروضة وصدقات التطوع، فعن ابن عمر (رضي الله عنهما) عن النَّبيّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ) (صحيح البخاري)، فالمؤمن يعلم أنه مستخلف في المال، وأن الفضل بيد الله، فَيُنفق لينفق الله عليه، فعن النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتْاً في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ) (صحيح مسلم) .

٤- ومن صفات أهل الإيمان العفة والبعد عن الفواحش، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} عن الزنا، ومن تمام حفظها تجنب ما يدعو إلى ذلك، كالنظر واللمس ونحوهما، فأهل الإيمان حفظوا فروجهم من كل أحد {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} بقربهما، لأن الله تعالى أحلهما.

٥- ومن صفاتهم حفظ الأمانة والوفاء بالعهد، قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أي: مراعون لها، ضابطون، حافظون، حريصون على القيام بها وتنفيذها، وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله، والتي هي حق للعباد، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ} فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، وحفظ العهد يشمل ما كان بينهم وبين ربهم، وما كان بينهم وبين العباد، وهي الالتزامات والعقود التي يعقدها العبد، فعليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }[المائدة: ١].

٦-ومنها المحافظة على الصلاة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي: يداومون عليها في أوقاتها وحدودها وأشراطها وأركانها، فمدحهم بالخشوع في الصلاة، وبالمحافظة عليها، لأنه لا يتم أمرهم إلا بالأمرين، فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع، أو على الخشوع من دون محافظة عليها، فإنه مذموم ناقص.

 ٧ -ومنها: الخشية لله تعالى، فالخشية من أعلى المقامات وأجلها، يقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:٢- ٤]، والوجل: هو كمال الخشية لله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[المؤمنون:٥٧-٦٠].

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المؤمنين.

درس الملتقى: رضا الله في رضا الوالدين

حين نستقبل هلال شهر رمضان المبارك، فإننا لا نستقبل مجرد زمنٍ تتغير فيه العادات، ولكن نستقبل ميقاتًا قدسيًا يُعاد فيه تشكيل الروح وترميم بناء الإنسان،  وإذا كان الصيام في جوهره هو الإمساك عن المشتهيات، فإنه في عمقه هو الاتصال بمنابع النور، ولا منبع للنور في هذا الوجود الإنساني يضاهي مقام الوالدين، فالمنهج الإسلامي الفريد يرى في الإنسان بنيان الله المعظم، يعلمنا أن البر بالوالدين ليس مجرد فضيلة نُلحقها بجدول أعمالنا الرمضاني، ولكنها العروة الوثقى التي تجعل للصيام طعمًا، وللقيام معنى، وللغة القرآن أثراً باقيًا في السلوك.

إننا في رمضان نحتاج إلى رهافةٍ في المشاعر والأحاسيس، تجعلنا ندرك أن جبر خاطر الأم، وإدخال السرور على قلب الأب، هو في حقيقته اعتكافٌ في رحاب الرحمة الإلهية، إن هذا الشهر هو مدرسة "الوفاء" التي تكسر كبرياء النفس؛ فحين يجوع البدن؛ تصفو الروح، وحين تصفو الروح؛ تتجلى لها حقيقة أن هؤلاء الكبار في السن، الضعاف في البدن، هم في الحقيقة كبار القدر عند الله، وهم الأبواب المشرعة التي لو ولجنا منها لوجدنا القبول والفتح والتيسير، فما أجمل أن يمتزج عبير القرآن بعبير "الرحمة" التي نسكبها تحت أقدام من كانوا لنا أرضاً وسماءً، ليكون رمضاننا هذا "معراجاً" نترقي به في مراتب القبول والمحبة والرضوان.

التأصيل الشرعي

أولاً: من الذكر الحكيم

قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [سورة النساء: الآية ٣٦]

قال الله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [سورة الإسراء: الآية ٢٣]

قال تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} [سورة مريم: الآية ١٤]

ثانياً: من السنة النبوية المطهرة

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: {رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما أوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ} رواه مسلم في صحيحه

عن معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ أستشيره في الجهاد، فقال: ألك أم؟  قلت: نعم، قال: {الزم رجلها، فثم الجنة} رواه النسائي في سننه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رقي النبي ﷺ المنبر فقال"آمين، آمين، آمين "قيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال":قال لي جبريل: رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة، قلت: آمين } رواه ابن حبان في صحيحه

إطعام الطعام بلمسة البر

لا تتوقف قيمة الطعام في شهر رمضان عند حد سد الجوع، بل ترتقي لتكون رسالة مودة، إن الوقوف في خدمة الوالدين عند المائدة، والحرص على تقديم ما يحبانه من طعامٍ وشراب برفقٍ ودلال، هو في الحقيقة وسيلة حب نتقرب بها إلى الله، إن الروح الطيبة تتذوق في هذا المشهد سر البركة، فحين تضع اللقمة في فم والدك، أو تقرب كوب الماء ليد أمك الضعيفة عند الأذان، فأنت لا تؤدي وظيفة، بل تلمس مقام الإحسان الذي هو: "أن تعبد الله كأنك تراه"، وتراه هنا في جلال والديك، فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل رمضان روضةً من رياض الجنة في قلب بيوتنا.

الصبر والحلم على الوالدين

إذا كان الصيام هو مدرسة الصبر، فإن أولى الناس بصبرك وحلمك هما والداك، فطريق تجلي البر في رمضان يظهر في خفض الجناح، وفي اختيار أعذب الكلمات وأرقها، خاصة في لحظات التعب أو ضيق الوقت، لذلك فالمنهج النبوي يربينا على أن الكلمة الطيبة صدقة، فكيف إذا كانت هذه الكلمة موجهة لمن أمرنا الله ألا نقول لهما "أف"، إن البر هنا هو أن يكون صوتك أخفض من صوتهما، وحديثك إليهما مزيجاً من الهيبة والمحبة، ففي صمتك بين أيديهما وقار، وفي كلامك معهما نور، وبذلك يتحول الصيام من مجرد تركٍ للمباحات إلى تحلٍّ بأجمل الصفات.

قضاء حوائج الوالدين (اعتكاف الخدمة)

بينما يهرع الناس إلى المساجد طلباً للاعتكاف، يفتح الله لك اعتكافًا أعظم أجراً في عقر دارك، وهو القيام على شؤون والديك، فالسعي في قضاء حوائجهما، وتوفير سبل الراحة لهما في رمضان، هو جهادٌ روحي يكسر صنم الأنانية في النفس، إننا نؤمن أن قضاء ساعة في مؤانسة الوالدين، أو تدليلهما، أو مساعدتهما على الوضوء والصلاة، قد تسبق في ميزان الله ساعات من النوافل، إن "اعتكاف الخدمة" هذا يورث القلب رقةً، ويورث الرزق سعةً، ويجعل الصائم يخرج من رمضان وقد غُفر له؛ لأنه طرق باباً من أبواب الجنة لا يُغلق.

الدعاء للوالدين أعظم أبواب البر

البر الحقيقي هو تلك الرابطة الروحية التي تتجاوز حدود المادة، فتجد الصائم في ليالي العشر الأواخر، وحين يرجو ليلة القدر، يضع اسمي والديه في مقدمة دعواته، فتخصيص الوالدين بالدعاء بالعفو والمغفرة والعتق من النار هو أصدق أنواع الوفاء، والبر الممتد يشمل أيضاً صلة رحمهما، وإكرام أهل ودهما في رمضان؛ ليبقى ذكرهما حياً نابضاً بالخير، إن هذا التواصل الروحي يجعل الوالدين يشعران ببركة أبنائهما حتى وهما في محراب صلاتهما، أو حتى بعد رحيلهما؛ ليكون الابن البار هو الصدقة الجارية التي لا ينقطع أثرها أبداً.

رسائل دعوية

  • رمضان فرصة لتجديد "بيعة الحب" وتدشين عصر جديد من الإحسان تحت أقدام والديك.
  • فطورك الذي تخدم فيه والديك هو أشهى مائدة تقربك من "مائدة الرضا" في الجنة.
  • دعوة أمك لك عند الإفطار هي الحصن الذي يحميك من نوائب الدهر وتقلبات الأيام.
  • اجعل من خدمتهما في زحام رمضان "خبيئة" صالحة تدخرها ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
  • صومك عن جفاء والديك وغليظ القول لهما هو أصدق أنواع الصيام وأثقلها في الميزان.
  • لا يرتفع صيامٌ إلى السماء وفوقه قلب أبٍ أو أمٍ يقطر حزناً من قسوة الأبناء.
  • تقبيل يد والدك بعد التراويح هو "مسك الختام" الذي يطيب به يومك الرمضاني كله.
  • بر الوالدين في ليالي رمضان هو "المغناطيس" الذي يجذب لك بركات ليلة القدر.
  • كن لوالديك كالنسمة الباردة التي تبل صدى الروح في نهار الصيام الطويل.
  • الابتسامة في وجههما وقت السحر هي صلاة صامتة تضيء لك ظلمة القبر.
  • إذا أردت استجابة فورية لدعائك، فاجعل "رضا والديك" هو الوسيلة التي تتوسل بها.
  • برهما في شيبهما هو الاستثمار الذي ستقبض أرباحه عزةً وبركةً في أبنائك.
  • رضا الوالد في رمضان هو "جبر خاطر" إلهي يفتح لك مغاليق الأبواب الموصدة.
  • اجعل لنفسك حظاً من "الاعتكاف" في محراب قلوبهما، فثَمّ وجه الله ورضاه.
  • لين الكلام مع أمك وقت تعبها في المطبخ هو ذروة الفصاحة وكمال الأخلاق.
  • من فقد والديه، فليجعلهما شريكين في كل سجدة وكل صدقة في هذا الشهر الكريم.
  • كن بوالديك حفيًا كما كان الأنبياء؛ تدرك رتبة الصديقين وتلبس حُلل الكرامة.
  • البر هو الفرحة الحقيقية التي تسبق العيد، فلا عيد لمن كسر قلب والديه.
  • تذكر أن الله استودع سره في قلوبهما، فمن وصلهما وصله الله بكل خير.
  • بر الوالدين كنز لا ينضب أبدًا.

إثراء دعوي ومعرفي:

-       من مشكاة الحكم العطائية:

" مَا تَوَقَّفَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِرَبِّكَ، وَلَا تَيَسَّرَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِنَفْسِك"

يضع سيدي ابن عطاء الله في هذه الحكمة ميزان السير الحقيقي، موضحاً أن مدار النجاح والفتح ليس على قوة المطلب وعظمته، بل على حال الطالب واستناده،  فالمطالب التي تُطلب بالاعتماد على الحول والقوة الشخصية والذكاء المجرّد محكوم عليها بالتعثر وإن بدت يسيرة، لأن المستند فيها عاجز وهو النفس، أما المطالب التي تُطلب بالله ولله، وبالتبرؤ من الحول والقوة، فلا يمكن أن تتوقف؛ لأن المستند فيها هو القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء، فهي دعوة صريحة للانتقال من ضيق الأنانية إلى سعة الفضل الإلهي، فمن اعتمد على تدبيره وُكل إليه، ومن اعتمد على تدبير الله جرى اللطف في حقه.

فالأدب مع الله يقتضي أن يشهد العبد فقره الذاتي في كل حركة وسكنة، فإذا أراد توبةً طلبها بالله، وإذا أراد علماً طلبه بالله، وإذا أراد رزقاً طلبه بالله، فالعارف لا يرى لنفسه يداً في جلب نفع أو دفع ضر، بل يرى الفضل كله لله ابتداءً وانتهاءً، وهذا الانكسار والافتقار هو عين الغنى، إذ كيف يفتقر من كان مولاه هو الغني؟ وكيف يتعسر على العبد أمرٌ وهو يطرقه بباب من يقول للشيء كن فيكون؟ إنما الحجاب هو رؤية النفس وظن القدرة فيها، وهو حجاب يمنع المدد ويجلب النكد، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [سورة الطلاق: الآية ٣ٍ ]

وفي ظلال شهر رمضان المبارك، نجد هذه الحكمة تتجسد في حال الصائمين، فكم من واثق بقوته وعزيمته دخل الشهر مغروراً بعمله، فما لبث أن فترت همته وانقطع عمله لأنه طلب بنفسه، وكم من ضعيف منكسر دخل الشهر يرجو معونة الله ويستعيذ به من عجز نفسه، ففتح الله له من أبواب القيام والقرآن والذكر ما لا يبلغه الأقوياء، لأنه طلب بربه، فشهر رمضان يعلمنا أننا لا نصوم بقوة أجسادنا، بل بإذن ربنا، ولا نقوم بطول وقوفنا، بل بتثبيت خالقنا، فالسعيد في هذا الشهر هو من جعل شعاره لا حول ولا قوة إلا بالله حقيقةً لا لفظاً، فيطلب من الله أن يعينه على طاعته، مدركاً أن العبادة فضل من المعبود وليست فضلاً من العابد.

فالصائم الحق هو الذي يفر من تدبيره لتدبير ربه، ومن قوته لقوة خالقه، فلا يستكثر طاعةً فعلها، ولا ييأس من ذنبٍ غلبه، بل يلوذ بباب الكريم طالباً التوفيق والقبول؛ لكي يخلع رداء الربوبية عن النفس ويلبسها رداء العبودية الحق، فمن تحقق بهذا الحال في رمضان، وجد الصعاب سهلة، والبعيد قريباً، لأن الله يكون هو سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ومن كان الله معه، فمن عليه؟

إن رمضان يربينا على أن النصر والفتح والتغيير لا ينال بالاستعلاء بل بـالاستعانة،  فإذا أردت أن يتيسر لك حظك من هذا الشهر، فادخله فقيراً، تائباً، متبرئاً من ذكائك وخططك، معلقاً قلبك بالقدير، فكل سجدة وكل آية هي رزق ساقه الله إليك، ولو وكلك لنفسك ما حركت لسانك بذكر، فليكن رمضانك هو معراجك للتحقق بالافتقار، ولتعلم أن أعظم كرامة هي أن يخرجك الله من سجن نفسك إلى فضاء قدسه، ممتثلاً قول الحق سبحانه في الحديث القدسي: {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم} [ رواه مسلم]، فاطلب الهداية والقبول بربك، تجد الأبواب مشرعة والخيرات تترى.

المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

اليسر والعيسر

في قوله تعالى: " "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" تتضمن الآية الكريمة دلالات لغوية وبيانية تؤكد على التخفيف والتيسير؛ فالفعل "يريد" يوضح لنا مشيئة الله (عز وجل) في تخفيف الأعباء ورفع الحرج، وجاءت كلمتا "اليسر" و"العسر" كطباق يوضح التضاد، بينما أفاد حرف الباء في "بكم" الملابسة والمصاحبة، مؤكدًا أن الله لا يريد إلا السهولة في كافة الأحكام.

 اليسر هو السهولة، والعسر هو الصعوبة، استخدم القرآن الكريم "اليسر" بـ "اللام" التعريفية (الجنسية) للإشارة إلى حقيقة اليسر وشموله، مما يعني نفي العسر بالكلية في التشريع. 

لم يكتفِ القرآن الكريم التأكيد بالنفي في قوله: "ولا يريد بكم العسر" بعد الإثبات "يريد الله بكم اليسر"، وهو يسمى أسلوب طباق وسلب؛ لتقرير المعنى وتأكيده، ومبالغة في نفي العسر، ولقطع الطريق على أي توهم بأن المشقة مطلوبة لذاتها في العبادة.   

واستعمال حرف الجر الباء في بكم يفيد أن إرادة اليسر ملابسة ومصاحبة لكم في كل الأحوال، ولام التعليل محذوفة والتقدير "يريد الله أن ييسر لكم".

وهنا تعليل: حيث جاءت الآية تعقيبًا على أحكام الصيام للمريض والمسافر؛ لتظهر أن التخفيف هو مقصود شرعي، مما يضفي جمالاً نفسياً يطمئن قلب المؤمن.

ومن هنا تبرز قاعدة فقهية عظيمة (المشقة تجلب التيسير)، وتؤكد أن الأوامر الشرعية أصلها السهولة.

الخلاصة:

وتعد هذه الآية نموذجًا للإعجاز البلاغي الذي يجمع بين سهولة اللفظ وعمق المعنى، حيث تُعبر الجملة: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" بأسلوبها القوي عن أن رحمة الله جل جلاله هي الأصل، وأن الدين الإسلامي مبني على التيسير لا التعسير، وعلى تخفيف الأعباء ورفع الحرج عن المكلفين لا إحراجهم.

رمضان سؤال وجواب

حكم وضع حبة تحت اللسان لمريض القلب في نهار رمضان

السؤال: أنا مريض بالقلب، وأحتاج أحياناً في نهار رمضان إلى وضع قرص علاجي تحت اللسان عند الشعور بالألم، فهل وضع هذه الحبة يُفسد صومي ويجب عليَّ الفطر والقضاء، أم أن صيامي صحيح باعتبار أنها تُمتص ولا تُبلع؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن وضع الحبة تحت اللسان لمريض القلب لا تفطر، وصيام مَن استعملها صحيحٌ شرعاً؛ بشرط عدم تعمد ابتلاع ما قد يتحلل منها ويدخل الحلق، فإذا امتصها الغشاء المخاطي وصعد أثرها أو طعمها للحلق فلا حرج عليه؛ وذلك لأنَّ هذه الأدوية تُمتصُّ عبر المسام والأوعية الدموية الموجودة في الفم، ولا تصل بعينها  إلى الجوف المعتبر إفساد الصوم بالوصول إليه، فالأصل في الصيام هو الإمساك عن المفطرات التي تصل إلى الجوف من منفذ مفتوح، والأدوية التي تُوضع تحت اللسان لا تؤثِّر على صحة الصوم؛ لأن الفم في حكم الظاهر لا الباطن،  وما يوضع فيه لا يفطر إلا إذا جاوز الحلق ودخل الجوف، وقد اتفق جماهير الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والمتأخرين من المالكية على أنَّ داخل الفم له حكم الظاهر في حق الصائم،  فلا يفسد الصوم بمجرد وصول الشيء إليه دون أن يصل بعينه إلى الجوف، وإليك التفصيل الفقهي لهذه المسألة:

مذهب السادة الحنفية:

قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" ( ٣/ ٩٣ ، ط. دار المعرفة):  [وَإِذَا ذَاقَ الصَّائِمُ بِلِسَانِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَدْخُلْ حَلْقَهُ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَالْفَمُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ]  انتهى.

مذهب السادة المالكية:

وقال الإمام ابن جزي المالكي في "القوانين الفقهية" (ص٨٠) [وَأما دَوَاء الْجرْح بِمَا يصل إِلَى الْجوف فَلَا يفْطر خلافًا لَهما] انتهى.

مذهب السادة الشافعية:

قال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين"   [٢/ ٣٥٧، ط.المكتب الإسلامي) [ وَدَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ إِلَى مُنْتَهَى الْغَلْصَمَةِ، وَالْخَيْشُومُ لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ الْقَيْءُ وَابْتَلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً، أَفْطَرَ، وَلَوْ أَمْسَكَ فِيهِ شَيْئًا لَمْ يُفْطِرْ» انتهى.

مذهب السادة الحنابلة:

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" ( ٣/ ١٢٣،ط. مكتبة القاهرة)  [وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ، كَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ]  انتهى .

هداية وإرشاد:

أيها السائل الكريم: إن صيامك صحيح، واستخدامك لهذا الدواء عند الحاجة لا يقطع صومك، وعليك فقط الحذر من ابتلاع أي بقايا صلبة قد تتبقى من القرص بعد ذوبانه، بل الفظها مع ريقك بعد تمام الامتصاص لضمان عدم وصول شيء من جرم الدواء إلى المعدة، وينبغي مراعاة الحالة الصحية العامة، فإذا كان الصيام يلحق ضرراً محققاً بمريض القلب أو يزيد في مرضه، فقد رخص الله للمريض الفطر والقضاء عند القدرة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].

دعاء وختام.

أسألك يا رب أن ترزقنا بقلب لا يأنس إلا بمناجاتك، وعقلًا لا يهتدي إلا بمعرفتك، وروحًا لا تسعد إلا في ذكرك.

يا مجيب الدعاء ويا مقيل العثرات وقاضي الحاجات، اقضِ حاجتي وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب.

سبحان من قسّم الأرزاق ولم ينس أحدًا، اجعل يدي عليا بالعطاء ولا تجعل يدي سفلى بالاستعطاء.

اللهم عليك توكلت فارزقني واكفني، وبك لُذت فنجني مما يؤذيني، أنت حسبي ونعم الوكيل.

موضوعات ذات صلة

غزوة بدر ليست مجرد موقعة انتهت بانتصار فريق؛ بل هي فلسفة نصر مستمرة.

لماذا اختار السادات يوم العاشر من رمضان لبدء حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣؟

تمثل حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣هـ، السادس من أكتوبر ١٩٧٣م نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي.

موضوعات مختارة