Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فتح مكة في رمضان دروس في العفو والنصر والتمكين

الكاتب

هيئة التحرير

فتح مكة في رمضان دروس في العفو والنصر والتمكين

يعدُّ فتح مكة في رمضان المبارك (سنة ٨ هـ) الفتح الأعظم في تاريخ الإسلام؛ حيث تجلت فيه أسمى قيم العفو عند المقدرة، وتحول فيه النصر العسكري إلى تمكينٍ أخلاقيٍ رسّخ قيم التواضع والعبودية لله.

أسباب الفتح واستراتيجية حفظ العهود ونصرة المظلوم

جاء فتح مكة تحقيقًا للبشارة الإلهية التي جاءت في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا * لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا * وَیَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِیزًا﴾ [الفتح: ١-٣].

وفي السنة الثامنة نقضت قريش وحلفاؤها عهدهم مع رسول الله ﷺ، فتجرأت بنو بكر على النيل من خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ وكان بينهما ثارات ودماء ترجع إلى زمن الجاهلية، فبيَّت بنو بكر خزاعةَ وهم على ماء يسمى "الوَتِير" وأصابوا وقتلوا فيهم نحو عشرين وأعانتهم قريش بالسلاح والمال سرًّا، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد، وما زالوا يقاتلونهم حتى ألجأوهم إلى الحرم، فاحتموا بدار بديل بن ورقاء ومولى لهم اسمه أبو رافع، فركب عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من قومه إلى رسول الله بالمدينة وأخبره بغدر قريش وما فعله بنو بكر، وأنشده في ذلك شعرًا، فقال رسول الله ﷺ: «نُصِرْتَ يا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ، لا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ مِمَّا أَنْصَرُ مِنْهُ نَفْسِي»، وكذلك توجه بُديل بن ورقاء في نفر من خزاعة إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما جرى ثم عادوا إلى مكة وفي طريق العودة لقيهم أبو سفيان بن حرب فقال لبديل: لعلك ذهبت إلى محمد مستنصرًا، فأنكر بُديل، لكن أبا سفيان تأكد من ذلك عندما رأى في بَعر مَبْرَكِ ناقةِ بُديلٍ نَوى يثرب [سيرة ابن هشام (٣/ ٣٩٥)، الطبقات الكبرى (٢/‏١٣٤) لابن سعد، السيرة الحلبية (٣/‏١٠٣)، تاريخ الإسلام في عهد النبوة والخلافة الراشدة أ. د عبد الشافي محمد عبد اللطيف، ص ٣٢٨].

ونصرة النبي ﷺ لخزاعة تؤسِّسُ لـ(هيبةِ الدولة) التي تحمي حلفاءها، ولا تقبلُ بالضيم، فالرحمةُ لا تعني الضعف، بل تعني القوةَ في موضعِ الحق.

دخول الفاتح المتواضع وحالة الشهود مع الله

يصف لنا سيدنا عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه كيف كان دخول النبي ﷺ مكة فيقول: "رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته، وهو يقرأ سورة الفتح يرجع، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع" [البخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤)]، والترجيع كيفية معينة في القراءة يترنم بها القارئ، وهذا يدل على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان مستغرقًا في حالة شهود مع الله تعالى أثناء دخوله مكة، فما كانت لنشوة الظفر والنصر العظيم إلى نفسه من سبيل، ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره، إنما هو الانسجام التام مع شهود الله تعالى والشكر على نصره وتأييده.

ويزيد في تصوير هذا المعنى ما رواه ابن إسحاق عن يحيى بن عباد قال: "أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف بذي طوى، وهو معتجر ببرد حبرة، فلما اجتمعت عليه خيوله، ورأى ما أكرمه الله به تواضع لله حتى إن عُثْنُونَه [طرف لحيته الشريفة] لتمسُّ واسطةَ رحله"، وهذا يعني أنه ﷺ كان في حالة من العبودية التامة لله تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه، ونظر إلى نتيجة كل ما قد كان لقيه من عنت قومه، وكيف أن الله أعاده إلى البلدة التي أخرجته عزيزًا منصورًا مكرمًا! إنها الساعة التي ينبغي أن تمتلئ بشكر الله تعالى وحده، وينبغي أن يفيض الزمن كله فيها بمعنى العبودية التامة لله تعالى.

وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائمًا، عبودية مطلقة لله في السراء والضراء، في الرخاء والشدة، عند الضعف والقوة، وليس من شأن المسلمين إطلاقًا أن يتظاهروا بالذل لله تعالى كلما حاقت بهم مصيبة أو كرب، حتى إذا انكشف الكرب وزال الضر، أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شيء، ومرّوا من جنب أوامر الله تعالى وأحكامه ساهين لاهين، كأن لم يدعوه ويتذللوا له في كشف ضر مسَّهم.

تكسير الأصنام وإعلان الحق

إنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، وهو يقول: ﴿جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ [الإسراء: ٨١]، وقوله: ﴿جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، وقد روى ابن إسحاق وغيره: أن كل صنم منها كان مرصصًا من أسفله حتى يثبت قائما على الأرض، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذًا! ولماذا لا تنقلب لإشارته ﷺ ولا تتكسر، وقد قلب الله له جبروت قريش خضوعًا وذلًّا، وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذي جاء به وتذعن للحق الذي جاء به؟! [فقه السيرة النبوية ١/‏٢٨٢ - محمد سعيد البوطي].

ثم دعا النبي ﷺ عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وأعطاه المفتاح قائلًا: «هَذَا مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْم يَوْم بر ووفاء خذوها خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم»، محققًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨] [المعجم الكبير (ج ١١ رقم ١١٢٣٤)].

إعلان الصفح النبوي «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»

والآن.. ها هي مكة: البلدة التي هاجر منها قبل ثمان سنوات، خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه، وهاهم أولاء، الذين طالما ناصبوه العداء وساموه أصناف الأذية والعذاب، مجتمعون حوله في خشوع وترقب وإطراق، فما الذي سيقوله نبي الرحمة لهم اليوم؟

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَأِ، قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا: فِيهِ مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَدَمٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةِ الْبَيْتِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ، أَلَا إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُهُمَا لِأَهْلِهِمَا كَمَا كَانَا» [ابن ماجه ٢٦٢٨].

ثم قال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «أَقُولُ لَكُمْ مَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [البيهقي في الكبرى (١٨٣٤٣)، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/‏٢٢٨].

وموقفه من القرشيين يمثل قمة النُّبل، فلقد آذوه وأصحابه وهموا بقتله، وأخرجوه وأتباعه من ديارهم، واستولوا على أموالهم وممتلكاتهم، واستمروا في محاربته والكيد له، ومع ذلك أبى صلوات ربي وسلامه عليه إلا الصفح والعفو، وتلك سمة النفوس العظيمة التي تسمو على الانتقام، ولا غرابة في ذلك؛ فالنبي ﷺ هو الرحمة نفسها، ولقد ضرب رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بعفوه عن أهل مكة للدنيا ولكل الأجيال مثلًا في البر والوفاء وسمو النفس لم ولن تعرفه الدنيا كلها، وفي هذا نزلت الآية الكريمة: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَیۡرࣱ لِّلصَّٰبِرِینَ﴾ [النحل: ١٢٦]، فقال النبي ﷺ: «نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ» [أحمد في مسنده (٢١٦٢٠)].

لقد طويت منذ هذه اللحظة جاهلية قريش، فلتُطوَ معها سائر عاداتها وتقاليدها، ولتدفن في غياهب الماضي الذي أدبر، ولتغتسل قريش من بقية أدرانها لتنضم إلى القافلة وتسير مع الركب، فإن الموعد عما قليل هناك، عند إيوان كسرى، وداخل بلاد الروم، وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة.

وهكذا دفنت فعلًا في تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام، وبايعت قريش رسول الله ﷺ على الإسلام، على أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلّة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه، وبناء على ذلك ملَّكهم الله زمام العالم وأخضع لهم الدنيا.

دخول الناس في دين الله أفواجًا

كان من ثمار هذا الموقف أن دخل أهل مكة في دين الله أفواجًا، وجاء سيدنا أبو بكر بأبيه (أبي قحافة) وهو مكفوف البصر، فقال سيدنا ﷺ تواضعًا: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ؟» [صحيح ابن حبان (٣٥٤٢)]، كذلك أسلم سيدنا كعب بن زهير، وأنشد قصيدته "بانت سعاد"، فخلع النبي ﷺ بردته عليه [تاريخ ابن الوردي ١/‏١٢٧)].

وإنَّ الفتح الذي خلدت ذكره سورة النصر وجعلته قرين التسبّيح والاستغفار، هو ذاته فتح مكة الذي فتحت بعده أبواب القلوب للإيمان، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاۤءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ * وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا * فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر: ١-٣]. وبذلك يظل فتح مكة درسًا خالدًا في أن النصر الحقيقي هو الذي يعقبه الصفح، والتمكين الصادق هو الذي يورث تواضعًا لله، فالنبي ﷺ لم يهدم الأسوار بالمنجنيق، بل هدم أصنام الحقد في القلوب بالرحمة، محققًا العبودية المطلقة لله في أزهى لحظات القوة.

الخلاصة

يمثل فتح مكة المحطة الأسمى في السيرة النبوية التي حولت مجرى التاريخ؛ حيث تجلى فيها فقه الرحمة النبوية الذي قدَّم الصفح على الانتقام، والتمكين الأخلاقي على العلو المادي، فاتحًا القلوب قبل الحصون.

موضوعات ذات صلة

إنَّ فتحَ مكةَ (في العشرين من رمضان سنة ٨هـ) تتويجٌ لسنواتِ الصبرِ واليقين، وتطبيقٌ عمليٌّ لـ(فقهِ الرحمةِ العامة) و(إحياءِ النفوس).

تبرز عظمة فتح مكة كواحد من أروع أحداث السيرة المطهرة، فلم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان فتحًا للقلوب المغلقة.

هو اتفاقٌ جرى بين النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- وقريش في السنة السادسة للهجرة.

موضوعات مختارة