Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فتح مكة العظيم

الكاتب

أ.د/ عبد الله محمد جمال الدين

فتح مكة العظيم

تبرز عظمة فتح مكة كواحد من أروع أحداث السيرة المطهرة، فلم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان فتحًا للقلوب المغلقة، وذلك لمكانة مكة من قبائل العرب لوجود البيت الحرام فيها، أَمَا وقد دخل الإسلام مكة فقد تغيّر وجه الجزيرة العربية إلى الأبد، ومهّد لدخول الناس في دين الله أفواجًا.

سبب فتح مكة

ذكر الرواة أنه لما أُبْرِم صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي مكة في السنة السادسة من الهجرة كان من بين شروطه أن من أراد أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فليفعل، ومن أراد الدخول في عهد قريش فليدخل، فدخلت قبيلة خزاعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل بنو بكر في عهد قريش، ولم يحدث من المسلمين ما يخل بهذا العهد على امتداد عامين.

وفى السنة الثامنة خُيِّل لقريش وحلفائها أن المسلمين قد ضعفوا، وخصوصًا بعد ما تعرضوا له في غزوة مُؤتة، فتجرأت بنو بكر على النيل من خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وكان بينهما ثارات ودماء ترجع إلى زمن الجاهلية، فبيت بنو بكر خزاعةَ وهم على ماء يسمى "الوتير" وأصابوا وقتلوا فيهم نحو عشرين وأعانتهم قريش بالسلاح والمال سرًا، وقالت قريش: "ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد".

وما زالوا يقاتلونهم حتى ألجأوهم إلى الحرم، فاحتموا بدار بديل بن ورقاء ومولى لهم اسمه أبو رافع [تاريخ الإسلام في عهد النبوة والخلافة الراشدة أ. د عبد الشافي محمد عبد اللطيف، ص ٣٢٨]، وقد روى ابن كثير عن ابن إسحاق ما كان صراع وقتال بين خزاعة وبني بكر قبل الإسلام [صفوة ابن كثير، ص ٢٢٩].

فركب عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من قومه إلى رسول الله بالمدينة وأخبره بغدر قريش وما فعله بنو بكر، وأنشده في ذلك شعرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم، لا نُصرتُ إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي»، كذلك توجه بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما جرى ثم عادوا إلى مكة وفي طريق العودة لقيهم أبو سفيان بن حرب فقال لبديل: لعلك ذهبت إلى محمد مستنصرًا، فأنكر بديل، لكن أبا سفيان تأكد من ذلك عندما رأى في بَعر مَبْرَكِ ناقةِ بديلٍ نَوى يثرب.

سفارة أبي سفيان إلى المدينة

أدركت قريش مغبة نقضها للعهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأرسلت إليه أبا سفيان يجدد العهد ويطلب مدَّ أَمَدِ الصلح، وتشير بعض الروايات إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بني بكر أو القتال، فاختارت القتال، ثم ندمت وأرسلت أبا سفيان، وهذا يؤكد عجز قريش وصدق عدم قدرتها على غزو المدينة بعد عام الأحزاب، كما قدر النبي صلى الله عليه وسلم. [د. عبد الشافي، مرجع سابق].

وفور وصول أبي سفيان إلى المدينة توجه إلى ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فرفضت أن يجلس على فراش المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، فخرج من عندها مغضبًا ثم تكلم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العهد وإطالة المدة، فلم يخرج منه بشيء فتوجه إلى أبي بكر – رضي الله عنه – ثم إلى عمر ثم إلى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –.

وكانت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الإمام علي والحسن بن علي غلام يدب بين يديه، وحاول أن ينال شفاعة هؤلاء عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يَظْفَر من ذلك بشيء، فقط نَصَحَه عليٌّ – رضي الله عنه – أن يجير بين الناس ويرجع إلى أرضه، فقال: ترى ذلك مُغنِيًا عني شيئًا؟ قال ما أظنه ولكن لا أجد لك سواه، فقام أبو سفيان في المسجد فنادى بين الناس: ألا إني قد أجرت بين الناس، ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشًا، فسألوه: هل أقر محمد ما فعلت؟ فقال: لا، فقالوا: ما جئت بشيء؛ ما زاد ابن أبي طالب على أن لَعِبَ بك [المطالب العالية لابن حجر ٤/٢٤٣].

تجهز النبي صلى الله عليه وسلم للخروج

لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخذ في التجهز للخروج إلى مكة، وأعلن للناس رغبته في ذلك دون أن يظهر مقصده إلا لبعض خاصته، وكان الغرض مباغتة قريش في عقر دارها قبل أن تأخذ أهبتها حرصًا منه على عدم إراقة الدماء في البلد الحرام.

ولما تجهز الناس وتهيؤوا للمسير أخبرهم صلى الله عليه وسلم قائلًا: «اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَبْصَارَ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا، اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَبْصَارَ، فَلا يَرَوْنِي إِلا بَغْتَةً» [البداية والنهاية لابن كثير ٢٨٣/٤]، وهذا مهم لأن المفاجأة في الحرب من أهم عناصر تحقيق النصر.

كتاب حاطب ابن أبي بلتعة إلى قريش

وكان هذا الرجل – حاطب بن أبي بلتعة – موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أرسله سفيرًا إلى المقوقس في مصر يدعوه للإسلام، ومع ذلك فقد كتب خطابًا لقريش يخبرها فيه بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه لمولاة عجوز تسمى "سارة" لتُبَلِّغُه قريشًا مقابل مبلغ من المال، فجعلته في عقاص شعرها؛ يعني بين طيات شعرها.

لكن الوحي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا والزبير والمقداد، فأمسكوا بالمرأة على بعد اثنى عشر ميلًا من المدينة، ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئًا، فهددوها قائلين: مَا كُذِبَ عَلَىَ رَسُولِ اللَّهِ، ولم يُجْدِها إنكارها شيئًا، فطلبت الابتعاد عنها ثم أخرجت الخطاب من بين طيات شعرها وحملوه إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وكان نصه كما جاء في صحيح البخاري: "يا معشر قريش فإن رسول الله جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل، فو الله لو جاءكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز وعده فانظروا لأنفسكم والسلام". [السهيلي: الروض الأنف].

ولما استفسر منه الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح بأنه كان حليفًا في قريش ولم يكن من أنفسها بخلاف المهاجرين الذين كانت لهم قرابات في مكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.

فقال عمر – رضي الله عنه –: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ.. إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».

وإلى هذا جاءت الإشارة في قول الله عز وجل في مطلع سورة الممتحنة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [الممتحنة: ١]، وهكذا يلتمس الرسول العظيم العُذْرَ لمن استزله الشيطان في غفوة من صدق الإيمان ووازع الضمير.

وفي هذه الحادثة معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها حكم الجاسوس وجواز هتك سره.

مسير النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة

بدأ صلوات ربي وسلامه عليه الخروج في العاشر من رمضان السنة الثامنة للهجرة، فصام وصام الناس معه حتى إذا كان "بالكديد" بين مكة والمدينة أفطر إلى أن قدم مكة، وخرج معه المهاجرون والأنصار جميعًا لم يتخلف منهم أحد، كما انضم إليهم في الطريق آلاف من القبائل العربية.

ولما وصل (ممر الظهران)، وهو وادٍ قريب من مكة، أصبح تعداد الجيش عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا كلهم من صادقي الإيمان والعقيدة.

وقد استخلف -صلى الله عليه وسلم- على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين، وفي رواية استخلف عبد الله بن أم مكتوم [صحيح البخاري، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ص٣ -٢٢].

وقد وصل الجيش إلى ممر الظهران دون أن تعلم قريش بتحركه.

إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم

كان العباس بن عبد المطلب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرًا إلى الله، فَلَقِيَ النبي فأسلم قُرْبَ رابغ وسُرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أيما سرور بإسلامه، كما أسلم بعض أقرباء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين رَقَّ لهم، وقَبِل إسلامَهم، منهم أبو سفيان بن الحارث، أخو النبي من الرضاعة، وكان شديد الأذى للرسول في مكة، ولكن حَسُنَ إسلامه وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين.

يَروي ابن إسحاق قال: لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بين مكة والمدينة والتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهتك عِرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال وكان قد قال: "والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلمًا إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله قد أرسلك".

فلما خرج الخبر إليهما بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مع أبي سفيان بُنَيّ له، فقال: ليأذن لي أو لأخذن بيدي بُنَيّ هذا لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان بن الحارث شعرًا يتحدث فيه عن إسلامه، ويعتذر مما كان مضى معه [صفوة ابن كثير ج٣، ص ٢٣٥].

 لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ

لَكَ الْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ … فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي

وقد أراد العباس بن عبد المطلب أن يُخْرِج أهل مكة فيستأمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهلكوا، وبينما قريش في حيرة من أمرها لا تدري ماذا تفعل، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يستطلعون الأمر: الأولان لقريش، والأخير للتعمية على قريش.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه أن يوقدوا نارًا ففعلوا، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت كالليلة نارًا ولا عسكرًا، ودخل في حوار مع بديل الذي حاول إخفاء الأمر قائلًا: إن هذه النيران نيران خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران.

ودخل عليهما العباس فقال: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجيش، فقال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ فقال: العباس: اركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، وركبا، ولقيهما عمر بن الخطاب وأراد قتل أبي سفيان قائلًا: عدو الله قد أمكن الله منك بلا عقد ولا عهد.

واستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في قتله، لكن العباس كان قد سبق قبله على بغلته وقال: أنا أَجَرْته، وبعد نقاش بينهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «اذهب به يا عباس إلى رحلك – أي خيمتك – فإذا أصبحت فأتني به»، أما حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فقد أسلما.

ورأى أبو سفيان تسابق المسلمين في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم يبتدرون وضوءه فقال: يا عباسُ ما رأيتُ كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر.

وفي الصباح غدا العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يَأْنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟»، فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي! ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره، لقد أغنى عني شيئًا بعد.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألم يَأْنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال أبو سفيان: أمَّا هذه ففي النفس منها حتى الآن شيء، فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. فشهد شهادة الحق وأسلم.

فقال العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا الشيء مما يتعلق بحقن الدماء ونشر الأمان حتى يأمن عدد كبير من الناس، فقال صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ - أي الكعبة - فَهُوَ آمِنٌ».

ومهما يكن من أمر فقد رأى الرسول بحكمته أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، فيكون ذلك نذيرًا لقريش حتى تجنح إلى السلام إبقاءً على نفسها.

فقال العباس: هؤلاء الأنصار عليهم سعد ابن عبادة مع الراية، وقد قال سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الكعبة، فاشتكى أبو سفيان للنبي -صلى الله عليه وسلم- من قول سعد، فقال أبو سفيان وقد خشي على قريش من الاستئصال: حبذا يوم الذِّمَار؛ أي يوم الحرمة ورعاية العهد.

الكتيبة الخضراء

ثم مَرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتيبته الخضراء على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير يحيط به المهاجرون لا يرى منهم إلا الحَدَق من الحديد أي عُدَّة الحروب، يحمل الراية الزبير بن العوام، قال أبو سفيان: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله في المهاجرين، فقال أبو سفيان: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، والله يا أبَا الفضل- كنية العباس- لقد أصبح مُلك ابنِ أخيك من الغداة عظيمًا، فقال العباس: إنها النبوة، قال: نعم إذًا.

وبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقالة سعد بن عبادة، فقال: كذب - أي أخطأ - سعد، ولكن هذا اليوم يُعَظِّمُ الله فيه الكعبة وتُكسى فيه الكعبةُ – حسبما جاء في صحيح البخاري –، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تُؤخذ الراية من سعد وتُعطى لابنه قيس أي أنه لم يُغْضِبْ سعدًا وأعطى الراية لابنه، ولم يُبقها مع سعد لأنه لا يريد أن يُغضب أبا سفيان وصحبه، ولأنه ربما طغى سيف سعد فأسرف في القتل، وفي رواية موسى بن عقبة عن الزهري أنه أعطاها للزبير بن العوام.

بعد ذلك رجع أبو سفيان حتى وصل إلى مكة فنادى بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن؛ فقالوا: وما تغني دارك؟ فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

ولما صرخ أبو سفيان في قريش يحذرهم، قامت عليه هند بنت عتبة زوجته فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحَمِيت الدَّسِم الأحْمَسَ، قبح من طليعة قوم [الحميت: الزق أو وعاء السمن، والدسم: السمين، والأحمس: كثير اللحم]، فقال: أبو سفيان: ويحكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن... فتفرق الناس هنا وهناك ولم يَبْقَ إلا مَن صَمَّمَ على القتال.

لحظة دخول مكة

سار الجيش الأنصاري حتى وصل ذا طوى، ورأى الرسول بحكمته أن يُفَرِّقَ قواته وأوصاهم أن يكفوا أيديهم وألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من كدي وأمر الزبير بن العوام أن يدخل من شمالها كما أمر قيس بن سعد أن يدخل من جانبها الغربي.

ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أعلاها من كداء؛ بين يديه أبو عبيدة بن الجراح في إحدى فرق الجيش، دخلها وهو يطأطئ رأسه حتى إنَّ شَعْرَ لحيته ليمس واسطة رحله تواضعًا لله وشكرًا ومعظمًا لله الذي أكرمه بهذا الفتح المبين.

وكان يركب وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- مُرْدِفًا له أسامة بن زيد، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم "الحُجُون" -مكان في أعلى مكة - أمر أن تركز رايته هناك، وأن تُضرب له قُبَّةٌ حيث استراح بها ومعه زوجتاه ميمونة وأم سلمة، ولم يذهب صلى الله عليه وسلم إلى بيته بمكة.

وقد قال له أسامة بن زيد: أين تنزل غدًا يا رسول الله فقال: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟»، وفي رواية: «مَنْزِلُنَا غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ»، وفيه إشارة إلى تحالف قريش ضد بني هاشم حين حاصروهم في الشعب وأقسموا ألا يناكحوهم ولا يؤووهم، واختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا المكان شكرًا لله عزوجل على ما أنعم من العفو ومبالغة في العفو عمن أساءوا.

وقد دخلت الجيوش مكة، ولم تَلْقَ مقاومةً تُذكر إلا جيش خالد بن الوليد فقط، وكان في أسفل مكة؛ حيث أشد قريش عداوة للرسول صلى الله عليه وسلم ومن اشتركوا مع بني بكر في نقض صلح الحديبية، هؤلاء أعدوا عُدَّتَهم للقتال، ولم يُبالوا بما مُنِحوا من أمان، فلما دخل جيش خالد أمطروه بنبالهم، ولكن خالدًا تمكن من تفريقهم، ولم يُقتل من رجاله إلا اثنان ضلَّا طريقَهما، وقُتِل من القُرشيين ثلاثة عشر رجلًا، أو أربعة وعشرون، وولَّى الباقون الأدبار هاربين [سيرة ابن هشام ٢/٤٠٧].

ولما قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: هذا خالد يقتل، قال -صلى الله عليه وسلم: «قُمْ يَا فَلان فأتِ خالدًا فقل له يَرْفَعْ يَدَيْهِ عَنْ القَتْلِ».

روى الطبراني بسنده عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السنوات والأرض، وما صاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد قبلي، وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان».

وكان هذا الفتح المبين في صبيحة العشرين من رمضان سنة ثمانٍ أو صبيحة التاسع عشر كما جاء في كتب المغازي.

ومما يُذكر في هذه المناسبة أن أم هانئ بنت أبي طالب أجارت رجلين من أحمائها أي من أقارب زوجها، كان علي بن أبي طالب قد أراد قتلهما لكفرهما، وقد قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «قَد أجَرنَا مَن أجَرتِ يا أمَّ هَانِئ»، كما جاء عند البخاري ومسلم، وهذا يعني أن أمان المرأة جائز.

إلى الكعبة المشرفة

ثم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، فطاف بها سبعًا يستلم الركن بمِحْجَن في يده كراهة أن يتزاحم الناس وتعليمًا لأمته.

وكان بالكعبة (٣٦٠) صنمًا مشدودة إليها برصاص، فصار النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بعود في يده وهو يقول: {‌جَآءَ ‌ٱلۡحَقُّ ‌وَزَهَقَ ‌ٱلۡبَٰطِلُۚ ‌إِنَّ ‌ٱلۡبَٰطِلَ ‌كَانَ ‌زَهُوقًا}، {جَآءَ ‌ٱلۡحَقُّ ‌وَمَا ‌يُبۡدِئُ ‌ٱلۡبَٰطِلُ ‌وَمَا ‌يُعِيدُ}، فجعلت الأصنام تتهاوى إلى غير رجعة، وقد توجه صلى الله عليه وسلم إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين.

وهكذا عادت الكعبة كما كانت في عهد إبراهيم رمزًا للتوحيد وعبادة الله الواحد القهار.

دعا النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، فجاءه بعد أن حاولت أمه منعه، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح ودخل الكعبة وكبر في جوانبها وصلى فيها ركعتين وعلى جدرانها صورة الملائكة وصورة إبراهيم وإسماعيل بيدهما الأزلام يستقسمان بها، فقال: «قَاتَلَهُم الله، لَقد عَلِمُوا ما اسْتقسَمُوا بها قط»، وأمر بالصُّور فأُزِيلت.

وقد جاء في بعض الروايات أن صورة مريم كانت داخل الكعبة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بكل الصور فأُزيلت وبالأصنام فأُخرجت. [صحيح البخاري (٤٢٨٨)].

ولم يدخل إلا بعد أن مُحِيَت جميعُ الصور من الكعبة، وأمر النبي أصحابه فذهبوا لإزالة مراكز الوثنية التي جاء ذكرها في قول الله عز وجل: {أَفَرَءَيۡتُمُ ‌ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ * وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ} [النجم: ١٩-٢٠].

بعد تطهير الكعبة من الأصنام، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا فأذَّن فوقها لصلاة الظهر مما أغاظ من لم يتخلوا عن عنجهية الجاهلية، ومنذئِذ وإلى يوم الدين يتردد الأذان خمس مرات يوميًا، داعيًا الناس إلى الصلاة وإلى الفلاح.

اليوم يوم بر ووفاء

ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وبيده مفتاح الكعبة، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل لنا الحجابة مع السقاية.

فقال صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة؟» فجاء إليه فقال له: «هَذَا مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْم يَوْم بر ووفاء خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم» - حسبما جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري- وما يزال مفتاح الكعبة إلى اليوم في نسل شيبة ابن عم عثمان بن طلحة، وإلى هذه الحادثة جاءت الإشارة في قول الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} [النساء: ٥٨].

خطبة يوم الفتح

وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة، وقد تكاثر الناس في المسجد مشدودةً إليه أبصارُهم صلى الله عليه وسلم، فقام خطيبًا، وكان مما قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ أّو دَمٍ أَوْ مالٍ يُدْعَى فَهُوَ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ فإنهما أُمْضِيِتَا لأهلهما على ما كانت، ألاَ وَإِنَّ قَتِيل الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِل، فَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نِخْوَةَ الْجَاهِلَيَّةِ وَتَعْظُّمَهَا بِالآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ تَلا قول الله عزوجل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحجرات: ١٣]».

ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم»؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وفي هذا الموقف جاءه رجل يخشاه ويرتعد، فابتسم صلى الله عليه وسلم وقال: «إِنَّمَا أنَا ابنُ امرَأة مِن قُرَيش كَانت تَأكُل القَدِيدَ في مَكة».

وموقفه من القرشيين يمثل قمة النُّبل، لقد عذَّبَه هؤلاء هو وأصحابه وهموا بقتله وأخرجوه وأتباعه من ديارهم واستولوا على أموالهم وممتلكاتهم، واستمروا في محاربته والكيد له حتى الجرة، ومع ذلك أبى صلوات ربي وسلامه عليه إلا الصفح والعفو، وتلك سمة النفوس العظيمة التي تسمو على الانتقام، ولا غرابة في ذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الرحمة نفسها، لقد ضرب النبي بعفوه عن أهل مكة للدنيا ولكل الأجيال، مثلًا في البر والوفاء وسمو النفس لم ولن تعرفه الدنيا كلها، وفي هذا نزلت الآية الكريمة:{وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰـٰبِرِينَ} [النحل: ١٢٦]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نصبر ولا نعاقب» [رواه أحمد]، وبقي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة يُصلي ركعتين - يعني يصلي قصرًا - ثم خرج إلى حُنَيْن.

إسلام أبي قحافة

بعد الفتح جاء أبو بكر الصديق بأبيه يقوده وقد كُفَّ بصره، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه»؟ فقال الصديق – رضي الله عنه: "هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره وقال: «أسلم»، فأسلم، وهنَّأ الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإسلام أبيه.

كذلك أسلم الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد بعدما أعلمهما صلى الله عليه وسلم بما يتناجيان به، وكما أسلم فضالة بن عمر الذي حدثته نفسه بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة، لكنه صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فسكن قلبه، وكان يقول: "والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبَّ إلىَّ منه". أيضًا أسلم كعب بن زهير وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته التي مطلعها: "بانت سعاد"، ومنها

 إنَّ الرَّسُولَ لنورٌ يُستَضاءُ بهِ *** مُهنّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ

ولما قال هذا البيت خلع النبي صلى الله عليه وسلم بردته عليه، فسميت القصيدة قصيدة البردة، كذلك أسلمت هند زوج أبي سفيان.

إهدار النبي صلى الله عليه وسلم بعض الدماء

لقد رأينا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على عدم إراقة الدماء، وأوصى أمراء الجيش ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وعفا عن أهل مكة بصورة شاملة، لم يستثن إلا بضعة عشر رجلًا أمر بقتلهم وإن وُجِدُوا مُتَعَلِّقِين بأستار الكعبة، لأنهم عظُمت جرائمُهم في حق الله ورسوله ودينه، وقد يُخشى منهم إثارة الفتنة بعد الفتح، وقد ذكر الحافظ بن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري أنه جمع أسماءهم من متفرقات الأخبار، ومن هؤلاء من قُتِل، ومنهم من جاء مسلمًا فعفا عنه الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، من هؤلاء عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل، وسارَّة التي حملت خطاب حاطب في بعض الروايات.

خطبة النبي صلى الله عليه وسلم غداة الفتح

بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم غداة الفتح أنَّ حُلفاءه من خزاعة قَتلوا رجلًا مشركًا من هذيل بِرَجُلٍ قُتِل منهم في الجاهلية، فغضب، وخطب في الناس قائلًا: «يَا أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بحرمة الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَلَا يَحِلّ لامرئ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ – أي يقطع – فِيهَا شَجَرًا، ‌لَمْ ‌تَحِلّ ‌لِأَحَدِ ‌كَانَ ‌قَبْلِي، وَلَا تَحِلّ لِأَحَدِ يكون بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلّ لِي إلّا هذه الساعة غضبًا على أهلها، ثُمّ قد رَجَعْت كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلّغْ الشَاهِدُ الغَائِبَ، فَمَنْ قَالَ لَكُم: إنَّ رَسُولً اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَاتَلَ فِيهَا فَقُولُوا: إنّ اللهَ عزوجل قَدْ أَحَلّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلّهَا لَكُمْ! يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ، فَلقَدْ كَثُرَ إنْ نَفَعَ، لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّه! وَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخِيرِ، إنْ شَاءُوا قُدِّمَ قَاتله، وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُهُ – أي ديتُه – »، ثم وَدَى صلى الله عليه وسلم الرجل الذي قتلته خزاعة [سيرة ابن هشام ٢/٢ ٥٦،] .

وقد خشي الأنصار أن يعود محمد صلى الله عليه وسلم لمكة بلده ولكنه طمأنهم قائلًا: «الْمَحْيَا ‌مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ».

وكان من ثمار العفو الشامل الذي منحه الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة، أن دخل أهل مكة في دين الله أفواجًا رجالًا ونساءً وأحرارًا وموالي عن رضًا واختيار، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا يأخذ بيعة الرجال وكلف عمر - رضي الله عنه - أن يأخذ بيعة النساء وصدق الله العظيم القائل: {إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ *وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا* فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا} [النصر: ١-٣].

فالفتح في هذه السورة فتح مكة، ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم: «نُعِيَتْ إلَيَّ نَفسِي» أي أنه فهم منها قرب انتهاء أجله.

وقد علق ابن إسحاق على حادثة الفتح فكان مما قال: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشًا كانوا إمام الناس وهاديهم، وصريح ولد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش.. دخل الناس في دين الله أفواجًا يضربون إليه من كل وجه [فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ج٨، ص٩- ١٠].

هل كان فتح مكة صلحًا أم عنوة؟

أخيرًا يواجهنا سؤال، هل كان فتح مكة عنوة، أي قهرًا، أم صلحًا؟

يرى جمهور العلماء أنها فتحت عنوة، بينما الشافعي ورواية عن أحمد أنها فتحت صُلحًا، ولكل أدلته، ويرى الماوردي والإمام الحاكم في الإكليل أن بعضها فتح عنوة بسبب ما وقع من قتال بين بعض القرشيين وبين خالد بن الوليد وجيشه انهزم فيه أعداء الإسلام، وبعضها فتح صلحًا.

والصواب أن فتحها كان عنوة وبقوة السلاح، ولو أمكن أعداء الإسلام مقاتلة الجيش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلوا، ولكن النبي صلوات الله وسلامه عليه تأليفًا لقلوب من لم يدخل منهم في الإسلام يوم الفتح عاملهم معاملة من فتحت بلادهم صلحًا وبأمان.د [السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة للشيخ محمد محمد أبي شهبة ج٢، ص٤٩٥- ٤٦٣].


مصادر ومراجع للاستزادة::

  • السيرة النبوية لابن إسحاق.
  • السيرة النبوية لابن هشام رواية ابن إسحاق.
  • السيرة النبوية لابن كثير الإمام أبي الفدا عماد الدين إسماعيل.
  • السيرة النبوية من الطبقات الكبرى لابن سعد.
  • الدرر في اختصار المغازي والسير-الحافظ يوسف بن عبد البر النمري.
  • عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير: ابن سيد الناس.
  • جوامع السيرة للحافظ أبي محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم.
  • سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن خلدون.
  • صحيح البخاري الجزء السابع من طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني، ج٧، دار التقوى بالقاهرة ٠٠٠ ٢م.
  • صحيح مسلم بشرح النووي.
  • السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، محمد بن محمد أبو شهبة.
  • تاريخ الإسلام في عصر النبوة والخلافة الراشدة، عبد الشافي محمد عبد اللطيف، القاهرة ٩٦٦ ١م.
  • محمد صلى الله عليه وسلم بين الحرب والسلام، عبد العزيز عبد القادر غنيم، جزءان، لجنة السيرة في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٩٨٩م.
  • السراج المنير من سيرة سيد المرسلين، محمد محمد زيتون، القاهرة ١٩٩٤م.

الخلاصة

وهكذا بدا لنا أن فتح مكة علامةٌ فارقةٌ في تاريخ البشرية، ليس فقط للمسلمين، بل للإنسانية جمعاء، فقد جسّد هذا الحدثُ العظيمُ أسمى معاني القيادة الحكيمة، والرحمة التي غلبت القوة، لقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، لا خوفًا ولا قهرًا، بل اقتناعًا بسماحة هذا الدين وعظمة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وإزالة الأصنام من الكعبة وتطهير بيت الله الحرام منها كان إقرارًا خالصًا لوحدانية الله، وتحريرًا للعقول والقلوب من أغلال الشرك.

موضوعات ذات صلة

إنَّ فتحَ مكةَ (في العشرين من رمضان سنة ٨هـ) هو في الميزانِ العُمري والتحليلي تتويجٌ لسنواتِ الصبرِ واليقين.

يعدُّ فتح مكة في رمضان المبارك (سنة ٨ هـ) الفتح الأعظم في تاريخ الإسلام.

تقع بدر بين مكة والمدينة، وهي موقع غزوة بدر الكبرى، والتي وقعت في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة.

موضوعات مختارة