Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فتح مكة من نقض العهد إلى طريق الفتح المبين

الكاتب

هيئة التحرير

فتح مكة من نقض العهد إلى طريق الفتح المبين

انطلقت أحداث فتح مكة عقب نقض قريش لصلح الحديبية باعتدائها على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، مما استوجب تحركًا نبويًا حازمًا لتأديب الغادرين واسترداد الحقوق، مع الحرص التام على السرية التامة لمباغتة العدو وتجنب إراقة الدماء في الحرم المكي الشريف.

سبب غزوة فتح مكة

ذكر الرواة أنه لما أُبْرِم صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي مكة في السنة السادسة من الهجرة كان من بين شروطه:" أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ. فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِهِ" [ابن هشام السيرة النبوية، ٢/٣٩٠].

وفى السنة الثامنة خُيِّل لقريش وحلفائها أن المسلمين قد ضعفوا، وخصوصًا بعد ما تعرضوا له في غزوة مُؤتة، فتجرأت بنو بكر على النيل من خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وكان بينهما ثارات ودماء ترجع إلى زمن الجاهلية، فبيت بنو بكر خزاعةَ وهم على ماء يسمى "الوتير" وأصابوا وقتلوا فيهم نحو عشرين وأعانتهم قريش بالسلاح والمال سرًا، وقالت قريش: "ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد" [البيهقي، دلائل النبوة، ٥/٦].

وما زالوا يقاتلونهم حتى ألجأوهم إلى الحرم، فاحتموا بدار بديل بن ورقاء ومولى لهم اسمه أبو رافع [السهيلي، الروض الانف في شرح السيرة لنبوية، ٧/١٩٣]، وقد روى ابن كثير عن ابن إسحاق ما كان صراع وقتال بين خزاعة وبني بكر قبل الإسلام [ابن كثير، البداية والنهاية، ٦/٥١٠ بتصرف يسير].

فركب عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من قومه إلى رسول الله بالمدينة وأخبره بغدر قريش وما فعله بنو بكر، وأنشده في ذلك شعرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم، لا نُصرتُ إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي، كذلك توجه بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما جرى ثم عادوا إلى مكة وفي طريق العودة لقيهم أبو سفيان بن حرب فقال لبديل: لعلك ذهبت إلى محمد مستنصرًا، فأنكر بديل، لكن أبا سفيان تأكد من ذلك عندما رأى في بَعر مَبْرَكِ ناقةِ بديلٍ نَوى يثرب [ابن هشام السيرة النبوية، ٢/٣٩٥-٣٩٦]

سفارة أبي سفيان إلى المدينة

أدركت قريش مغبة نقضها للعهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأرسلت إليه أبا سفيان يجدد العهد ويطلب مدَّ أَمَدِ الصلح، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنَّاسِ: «كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدَّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» [ابن سيد الناس، عيون الأثر، ٢/٢١٣]، وتشير بعض الروايات إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بني بكر أو القتال، فاختارت القتال، ثم ندمت وأرسلت أبا سفيان [الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ٥/٢٠٥]، وهذا يؤكد عجز قريش وصدق عدم قدرتها على غزو المدينة بعد عام الأحزاب، كما قدر النبي صلى الله عليه وسلم.

وفور وصول أبي سفيان إلى المدينة توجه إلى ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فرفضت أن يجلس على فراش المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، فخرج من عندها مغضبًا ثم تكلم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العهد وإطالة المدة، فلم يخرج منه بشيء فتوجه إلى أبي بكر – رضي الله عنه – ثم إلى عمر ثم إلى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه [ابن هشام، السيرة النبوية، ٢/٣٩٦].

وكانت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الإمام علي والحسن بن علي غلام يدب بين يديه، وحاول أن ينال شفاعة هؤلاء عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يَظْفَر من ذلك بشيء، فقط نَصَحَه عليٌّ – رضي الله عنه – أن يجير بين الناس ويرجع إلى أرضه، فقال: ترى ذلك مُغنِيًا عني شيئًا؟ قال ما أظنه، ولكن لا أجد لك سواه، فقام أبو سفيان في المسجد فنادى بين الناس: ألا إني قد أجرت بين الناس، ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشًا، فسألوه: هل أقر محمد ما فعلت؟  فقال: لا، فقالوا: ما جئت بشيء؛ ما زاد ابن أبي طالب على أن لَعِبَ بك ،قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا وجدت غير ذلك [ابن سيد الناس، عيون الأثر، ٢/٢١٤].

تجهز النبي للخروج

لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخذ في التجهز للخروج إلى مكة، وأعلن للناس رغبته في ذلك دون أن يظهر مقصده إلا لبعض خاصته، وكان الغرض مباغتة قريش في عقر دارها قبل أن تأخذ أهبتها حرصًا منه على عدم إراقة الدماء في البلد الحرام.

ولما تجهز الناس وتهيؤوا للمسير أخبرهم صلى الله عليه وسلم قائلًا: «اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَبْصَارَ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا، اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَبْصَارَ، فَلا يَرَوْنِي إِلا بَغْتَةً» [البداية والنهاية لابن كثير ٢٨٣/٤]، وهذا مهم لأن المفاجأة في الحرب من أهم عناصر تحقيق النصر.

كتاب حاطب إلى قريش

وكان هذا الرجل – حاطب بن أبي بلتعة – موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أرسله سفيرًا إلى المقوقس في مصر يدعوه للإسلام، ومع ذلك فقد كتب خطابًا لقريش يخبرها فيه بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه لمولاة عجوز تسمى "سارة" لتُبَلِّغُه قريشًا مقابل مبلغ من المال، فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا ثُمّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمّ خَرَجَتْ بِهِ. [السهيلي، الروض الأنف، ٧/٢٠٤].

لكن الوحي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا والزبير والمقداد، فأمسكوا بالمرأة على بعد اثنى عشر ميلًا من المدينة، ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئًا، فقال لَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنِّي أَحْلِفُ باللَّه مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا كَذَبْنَا، وَلَتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكَ، فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنْهُ، قَالَتْ: أَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ، فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [ابن هشام، السيرة النبوية،٢/٣٩٩]، وكان نصه كما جاء في صحيح البخاري: "يا معشر قريش فإن رسول الله جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فو الله لو جاءكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز وعده فانظروا لأنفسكم والسلام".[ابن حجر، فتح الباري، ٧/٥٢١].

فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ باللَّه وَرَسُولِهِ، مَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَمْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ، فَصَانَعْتهمْ عَلَيْهِمْ.[ابن هشام، السيرة النبوية، ٢/٣٩٩].

فقال عمر – رضي الله عنه –: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم« ‌أَمَا ‌إِنَّهُ ‌قَدْ ‌صَدَقَكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» [البخاري (٤٢٧٤)].

وإلى هذا جاءت الإشارة في قول الله عز وجل في مطلع سورة الممتحنة: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ تُلۡقُونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُوا۟ بِمَا جَاۤءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ یُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِیَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدࣰا فِی سَبِیلِی وَٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِیۚ تُسِرُّونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَاۤ أَخۡفَیۡتُمۡ وَمَاۤ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن یَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وهكذا يلتمس الرسول العظيم العُذْرَ لمن استزله الشيطان في غفوة من صدق الإيمان ووازع الضمير.

وفي هذه الحادثة معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها حكم الجاسوس وجواز هتك سره.

مسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة

عَنِ ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ، وَصَامَ النَّاسُ، ‌حَتَّى ‌إِذَا ‌كَانَ ‌بِالْكَدِيدِ، أَفْطَرَ، فَنَزَلَ صلى الله عليه وسلم مَرَّ ظهران، فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ النَّاسِ، فِيهِمْ أَلْفٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَدْ عَمِيَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَلَا يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلُهُ [ٍابن حجر العسقلاني، المطالب العالية، ١٧/٤٥٩،(٤٣٠١)]، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى حَتّى نَزَلَ مَرّ الظّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبّعَتْ سُلَيْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَلّفَتْ سُلَيْمٌ، وَأَلّفَتْ مُزَيْنَةُ.

وَفِي كُلّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ [السهيلي، الروض الأنف، ٧/٦٠].

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِسَفَرِهِ وَاسْتَخْلَفَ ‌عَلَى ‌الْمَدِينَةِ ‌أَبَا ‌رُهْمٍ ‌كُلْثُومَ ‌بْنَ ‌حُصَيْنِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ خَلَفٍ الْغِفَارِيَّ».[أحمد (٢٣٩٢)].

وذكر أن استخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم ‌على ‌المدينة ‌أبا ‌رهم ‌كلثوم ‌بن ‌حصين الغفاري، ويقال ابن أم مكتوم، وذكره ابن سعد، والبلاذري، والأوّل هو الصحيح. [الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ٥/٢١٢].

الخلاصة

لقد جسد فتح مكة قمة الحكمة النبوية في الجمع بين القوة والعفو، حيث انتهى المسير بدخول مكة سلمًا وتأمين أهلها ونشر الأمان في جنباتها، ليكون هذا الفتح نقطة تحول تاريخية أعزت الإسلام وكسرت شوكة الشرك، مبرهنة على صدق الوعد الإلهي بنصر المؤمنين وتمكينهم.

موضوعات ذات صلة

إنَّ فتحَ مكةَ (في العشرين من رمضان سنة ٨هـ) هو في الميزانِ العُمري والتحليلي تتويجٌ لسنواتِ الصبرِ واليقين.

يعدُّ فتح مكة في رمضان المبارك (سنة ٨ هـ) الفتح الأعظم في تاريخ الإسلام.

تبرز عظمة فتح مكة كواحد من أروع أحداث السيرة المطهرة، فلم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان فتحًا للقلوب المغلقة

موضوعات مختارة